من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الحماسة ومعنى الحماسة الشدة والشجاعة (٢)
وإني لا أزال أخا حروب إذا لم أجن كنت مجن جان
المعنى: يقول: مازلت محاربًا وإن لم تكن لي جناية، فإني كنت أدفع عن قومي الجناة وأحارب دونهم.
وقال بعض بني تيم الله بن ثعلبة يوم أوارة، وهو عليم بن سنان بن عدي ابن الحارثة، جاهلي:
(من الضرب الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد شهدت الخيل يوم طرادها فطعنت تحت كنانة المتمطر
المتمطر: اسم رجل ها هنا، وهو في اللغة المتسرع. المعني: يصف حضوره الخيل عند المطاردة المتمطر في جنبه.
ولقد رأيت الخيل شلن [عليكم] شول المخاض أبت على المتغير
أي أشرعت فرسانها الرماح نحوكم، كما تشول الإبل الحوامل، فجعل رماح الخيل كأذناب الإبل، وقيل: أنه أراد أذناب الخيل أي شالت أذنابها من شدة العدو في طلبكم حين انهزمتهم، والأول أجود. المعنى: يصف رؤيته الخيل وقد رفعت فرسانها الرماح على من يخاطبهم.
ونُطاعن الفرسان عن أبنائنا وعلى بصائرنا وإن لم نبصر
يقول: نطاعن الأبطال على استبصارنا بأمر الحرب وإن لم نبصر في الدين أو نقاتل حمية عن أحسابنا، وإن لم يكن ذلك جائزًا في الدين. وقيل: معناه نطاعن
الأبطال عن دمائنا التي نطلب بثأرها. وقيل: معناه نحارب على بصيرة وغير بصيرة، ولا ننكر على شيء.
وقال قطري بن الجفاءة المازني، ويروي للعباس بن مرداس، إسلامي:
(من الضرب الثاني من العروض الأولى من الكامل والقافية من المتواتر)
لا يركنن أحد إلى الإحجام يوم الوغي متخوفًا لحمام
فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني مرة وأمامي
حتى خضبت بما تحدر من دمي أكناف سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب جذع البصيرة قارح الأقدام
الدريئة: حلقة يعلم عليها الطعن كالهدف للسهم لأنه يدرأ فيها أي يدفع ويطعن، والأكناف: النواحي واحدها كنف، وقيل: أنه لم يرد بقوله: دمي دم نفسه، وإنما أراد دم من قتله فأضافه إلى نفسه لأنه أراقه، ألا ترى أنه يقول: وقد أصبتي ولم أصب، وليس كذلك بل أراد دم نفسه، ومعنى اصبت: قتلت فليس فيه مضادة. المعنى: يشجع الناس على الحرب، وينهاهم عن الجبن ويعرفهم حاله يقول: لا يعدلن أحد يوم الحرب إلى التأخر عنها خوفًا من الموت، فلقد حصلت بين الرماح حتى كأني دريئة لها، وخضبت من دمي مرة نواحي سرجى ومرة عنان لجامي، ثم انصرفت غير متفكر متناهي الإقدام، وقد قتلت من أعدائي ولم يقتلوني.
وقال الحريش بن هلال القريعي وتروى للعباس بن مرادس، والحريش من الحرش وهو الأثر، والعباس من العبوس، والمرادس كأنه شديد صلب يكسر به الشيء من الردس.
(من الضرب الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
شهدن مع النبي مُسومات حنينًا وهي دامية الحوامي
ووقعة خالد شهدت وحكت سنابكها على البلد الحرام
الحوامي: جمع الحامية وهي جانب السنبك، ووقعة خالد يعني فتح مكة، أمره رسول الله ﷺ على الف رجل، وجعله على مقدمة العسكر وسماه سيف الله، وقوله: حكت سنابكها على البلد الحرام أي وطئت أرض مكة. المعنى: يصف شجاعته وحضوره حرب حنين وفتح مكة. يقول: شهدت الخيل وعليها علامات ليعلم أنها خيل الأبطال، وقد تعبت ودميت حوافرها، وشهدت فتح مكة مع خالد.
نعرض للسيوف بكل ثغر خدودًا ما تعرض للطام
ويروي "للسيوف إذا التقينا" المعنى: فيه قولان أحدهما نعرض خدودًا للسيوف ولا يعرضها غيرنا للطام أي نضرب بالسيوف وجوهًا لم تضرب باليد يعني وجوه الأعداء، والآخر يعني خدود أنفسهم أي لسنا بسفهاء نلطم خدودنا، ولكننا أبطال نجعل خدودنا عرضة للطعن والضرب.
ولست بخالع عني ثيابي إذا هر الكماة ولا أرامي
ولكني يجول المهر تحتي إلى الغارات بالعضب الحسام
هر الكماة: كرهوا الحرب إذا اشتدت عليهم، ويروي "هز" بالزاي [يعني هزوا سلاحهم عند خلعها]. المعنى: لست بجبان فشل أرمى ثيابي أي سلاحي، ولا أرمي بها هربًا فعل المنهزم، ولكني أثبت في الحرب، ويجول المهر تحتي وأسير إلى الغارات بالسيف القاطع.
وقال ابن زيابة التيمي، جاهلي، وزيابة: فعالة من الأزيب وهو النشيط كأنه نشيط، وقال بعضهم: "زبابة" بالباء، والأول أثبت، والزبابة فعالة من الزب وهو الملء يقال: زببت القُربة أي ملأت إلى رأسها.
(من الثاني السريع مردف مطلق والقافية من المتدارك)
نبئت عمرًا غارزًا رأسه في سنة يوعد أخواله
وتلك منه غير مأمونة أن يفعل الشيء إذا قاله
غارزًا رأسه: أي راكبًا رأسه، في سنة: أي في غفلة، وتلك منه غير مأمونة: يستهزئ به أي لا يقدر على ذلك لأنه أضعف من أن يفي بما يتوعد به. المعنى: يصف بلوغه وعيده أخواله، وهذا الشاعر من جملة أخواله أي خبرت أن عمرًا توعدا، ثم دل على قلة اكتراثه بهوانه إذا قال شيئًا لم يف به.
إن ابن بيضاء وترك الندى كالعبد إذ قيد أجماله
ويروي "أن ابن عيساء وترك الندى" وكلاهما هو عمرو، وصفه بأن ابن أمة، لأن الغالب على ألوان العرب الأدمة. المعنى: أن عمرًا في تركه الندى مثل العبد إذا قيد أجماله، ولا يفكر في العلا، فإذا جمع العبد أجماله التي كلف بها فقد انتهى اربه.
الرمح لا أملأ كفي به واللبد لا أتبع تزواله
تزوال: تفعال من زال يزول، وهو يأتي للكثرة نحو التلعاب الترداد، وفي معنى الرمح لا أملأ كفي قولان: أحدهما أنا ماهر بأعمال الرمح فلا أملأ كفي منه
مخافة أن يسقط من يدي ولكني أديره بأطراف أناملي كيف شئت. والآخر لا أنفرد بأعمال الرمح دون غيره من السلاح، ولكني أقاتل به وبغيره، ولا أتبع البلد على ظهر الفرس إذا أفلت بل أثبت فيظهره وإن زال اللبد، يصف شجاعته وفروسيته.
والدرع لا أبغي بها ثروة كل امرئ مُستودع ماله
ويروي "نثرة" أي درعًا غيرها. المعنى: لا أطلب بإمساكي الدرع يسارًا، وإنما أمسكها للحرب، ثم هون من أمر المال فقال: كل امرئ مستودع ماله أي ليس له في الحقيقة إنما هو وديعة في يده، فلا يجب أن يتبجح به، فلهذا لا أعده مالًا، وقيل: درعي وديعة عندي فأودي حق الأمانة. وهذا لا شيء لأنه أن جعلها أمانة ووديعة فليس له ان يستعملها، ويروى في هذه الأبيات.
ما لد ما لدد ماله يبكي وقد نعمت ما باله
أراد بدد عمرًا المذكور في قوله: نبئت عمرًا، ودد لقب كأنه استهزأ به. المعنى ما لدد يشكو وقد أحسنت حاله ولم لا يشكوني؟ فجعل شكواه بكاء.
أليت لا أدفن قتلاكم فدخنوا المرء وسرباله
دخنوا: حنطوا. المعنى يقول: من بارزني أقتله ولا أدفنه، وأقسمت على ذلك، فمن أخرجتموه لمبارزتي فحنطوه وكفنوه.
وقال الحارث بن همام، السلولي، ويروى الشيباني، جاهلي، والحارث الكاسب، وهمام فعال من هم يهم، وسلول فعول من السل.
(من الضرب الثاني من السريع والقافية من المتدارك)
أيا ابن زيابة إن تلقني لا تلقني في النعم العازب
وتلقني يشتد بي أجرد مستقدم البركة كالراكب
يروي "في النعم العازب" بالعين والزاي أي البعيد، ويروي الغارب - بالغين. معجمة وبالراء - من الغربة، يشتد يعدو من الشد وهو العدو، والبكرة: الصدر، ومستقدم: متقدم، جعل فرسه من إشرافه أنه كالراكب. وفيه وجه آخر أي متقدم البركة، فراكبه متقدم الصدر، فالفرس مثل راكبه في استقدام البركة، والأول أكثر المعنى. يوعد ابن زيابة يقول: إن لا تلقني لا تلقني راعي إبل، ولكني تلقاني فارسًا مجيدًا مشمرًا للحرب، ويروي لا تُلقني.
فأجابه ابن زيابة:
يا لهف زيابة للحارث الـ صابح فالغانم فالآيب
والله لولا قيمته خاليًا لآب سيفانا مع الغالب
أراد الذي يصبح العدو بالغارة فيغير فيؤوب سالمًا. المعنى: يتلهف ابن زيابة على فوته الحارث يوم صبح قومه وغنم وآب، ويقسم أنه لو لقيه لقتله، وقيل: أنه يهزأ به بقوله: الصابح فالغانم فالآيب، كما يقول الرجل الآخر: لأقتلنك، فيجيبه أيها القاتل الفاتك، على سبيل الهزؤ، والقول الأول أثبت.
أنا ابن زيابة إن تدعني آتك والظن على الكاذب
قوله: والظن على الكاذب يعني أن من باشر الحرب توهم أن يكون هو الغالب، فإذا قتل كذب ظنه، فالظن عليه لا له. المعنى: يستهزئ ابن زيابة بالحارث وينسب ظنه في أن يقتله إلى الكذب.
وقال الأشتر النخعي، إسلامي، واسمه مالك بن الحارث، وكان من فرسان علي - رحمة الله عليه - وقتل يوم صفين. والأشتر في اللغة: المنخرق الأجفان والنخع حي من العرب، واشتقاقه من نخعت الذبيحة إذا قطعت نخاعها، وهي القصبة التي تنتظم الفقار.
(من الضرب الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أس على ابن حرب غارة لم تحل يومًا من نهاب نفوس
خيلًا كأمثال السعالي شزبًا تعدو ببيض في الكريهة شوس
حمي الحديد عليهم فكأنه ومضان برق أو شعاع شموس
بقيت وفري: دعاء منه على نفسه بتبقيه ماله وتركه إنفاقه في المكارم أن يفرق على معاوية وأصحابه غارة. والسعالي: جمع سعلاة وهي الأنثى من الغيلان، وقيل: أن السعالي بنات الغيلان، شزبًا: أي ضمرًا، وقوله: تعدو ببيض في الكريهة أي الحرب، والبيض والشوس من نعت الفرسان، والومضان والوميض: البرق، وقال: شموس، لأنه شبه بريق مغافرهم وهي كثيرة، فجعل كل مغفر شمسًا. المعنى: أقسم بتبقيه ماله دون انفاقه في المكارم، وأقسم بعدوله عن العلا، وبعبوسه في وجه الضيفان إن لم يفرق على معاوية غارة تنتهب فيها الأرواح، خيلًا مُضمرة مثل الغيلان عليها فوارس كرام عليهم سلاح بريقه بريق البرق وشعاع الشموس.
وقال معدان بن جواس الكندي، جاهلي، وتروى لعامر بن الطفيل،
ومعدان فعلان من معد معدًا إذا أبعد المذهب، وجواس فعال من الجوس وهو وطه ديار القوم، وكندة: فعلة من الكنود وهو الجحود.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن كان ما بُلغت عني فلامني صديقي وشلت من يدي الأنامل
وكفنت وحدي مُنذرًا بردائه وصادف حوطًا من أعادي قاتل
الرواية المشهورة: بلغت - بالكسر - يخاطب جارية كان يهواها، وروى أبو زيد وأبو حاتم "ما بلغت" - بفتح التاء -. قال يعتذر إلى بعض الملوك ومنذر
وحوط ابناه، وحدي نصب على المصدر من فعل مقدر كأنه قال: توحدت وحدي. المعنى: يعتذر غلى صحابته بما بلغها من ذكر له في الحرب يقول: إن كان ما بلغك صحيحًا فبليت بلوم صديقي وشلل أصابعي وهلاك ولدي، أحدهما موتًا في بلد قفر، والآخر قتلًا بأيدي أعدائي. فإن قيل: فما في البيتين من الحماسة؟ فالجواب أنه يعتذر مما نسب إليه من النكول في الحرب وينتفي منه وهذا فعل الشجاع.
وقال زفر بن الحارث الكلابي، وزفر معدول عن زافر إذا حمل.
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ليالي قارعنا جذام وحميرا
فلما ضربنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا
المعنى: كنا قدرنا أن الناس كلهم على حال واحدة في العكز عنا وقت حاربتنا جذام وحمير، فلما حاربنا بني أعمامنا ومن كان من أصلنا لم ينكلوا عنا ثم بين فقال:
ولما لقينا عُصبة تغلبية يقودون جردًا للمنية ضمرًا
سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
ويروي "شعثًا في الأعنة غبرا". المعنى: لما لقينا جماعة من بني تغلب ذوي خيل جرد ضمر قاتلنا فأصبنا منهم أكثر مما أصابوا منا، قيل: هذه الأبيات من المنصفات، قال أبو علي: ليست عندي منها، لأنه رجح إحدى القبيلتين على الأخرى، وفيه أيضًا أنه يريدان القتلى منهم كانوا أكثر.
وقال عامر بن الطفيل الكلابي، والطفيل تصغير طفل وهو الصغير
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
طلقت إن لم تسألي أي فارس حليلك إذ لاقى صداء وخثعما
أكر عليهم دعلجًا ولبانه إذا ما اشتكى وقع الرماح تحمحما
خثعم من الخثعمة وهو تلطخ الجسد بالدم، والصداء من الصدى وهو العطش، وهما قبيلتان، والدعلج: الحمار، ويقال: ألوان الثياب. المعنى: يخاطب امرأته يقول: أنت طالق إن لم تسألي عن زوجك - يعني نفسه - أي فارس هو حين لاقى صداء وخثعمًا للمحاربة، ثم أخبر هو عن حال نفسه فقال: أعطف عليهم فرسي المسمى دعلجًا، وإذا أصاب صدره الطعن حمحم وصبر، يصف شجاعته وجلادة فرسه.
وقال عمرو بن معدي كربن قال قطرب: معدي فعلي من معد أي
ذهب، وقال غيره: من تمعدد إذا غلظ، وقال ثعلب هو من عدّاه الكرب أي تجاوزه، ومثله في الأسماء مأوى الإبل.
(من الضرب الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولما رأيت الخيل زورًا كأنها جداول زرع خليت فاسبطرت
دعوت فجاءت من زبيد عصابة إذا طردت فاءت قريبًا فكرت
وجاشت غلى النفس أول مرة وردت على مكروهها فاستقرت
المعنى: يقول: لما رأيت خيل الأعداء كثيرة صعبة كأنها من كثرتها واختلاف مجاريها جداول زرع امتدت على وجه الأرض، يعني ماء الجداول، دعوت قبيلتي زبيد ففزعت نفسي أول ما رأت الخيل ثم ردت على مكروهها فاستقرت على الحرب.
علام تقول الرمح يثقل ساعدي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
الرمح - بالرفع - على الحكاية، والنصب على استعمال تقول بمعنى تظن، وهذا كقول الآخر:
وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالًا
فكأنه قال أيضًا: إذا الخيل كرت وجب القائي الرمح مع تركي الطعن.
لحا الله جرمًا كلما ذر شارق وجوه كلاب هارشت فازبأرت
فلم تُغن جرم نهدها إذ تلاقيا ولكن جرمًا في اللقاء ابذعرت
ظللت كأني للرماح دريئة أقاتل عن أبناء جرم وفرت
المهارشة: المواثبة، وازبأرت: انتفشت وتهيأت للقتال، وابذعرت: تفرقت بمعنى انهزمت. المعنى: يدعو على جرم لمعاونة نهد، فانهزمت ولم تبل شيئًا، وثبت عمرو ينصر جرمًا وقد انهزمت، فقال يذمهم: لحا الله جرمًا كل صباح كانت حربهم كحرب الكلاب، فلم تغن من جاء لنصرتها، ولكنها انهزمت، ويصف وفاءه وشجاعته يقول: استنجدوني وانهزموا فحصلت بين الرماح أحارب.
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقت ولكن الرماح أجرت
الأجرار: أن يخل لسان الصيل بخلال لئلا يرتضع، وربما شد بخيطه. المعنى: يقول: لو أن قومي ثبتوا في الحرب وصفتهم في الشعر، وذكرت مفاخرهم، ولكنهم انهزموا وطرحوا الرماح التي كان حقها أن يطعن بها، كأن رماحهم شقت لساني فلم أقدر على ذكرهم.
وقال سيار بن قصير الطائي، اسلامي، وسيار من السير.
(الأول من الطويل والقافية من التدارك)
لو شهدت أُم القديد طعاننا بمرعش خيل الأرمني أرنت
عشية أرمي جمعهم بلبانه ونفسي وق وطنتها فاطمأنت
مرعش: ثغر من الثغور بأرمينية، وأرنت: صاحت وبكت، وخص اللبان لأنه يدل على الكروب. المعنى: لو حضرت هذه المرأة ورأت مطاعنتنا خيل الأرمني بمرعش، صاحت وبكت لشدة ما رأتنا فيه من الحرب في وقت حملاتي عليه وتوطين نفسي على شدائدها.
ولاحقة الآطال أسندت صفها إلى صف أخرى من عدى فاقشعرت
الآطال: جمع أطل وهو الخاصرة. المعنى: كم خيل ضمر أدنيتها من خيل الأعداء ففزعت الأعداء، يصف هيبته وجلادته.
وقال بعض بني بولان من طيء، جاهلي.
(الأول من المنسرح والقافية من المتراكب)
نحن حبسنا بني جديلة في نار من الحرب جحمة الضرم
نستوقد النبل بالحضيض ونصـ ـطاد نُفوسًا بُنت على الكرم
حجمة الضرم: أي عظيمة الاضطرام، ومعنى نستوقد النبل الحضيض. ننفذها إلى أعدائنا رميًا، فتصيب أسفل الجبل فتنقدح النار، وقوله: ونصطاد نفوسًا بنت على الكرام، أي نقبض أرواحًا كريمة، يعني: نقتل قومًا كرامًا، فجعل القتل اصطياد أرواحهم. وقوله: "بنت" أي بنيت وهي لغة طائية. المعنى يصف حبسهم بني جديلة في شدة الحرب ورميهم إياهم عند أسفل الجبل بالنبل النافذة، وقتلهم إياهم، ويصف بني جديلة بالكرم.
وقال رويشد بن كثير الطائي، جاهلي، ورويشد تصغير راشد
(من الضرب الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
يا أيها الراكب المُزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يُبرئكم اني أنا الموت
المعنى: يهدد بني أسد ويقول: ما هذه الضجة، والمزجى: السائق، ويبرئكم: ينزهكم من الذنب، وقال: يأمرهم بالتماس العذر إليه.
إن تُذنبوا ثم يأتيني يقينكم فما على بذنب عندكم فوت
ويرى "تأتينى يقيتكم"، وتقيتكم، ومن روى يقينكم يريد صحة ذنوبكم، ومعناه أن جنى منكم جان، ثم يأتيني صحة ذنوبكم فإنكم لا تفوتوني
بذنب بل أعاقبكم، ومن روى بقيتكم، فالمعنى أن جنيتم ثم يأتيني من لم يجن منكم فلا يفوتني الجاني بذنبه، ومن روى تقيتكم فمعناه أن تذنبوا ثم تتقوني وترجعوا عن الذنب فلا تفوتوني بذنبكم. وهذا الوجه يحتمل معنيين: أحدهما: أن تقيتكم إياي تقوم مقام عقابي للجاني، والآخر إن أذنبتم ثم اتقيتم واحترزتم لم تسلموا من عقابي على كل حال، ويروى: أن تذنبوا ثم لم يعتب سراتكم، أي لم يرضني كرامكم، العتبى هو الرضا.
وقال أنيف بن ربان النبهاني، اسلامي، أنيف تصغير أنف، وزبان فعلان من الزبب وهو كثرة الشعر.
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
دعوا لنزار وانتمينا لطئ كأسد الشرى إقدامها ونزالها
فلما التقينا بين السيف بيننا لسائلة عنا حفي سؤالها
المعنى: لما التقينا انتسبنا لطيء، وانتسبوا إلى نزار، وسبه أصحبه في الشرى في الاقدام والمنازلة، ثم عرض ولم يصح، فقال بين السيف بيننا لمن كان معنيًا بالسؤال عنه وأراد انا حكمنا فيهم السيوف.
وقال عمرو بن معدي كرب معدي كرب فيه ثلاثة أوجه: معدي كرب مثل خمسة عشر، ومعدي كرب تجر بالإضافة، ومعدي كرب، يجعلها بمنزلة الاسم الواحد.
(من مرفل الكامل والقافية من المتدارك)
ليس الجمال بمئزر فاعلم وإن رُديت بردا
إن الجمال معادن ومناقب أورثن مجدا
معادن: أصول. المعنى: ليس الحسن في تجديد الثياب، إنما الحسن في أسباب تورث المجد نحو كرم الأصول وشرف الآباء.
أعت للحدثان سا بغة وعداء علندى
نهدًا وذا شطب يقـ ـد البيض والأبدان قدا
وعلمت أني يوم ذا ك منازل كعبًا ونهدا
قوم اذا لبسوا الحديـ ـد تنمروا حلقًا وقدا
العداء: الفرس الكثيرة العدو إشارة إلى الحرب، علندى: أي شديد صلب وأصله ضرب من الشجر صلب، وتنمروا: تغيروا، وقد هو شيء كهيئة الدرع كانوا ينسجونه من السيور، وقال بعضهم: أراد به التروس من القد، ولنصب حلقًا وقدا أربعة أوجه: التمييز، والحال، وبإضمار لبسوا، وبحذف الباء، كأنه أراد تنمروا بحلق وقد، والمصدر على تقدير تنمروا تنمر حلق وقد، فحذف المضاف إليه. المعنى: أعددت آلة الحرب لاقتناء المجد درعًا تامًا، وفرسًا
صلبًا منيفًا، وسيفًا مشطبًا يقطع المغافر، وعلمت أني محارب القبيلتين كعبًا ونهدا، وهم قوم إذا تسلحوا شبهوا النمر في إظهاره العداوة.
كل امرئ يجري إلى يوم الهياج بما استعدا
الهياج: الحرب. المعنى: يصف حزمه وأهبته للأمر قبل وقوعه، يقول: كل امرئ يصير إلى يوم الحرب بما أعده له، وقد أعددت السلاح الذي ذكره، والفرس الذي وصفه.
لما رأيت نساءنا يمحصن بالمعزاء شدا
وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى
نازلت كبشهم ولم أر من نزال الكبش بُدا
هم ينذرون دمى وانـ ـذر إن لقيت بأن أشدا
يمحصن: يسرعن العدو، كأنهن يبحثن بأقدامهن على الأرض، والمعزاء: الأرض الصلبة، والشد: العدو، ولميس اسم جارية، وهم ينذرون - بضم الذال وكسرها - أي يجعلون قتلى نذرًا عليهم. المعنى: يصف شجاعته، يقول: لما وقعت الصيحة في الحي، ورأيت نساءنا يعدون في الأرض ذات الحجارة، وبرزت لميس من خدرها مبدية محاسنها التي من حكمها أن تخفي قاتلت رئيس القوم ولم ار بدًا من ذلك، لأني كنت عمدة قومي ثم قال: هم ينذرون يعني أعدائي يجتهدون في قتلي، واجتهد في أن أحمل عليهم إذا رأيتهم.
كم من أخ لي صالح بوأته بيدي لحدا
ما إن جزعت ولا هلعـ ـت ولا يرد بُكاي زندا
ألبسته أثوابه وخلقت يوم خلقت جلدا
الزند: الخشبة تقدح بها النار، وأراد به شيئًا قليلًا كالفتيل والنقير، وروى بعضهم "زيدًا" يريد أخا عمر بن الخطاب ﵁ وكان حليفًا لعمرو بن معدي كرب في الجاهلية، وهذا ليس بجيد من جهة القافية. المعنى: يصف شدة قلبه، ويقول: كم من أخ لي صالح كفنته ودفنته، ولم أجزع عليه، ولم أزل جلدًا، والبكاء لا يرد شيئًا.
أُغني غناء الذاهبيـ ـن أعد للأعداء عدا
ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيف فردا
المعنى: أقوم مقام من سلف من قومي، وإني معد لذلك، وقد ذهب أحبابي وبقيت مفردًا عنهم.
وقال أيضًا:
(الأول من الرمل والقافية من المتواتر).
ولقد أجمع رجلي بها حذر الموت وإني لفرور
ولقد أعطفها كارهة حين للنفس من الموت هرير
كل ما ذلك مني خلق بكل أنا في الروع جدير
وابن صبح سادرًا يُوعدني اله في الناس ما عشت مجير
أجمع رجلي بها أي بفرسي، أضمها عليها ركضًا أي استدرها الجري برجلي، وفرور، مجد في الفرار، ويروي "لقرور" من القرار بالقاف، وهرير أي كراهة، وابن صبح فيه قولان أحدهما: أنه رماه بأنه لغير رشدة أي حملت به أمه وقت الصبح ممن غار على قبيلة إلى الصبح، والآخر أنه يستهزئ به أي يغير وقت الصبح، كما يفعله الشجاع فنسه إليه، كما قالوا ابن الحرب وابن الفيافي، وسادرًا متحيرًا، ويروي "ليس ما عشت له مني مجير". المعنى: يصف خبرته بأمر الحرب وأنه يفر منها إذا وجب الفرار، ويعطف إذا وجب العطف، وإن كرهته النفس وكان ذلك خلق منه، وهو جدير بالعطف والفرار، ثم أوعد ابن صبح أنه لا ينقذه ولا يحفظه منه شيء، ورماه بأنه لغير رشدة: وأنه يوعدني متحيرًا.
وقال قيس بن الخطيم، قيس من قاس، والخطيم: فعيل بمعنى مفعول، والخطم: الضرب على الأنف، وسمي به لضربة خطمت أنفه أي صارت كالخطام عليه، وهو الزمام.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها
يهون على أن ترد جراحها عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها
وساعدني فيها ابن عمرو بن عامر زهير فأدى نعمة وأفاءها
النفذ: النفاذ، والشعاع: ما تفرق من الدم، ملكت بها كفي أي شددت من قولهم: ملكت العجين: إذا أنعمت عجنه، أنهرت أي وسعت، وإنما خص النساء بالتداوي لأنهن كن يعالجن الجراحات، وقال بعضهم: خص به النساء لأنهن أجبن، وبلاءها أي نعمتها. المنعى: طعنت ابن عبد القيس طعنة نفذت الجانب الآخر لولا تفرق الد لأضاءها النفذ، ووسعت خرقها حتى يرى من قام من دونها وراءها، ثم قال: يخفى على صرفها العيون عنها لأنها مويسة ن مداواتها إذ حمدت نعمتها، لأني أدركت فيها الثأر، ثم شكر معينه عليها وهو زهير أو خداش على ما روى.
وكنت امرأ لا أسمع الدهر سُبة أسب بها إلا كشفت غطاءها
المعنى: لم يلحقني شيء قط أذم به إلا كشفته عنى، وكنت بهذه الطائلة كالمقنع، فلما أدركتها كشفت عن قناعي لأني أدركت ثأري.
متى يأت هذا الموت لا تُلف حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
المعنى: لم تكن لي حاجة إلا طلب الثأر، ومتى يأت الموت لا تُلف حاجة لي لم تُقض. يصف أن اهتمامه كان في طلب الثأر.
إذا ما شربت اربعًا حط مئزري واتبعت دلوي في السماح رشاءها
يروي "خط متزري" بالخاء المعجمة أي استرخ ازاري فانجر على الأرض فخط فيها فعل السكران، وقوله: وأتبعت دلوي في السماح رشاءها أي بلغت الأقصى في الكرم والسماحة، وفي الأمثال "اتبع الدلو رشاءها" أي أتمم الصنيعة،
ومثله "اتبع الفرس لجامها". ويروي "حط مئرزي" بالحاء المعنى: إذا شربت أربعة أقداح جررت على الأرض مئزري وبالغت في السماح.
ثأرت عديًا والخطيم فلم أضع وصية أشياخ جُعلت إزاءها
واني في الحرب العوان مُوكل بأقدام نفس ما أريد بقاءها
جعلت إزاءها أي القيم بها، يقال: فلان إزاء مال أي يقوم به. المعنى: أدركت ثأري لأني موكل في الحرب بأقدام نفس لا أفكر في بقائها، ويروى: "وإني في الحرب الضروس" والمشهور من الرواية "العوان".
وقال الحارث بن هشام المخزومي، وهو أخو أبي جهل بن هشام، كان مع المشركين يوم بدر، فلما رأى ظفر النبي ﷺ هرب وقال هذه الأبيات.
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مُزبد
وعلمت ان أقاتل واحدًا أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة دونهم طمعًا لهم بعقاب يوم مرصد
ويروى "يوم سرمد" و "يوم مفسد" وعنى بأشقر مزبد دمًا له زبد، ويروي "بأحمر مزبد" يريد أنه جرح وجرى دمه فوق رأسه، وقيل: جرح فرسه لأنه قال: علوه بالدم، وصددت عنهم أعرضت عنهم، ومرصد أي مراقب للمكافآت، وجعله لليوم لأنه فيه يقع. وحكي أن هذه الأبيات إنما أجاب بها عن أبيات عيره بها حسان بن ثابت الأنصاري وهي:
إن كانت كاذبة التي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يُقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام
وقال الفرار السلمي، واسمه حبان بن الحكم، وبهذا الشعر سمي فراراً، والسلمي منسوب إلى سليم وهو تصغير سلم، يعني الدلو لها عروة واحدة.
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي
فتركتهم تقص الرماح ظهورهم من بين منعفر وآخر مسند
ما كان ينفعني مقال نسائهم وقتلت خلف رجالها- لا تبعد
نفضت لها يدي: أي لم أشغل بها يدي، ويروي" بها يدي" وله وجهان: أحدهما بها أي بفرسي، يصف سرعة ضربه بالسوط، والأخر بها أي بالمقترفة، وقوله: تقص الرماح أي تكسره ويري "من بين منجدل" ويروي "وقتلت دون رجالها". المعنى: يصف تهييجه الحرب بين الناس وخروجه من بينهم يقتل بعضهم بعضاً، ويجرحون، ثم احتج لذلك فقال: ما كان هببن يبكين ويعولن ويقلن "لا تبعد" أي لا تهلك.
وقال بعض بني أسد
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
يديت على ابن حسحاس بن وهب بأسفل ذي الحداة يد الكريم
قصرت له من الحماء لما شهدت وغاب عن دار الحميم
أنبئه بأن الجرح يشوي وأنك فوق عجلة حموم
ولو أني أشاء لكننت منه مكان الفر قدين من النجوم
ذكرت تعله الفتيان يوماً وإلحاق الملامة بالمليم
يديت: أنعمت، والجداة: موضع، ويشوي: يخطئ المقتل، وعجلة: فرس قوية صلبة، وجموم: كثيرة العدو، وقوله: "قصرت له" أي قصرت خطو فرسي، والحماء: اسم فرصة، والحميم: القريب، وقوله: "ولو أنى أشاء" أي لو شئت لسبقته فبعدت عنه بعد ما بين الفر قدين من منازل القمر، وإنما قال مكان الفر قدين من النجوم لأن الفر قدين من النجوم لأوان الفر قدين بمعزل عن منازل القمر، فلا تحلها النجوم السيارة أبدا. ويجوز أن يكون تباعدت عنه تباعد الفر قدين أي تباعد السماء من الأرض، ثم قال: من النجوم أعنى الفر قدين اللذين من النجوم في السماء والصحيح هو الأول، وتعله الفتيان أحاديثهم التي يتعللون بها في نواديهم، ويروي "بأن الجرح يوسي". المعنى: يصف أنعامه على ابن حسحاس ووجوده إياه جريحاً بأسفل ذي الجداة، وأنه وقف فرسه عليه، وطيب نفسه، وقوى قلبه، وشجعه، وأخبره بأن الجرح قد يخطئ المقتل أو يبري، في قول من روى "يوسي" وأن فرسه شديدة الجري، ثم أخبر أنه لو شاء بعد عنه بعد الفر قدين من مجاري النجوم السيارة، ولكنه خاف أن يحدث الفتيان فيلوموه على مجاوزته مع قدرته على إنقاذه.
وقال الشداخ بن يعمر الكتاني من الشداخ وهو كسر شئ غير صلب، ويعمر: يفعل من الفعل.
(أول المنشرح، والقافية من المتراكب)
فقاتلي القوم يا خزاع ولا يدخلكم من قتالهم نشل
القوم أمثالكم لهم شعرفي الرأس لا ينشرون إن قتلوا
ويرى "قاتلوا القوم". المعنى: يحث خزاعة على معاودة الحرب ويشجهم بأن أعداءهم بشر أمثالهم، فلا يجب أن يعجزوا عنهم.
أكلما حاربت خزاعة تحـ ـدوني كأني لأمهم جمل
المعنى: يظهر التضجر بكثرة استنصار خزاعة أباه وضرب المثل بالجمل الناضج الذي يقاد في الحوائج، ويبتذل في العوارض. ويرى أن عثمان كتب إلى علي- ﵃ يوم الدار أن ائتني، فخرج علي فأتاه رسوله في بعض الطريق أقم مكانك، فرجع علي إلى مكانه ثم أتاه فأستقبله رسول آخر قد استغنيت عن حضورك، فقال علي: ما مثلي إلا كما قال:
أكلما حاربت خزاعة تحدوني كأني لأمهم جمل
وقيل: أنه تمثل بقول الآخر:
أراك إذا قد صرت للقوم ناضجاً يقال له بالغرب أدبر وأقبل
وقال الحصين بن الحمام ألمري، الحصين تصغير حصن، والحمام حمى الإبل خاصة، يقال: حمى وحمة يؤنث مرة بالتاء ومرة بالألف.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تأخرت استبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
قوله: فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما، له تأويلان: أحدهما إذا
تقدمت ذكرت بالشجاعة دائماً، فذلك الذكر مثل الحياة، والثاني: أن الجبان يطمع فيه الشجاع، والشجاع يتحاماه الناس فإذا حذر كانت حياته أبقى.
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
أي تقطر الجراحات دماً. المعنى: نحن شجعان لا نولي في الحرب، فلا تدمى جراحاتنا على أعقابنا، ولكن تقطر جراحتنا على أقدامنا لآنا نحارب مقبلين لا مدبرين.
نفلق هاماً من أناس أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما
المعنى: نقتل رجالاً أعزة فنقطع الرحم بيننا، وهم كانوا أظلم، لأنهم ابتدئوا الحرب فلم يكن لنا بد من مكافأتهم، وفي المثل قيل: "البادي أظلم".
فلست بمبتاع الحياة بذلة ولا مرتق من خشية الموت سلماً
وقال رجل من بني عقيل، وحاربه بنو عمه فقتل منهم.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
بكره سراتنا يا آل عمرو نعاديكم بمرهفة صقال
تعديهن يوم الروع عنكم وإن كانت مثلمة النصال
لها لون من الهامات كاب وإن كانت تحادث يالصقال
ونبكي حين نقتلكم عليكم ونقتلكم كأنا لا نبالي
المعنى: يظهر كراهة لقتال من يخاطبهم، لما بينه وبينهم من الرحم، ويعتذر بأن سادة القوم يحملونهم على ذلك، ويذكر أنهم يصرفون السيوف عنهم يوم الحرب، وأن كانت آثار الضرب ظاهرة أنها أعملت في غيرهم، وهي تسليم النضال، ومعنى البيت "لها لون" يقول: لا نجم سيوفنا ضرباً بها الهامات، فلونها متغير من الصدأ، وإن كانت تحادث يالصقال أي تجدد، ومعنى نبكي حين نقتلكم أي إذا قتلناكم بكيناكم لما بيننا من الرحم، ونقتلكم كأنا لا نبالي بقتلكم لأنكم أحوجتمونا إلى ذلك.
وقال القتال ألكلابي، وهو عبيد المضرحي.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
نشدت زياداً والمقامة بيننا وذكرته أرحام سمر وهيثم
فلما رأيت أنه غير منته أملت له كفى بلدن مقوم
فلما رأيت أنني قد قتلته ندمت عليه أي ساعة مندم
المقامة- بفتح الميم-: الجماعة، والمقامة- بضمها-: الإقامة. المعنى: يصف قتله زياداً بعد ما ذكره الرحم بحضرة جماعة من الناس، وأنه ندم على قتله حين لم ينفعه الندم.
وقال قيس بن زهير بن جذيمة بن رواحه العبثي في قتله حذيفة وحملا ابني بدر يوم جعفر الهباءة:
(الأول من الوافر والقافية متواتر)
شفيت النفس من حمل بن بدر وسيفي من حذيفة قد شفاني
فإن أك قد شفيت بهم غليلي فلم أقطع بهم إلا بناني
في البيت مجاز وهو"بهم" والمذكور اثنان، لأنه إذا قتلهما ومن يعولانه فلهذا جمع.
وقال الحارث بن وعلة الذهلي، والوعلة الموضع المنيع من الجبل.
(الثاني من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتواتر)
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللاً ولئن سطوت لأوهن عظمي
يصف أن قومه قتلوا أخاه، وأنه متأرجح في الانتقام منهم، لآن ما أصابهم فقد أصابه، وأن عفاهم عن دمه يعظم لأنه أخوه، وترك الثأر عندهم عيب، وأن سطابهم وانتقم منهم أضعف عظمة بنقصانه من يعزمنهم.
لا تأمنن قوماً ظلمتهم وبدأتهم بالشتم والرغم
أن يأبروا نخلاً لغيرهم والقول تحقره وقد ينمي
المعنى: لا تأمنن قوماً بغيت عليهم وقتلت منهم أن يحالفوا غيرك، ويستنصروا به، فينتقموا منك، ثم قال: والقول تحقره وقد ينمي أي ربما زاد الحقير فصار كبيراً كما قيل: " الشر يبدؤه صغاره".
وزعمتم أن لا حلوم لنا إن العصا قرعت لدى الحلم
ويروي "وزعمت أنا لا حلوم لنا" أي عرضتم في قولكم بأنا سفهاء، ولم تصرحوا به فاكتفينا بالتعريض عن التصريح كاكتفاء ذي الحلم بقرع العصا. والأثبت أنه عامر بن الضرب العدواني وكان حكم العرب، فلما أسن أعترضته غفلة، فقالت له ابنته: أنك تخطئ في أحكامك، فقال: إذا رأيتني أخطأت فاقرعي عصا على الأرض لأنتبه فكان كلما أخطأ في حكم قرعت بنته عصاً على الأرض فتنتبه وتلافي، وضربت العرب به مثلاً لمن تنبه إذا نبه، وقيل: بل الأصل في ذلك أن بعض الملوك بعث رجلاً إلى ناحية يتعرف أمر الكلأ والخصب، ثم قال بعد
خروجه: إن أخبرني بالخصب قتلته وأن أخبرني بالجدب قتلته، وكان للمبعوث أخ يكتب للملك، فقال: أيها الملك تطلق لي أن أقرع له العصا، ثم يفعل به الملك ما شاء، قال: نعم، فلما رجع قال له الملك: كيف وجدت الكلأ فقرع أخوه له العصا فقال: لا خصباً ولا جدباً، فنجا. المعنى: يستزيدهم في أنهم سفهوا رأيه.
ووطئتنا وطئاً على حنق وطء المقيد نابت الهرم
وتركتنا لحماً على وضم لو كنت تستبقي من اللحم
وطئتنا: أي أوقعت بنا، والهرم: جمع هرمة وهو نبت ضعيف يفتت إذا وطئ، ووطء المقيد: يريد به البعير أو الفرس، وإنما خص المقيد لأنه يرفع رجليه ويديه معاً، فهو أشد يوطئه أي بالغت في التناول منا والبغي علينا، وقوله: تركتنا لحماً على وضم أي ضيعتنا. المعنى: يقول: ظلمتنا ظلماً عنيفاً، وأذللتنا، وجعلتنا بمنزلة هرمة تحت قدمي المقيد، وتركتنا ضائعين بمنزلة لحم على وضم، ولو كنت تستبقي من اللحم لم تضيعه.
وقال أعرابي قتل أخوه ابناً له فقدم إليه ليقتاد منه فألقي السيف من يده وهو يقول:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
أقول للنفس تأساء وتعزية إحدى يدي أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
تأساء: من تأسيت إذا اقتديت به، وقال بعضهم: هو من الأسى وهو الحزن، والأول أجود لملائمة اللفظين. المعنى: أقول لنفسي وأصبرها وأعزيها: لا تقتلي أخاك مكان ولدك قانهما بمنزلة يديك، وقد فاتت إحداهما فلا تفوتي الأخرى فتزيدي داء إلى داء، ودعي أخاك يكمن مكان ابنك.
وقال إياس بن قبيصة الطائي، إياس مصدر أسته أوسه إياساً إذا عوضته، قبيصة فعلية من القبص: وهو الأخذ بأطراف الأصابع:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
ما ولدتني حاضن ربيعة إذا أنا مالأت الهوى لأتباعها
ألم تر أن الأرض رحب فسيحة فهل تعجزني بقعة من بقاعها
مالأت: تابعت وشايعت. المعنى: يقسم أنه لم يتابع الهوى لأتباع جارية ذكر أنه يحبها، ولم يحتمل الضيم لأجلها فقال: لست بابن عفيفة من بني ربيعة لئن شايعت الهوى في متابعتها، وقال: لا أحتمل الضيم فإن الأرض واسعة لا تعجزني بقعة منها.
ومبثوثة بث الدبا مسيطرة رددت على بطائها من صراعها
وأقدمت والخطي يخطر بيننا لأعلم من جبانها من شجاعها
ويروي "ليعلم" وهي أبلغ في المعني. المعني: يصف شجاعته وإقدامه ليعلم أنه غير جبان يقول: كم خيل كثيرة متفرقة على وجه الأرض- لكثرتها- رددت أولها على آخرها، وأقدمت والرماح تضطرب ليعلم أي الشجاع فيها.
وقال رجل من بني تميم، وطلب منه بعض الملوك فرساً يقال لها "سكاب" فمنعه وقال:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أبيت اللعن إن سكاب علق نفس لا تعار ولا تباع
مفداة مكرمة علينا يجاع لها العيال وال تجاع
سلسلة سابقين تناجلاها إذا نسبا يضمهما الكراع
فلا تطمع - أبيت اللعن فيها ومنعكهل بشيء يستطاع
المعنى: يخاطب من طمع فيها ويقول: إن مرسي علق نفيس لا أُخرجها من يدي بإعارة ولا بيع وهو مؤثرة عل العيال، وهي من فحل الكراع، فلا تطمع فيها مستطاعاً منعكها بشيء من الأشياء.
وقالت امرأة من طيء:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
دعا دعوة يوم الشرى يا لمالك ومن لا يجب عند الحفيظة يكلم
فيا ضيعة الفتيان إذ يعتلونه ببطن الشرى مثل الفنيق المسدم
يعتلونه: يجرونه، من قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إلَى سَوَاءِ الجَحِيمِ﴾
والعتل: مسمار عظيم ترفع به الحيطان، والفنيق: الفحل المكرم، والمسدم: الذي سد فوهه من هياجه. المعنى: استغاث يوم الشرى هذا المذكور بآل مالك ثم قالت: ومن لا يغث في الحرب ويروى "ومن لا يجب" أي لا يغث المستغيث يكلم يوماً. ثم قالت متعجبة من ضياعه لما أسلم: فيا ضيعة الفتيان اذ يطعن مثل الفحل المشدود الفم، فإنه لا يقدر على الانتصار.
أما في بني حصن من ابن كريهة من القوم طلاب التراث غشمشم
فيقتل جهراً بامرئ لم يكن له بواء ولكن لا تكايل بالدم
بنو حصن من نبهان، وابن كريهة: أي صاحب شدة وحروب، وغشمشم: يركب رأسه غير مفكر في شيء، وبواء: أي كفؤاً، وقولها: لا تكايل بالدم أي مقايسة بالدم، كانت العرب تفعل ذلك فيقتل من قوم القاتل مثله في الشرف، فإن لم يجدوا مثله فيهم قتلوا جماعة به. المعنى: تحث على قتل قاتل صاحبها، وتزعم أنه ليس كفؤاً له، ولكن لا يطلب المساواة في الدماء.
وقال بعضى بني فقعس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
رأيت موالى الأولى يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب
فهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا إذ الخصم أبزى مائل الرأس أنكب
وهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا وفي الأرض مبثوثاً شجاع وعقرب
فلا تأخذوا عقلاً من القوم إنني أرى العار يبقى والمعاقل تذهب
تفاقدوا: دعاء عليهم، الأبزى: الرجل الذي في أسفل ظهره انحناء.
المعنى: يستزيد بني أعمامه، ويذمهمفق على خذلانه وإسلامه فيقول: أعدوني لمثلي من الرجال إذا امتلأت الأرض من الأعداء، ثم حثهم عل طلب الثأر.
كأنك لم تسبق من الدهر ليلة إذاً أنت أدركت الذي كنت تطلب
المعنى: إذا أدركت ما طلبته فكأنك لم تزل معه، وهذا فيه حث لطيف على طلب الثأر.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فلو أن حياً يقبل المال فدية لسقنا لهم سيلاً من المال مفعماً
ولكن أبي قوم أصيب أخوهم رضا العار فاختاروا على اللبن الدما
وقالت كبشة أخت عمرو بن معدي كرب، كبشة اسم مرتجل، وليس
بتأنيث كبش، لأن ذلك لا مؤنث له من لفظه وإنما هو نعجة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرسل عبد الله إذ حان يومه إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي
ولا تأخذوا منهم افالاً وأبكراً وأترك في بيت بصعة مظلم
عبد الله أخو عمرو بن معدي كرب، والافال: صغار الإبل واحدها أفيل وأبكرهم جمع بكر، وصعدة: موقع باليمن معروف، وعنت ببيت مظلم: القبر وجعلت طمع أخيها المقتول في إدراك ثأره إرسالاً منه. المعنى: تحث على طلب ثأر أخيها عبد الله: وتمنعهم من أخذ الدية وتحقر أمرها.
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالم وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع