تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب الحماسة ومعنى الحماسة الشدة والشجاعة (٣)

وهل بطن عمر: أرادت أن تهز عمراً بذلك القول تقول: بطنه شبر لموضع الطعام، يكفيه القليل منه، فلم يرغب في الدية، مع ما فيها من العار ويترك الثأر وفيه منقبة. المعنى: تبالغ في حث عمرو على الثأر وتحفظه لكي لا يسالم القوم.

فإن أنتم لم تقتلوا واتديتم فمشوا بآذان النعام المصلم

ولا تردوا إلا فضول نسائكم إذا ارتملت أعقابهن من الدم

اتديتم: أخذتم الدية، فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم يعني نفسه، وهذا كله من قوله: لا تعقلوا ... إلى آخر الأبيات، ظاهرها أنها من كلام عبد الله المقتول. يقول: إن لم تقتلوا من قتلني فاذنوا بالذل والصغار وكونوا بمنزلة من جدعت أذنه وضربت آذان النعام مثلاً لذلك، ويروى "فمشوا" أي امسحوا مواضع الآذان منكم وأذنوا بالصغار واعلموا إنكم مجدعون إن لم تقتلوا قاتله، وقيل: بل معناه إذا أخذتم الدية لم تحصلوا على شيء، وكنتم بمنزلة من رام مسح يده بأذن النعام ولم

يحصل على شيء لأن النعام لا أذن له. وتقول: اشربوا فضول الحيضر أي صرتم في الذل بحيث لا نهاية لأن العزيز يرد الماء قبل كل أحد، ثم الذي يليه ثم الضعيف ثم النساء الطواهر بعد الرجال ثم الحيض بعد الطواهر، فإذا حصلتم في الذل بحيث لا تردون إلا بعد النساء الحيض فقد حصلتم في نهاية الذل، وفضول النساء ما يفضل عنهن إذا استقين، وهو مثل. وقيل: معناه لا تردوا إلا بقايا الحيض من نسائكم أي لا يمكنكم أن تردوا المناهل فلا يكون لكم ماء إلا دم الحيض لما يلحقكم من الذل، وهذا القول أبلغ، ويؤيده ما بعده "إذا ارتملت أعقابهن من الدم" أي اختضبت، يقال: رملت الشيء إذا لطخته. المعنى: تنذرهم بنهاية المذلة إن قبلوا عن دمه الدية.

وقال عنترة بل الأخرس المعنى من طيء. العنتر والعنترة: الذباب الأزرق، والمعنى الشيء اليسير:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

أطل حمل الشناءة لي وبغضي وعش ما شئت فانظر من تضير

فما بيديك نفع أرتجيه وغير صدودك تاخطب الكبير

ألم تر أن شعرى سار عني وشعرك حول بيتك ما يسير

إذا أبصرتني أعرضت عني كأن الشمس من قبلي تدور

الشناءة: البغض، وقوله: كأن الشمس من قبلي تدور، أي من جهتي فلا تقدر أن تملأ عينيك مني، بمنزلة من ينظر إلى الشمس فلا يقدر أن يتمكن من

النظر إليها. وقال الجاحظ. يقول: كأني مدبر أمر الفلك فبخسته حظه من الخير فلموجدته على بغض الطرف إذا أبصرني. المعنى: يظهر استغناءه عنه لقلة خيره وسقوط ذكره، ويصف بغضه له ويقول: شعرك الذى قلته في سارعني أي لم يعلق بي، ولم يعمل في، وشعري الذي قلته فيك لزمك وأثر فيك، وصار ذلك كالقلادة لا يزول عنك، ومعنى آخر أن شعري فيك الذي هجوتك به سار عني لجودته، وشعرك في لا يجاوز بيتك ولم يحتمله الرواة لرداءته.

وقال الأحوص بن محمد الأنصاري، الأحوص: الضيق العين، كأنها مخيطة:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

إني على ما قد علمت محسد أنمي على البغضاء والشنآن

ما تعتريني من خطوب ملمة إلا تشرفني وتعظم شاني

فإذا تزول تزول عن متخمط تخشى بوادره على الأقران

إني إذا خفي الرجال وجدتني كالشمس لا تخفى بكل مكان

المتخمط: المتكبر، والبوادر: ما يبدر من الإنسان في غير عمد. المعنى: يصف كثرة الخير عنده، وإن الناس يحسدونه لذلك، وأنه لا ينزل به حادث إلا زاد به شرفاً، لعزة نفسه وترك الضراعة فيها، ويفتخر بشهرته في العلاء، وشبه نفسه بالشمس.

وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:

(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)

مهلاً بني عمنا موالينا لاتنبشوا بيننا ما كان مدفوناً

مهلاً بني عمنا عن نحت أثلتنا سيروا رويداً كما كنتم تسيرونا

لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذنا

الله يعلم أنا لا نحبكم ولا نلومكم ألا تحبونا

كل له نية في بغض صاحبه بنعمة الله تقليكم وتقلونا

ويروى "لا تحسبوا أن تهينونا". المعنى: لا تطمعوا منا فى المحال ولا تلتمسوا إكرامنا إياكم.

وقال الطرماح بن حكيم الطائي، الطرماح: الطويل:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

لقد زادني حباً لنفسي أنني بغيض إلى كل امرئ غير طائل

وأني شقي باللئام ولا ترى شقياً بهم إلا كريم الشمائل

المعنى: بغض اللئام إياي زادني حباً لنفسي لأني عرفت بذلك بعدي منهم لأن كل امرئ يحب من يوافقه ويشاكله، ويعادي من يباينه ويخالفه، كما قيل: الأشكال تأتلف والأضداد تختلف.

إذ ما رآني قطع الطرف بينه وبينى فعل العارف المتجاهل

ملأت عليه الأرض حتى كأنها من الضيق في عينيه كفه حابل

قطع الطرف بيني وبينه أي قصر بصره عني لبغضه إياي، والكفة - بالكسر- ما استدار من الصائد. المعنى: يصف المرء الذي لا طائل عنده، قال: بلغ من بغضه إياي أنه يغض طرفه عني ويعرفني ويظهر أنه بي جاهل، ثم قال: أرغمته بأن ضيقت عليه الأرض حتى كأنها عليه كفة صائد.

أكل امئ ألفى أباه مقصراً معاد لأهل المكرمات الأوائل

إذا ذكرت مسعاة والده اضطنى ولا يضطني من شتم أهل الفضائل

المسعاة؛ المكرمة، اضطنى: تصاغر ذلة، لأنه لا مساعي لوالده، فلا يمكنه أن يفتخر به. المعنى: من لم يكن من آباء كرام عادى أهل المكارم، ويتطاول لشتم أهل الفضائل.

وما منعت دار ولا عز أهلها من الناس إلا بالقنا والقنابل

القنابل: جمع قنبلة وهي جماعة من الخيل، وقوله: وما منعت دار ولا عز أهلها إلا بالقنا والقنابل، يريد عز الدار وأهلها بالسلاح.

وقال بعض بني فقعس:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

وذوي ضباب مظهرين عداوة قرحى القلوب معاودي الافناد

ناسيتهم بغضاءهم وتركتم وهم إذا ذكر الصديق أعاد

كما أعدهم لأبعد منهم ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد

يعني كم ذوي أضغان وأحقاد الواحد ضب، قرص القلوب: أي شديدي العداوة وقد قرحت قلوبهم من شدة العداوة حتى اسودت، والافناد: الافساد، وقوله: ناسيتهم بغضاءهم، أي تابعت احساني إليهم مع اساءتهم إلي. وقوله: وهم إذا ذكر الصديق أعاد، يعني إذا ذكر الصديق الخالص المودة، وقوله: ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد أي يضطر، المعنى: يصف حسن تدبيره في إصلاح أقاربه وإزالة الأحقاد عن قلوبهم وإعداده إياهم لوقت حاجته إليهم.

وقال زيد بن الحكم الكلابي، زيد مصدر زاد:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

دفعناكم بالقول حتى بطرتم وبالراح حتى كان دفع الأصابع

فلما رأينا جهلكم غير منته وما خاب من أحلامكم غير راجع

مسسنا من الآباء شيئاً وكلنا على حسب في قومه غير واضع

فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع

مسسننا من الآباء شيئاً: أي فكرنا الآباء وانتسبنا إليهم، فتساوينا في نسب الآباء، وكلنا إلى حسب في قومه غير واضع أي لا يضعه حسبه لأن آباءهم كرام، فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع أي تساوينا في شرف الآباء وفضلناكم في شرف الأمهات، وهذه الأبيات لا تليق بهذا الباب لتعريها من ذكر الشجاعة، وإنما هي من باب الافتخار بشرف الأصل.

وقال جابر بن رالان السنبسي من طيء، رالان، غير مهموز، فعلان من

رولت الخبز في السمن إذا رؤيته منه:

(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)

لعمرك ما أخزى إذا ما نسبتني إذا لم تقل بطلاً علي ومينا

ولكما يخزى امرؤ يكلم استه قنا قومه إذا الرماح هوينا

البطل: الباطل، والمين: الكذب، ومعنى يكلم استه إنما يستحي من ينهزم في الحرب إذا أهويت الرماح فهوت حتى يطعن مولياً في استه ولا يثبت مقبلاً، فيكون الجراح قدامه، وقيل: معناه إنما يخزى من تأخره عن الحرب حتى توضع الرماح في استه يقدم عليها، وربما مفلول كذلك. المعنى: يصف إقدامه في الحرب يقول: أني لا أستحي إذا ذكرت نسبي وأفعالي ما لم تكذب، وإنما يستحي من ينهزم حتى يطعن مولياً.

فإن تبغضونا بغضة في صدوركم فانا جدعنا منكم وشرينا

شرينا: أي أسرناكم وبعناكم، وجدعنا: قطعنا آذان جماعة منكم وبعنا ذراريكم، وقيل: معناه فضحناكم حتى صرتم بمنزلة المجدوع والبيع. المعنى: إن تبغضونا فحق لكم ذلك لأنا قد قهرنكم وذللناكم، وبالغنا في الإساءة إليكم.

ونحن غلبنا بالجبال وعزها ونحن ورثنا غيثاً وبدينا

وأي ثنايا المجد لم نطلع لها وأنتم غضاب تحرقون علينا

أي غلبنا الناس بأفعال مثل الجبال عظماً، وغيث وبدين قبيلتان، وتحرقون علينا أي تحرقون علينا أسنانكم غيظاً، بمعنى تحكون. المعني: يفتخر بعظم مساعيهم وأنهم ورثوا القبيلتين وأنهم مطلعو ثنايا المجد.

وقال سيرة بن عمرو الفقعسي، وعيره ضمرة بن ضمرة كثرة أبله، وسبرة: الغداة الباردة وجمعها سبرات، وضمرة من بني نهشل وهو الصحيح.

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم وقد سال من ذل عليك قراقر

ونسوتكم في الروع باد وجوهها يخلن إماء والإماء حرائر

مسلم: أي لا ناصر لك، وقراقر: اسم واد أي نالك الذل مثل هذا الوادى، فكأنه جرى عليك سيل من الذل، وقوله: يخلن إماء وإلا ماء حرائر أي يسر، لتبذلهن، إنهن إماء وهن حرائر، يذكر إحسانه إليه! في وقت بلغ الذل منه منتهاه.

أعيرتنا ألبانها ولحومها وذلك عار يا بن ريطة ظاهر

أي عار زائل كقوله تعالى: ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القَوْل﴾ أي باطل: المعنى: عيرتنا ألبان إبلنا ولحومها، وليس ذلك بعيب لما بينه بعد. وقيل: معناه أن الذي عبتنا به وهو كثرة الإبل فخر معروفون به، فلا نتحاشى منه وليس بعيب.

نحابي [بها] أكفاءنا ونهينها ونشرب في أثمانها ونفامر

المعنى: هذه الإبل التي عيرتنا بها هي معرضة لمنافع الناصر ومنافعنا، نعطي منها ونهينها في الشرب والمقامرة.

وقال رجل بن بني فقعس:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

أينبغي آل شداد علينا وما يرغى لشداد فصيل

فإن تعمز مفاصلنا تجدنا غلاظاً في أنامل من يصول

يرغى: يحمل على الرغاء، أي ليس في آل شداد من يهب فصيلاً فيرغو إذا قطع عن أمه، وينحر ناقة لأضيافه أو يهبها لزواره فيرغو فصيلها إذا فقد أمه، وقوله: فان تغمز: يعني أن تجربنا تجدنا شداداً، وأصله في العود يغمز فتعرف صلابته من خوره ورخاوته. المعنى: يصف سخاوة قومه تعريضاً، لأنه إذا ذم آل شداد بالبخل دل على أنه ليس مثلهم، ويصف في البيت الثاني عز قومه.

وقال جزء بن كليب الفقعسي، جزء من جزأت الشيء إذا جعلته أجزاء؟

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

تبغي ابن كوز والسفاهة كاسمها ليستاد منا أن شتونا لياليا

فما أكبر الأشياء عندي حزازة بأن أبت مزرياً عليك وزارياً

ابن كوز رجل من بني أسد خطب إلى بعض بني فقعس فأبى عليه، وكانت فقعس قد لحقتها السنة، فقال جزع هذه الأبيات. المعنى: طلب ابن كوز أن ينكح منا امرأة لاختلال أحوالنا فرد وأهون الأشياء عندي رده، وذلك قوله: "والسفاهة كاسمها" على أن فعله كان سفهاً منه.

وإنا على عض الزمان الذي ترى نعالج من كره المخازي الدواهيا

عض الزمان: شدته وما ينال من المكروه فيه. المعني: يقول: نعالج الدواهي من أن تلحق بنا كربة المخازي - وإن كان الزمان قد عض منا وأثر فينا- ونصبر عل اللأواء ولا نتلبس بالعار.

فلا تطلبنها يا بن كوز فإنه غذا الناس مذ قام النبي الجواريا

يعني أن العرب كانت تئد البنات، فلما بعث الني ﷺ نهى عن وأد البنات ونزل القرآن يحظر فلك فغذا الناس بناتهم فلم يئدوهن، فلا تخطب إلينا فإن تزويجك إياها بمنزلة الوأد لنا إذ كان إضاعة لها.

وإن التي حدثتها في أنوفنا وأعناقنا من الآباء كما هيا

المعنى: نحن وان أصابتنا السنة والمحنة فعلى ما كنا عليه من العزة وشرف الهمة، وقيل: معناه نحن على ما كنا عليه في الجاهلة من الكبر والنخوة، وإن كنا قد أسلمنا.

وقال زيادة بن زيد الحارثي، الحارث بن سعد أخو عذرة.

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

لم أر قوماً مثلنا خير قومهم أقل بنا منا على قومنا فخراً

وما تزدهينا الكبرياء عليهم إذا كلمونا أن نكلمهم نزراً

ويروى "ولم أر من قوم هم خير قومهم" وقوله: ما تزهينا: ما تستخقنا، يقال: زهاه الفرح وازدهاه. المعنى: يصف حسن معاشرتهم قومهم يقول: م أر مثلنا أقل فخراً عل قومها، ولا نتكبر عليهم بأن نقل مخاطبتهم استحقاراً.

ونحن بنو ماء السماء فلا ترى لأنفسنا من دون مملكة قصراً

ماء السماء من الازد سمي به لأنه إذا قحط القطر اجتبى فأقام ماله مقام القطر

وقيل لأبيه مزيقياء, لأنه كان يمزق كل يوم حلتين يلبسهما, ويكره أن يعود فيهما, ويأنف أن يلبسهما غيره. المعنى: يصف عزهم وأنهم أهل للملك.

وقال مسور بن زيادة حين عرض عليه سعيد بن العاص أمير المدينة سبع ديات بأبيه زيادة, وكان هدبة بن خشرم قتله غيلة فرفع أمره إلى معاوية فضن بالرجل عن القود, وحبسه إلى بلوغ ابنه فأبى وقال هذا الشعر, ويقال: هو لعمه عبد الرحمن ابن زيد بن مالك:

(الثاني من الطويل والقافية متدارك)

أبعْد الذِي بالنعْف نعْف كويكِبرهينة رمْس ذِي تراب وجندَل
أذكَّر بالبقيَا على مَن أصابنيوبقياي أنِّي جاهِد غير مؤتِل

النعف: المرتفع من الأرض كالثنية, كويكب: موضع, الرمس: هو بيت القبر. المعنى: يصف حرصه على القتل لمن قتل أباه لا أخذ الدية.

فالا أنَل ثأرِي مِن اليوْم أَو غَدبنِي عمنَا فالدهْر ذُو متطوَّل

المعنى: يقول: إن لم أدرك ثأري في هذه الحال, انتظرت طول الدهر, وتقلب الحال فلعي أقدر على انتهاز الفرصة فيه.

فلا يدعنِي قومِي ليوْم كريهَةإذَا لَم أعجِّل ضربَة أَو أعجَّل

ويروى ((فلا يدعني قومي لزيد بن مالك)). المعنى: لست بجلد إذا لم أقتل قاتله أو أهلك.

أنختُم علينَا كلكَل الحرْب مرَّةفنحْن منيخوهَا عليكُم بكلكَل

كلكل الحرب: شدتها وهي الصدر. المعنى: أصبتم منا فنحن ننتقم منكم.

يقول رجال مَا أصيب لهُم أَبولا مِن أَخ أقبل على المال تعقَل
كريم أصابته ذئاب كثيرةفلَم يدْر حتَّى جئْن مِن كُل مدخَل

المعنى: أصابتني ديات كثيرة بدم والدي فلم أدر حتى جئن من غير مدخل لأن مثلي لا يأخذ الدية على مثل ابي.

وقال بعض بني جرم من طئ, الجرم: القطع:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

إخالُك موعدِي بيني جفيْفوهالَة إنني أنهاك هالا
فالا تنتهي يَا هال انِّيأدعْك لمِن يعاديني نكالا
إذا أخصبتُم كنتُم عدوَّاواِن أجدبتُم كنتُم عيالا

يخاطب رجلا من بني هالة وهم قومه وأسرته, وبنو جفيف حلفاء لهم, أخالك: أحسبك- بكسر الألف وفتحها, والكسر أكثر وهي لغة تميم.

المعنى: يقول: توعدني بقومك وحلفائك, ثم أقبل على قبيلته فتوعدهم وقال: لئن لم تنته عن ذلك نكلت بك, ويقول: إذا أحسنت حالكم حاربتمونا وان ساءت حالكم ألزمتمونا.

وقال عويف القوافي, وقيل: لرجل من بني نصر بن سعد بن قعين قال ابن دريد: القعين اشتقاقه من القعن, وهو ارتفاع أرنبة الأنف, ووبر قبيلة من كلاب:

(الأول من البسيط والقافية من المتدارك)

اللؤم أكرَم مِن وبْر ووالدِهواللؤْم أكرَم مِن وبْر ومَا ولدَا
للشاعر الحكم الفزاري، من قصيدة «اللؤم أكرم من وبر ووالده»
واللؤْم داء لوبْر يقتلون بِهلا يقتلون بداء غيرِه أبدَا
للشاعر الحكم الفزاري، من قصيدة «اللؤم أكرم من وبر ووالده»
قوْم إذَا مَا جنَي جانيهِم أمنوامِن لؤْم أحسابهِم أََن يقتلوا قودَا

ومعنى قوم إذا ما جني ... البيت يعني بلغ من لؤمهم أنه إذا جني جانيهم فقتل ارتغبت أسرة المقتول عن قتله به, فان قيل: لم قال: اللؤم داء لهم يقتلون به

فأوجب قتلهم وقال أمنوا أن يقتلوا فهذه مناقضة؟ قيل: إنما نفى أن يقتلوا قصاصا من أحد لأنهم لا يبوؤن بأحد لخستهم, وأثبت قتلهم باللؤم فليس فيه مناقضة المعنى: يصف هذه القبيلة التي اسمها وبر بغاية اللؤم ونهاية الخسة.

وقال آخر:

(من المتقارب والقافية من المتدارك)

ألا أبلغَا خلتِي راشدَاوصنرِي قديما إذَا مَا اتصَل
بأَن الدقيق يهيج الجليلوأَن العزيز إذَا شاء ذَل
وأَن الحزامَة أَن تصرفوالحِي سوانَا صدور الأسَل
فاِن كنْت سيدنَا سدتنَاواِن كنْت للخال فاذهَب فخَل

صنوي أي قريني, والخال التكبر, وخالي إذا تكبر ويروي ((فخل)) بمعناه. المعنى: أبلغا راشدا خليلي وقريني بأن ما أبديته يعظم عليك ضرره, ويعرض بأنه يطلب السيادة ولا يقوم بأعبائها, ويتعظم على أصحابه, وذلك لا يحتمل منه.

وقال بعض بني أسد, ويروى لبعض بني فقعس, واقتتل فريقان من قومه على بئر ادعاها كل واحد منهما لنفسه:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

كِلَا أخوينَا إن يرَع يدْع قومَهذوِي جامل دثْر وجمع عرمرَم
كِلا أخوينَا ذو رجال كأنهُمأسود الشرَّى مِن كُل أغلَب ضيغَم
فما الرشْد في أَن تشتروا بنعيمكمبئيسا ولا أن تشربوا المال بالدم

ذوي جامل: أي أصحاب إبل كثيرة, والجامل اسم للإبل, وليس بتكسير جمل, إنما هو اسم موضوع للجمع, والدثر: الكثير, والشرى: مأسدة

معروفة, وأغلب: غليظ الرقبة, وبئيسا: أي بؤسا, وقوله: ولا أن تشربوا الماء بالدم, أي ليس الرشد أن تقتتلوا على هذه البئر لتشربوا ماءها. المعنى: يصف وقوع التنازع بين أقاربه وكلهم يرجع إلى مال وعدد لأن قوام الحرب بهما, ثم وصفهم بالبسالة فشبههم بأسود الشرى, ثم أنكر عليهم فعلهم وبين أن الرشد ليس في أن تبدلوا الصلاح بالفساد, وتشربوا الماء بالقتل.

وقال حريث بن عناب النبهاني من طئ:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

تعالوا أفاخركُم أأعيَا وفقعَسإلى المجْد أدنَى أَم عشيرة حاتِم
للشاعر حريث الطائي، اقرأ القصيدة
إلى حكَم مِن قيْس عيلان فيصَلوآخَر مِن حيَّى ربيعَة عالِم
للشاعر حريث الطائي، اقرأ القصيدة

أعيا بن طريف بن عمرو بن الحرث وفقعس بن طريف, وأسد وطئ

حليفان، ويريد بالحكم من قيس عيلان، عامر بن الظراب العدواني، وآخر من حيي ربيعة قيل هو دغفل النسابة: قاض يفضل الحكم، من الفصل. المعنى: يدعوهم إلى حكمين عالمين أحدهما من قيس عيلان والآخر من ربيعة ليحكم أيهم أشرف طيء أم أعيا وفقعش.

ضربْناكٌمٌ حًتى إذا قام مْيُلُكْم ضربْنًا العٍدى عَنْكٌمْ بٍبٍيض صوارم

فحٌُلوا بأكْنافيٍ وأكْناف معْشري أكْنْ حرْزكُمْ في المأقط الُمتلاحم

فقدْ كان أوْصاني أبي أنْ أضمًكُم إلىً وانهْي عنْكُمُ كُلً ظالم

معنى قوله: ضربناكم حتى ... البيت، أي قتلنا منكم حين أعوججتم، فلما استقمتم ضربنا أعداءكم لأجلكم، والأكناف: النواحي واحدها كنف، والمأقط: المضيف وجمعه مآقط، والمتلاحم: الضيق. المعنى: انزلوا بناحيتي واقربوا مني أحملكم بعد أن استقمتم، فقد كان أوصاني أبي بحمايتكم والذب عنكم.

وقال إبراهيم بن الحكم النبهاني، ويقال: إنها لرجل حبس وكان له صديق فجفاه صديقه فأفلت فمر بصديقه ومعه هذه الأبيات:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

تعز فإن الصبر بالحر أجملوليس على ريب الزمان معول
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة

فإن تكن الأيام فينا تبدلت بنعمي وبؤسي والحوادث تفعل

فما لينت منا قناة صليبية ولا ذللتنا للذي ليس يحما

فلو كان يغني أن يرى المرء جازعاً لحادثة أو كان يغني التذلل

تبدلت: تغيرت، وقوله: فما لينت أي لم نتضعضع للحوادث بل تجلدنا لها فأحسنا احتمالها. المعنى يقول: لو كان في الجزع فائدة لكان الصبر بالحر أولى، وإن تغيرت الأيام بالخير والشر فما تخضعنا لحوادثها ولكن صبرنا على ما لا يصبر غيرنا، يصف حسن احتمالهم شدائد الزمان، ويقال: أجزع الناس عند المصيبة أبطرهم نعمة.

لكان التعزي عند كل مصيبة ونازلة بالحر أحرى وأجمل

فكيف وكل ليس يعدو حمامه وما لا مرئ مما قضى الله مزحل

ولكن رحلناها نفوسا كريمة تحمل ما لا يستطاع فتحمل

مزحل: مبعد، يقال: زحل عنا فلان، وبه سمى زحل، وقوله: ولكن رحلناها، يعني حملنا تلك الحوادث نفوساً، تصبر كرماً ولا تظهر ألماً. المعنى: إن الصبر أولى بالحر لو كان الجزع مفيداً، فكيف ولا يجاوز أحد ما قدر له ولا يبعد مما قضى الله.

وقال آخر:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

وكم دهمتني من خطوب ملمة صبرت عليها ثم لم أتخشع

فأدركت ثاري والذي قد فعلتم قلائد فى أعناقكم لم تقطع

دهمتني: فاجأتني، يعني لزمكم الذم بخذلانكم إياي من حيث لا يزول عنكم، ويروي "لم تقطع" المعنى: بصف جلادته يقول: كم أصابني من شدائد صبرت عليها، ولم أتذلل فيها، وأدركت مطلوبي، وقد لزمكم الذم.

وقال عويف القوافي الفزاري عويف: تصغير عوف وهو الحال يقال: كيف عوفكم، وقال قطرب:. يقلة طيبة الريح:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

فهب الرقاد فلما يحس رقاد مما شجاك ونامب العواد

لما أتاني عن عيينة أنهأمسى عليه تظاهر الأقياد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

نخلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد

خبر أتاني عن عيينة موجع كادت عليه تصدع الأكباد

قوله: نخلت له نفسي النصيحة: أي أخلصتها، ومنه نخل الدقيق إخلاصه، وروى بعضهم "نحلت له نفسي" أي أعطت والأول أجود. المعنى:

يصف فرط اهتمامه بأمر عيينة لما بلغه اعتقاله، وإن كان واجداً عليه فزال حقده لما نكب، لما كان بينهما من الرحم.

وذكرت أي فتى يسد مكانهبالرفد حين تقاصر الأرفاد
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة
أم من يهين لما كرائم مالهولنا إذا عدنا إليه معاد

يسد مكانه، أي يقوم مقامه، ويروي "يسد مسده" بالرفد: بالمعونة، المعنى: يمدح صاحبه المعتقل بحسن معونة الإخوان وإهانة ماله للضيفان يقول: ذكرت أي فتى يقوم مقامه لم أجد أحد يسد مسده.

وقال بشر بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، البشر: طلاقة الوجه، والمغيرة: مفعلة من أغار، مفعلة من أغار، والمغير - بكسر الميم - وليس في الكلام مفعل إلا هذا ومنتن:

(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)

جفاني الأمير والمغيرة قد جفا وأمسى يزيد لي قد أزور جانبه

وكلهم قد نال شبعاً لبطنهوشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه

ازورَّ جانبه: أي أعرض وانحرف المعنى: يستزيد المهلب بن أبي صفرة ويزيد بن المهلب وأبه المغيرة: يقول: كلهم قد نال كفايته وأنا فى إذاعة، وما أتوه من أضاعتي لؤم

فيا عم مهلا واتخذني لنبوة تنوب فإن الدهر جم نواثبة

أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ومثلي لا تنبو عليك مضاربه

المعنى: يستعطف عمه المهلب ويقول: أحسن إلي وادخرني ليوم تحتاج إلى فيه، فإني أنا السيف بل أمضى منه.

وقال بعض بني سنبس ويقال عبد شمس.

(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)

يأيها الراكبان السائران معاً قولا لسنبس فلتقطف قوافيها

إني امرؤ مكرم نفسي ومتئد من أن أقاذعها حتى أجازيها

معني فلتقطف: أي لتبطئ وتتأخر، من قولهم: قطفت الدابةوالمقاذعة: المفاعلة من القذع - بتسكين الذال وفتحها - وهو الفحش من الكلام، ومئتد، متأن أي أرفق فلا أهجو هذه القبيلة. المعنى: ينهي سنبس عن هجائها، ويذكر أنه يترفع عن المشاتمة، ويتأنى حتى يجازي بالفعل، وقال الراياشي فلتقطف قوافيها من قطف الثمرة أي فلتقطفها كقولهم، احصد ما زرعت، وأحس ما

مزجت، أي هجونا فكان ثمرة ذلك أن غزوناهم ولنقطف ما أثمرت قوافيها، قال: ويؤيد هذا التفسير قوله: "لما رأوها من الأجزاع طالعة يعني خيله".

لما رأوها من الأجزاع طالعة شعثا فوارسها شعثاً نواصيها

لاذت هنالك بالأشعاف عالمة أن قد أطاعت بليل أمر غاويها

لما رأوها: يعني سنبس لما رأوا الخيل، والأجزاع: جوانب الأودية، والأشعاف: أعالي الجبال جمع شعف، والشعف جمع شعفة، ومعنى أن قد أطاعت بليل أمر غاويها، لما لاذوا بالجبال علموا أن الذي أشار عليهم بمخالفتهم غاو، وأنهم لما دبروا أمرهم بالليل غووا. العرب تقول: "هذا أمر عمل بليل" إذا لم يكن منتظماً. المعنى: لما رأت سنبس خلينا مغبرة الفوارس والنواصي فزعوا إلى الجبال هرباً، وعلموا أن من أمرهم بمخالفتنا أغواهم.

وقال آخر فى ابن له من سوداء، وهو زيد بن لثوة، إسلامي

(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)

لا تعذلي في حدج إن حندجا وليث عفرين لدي سواء

حميت على العهار إطهار أمه وبعض الرجال المدعين جفاء

فجاءت به سبط العظام كأنما عمامته بين الرجال لواء

حندج: اسم ابنه، ويروي "جندح" الجيم قبل الحاء، والأول أصح وهو فى اللغة رمل كثير أصفر من النقا، وليث عفرين: دويبة تتصدى للرامب كأنها تريد محاربته، وفى غير هذا الموضع ضرب من العناكب يصيد الذبان وثبا، وليس المراد به هذا لأنه يصف نجدة ابنه فلا يحسن تشبيهه ببعض العناكب، يقول حفظت إطهار أمه مع كثرة الزناة فجاء الولد نجيباً صحيح النسب قال: وبعض الرجال المدعين جفاء أي باطل، ويروي "غثاء"، وسبط العظام: طويل القامة تام الخلقة، فكأنه رمح عليه لواء، وهم يمدحون بطول القامة، يعني إذا مشى بين الرجال طالهم فكأنه رمح عليه لواء. المعنى: يخاطب امرأته يقول لها: لا تعذليني فى ابني حندج، فهو عندي كليث عفرين، ثم وصف طيب ولده وكمال خلقته.

وقال أبو الشغب العبسي، إسلامي كان في زمن هشام:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

إذا كان أولاد الرجال حزازة فأنت الحلال الحلو والبارد العذب

لنا جانب منه دميث وجانب إذا رامه الأعداء مركبه صعب

وتأخذه عند المكارم هزةكما اهتز تحت البارح الغصن الرطب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

وقيل هذه الأبيات لأبي رباط قالها فى ابنه رباط يثني عليه، وقبلها بيت شعر هو:

رأيت رباط حين تم شبابهوولى شبابي ليس في بره عيب

وحزازة: أي غماً وغيظً بقطع قلوبهم، فأنت الحلال: أي الطيب الحلو فى العين والصدر، والبارد العذب: أي بمنزلة الماء البارد، ودميث: أي سهل لين، ويروي "ممتنع" ويروي "مطلبه" أي لا يوصل إليه ويروي "متلفه" أي تلفه لا يقدر عليه أعداؤه ومعنى هذا البيت أنه يلين لنا طاعة، ويصعب على الأعداء شجاعة ثو وصف كرمه فقال: وتأخذه عند المكارم هزة، وشبه اهتزازه بالريح الحادة وهي البارح لأن الباردة ميبسة، والغصن إذا هبت عليه الريح الباردة المعنى: يثني على ولده بحسن بره وطيب عشرته، ولين جانبه له، مع شدته على أعدائه

وقال صريع الغواني:

وفارقت حتى ما أبالي من انتوي وإن بان جيران على كرام

فقد جعلت نفسي على النأي تنطوي وعيني على فقد الحبيب تنام

ويروي "ما أبالي من النوى" وهو البعد، وتنطوي تسكن وتقر، يقول:

تعودت مفارقة إخواني وجيراني الكرام حتى صار لي عادة، فما أبالي من بعد منهم وإن كان كريماً، فنفسي تسكن وعيني تنام مع فراق الصديق لقلة مبالاتي به. المعنى: يصف اعتياده النوائب حتى ترب عليها.

وقال آخر، وهو مؤرخ السدوسي، إسلامي:

(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)

روعت بالبين حتى ما أراع له وبالمصائب فى أهلي وجيراني

لم يترك الدهر لي علقاً أضن به إلا اصطفاه بأي أو بهجران

المعنى: يصف اعتياده للمصائب حتى ما يبلي بها، ويشكو الدهر تفريقه بين الأحب وبينه.

وقال طفيل الغدوي، جاهلي:

وما أنا بالمستنكرين البين إنني بذي لطف الجيران قدماً مفجع

جدير به من كل حي صحبتهم إذا أنس عزوا على تصدعوا

يروى البين - بالنصب والجر - فالجر على الإضافة (والنصب على المفعولية لاسم الفاعل مستنكر)، وقوله بذي لطف الجيران أراد بلطف الجيران، وذا وذو وذات مما يزاد في الكلام، وإن شئت جعلته مضاف إلى اسم المسمى، والأنس: للناس. المعنى: يصف اعتياده مفارقة الأخوان وتفجيعه بهم، وكل حي ألفته خليق أن أفارقهم.

وقد علموا أنا سنأتي ديارنافيرعون أجواز العراق ونرفع
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «جزى الله عوفا من موالي جنابة»

ونرفع: يعني نرفع أبلنا فى السير، وقيل: بمعنى نرتفع، ولا يعرف صحته. المعنى: أمدح قوماً يحسنون إلينا لأنهم قد علموا أنا نعود إلى ديارنا فنذكر عنهم ما كان منهم، وقيل: إنهم يهددهم، والمعنى: أنا نأخذ أرضهم ونطردهم إلى العراق، والأول أصح لقوله بعده:

وقد علموا ما الار والضيف مخبر إذا فارقا كل بذلك مولع

فهذا يدل على أنه يمدحهم، ولذلك وصفهم بأنهم قد علموا بأن الضيف يخبر عما أسدى إليه من الإكرام وغيره.

وقال الراعي: سمى بذلك لكثر ة شعره في الإبل، واسمه عبيد بن حصين، مخضرم:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك:

وقَد قادنِي الجيران حينا وقدتهُموفارقْت حتى مَا تحِن جماليَا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ظعنت وودعت الخليط اليمانيا»
رجاؤُك إنساني تذكُر إخوتِيومالُك إنساني بوهبين ماليَا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ظعنت وودعت الخليط اليمانيا»

يقول: تبعوني وتبعتهم آلفهم ولا أفارقهم. وفارقت حتى تعودت الفراق فلا أحن, أي ما أعطيتني من مالك أنساني مالي بوهبين, لأن ما أعطيتني أكثر من مالي هناك. المعنى: يمدح هذا المخاطب يقول: لما رأيتك سلوت عن جميع إخواني وأموالي.

وقال آخر وهو مؤرج السدوسي:

(الثاني من البسيط والقافية متواتر)

لا يمنعنَّك خفْض العيْش في دعَةنزوع نفْس إلى أهْل وأوطان
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «لا يمنعنك خفض العيش في دعة»
تلقَى بكُل بلاَد إنْ حللْت بهِاأهْلا بأهْل وجيرانا بجيراَن
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «لا يمنعنك خفض العيش في دعة»

ويروى ((إخوانا بإخوان)) ويروى ((أنت ساكنها)) و ((أنت نازلها)), يقول: إذا كنت في نعمة فلا يخرجنك منها شوقك إلى أهل ووطن, ثم بين وجه ذلك فقال: تلقى بلاد أهلا مكان اهلك وجيرانا مكان جيرانك, فلا تفارق الخفض والدعة شوقا إلى الأهل والوطن.

وقال بعض بني أسد, إسلامي:

(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)

إلا أكُن ممِا علمْت فإننِيإلي نسَب ممِا جهلْت كريم

المعنى: يخاطب امرأة من غير قبيلته يقول: إن لم تعرفي نسبي فاني من قوم كرام.

وإلا أكُن كُل الجواد فإننيعلى الزاد فِي الظلماًء غيْر شتيم
للشاعر عبد العزيز بن زرارة الكلابي، اقرأ القصيدة

المعنى: يذكر جوده يقول: إن لم أكن كحاتم في السخاء فأنني أحسن قرى أضيافي, وأبذل الزاد في الليالي المظلمة.

وإلا أكُن كُل الشجاع فإننيبضرب الطلي والهام حَق عليهم
للشاعر عبد العزيز بن زرارة الكلابي، اقرأ القصيدة

أي إني إن لم أكن في الشجاعة كعتيبة بن الحارث وعنترة بن شداد, فاني عليهم بضرب الأعناق والرؤوس.

وقال عمرو بن شأس في ابن له من سوداء اسمه عرار, ومكان شأس شاذ غليظ, والعرار صوت النعامة.

(الثالث من الطويل والقافية من المتدارك)

أرادَت عرارا بالهوان ومَن يرِدعرارَا لعمرِي بالهوان فقَد ظلَم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

المعنى: أرادت هذه المرأة أن تهين ولدي, ومن يرد اهانته فقد ظلم لأنه أحب الناس الي وأعزهم علي, ثم قال لها:

فاِن كنْت مني أَو تريدين صحبتيفكونِي لَه كالسمْن ربَّت لَه الأدَم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
واِن كنْت تهويْن الفراق ظعينتيفكونِي له كالذئْب ضاعَت لَه الغنَم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
وإلا فسيرى مثْل ما سار راكِبتجشَّم خمسَا ليْس في سيره أمَم

أي إن كنت توافقيني وكنت من أهلي كوني كالسمن الذي لا يتغير لأن الأديم يعالج برب التمر لئلا يفسد الثمن, وسقاء مربوب مصلح, والأدم: جمع أديم وهو نادر. وقوله: فكوني له كالذئب ... الخ, يريد لضاعت له الغنم إفسادا, والذئب لا يصالح الغنم بحال, وفي المثل ((من استرعى الذئب ظلم)) وإلا فسيرى أي اغربي أي ابعدي, وقوله: تجشم خمسا يعني تجمل المشقة خمس ليال, وليس في سيره أمم أي قصد لأنه ممعن في السير. المعنى: يقول لامرأته ان أردت وفاقي

وصحبتي فأحسني عشرته, وان هويت مفارقتي فاظهري العداوة له, وإلا فاغربي عني وأمعني في السير, فلا حاجة لي فيك: ويروى ((تيمم خمسا)).

فِان عرارَا إن يكُن ذا شكيمَةتلاقينهَا منْه فما املِك الشيَم

الشكيمة: الشدة واصلها فأس اللجام. المعنى: يقول: إن يكن ولدي صعب الخلق, فان الله يملك الأخلاق ولا أقدر على تغييرها.

واِن عرارَا إن يكُن غير واضَحفانَّي أحِب الجوْن ذا المنكِب العمَم

العمم: التام, وكذلك العميم, والواضح: الأبيض, والجون: الأسود وكذلك الأبيض. المعنى: يقول: إن ابني إن لم يكن واضحا فاني أحب الأسود تام الخلق.

وقال آخر, وهو اسحق بن خالد في قصيدة طويلة, وهو إسلامي: (الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

لولا أميمَة لَم أجزَع مِن العدَمولَم أقاس الدجَى في حندِس الظلَم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لولا أميمة لم أجزع من العدم»
وزادنِي رغبَة في العيش معرفتِيذُل اليتيمَة يجفوها ذوُو الرحِم
للشاعر إسحاق بن خلف البهراني، اقرأ القصيدة

أميمة: بنت الشاعر وهو تصغير أم. المعنى: يصف فرط اهتمامه بأمر بنيته, فانه لولا هي لم يجزع من العدم والفقر, ولم يطلب الغنى ولم يرغب في العيش إلا ليصونها من جفوة الأقارب.

أحاذِر الفقْر يوما أَن يلِم بهافيهتِك الستْر عَن لحْم على وضَم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لولا أميمة لم أجزع من العدم»
تهوَى حياتِي وأهوَى موتهَا شفقَاوالموت أكرَم نزال على الحرَم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لولا أميمة لم أجزع من العدم»
وإنها بعْد موتِي لا تفيد أبَاأخرَى الليالي إذا غيبت في الرجَم

أخرى الليالي: آخرها يعني أبدا, والرجم: القبر لأنه تلقى عليه الحجارة. المعنى: أخشى القبر أن ينزل بابنتي فتضيع, وإنها لا تجد أبا إذا هلكت يصلح أمرها, فلهذا ارغب في العيش.

مَا أنْس لا أنْس اِذ قامَت تودعنِيوقولهَا لِي بدمْع واكِف سجِم
لا تبرحَن واِن متنَا فاِن لنَاربَّا تكفَّل بالأرزاق والقسَم
أخشَى فظاظَة عَم أَو جفاء أَخوكنْت أخشَى عليهَا مِن أذَى الكلِم

المعنى: يقول: لا أنسى قولها لا تبرجن وهو مودعة باكية, ثم قال: وان متنا فان لنا ربا تكفل بالأرزاق والقسم, وتريد ابنتي حياتي وأريد موتها, لا بغضا لها, ولكن شفقة عليها, لأني أخشى أن يجفوها بعد موتى عمها أو أخوها, وكنت أرفق بها ولا أوحشها.

وقال آخر, ويقال حطان بن المعلَّى, وقيل: هو خطاب بن المعلى.

(الثاني من السريع والقافية متواتر)

أنزلنِي الدهْر على حكمِهمِن شامِخ عال إلى خفْض
للشاعر حِطّان بن المُعَلَّى، من قصيدة «أنزلني الدّهرُ على حُكْمِه»
وغالنِي الدهْر بوفْر الغنَىفليْس لي مال سوَى عرضِي
للشاعر حِطّان بن المُعَلَّى، من قصيدة «أنزلني الدّهرُ على حُكْمِه»

غالني: أهلكني, المعنى: يشكو الدهر أنه قد حط من منزلته واذهب ماله, ويحتمل أن يكون يشكو النشب في البيت الأول, كما قيل: ((كل امرئ سيعود مريا)).

أبكانِي الدهْر ويَا ربَّماأضحكنِي الدهْر بمَا يرضِي
لولا بنياَّت كزغْب القطَارددْن مِن بعض إلى بعض
للشاعر حِطّان بن المُعَلَّى، من قصيدة «أنزلني الدّهرُ على حُكْمِه»

الزغب: جمع زغب وهو من الريش اللين الذي لا يقوم, يصفهن بالصغر, وقوله: رددن من بعض إلى بعض يعني كن في صلبي فرددن إلى قلبي يريد كأنهن سواكن قلبي محبة وشفقة, ويروي ((رددن من بعضي إلى بعضي)) أي قوسنني من كثرة اهتمامي بهن, هذا قول أبي العميثل ويروى ((جمعن من بعضي إلى بعضي ((أي هن من أمهات شتى ونساء غير مشفقات عليهن, ويروي ((حدون من بعضي)) قوله: مضطرب هنا مكان لقوله واسع, ويجوز ان يكون مصدرا أي اضطراب في الأرض. المعنى: يقول: لولا بنياتي الصغار ما أبالي أينما كنت على الأرض.

وإنما أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض

وقال حيان بن ربيعة حيان: فعلان من الحياة ومن الحيا.

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

لقَد علِم القبائِل أَن قومِيذوُو جِد اذَا لبِس الحديد
وأنَّا نعْم أحلاس القوافياذَا استعَر التنافُر والنشيد
وأنَّا نضرِب الملحاء حتَّىتولي والسيوف لنا شهود

ويروي ((ذوو حد)) بالحاء وهو أحسن لمجانسته الحديد, يقول: قد شهر أمرنا بين القبائل وعرفوا أنا نجد في الحرب إذا لبس السلاح, وقوله: وأنا نعم أحلاس القوافي, يعني أصحاب الشعر, والأحلاس: الأشكال والأقران, والملحاء: البيضاء, وأراد الكتيبة الكثيرة السلاح كأنها تملح من كثرة السلاح, وقوله: لنا شهود أي بها فلول وثلم تشهد بأنها أعملت في جماجم الأعداء. المعنى: يصف اشتهارهم في قبائل العرب في الجد في الأمور وباجادة الشعر وإعمال السيوف في الحرب.

وقال الأعرج المعنى: ويكني أبا برزة من طئ قال البرقي: هو من بني

ضبة.

(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)

أنَا أبُو برزَة إذ جَد الوهَل

خلقْت غير زمَّل ولا وكَل

ذَا قوَّة وذَا شباب مقتبَل

لا جزَع اليوْم على قرْب الأجَل

مقتبل: مستقبل في أول شبابه, وعلى قرب الأجل أي مع قرب الأجل. المعنى: يصف أنه مشهور في الحروب, وانه في عنفوان شبابه, وزيادة قوته, وينتفي من الضعف والعجز, ويصف حرصهم على الموت وقلة جزعهم منه.

الموْت أحلى عندنَا مِن العسَل

ردوا علينَا شيخنَا ثُم بجَل

شيخنا: يعني عثمان- ﵁, وقوله: ثم بجل أي حسب, وإنما طلب المحال برد عثمان يريد كما لا يوصل إلى ذلك لا يوصل إلى رضانا, فنحن نطاعنكم لأجله أي لا صلح بيننا.

نحْن بنِي ضبَّة أصحاب الجمَل

ننعى ابن عفان بأطراف الأسَل

ننعى ابن عفان أي نطلب دمه, يقال: نعيته أنعاه نعيا إذا طالب بدمه وثأره وسالت أبا منصور بن الجبان عن ذلك فأنكره.

ننازِل الموْت إذا المْوت نزَل

لَا عار في الموْت إذا حُم الأجَل

ويروى: ((إذا حان الأجل)) أي تعودنا الحرب والقتل, ولا عار بالموت مع أن الأجل قريب, ويروى ((نحن بني الموت)). المعنى: يصفهم بالجرأة.

وقال آخر من طئ, إسلامي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

داو ابن عَم السوء بالنأْي والغنَىكفَى بالغنَى والنأْي عنْه مداويَا
يسُل الغنَى والنأْي أدواء صدرِهويبدِي التدانِي غلظَة وتقاليَا

يسل: يحرج, المعنى: يقول: ابعد عن ابن عمك ولا تجاوره واستغن عنه

ولا تبد حاجتك اليه كي لا تكون في قلبه موجدة ويبغضك, فانك ان احتجت اليه استثقلك وان جاورته حسدك, وقيل: تباعدوا في الديار وتقاربوا في القلوب.

جزَي الله عنّي محصنا ببلائِهوإِن كان مولاَي القريب وخاليَا
أعان على الدهْر إِذ حَك بركُهكفَى الدهْر لَو وكلتَه بِي كافيَا

م حصن: اسم رجل وهو في اللغة القط, وببلائه يعني بصنيعه, وان كان ابن عمي أخا وخالا دنيا, ثم بين صنيعه الذي يستجزي عليه وقال: أعان على الدهر اذ حك بركه أي لما انقلب الزمان على واشتد صار على مع الزمان, والبرك: الصدر, وهو البركة, ثم قال: لو لم يعن على الدهر كان في إساءة الدهر إلى كفاية.

وقال رجل من كلب, إسلامي:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

وحنَّت ناقتِي طربا وشوقَاإلى مَن بالحنين تشوقيني
للشاعر حسن حسني الطويراني، اقرأ القصيدة
فاني مثْل ما تجديِن وجدِيولكِن أسمحَت عنهُم قروني

ويروى ((أصبحت)) ومعناه أسمحت وانقادت, قروني: أي نفسي, المعنى: يصف اشتياق ناقته إلى الوطن ومخاطبته إياها بأن به من الشوق مثل ما بها, ولكن سمحت نفسه عنهم بأن فارقتهم.

رأوْا عرشِي تثلَّم جانباهفلما أن تثلَّم أفردوني
هنيئا لابن عَم السوء إنيمجاورة بنِي ثعَل لبوني

عرش الرجل: عزه وسلطانه وحسن حاله, فإذا ذهب منه ذلك ثل عرشه, وأفردوني تبرأوا مني وجعلوني فردا, ويروى ((أشقذوني)) أي طردوني. يقول: هنيئا لهم أي قد تحولت عنهم وصرت في حي بني ثعل, ومن عادة العرب ألا تبعد ذوات الألبان عنهم, فدل بقوله: لبوني مجاورة بني ثعل على أنه مجاورهم.

المعنى: يشكو بني عمه أنهم لما رأوا سوء حاله أعرضوا عنه. ويصف تحوله عنهم إلى بني ثعل.

وقال رجل من بني أسد, وهو كميت بن ثعلبة:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

وما أنَا بالنكْس الدنِي ولا الذِيإذا صَد عنّي ذُو المودَّة أحرَب
ولكننِي إن دام دمْت واِن يكُنلَه مذهَب عنْي فلي عنْه مذهَب

النكس: الرجل الفسل الذي لا خير فيه, يقول: لست دنيّا ساقطا إذا أعرض عنه صديقه يغضب لذلك, ولكنني ان دام الصديق على المودة دمت له عليها وان يكن له مذهب عني أو ذهاب فلي عنه ذهاب وأحرب: أغضب, والحرب: الغضب. المعنى: لست عاجزا يغتاظ الإعراض صديقه عنه, ولكن أجازيه بمثل فعله.

ألا إن خير الوُد وُد تطوعَتبِه النفْس لا وُد أتَى وهْو متعَب
للشاعر الكُمَيتِ بن معروف الأسدي، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.