تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب الحماسة ومعنى الحماسة الشدة والشجاعة (٧)

أي يصاد بها الأرواح، وإنما قال له في البيت بعده: كن عن شمالي فخض الشمال لأن الضرب والطعن والرمي في العطف وما شاكل ذلك من الجانب الأيسر

أمكن وأيسر منه على الجانب الأيمن، فأمره أن يقف على موضع يمكنه الذب عنه، وقيل فيه وجه آخر وهو أن القلب في الجانب الأيسر فقال كن في الجانب الذي أنا معني به. المعنى: افتخر بأنه ذب عن ابن مرهوب حين استصرخه على ما كان بينهما من العداوة، وهذا شرح البيت الذي بعده.

وقلت له كن عن شمالي فإننيسأكفيك إن ذاد المنية زائد

وقال الرقاد بن المنذر الضبي، جاهلي، ويقال الرقاد وهو مصدر رقد إذا نام:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

لقد علمت عوذ وبهثة أننيبوادي حمام لا أحاول مغنما
ولكن أصحابي الذين لقيتهمتعادوا سراعاً واتقوا بابن أزنما
فركبت فيه إذ عرفت مكانهبمنقطع الطرفاء لدنا مقوما
ولو أن رمحي لم يخني انكسارهجعلت له من صالح القوم يوءما

أي أني طالب ثأر لا أطلب غنيمة ولا نهباً، ولكن أصحابي تعادوا سراعا أي كفوا عني وجعلوا بيني وبينهم ابن أزنم، أي انهزموا وجعلوا ابن أزنم جنة لهم من أنفسهم ويروى "تفادوا" من الفداء، أي فدى بعض أصحابي بعضهم وخذلوني، فركبت أي طعنته رمحاً لدنا ليناً، ومنقطع الطرفاء موضع بعينه.

المعنى: يفتخر بأنه طالب بالثأر دون طالب المال، ويذكر شجاعته، وأنه طعن ابن أزنم، ولو لم ينكسر رمحه لثناه برجل شريف من حيه، وهم يفتخرون بأن يقتلوا الأشراف أو يقتلهم الأشراف، ولهذا قالت أخت عمرو بن عبد ود لما سئلت عن

قاتل أخيها فقالت: علي بن أبي طالب، وأرادت بذلك الافتخار.

ولو أن في يمنى الكتيبة شدتيإذا قامت العوجاء تبعت مأتما

الشدة الحملة. المعنى: يقول لو حملت على الكتيبة في يمناها لقتلت ابن العوجاء فكانت أمه تقيم عليه المأتم.

وقال أيضا:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إذا المهرة الشقراء أدرك ظهرهافشب الإله الحرب بين القبائل
وأوقد ناراً بينهم بضرامهالها وهج للمصطلي غير طائل
إذا حملتني والسلاح مشيحةإلى الروع لم أصبح على سلم وائل
قدى لفتى ألقى إليَّ برأسهاتلادي وأهلي من صديق وجامل

ويروى "أركب ظهرها" أي جاز أن يركب، فشب يدعو بأن يهيج الله الحرب بين الناس، بعد إدراك مهرته، لأنه لم يكن له مركوب غيرها، المشيحة المجدة، وقد أشاح إذا حد، وقوله: على سلم وائل يعني صلح ربيعة، وقوله ألقى إلي برأسها أي وهبها يعني المهرة، وتلادي رفع بخبر الابتداء. المعنى: يتمنى وقوع الحرب بين القبائل إذا صلحت مهرته للركوب لأنه فارس إذا ركب فرساً مجداً في السير لم يسالم أعداءه، ثم دعا لمن أعطاه هذا الفرس.

وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة بن المنذر بن ضرار، شمعلة منقول من

الناقة المشمعلة، وهي الجادة الماضية، وهبيرة تصغير هبرة، وهي القطعة من اللحم:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

ويوم شقيقة الحسنين لاقت بنو شيبان آجالاً قصارا

شككنا بالرماح وهن زور صماخى كبشهم حتى استدارا

فخر على الالاءة لم يوسد وقد كان الدماء له خمارا

وأوجرناه أسمر ذا كعوب يشبه طوله مسداً مغارا

الحسنان نقيان بالدهناء، والشقيقة: الرملة المستطيلة، وهو الجبل أضافهما إلى الحسنين وهما كثيبان أحدهما يسمى الحسن كالقمرين والعمرين، شككنا شققنا، والالاءة شجرة تنبت في الرمل، ولهذا خبر طويل ومحاربة جرت بين بسطام وبطن من ضبة وعاصم بن خليفة من ضبة ركض فرسه نحو بسطام، وجعل يسقط عليه مهب الريح، فلما حاذاه جمع يديه فى رمحه ثم رماه بفرسه، فطعنه في صماخ أذنه حتى أنفذ الى جانبه الآخر، فخر صريعاً على شجرة تسمى ألاءة، وزور من ازور، وقد كان الدماء له خماراً أي صبً دماؤه على موضع الخمار منه، المعنى: يصف إيقاعهم ببني شيبان، وقتلهم رئيسهم بسطام بن قيس وطرحهم إياه على الشجر الذي سماه، وقوله: أسمر ذا كعوب يريد به الرمح والمسد المغار المستحصن الفتل، والمغار المفتول يشبه الرمح به.

وقال حسيل بن سجيح الضبي، ويروى بالشين وهو ابن زمعة بن شييم بن ثعلبة بن ذؤيب بن السيد بن سعد بن بكر من ضبة، وحسيل تصغير حسل وسجيح تصغير أسجح مرخم:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

لقد علم الحي المصبح أنني غداة لقينا بالشريف الأحامسا

جعلت لبان الجون للقوم غاية من الطعن حتى آض أحمر وارسا

وأرهبت أولى القوم حتى تنهنهوا كما ذدت يوم الورد هيما خوامسا

الأحامس: بنو عامر بن صعصعة الواحد أحمس، نبزوا في ذلك لتشددهم في دينهم، والحمس قريش، والجون فرس حسيل ها هنا، وغاية من الطعن أي جعلت صدر فرسي غاية لرماحهم ونبلهم لم يجاوزوني. حتى آض أي صار صدر الفرس الأدهم أحمر من كثرة الدم عليه والوارس ذو الورس يقال: هو الزعفران، وأرهبت أي خوفت أوائلهم بشدتي عليهم، حتى تنهنوا أي كفوا، يقول: دفعت الخيل عني كما دفعت يوم الورد ابلاً عطاشاً عن الماء، وقد أبصرته فهي تتزاحم عليه. المعنى: يصف شجاعته في الحرب وقد جرح وقد جرح فرسه، ويذكر دفعه العدو بجهد واندفاعهم عليه بشدة.

بمطرد لدن صحاح كعوبه وذي رونق عضب يقد القوانسا

وبيضاء من نسج ابن داود نثرة تخيرتها يوم اللقاء الملابسا

وحرمية منسوبة وسلاجم خفاف ترى عن حدها السم قالسا

فما زلت حتى جنني الليل عنهم أطرف عني فارساً ثم فارسا

بمطرد يعني برمح مستو لا أود فيه، لدن أي لينّ، من نسج ابن داود وهو غلط العرب لأن الدروع من نسج داود، ونثلة ونثرة أي واسعة، وسلاجم أي نصال طوال وقوله: ترى عن حدها السم قالساً أي تقذف بالسم، والقلس القيء، وهذا

على وجهين أحدهما أنها تقتل كما السم، والآخر أنها مسمومة، وقد أكثر من سمها حتى كأنها تقيء به. المعنى: يصف أعماله ضروب الأسلحة: الرمح والسيف والقوس والسهم وممارسته القوم إلى أن سترته ظلمة الليل، والحرمية ضرب من القسى.

ولا يحمد القوم الكرام أخاهم الـ ـعتيد السلاح عنهم أن يمارسا

العتيد السلاح: الحاضر. المعنى: ليس المراد أن القوم لا يحمدون أخاهم الحاضر أن يمارس عنم، وإنما أراد أنه لا يجد أن يحمدوه إذا كان حاضر السلاح، لأنه إذا كان كذلك أي شيء يعمل سوى الحرب والدفع عن القوم. يقول: لا أمنن عليهم بما فعلت لأني كنت كامل الأداة.

وقال محرز بن المكعبر الضبي، محرز نعت من أحرزت الشيء، والمكعبر من كعبرت الرمح قطعت كعابره، وهي عقد أنابيبه:

(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

نجي ابن نعمان عوفا من أسنتنا ايغاله الركض لما شالت الجذم

حتى أتى علم الدهنا يواعسه والله يعلم بالصمان ما جشموا

حتى انتهوا لمياه الجوف ظاهرة ما لم تسر قبلهم عاد ولا إرم

إيغاله الركض أي إمعانه في ركضه الفرس منهزماً ومتابعته ذلك، والجذم بقايا السياط الواحدة جذمة. وشالت ارتفعت يعنى المنهزمون كانوا يرفعون سياطهم على دوابهم ضرباً لينجوا حتى تقطعت وبقيت الأصول في أيديهم، وعلم الدهنا جبل لبني ضبة يقال له: > والدهناء يمد ويقصر، ويواعسه أي يركض في الوعساء وهي الأرض الرخوة ذات رمل، والصمان موضع بعينه يقول: أتى ذلك المكان، والله أعلم ما تكلفوه من السير وما لحقهم من التعب في ذلك الموضع حتى انتهوا إلى مياه الجوف ظاهرة أي ظهيرة، ما لم يسر قبلهم عاد ولا ارم لسرعة سيرهم وحملهم التعب على أنفسهم لينجوا. المعنى: يصف شدة فزع العدو منهم حتى تكلفوا هذا الهرب البعيد، وان ابن نعمان نجاه إيغاله في الهرب.

وقال عامر بن شقيق بن كوز بن كعب بن نخالة بن ذهل بن مالك الضبي.

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

فانك لو رأيت ولن تريه أكف القوم تخرق بالقنينا

بذي فرقين يوم بنو حبيب نيوبهم علينا يحرقونا

كفاك النأي مما لم تريه ورجيت العواقب للبنينا

تخرق تجرح ويروى > من الخرق وهو ضد الرفق أي لعجلتهم، والقنين والقنون جمع قناة وجمعت بالواو والنون، وذو فرقين هضبة من بلاد بني أسد وتميم بين طريق البصرة والكوفة. المعنى: يخاطب امرأة ويصف لها شدة الحرب على

القوم يقول: لو رأيت بذي فرقين تخارق القوم كفاك قتلهم وبعدهم لأنه لا بعد أبعد من القتل، ويئست من رجالك ورجوت البنين أن يخلفوا آباءهم لانقطاع الطمع فيهم.

وقال أبو تمامة بن عازم الضبي ويقال عازب:

(الثاني من المتقارب والقافية من المتدارك)

رددت لضبة أمواهها وكادت بلادهم تستلب

بكر المطي وإتعابه وبالكور أركبه والقتب

أخاصمهم مرة قائما وأجثو إذا ما جثوا للركب

وان منطق زل عن صاحبي تعقبت آخر ذا معتقب

أفر من الشر في رخوة فكيف الفرار إذا ما اقترب

وتروى > ويروى > وأجشو مثل، يريد أقابلهم في الخصومة أن قامت قمت وان جثت جثوت، وقوله: وان منطق يريد وان أخطأ صاحبي الذي أذب عنه تعقبت أي أخذت وجهاً آخر ويروى > ويروى > أي أخذت في طريق ضيق لا يسلكها معي غيري، لأن العرقوب طريق ضيق في الوادي، والجثو القيام على الركب ويروى > أي متطلع من العتبة وهي الدرجة أي لي فيه درج أعتب فيه بالحجة حتى ألقى خصمي بالعويص، ومعنى أفر من الشر في رخوة أي أترك الشر ما وجدت عنه منصرفاً فإذا وقعت فيه لم أجد بداً من استعماله، وأراد بالشر ها هنا الحجة أي أفر من الحجة أن ثقبت علي، فإذا ثبتت لا يمكن الفرار منها. المعنى: يصف جلادته في الخصومة ومحاجته في الدفع، ويعتذر بقوله أفر من الشر مما أتاه من الخصومة، ويذكر في أول البيت منته على َضبة برد مياههم عليهم.

وقال أبو ثمامة أيضاً:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

قلت لمحرز لما التقينا تنكب لا يقطرك الزحام

أتسألني السوية وسط زيد ألا إن السوية أن تضاموا

فجارك عند بيتك لحم ظبي وجاري عند بيتي لا يرام

لا يقطرك أي لا يصرفك الزحام على قطر أي جانب، يقول: انك ضعيف لا تثبت لمزاحمة الرجال فاعدل عن طريقي كي لا تصرع، وزيد رهط من ضبة، وأن تضاموا أن تظلموا يقول: أتطلب مني أن أنصفك وإنصافي لك أأظلمكم لما سبق منكم، والعرب تفتخر بالظلم وتعيب من لا يظلم، وقوله فجارك عند بيتك أي جارك ذليل يتناوله من يطلبه فهو بمنزلة لحم صيد، وجاري عزيز لا يوصل إليه.

وقال عبد الله بن عنمة الضبي ويروى لحاتم الطائي، وعنمة واحدة العنم، قال أبو عبيدة هي أطراف الخروب الشامي:

(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)

ما إن ترى السيد زيدا في نفوسهم كما يراه بنو كوز ومرهوب

إن تسألوا الحق نعط الحق سائله والدرع محقبة والسيف مقروب

وان أبيتم فانا معشر أنف لا نطعم الخسف إن السم مشروب

فازجر حمارك لا يرتع بروضتنا إذا يرد وقيد العير مكروب

إن يدع زيد بني ذهل لمغضبة نغضب لزرعة إن الفضل محسوب

السيد هو ابن ضبة، وزيد من ذهل بن شيبان يقول: إن السيد لا تعظم زيداً كما يعظمه بنو كوز وبنو مرهوب، وقوله: والدرع محقبة أي في الحقيبة، وقوله: مقروب من قربت السيف وأقربته اذا جعلته في قرابه، والخسف والخسف الضيم يقال: سامه الخسف اذا قهره، والخسف لا يطعم، ولكنه لما أراد أن يقول: السم مشروب جعل ذلك مطعوماً للمقابلة، ومكروب مداني من كربت القيد إذا قصرته بعقود أي يجعل العقد قيدا له، والفضل محسوب أي معدود، يطلب ما تمنعون مثلاً بمثل وعدداً بعدد، ويروى > وهو العدد الكثير، أي احتسب بعددي على عددك حتى تعلم أن قومي أكثر عدداً من قومك، وبنو ذهل قوم زيد، والمغضبة الأمر يغضب له. المعنى: نحن نسمح بالإنصاف من غير قتال فمن نازعنا بعد ذلك لم ننقد له، وضرب مثلاً للمتعدي، وأراد بالحمار نفس من يخاطبه يقول: انته عن التعدي إلى ما ليس لك من جهتنا فيلحقك الذل العظيم، وان تدع زيد قومها لأمر يغضب أجبنا نحن لقومنا أيضاً إذا دعونا وغضبنا لهم لأن الفضل يحسب.

وقال عبد الله بن عنمة أيضاً:

(الثاني من البسيط والقافية متواتر)

أبلغ بني الحارث المرجو نصرهم والدهر يحدث بعد المرة الحالا

أنا تركنا فلم نأخذ به بدلا عزاً عزيزاً وأعماماً وأخوالا

لا تجعلونا إلى مولى يحل بنا عقد الحزام إذا ما لبده مالا

المعنى: يتلهف على مفارقته عشيرته بني الحارث، وانه كان عزيزاً فيما بينهم فقارقهم وقدر أنه يستغني عنهم، فذاق وبال أمره، وبين له خطا رأيه في فراقهم، وذكر أنه كان يأخذ حقه من غير ظلم لحقه وسط تلك القبائل الكثيرة كالسيل في الوادي، ثم خاطب قومه فقاله: لا تقيسونا إلى ضعف لا ناصر له.

وقال الأخضر بن هبيرة الضبي، مخضرم:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ألا أيهذا النابح السيد إنني على نأيها مستبسل من ورائها

دع السيد إن السيد كانت قبيلة تقاتل يوم الروع دون نسائها

على ذاك ودوا أنني في ركية تجذ قوى أسبابها دون مائها

السيد: قبيلة، وفي المثل > أي أن الشريف يكون له من اللئام من يذمه مستبسل: مستكره من وراء السيد ويروى > أي مقدم، والركية حظيرة عظيمة تحفر للماء. المعنى: يخاطب الذي يذم السيد وينهاه عن ذمها، ويبين له أنه مناضل عنها، ثم وصف السيد بالشجاعة والمحافظة على الحرم في البيت الثاني، ثم شكا في البيت الثالث السيد وذكر أنهم يتمنون هلاكه مع دفاعه عنهم.

وقال سنان بن الفحل أخو بني أم الكهف من طيء:

(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)

وقالوا قد جننت فقلت كلا وربي ما جننت وما اننشيت

ولكني ظلمت فكدت أبكي من الظلم المبين أو بكيت

فان الماء ماء أبي وجدي وبئري ذو حفرت وذو طويت

هذا رجل من طيء نوزع من قومه في ماء لبني الكهف من جرم طيء فأكثروا النزاع ورام الدفاع فقالوا له: مجنون أنت أم سكران فقال: فقالوا: قد جننت ثم تبرأ من الجنون والسكر بقوله: وربى ما جننت وما انتشيت، وقوله وبئري ذو حفرت وذو طويت، هذه لغة طيء، ويقولون: > وللمؤنث > ومعنى ذو حفرت أي حفرها أسلافي وقومي، لأن ما فعله قومه فكأنه فعله.

وقبلك رب خصم قد تمالوا على فما هلعت ولا دعوت

ولكني نصبت نصبت لهم جبيني وآلة فارس حتى قريت

وتمالوا: تعاونوا، ولا دعوت أي ما دعوت غيري مستنصراً به بل قهرته بنفسي، ثم بين مقاومته لخصمه على اختلاف أحواله فقال: ولكني نصب لهم جبينى أي جادلتهم باللسان ما جادلوني به، وآلة فارس وهى الحربة، حتى قريت أي منعت الماء أي غلبتهم على الماء. المعنى: يقطع طمع خصمه عن أن يلغبه، وبين أن خصماً كثيراً راموا قمعه فلم يقدروا، وتعاونوا عليه فكفاهم بنفسه، ولم يستنصر عليهم غيره، وأنه جادلهم باللسان ما جادلوه به، ثم عمد إلى السلاح لما احتاج إليه حتى قهر خصمه وحصل مراده.

وقال جابر بن حريش، إسلامي:

(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)

ولقد أرانا يا سمي بحائل نرعي القري فكامسا فالأصفرا

فالجزع بين ضباعة فرصافة فعوارض حو البسابس مقفرا

لا أرض أكثر منك بيض نعامة ومذانباً تندى وروضاً أصفرا

ومعيناً يحوي الصوار كأنهمتخمط قطم إذا ما بربرا
إذ لا تخاف حدوجنا قذف النوىقبل الفساد إقامة وتدبرا

حائل: بطن واد، والقرى: أسم واد ها هنا، وكامس: جبل، وضباعه ورصافة جبلان، والثانية بالصاد، وعوارض: جبل علية جبل حاتم طيء، وجو البسابس: أي خيالها، وقولة: لا أرض أكثر منك بيض نعامة لأن انعامة لا تثبت إلا في خصب من الأرض، والمذانب: مذانب الوادي وأحدهما مذنب ومعينا يعني الثور لأنة كبير العينين، والصوار: قطيع البقر- بكسر الصاد وضمها- ويحويها يجمعها ويسوقها، ومتخمط: متكبر، وقطم: فحل هائج يشتهي الضراب، تدبرا: أي إقامة في الديار.

المعني: يذكر أيام الألفة والاجتماع متأسفا، ويعدد الجبال والأودية التي كان ينزلها وهم مجتمعون، وأنثي علي الأرض التي كانت تجمعهم بالخصب وكثرة الوحش.

وقال إياس بن مالك بن عبد الله، إسلامي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

سمونا إلي جيش الحروري بعدماتناذرة أعرابهم والمهاجر
بجمع تظل الأكم ساجدة لهوأعلام سلمي والهضاب والنوادر
فلما أدركناهم وقد قلصت بهمإلي الحي خوص كالحني ضوامر
أنخنا إليهم مثلهن وزادناجياد السيوف والرماح الخواطر

الحروري: نجدة بن عامر الحنفي، وكأنة رئيسا مذكورا، تناذرة: أي أنذر بعضهم بعضا، وتظل الأكم ساجدة له: أي تخضع الجبال له، وسلمي ها هنا جبل، فلما أدركناهم يعني جيش الحروري، وقد قلصت بهم أي ارتفعت بهم نحونا، الخوص الغائرة العيون، والحني: القسي شبة الخيل بها لضمرها، وقيل: أراد بها الإبل، وهو أقرب لقولة أنخنا، وزادنا جياد السيوف ليست السيوف من الزاد، ولكنهم لما كانوا مقبلين إلي الحرب جعل آلة الحرب زادا لها لأن قوام الحرب بها.

كلا ثقلينا طامع بغنيمةوقد قدر الرحمن ما هو قادر
فلم أر يوما كان أكثر سالباومستلبا سربالة لا يناكر
وأكثر منا يافعا يبغي العلايضارب قرنا دراعا وهو حاسر
فما كلت الأيدي ولا انأطر القناولا عثرت منا الجدود العواثر

كلا ثقلينا: أي كلا جميعنا طامع بغنيمة فيه قولان أحدهما الباء بمعني في، والآخر حذف أي طامع أن يرجع بغنيمة، ولا انأطر القنا: أي لم ينعطف تقول أطرت العود فانأطر، أي عطفتة فانعطفت، ولا عثرت منا الجدود العواثر، علي جهة التقدير يعني لا عثرت منا الجدود التي لو عثرت لقيل لها عواثر، وإذا كانت عواثر لابد من أن تعثر.

المعني: يصف طمع الفريقين في الظفر، والغيب محجوب، ويصف أنة لم يصب من قومه بقولة: ولا عثرت منا لجدود العواثر.

وقال الأخرم السنبسي، إسلامي:

(الأول من المتقارب والقافية من المتواتر)

ألا إن قرطا علي آلةألا أنني كيده ما أكيد
بعيد الولاء بعيد المحلمن ينأ عنك فذاك السعيد

قرط: رجل من سنبس، وقولة: ألا أنني كيده ما أكيد فيه قولان: أحدهما: أن ما زائدة أي أكيد كيده، وأفعل مثل ما يفعل هو، والثاني: أن ما ها هنا للنفي أي ما أكيدة كما يكيدني لأن خيرا منه. ثم بين حال قرط فقال: بعيد الولاء لا يقرب الناس ولا يقرب من يواليه.

المعني: يذم قرطا ويصف قلة الانتفاع به.

وعز المحل لنا بينبناه الاله ومجد تليد
ومأثرة المجد كانت لناوأورثناها أبونا لبيد
لنا باحة ضبس نابهايهون علي حامييها الوعيد
بها قضب هندوانيةوعيص تزاءر فيه الأسود
ثمانون ألفا ولم أحصهاوقد بلغت رجمها أو تزيد

بين: أي ظاهر قد علا كل عز، ثم بين أن ذلك العز من أبية، ولنا باحة أي ساحة وضبس أي شديد والناب الرئيس، وحاميها جبلاها أجأ وسلمي. يقول: إذا حصلنا بينهما لا نفكر فيمن يوعدنا، وقيل حاميها الخيل السلاح، وعيص أي أجمة. المعني: يصف عزهم وعز دارهم، وجودة سلاحهم، وشبة الرماح بالأجمة ورجالة بالأسود، ووصف كثرة العدد فجمع أسباب المنفعة.

وقال عبد الرحمن المعني ولقبة مرقس، إسلامي:

(من مشطور الرجز والقافية من المتواتر)

قد قارعت معن قراعا صلبا

قراع قوم يحسنون الضربا

تري مع الروع الغلام الشطبا

إذا أحس وجعا أو كربا

دنا فما يزداد إلا قربا

تمرس الجرباء لاقت جربا

الشطب: الطويل الممشوق، والتمرس: التحكم. المعني: يصف هذا الشاعر قومه، ويحمد قتالهم، ويثني بأنهم أحسنوا الضرب والأقدام، ولم يزدادوا علي كرب الحرب ووجع الضرب إلا قربا منها، وشبة تحككهم بالأبطال بتحكك الإبل الجربى بعضها ببعض.

وقال عبيد بن مأوية الطائي، إسلامي:

(ثالث المتقارب والقافية متدارك)

ألا حي ليلي وأطلالهاورمله ريا وأجبالها
وأنعم بما أرسلت بالهاونال التحية من نالها
فإني لذو مرةإذا ركبت حالة حالها
أقدم بالزجر قبل الوعيدلتنهي القبائل جهالها

رملة ريا أضيف إليها، وقولة: ((ونال التحية من نالها)) فيه قولان: أحدهما: أن التحية الملك ها هنا أي نال الملك من نال هذه الجارية، والثاني: أنه دعاء أي حيا الله من بلغها تحيتي وهذا أشبة لابتدائه. المعني: ابتداء بالغزل ثم وصل ذلك بذكر الشجاعة، يعني أني ثابت القوة عند ازدحام الأمور، ولا أنسي ريا في حال من الأحوال! ثم بين أنة لا يبدأ بالوعيد لكنة ينذر سطوته لينهي حلماء القبائل جهالها، إذ في كل قبيلة حليم وسفيه.

وقال جابر بن رالان السنبسي، جاهلي:

(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

لما رأت معشرا قلت حمولتهمقالت سعاد أهذا ما لكم بجلا
إما تري مالنا أضحي به خللفقد يكون قديما يرتق الخللا

بجل بمعني: حسب، ذكر أن سعاد استقلت مالهم فأجابها أن مالهم وأن عرض فيه النقص فإنه من قبل كان يجبر به النقص، فليس ذلك عيبا عليهم.

قد يعلم القوم أنا يوم نجدتهملا نتقي بالكمي الحارد الأسلا
لكن تري رجلا في أثرة رجلقد غادرا رجلا بالقاع منجدلا
فذاك فينا وإن يهلك تجد خلفاسمح اليدين قويا آية فعلا
يرضي الخليط ويرضي الجار منزلةولا يري عوض صلدا يرصد العللا

المعنى: يصف شهرنهم في الشجاعة وأنهم لا يجعلون بينهم وبين الرماح شجاعا ولكنهم يتقبلون الرماح بأنفسهم، ثم بين أنهم يجيء الرجل منهم وآخر في أثرة قد خلفا مقتولا من أعدائهما، وبين أن الكرم والشجاعة لا تنقطع فيهم، كلما مات سمح قوي يوجد له خلف مثله يرضاه الخليط ولا يعتل للمنع.

وقال قبيصة بن النصراني الجرمي من طيء، إسلامي:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

لم أر خيلا مثلها يوم أدركتبني شمخي خلف اللهيم علي ظهر
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
أبر بأيمان وأجرأ مقدماوأنقض منا للذي كان من وتر
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
عشية قطعنا قرائن بيننابأسيافنا والشاهدون بنو بدر
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
فأصبحت قد حلت يميني وأدركتبنو ثعل تبلي وراجعني شعري
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

شمخي: قبيلة من جرم طيء، واللهيم: ماء لهم وقولة علي ظهر فيه قولان: أحدهما: علي غلبة من قولك علية أي غلبته، والآخر: يعني علي خيل أي خيل، وقولة ((وراجعني شعري)) فيه قولان: أحدهما: أني كنت كالمفحم عن قول الشعر قبل إدراك الثأر، والآن لما أدركت ثأري أنطلق لساني بالشعر لأني أصف حسن بلائي [والآخر يعني بالشعر العلم من قولهم: شعرت أشعر وهو العلم الذي

يوصل إليه من مسلك دقيق، مأخوذ من الشعر أي رجع إلي عرفاني وعقلي]. المعني: يصف شجاعتهم وإدراكهم الثأر من بني شمخي، وحلول نذورهم في ذلك اليوم مع القتل بعضهم بعضا، وإنه كان قبل إدراك الثأر مفحما لأنة لم يقع ما يفتخر به، فلما أردك ثأره أنطلق لسانه.

وقال أدهم بن أبي الزعراء، إسلامي، الزعراء: القليلة الشعر تأنيث أزعر:.

(من مشطور الرجزوالقافية من المتدارك)

قد صبحت معن بجمع ذي لجب

قيسا وعبدانهم بالمنتهب

وأسدا بغارة ذات جدب

رجراجة لم تك مما يؤتشب

إلا صميما عربا إلي عرب

تبكي عواليهم إذا لم تختضب

من ثغر اللبات يوما والحجب

المنتهب: موضع هو بطن حائل واد، وذات حدب يعني الأمراج، والحدب المرتفع من الأرض، ويروي ((ذات خدب)) بالخاء وهو الضرب بلا أناة، ورجراجة أي تجيء وتذهب يعني الكتيبة، وقولة: لم تك مما تؤشب أي ليس فيهم أخلاط، والإشابة أخلاط الناس، والصميم الخالص، وعربا إلي عرب أي مع عرب،

والحجب جمع حجاب القلب. المعني: يصف قبيلته مهن بالشجاعة وقصدها قيسا وأسدا بغارة عظيمة، ووصفهم بصحة الحسب واعتيادهم الطعن بالرماح حتى كأنها تبكي إذا لم يطعن بها.

وقال البرج بن مسهر الطائي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إلي الله أشكو من خليل أودهثلاث خلال كلها لي غائض
فمنهن ألا تجمع الدهر تلعةبيوتا لنا يا تلع سيلك غامض
ومنهن ألا أستطيع كلامهولا وده حتى يزول عوارض
ومنهن ذا البأو الشديد كأنةمن الذل والبغضاء شهباء ماخض

غائض: ناقص، والغامض الذاهب، وعوارض أسم جبل بلد طيء عليه قبر حاتم. المعني: فيه قولان أحدهما: أن الخليل الذي ذكره في البيت كان قد مات ودفن في موضع يسمي ((تلعة)) فلهذا قال لا أستطيع كلامه أبدا لأنة ميت، لا يجمع الغزو بيننا لأنة هالك وحمل ((أودة)) في البيت علي التمني، وقولة ((ولا ودة)) علي المحبة، والقول الآخر: أن يعني خليلا سيء العشرة، لا تجمع بينهما تلعة لإعراضه عنة، ولا يستطيع كلامه لذلك، ولا يجمع الغزو بينهما، فهذه الخلال

الثلاث ناقصة جسمه، وهذا أولي يتعقبه من الأبيات، وقولة: ((ويترك ذا البأو)) البيت، يريد يجعل العزيز ذليلا حتى يصير المتكبر في ذل عجوز حبلي.

فسائل هداك الله أي بني أبمن الناس يسعي سعينا ويقارض
نقارضك الأموال والود بينناكأن القلوب راضها لك رائض

كفي بالقبور صارما لو رعيته ولكن ما أعلنت باد وخافض

المعني: سل من الذي يفعل فعلنا، ويعطي من الود ما نعطيه، نعطيك ودنا وأموالنا حتى كأن قلوبنا قد ريضت لك، ثم قال: وكان القبر يكفي مفرقا بيننا لو صبرت ولم تصرمنا، ولكنك تعجلت الصرم والهجران قبل الموت، ولم يأت باللفظ الظاهر وأتي بالدليل اللائح علي المراد.

وقال قصيبة بن النصراني الجرمي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ألم تر أن الورد عرد صدرهوحاد عن الدعوي وضوء البوارق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
وأخرجني من فتية لم أرد لهمفراقا وهم في مأزق متضايق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
فقلت له لما بلوت بلاءهوأني بمتع من خليل مفارق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
وعض علي فأس اللجام وعزنيعلي أمرة إذ رد أهل الحقائق
أحدث من لاقيت يوما بلاءهوهم يحسبون أنني غير صادق
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

الورد: اسم فرس وهو صفة، وعرد صدره أي أخره، فالمعرد الجبان، وحاد أي عدل عن موضع دعوي الرجال وهي الأنتساب ويروي ((أبنا بمتع)) أي قلت لفرسي لما رجعنا إلي مأمن بمتع من خليل فارقك أي لا يمكنك التمتع به.

المعني: هذا رجل أنهزم في الحرب ثم أعتذر عن نفسه، وجعل الذنب لفرسه إنه لما رأي ضوء السيوف عرد صدره عن موضع دعوي الرجال وأخرجه من بين أصحابة، وهم في ضيق الحرب لم يرد مفارقتهم، وعض علي فأس لجامه، وأظهر التلهف لذلك ثم قال: أنا أذكر فعل فرسي ولا أصدق، وهذه الأبيات إن كان فيها ذكر الحماسة ففيها ما يدل علي قلة الفروسية لأنة عجز عن ضبط دابته.

وقال أيضا:

(من سادس السريع والقافية من المتواتر)

هاجرتي يا بنت آل سعدأأن حلبت لقحة للورد
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
جهلت من عنانه الممتدونظري في عطفه الألد
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة
إذا جياد الخيل جاءت ترديمملوءة من غضب وحرد
للشاعر قَبيصة بن النصراني، اقرأ القصيدة

المعني: يعاتب أهلة علي لومها إياه علي إيثار فرسه بالحليب دونها، ثم بين لها فضل الفرس عليها إذا جاءت الخيل للحرب، فقال جهلت طول عنانه لعجلته في سيرة ونظري في جنبه القوي معجبا به إذا جاءت الخيل مسرعة غضبي لأن الخيل تغضب في الحرب كما يغضب الرجال.

وقال أيضا:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

لعمر أخيك ما ينفك منا أخو ثقة يعاش به متين

مفيد مهلك ولزاز خصم على الميزان ذو زنة رزين

المعني: يمدح قومه بالثقة، والكرم، والقوة، والسلب، والبذل، والجلادة، والرزانة، والزيادة عى غيرهم.

وقال خفاف بن ندبة السلمي، وهو خفاف بن عمير للعباس بن مرادس، وخفاف بمعني خفيف كعجاب وعجيب، وندبه أمه.

(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)

أعباس إن الذي بيننا أبي أن يجاوزه أربع

علائق من حسب داخل مع الإل والنسب الأرفع

وأن ثنيه رأس الهجاء بيني وبينك لا تطلع

وأبغض إلى باتيانها إذا أنا لم أنسها أدفع

ويروى "إذا أنا لم آتها"، ومن قال لم أنسها أي أدفع إلى النسيان فآخذ نفسي بنسيانها. المعنى: يعاتب عباس بن مرداس السلمي ويستعطفه بأربعة أشياء وهي الحسب مع القرابة والنسب الأعلى، وتعظيمه في نفسه حتى لا يهجوه وإن كان منه إليه ما يكرهه.

وقال بعض لصوص طئ، وهو شبيب بن عمرو بن كريب بن المعلي بن تيم الطائي:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

ولما أن رأيت ابني شميط بسكة طئ والباب دوني

تجللت العصا وعلمت أني رهين مخيس إن أدركوني

ولو أنى لبثت لهم قليلا لجرونى إلى شيخ بطين

شديد مجامع الكتفين باق على الحدثان مختلف الشئون

هذا الشاعر كالصًا عاديًا فارسًا، فتعرض لا بل التجار، ثم دخل الكوفة ليًلا فرقي خبره إلى على بن أبي طالب- ﵁ فبعث إليه أحمر بن شميط، وكان على شرطته فنذر بهم وخرج على فرس يسميه العصا وفاتهم وقال هذا الشعر، وسكة طئ واحدة السكك ويروي "بشكة طئ"، يعني السلاح، والباب دوني يعني باب الدرب، وتجللت العصا أي ركبته وصرت فوقه، وقوله رهين مخيس، المخيس حبس بناه على بن أبي طالب ﵁ بالكوفة، والمخيس: المذلل. المعنى: يصف شهامته وحسن تخلصه، عالمًا بأنه لو لم يتخلص لخلد

الحبس، ويريد بشيخ بطين عليًا ﵇ ويقال: عظم بطنه كان دليلاً على كثرة علمه لا لكثرة أكله.

وقال حريث بن عناب من طيء، إسلامي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

لما رأيت العبد نبهان تاركي بلماعةٍ فيها الحوادث تخطر

نصرت بمنصور وبابني معرض وسعد وجبارٍ بل الله ينصر

ولله أعطاني المودة منهم وثبت ساقي بعد ما كدت أعثر

اللماعة: المفازة تلمع بالسراب، المعنى: يذم نبيان ويشكو خذلانه إياه ويمدح منصورًا وسعدًا وابني معرض وجبارًا، ويشكر نصرتهم إياه، ووصل ذلك بحمد الله تعالي فقال: بل الله ينصر لأنه عطفهم على وثبت قدمي بعدما كدت أعثر.

إذا ركب الناس الطريق رأيتهم لهم قائد أعمي وآخر مبصر

لهم منطقان يفرق الناس منهما ولحنان معروف وآخر منكر

لكل بني عمرو بن عوفٍ رباعًة وخيرهم في الخير والشر بحتر

لهم قائد أعمى وآخر مبصر، يجوز أن يحمل على مدح ناصريه وعلى هجو خاذليه، فإذا حملته على المدح فمعناه يسيرون الليل والنهار لا يفترون إذا قصدوا عدوًا أو غارة والقائد الأعمى الليل والبصر النهار، والمنطقان في المدح منطق لين في حال رضاهم ومنطق خشونة على أعدائهم، وقوله: يفرق الناس منهما يعني من أحدهما ولكنه أرسل الكلام جملة لأن المعنى مفهوم، وإذا حملته على الهجو كان معناه

أنهم لصوص يقطعون السبل نهارًا، ويتسورون على جيرانهم ليلاً، والمنطقان في الهجو أنهم أصحاب غدر ومكر وختر، فلهم فيما بينهم مراطنة وكلام غير مفهوم ولحن غير معروف، يتراطنون عند الغدر والمكر، ولهم لغة في الظاهر يتكلمون بها كلغة سائر الناس معروفة، وقيل في الهجو معنى قائد أعمى الذي يغويهم، وآخر مبصر الذي يرشدهم، ورباعة أمر يحتاج إلى حفظه وتعهده، ويقال: ما في بني فلان أحد يضبط رباعته غير فلان، أي شانه ورئاسته - بحتر أن حملت الأبيات على المدح اسم رجل فهو أبو قبيلة أي كلهم مثل ذلك، وأن حملتها على الذم جعلت بحترًا صفة والبحتر القصر، أي لكهم قصير الباع في الخير والشر.

وقال أبان بن عبدة بن العيار بن مسعود بن جابر بن عمرو بن حر:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

إذا الدين أودى بالفساد فقل له يدعنا ورأسًا من معد نصادمه

ببيضٍ خفافٍ مرهفات قواطع لداود فيها أثره وخواتمه

وزرق كستها ريشها مضرحية أثيت خوافي ريشها وقوادمه

بجيش تضل البلق في حجراته بيثرب أخراه وبالشام قادمه

الدين ها هنا الطاعة، والفساد اسم حرب معروفة كانت بينهم، ورأسًا أي جماعة يقدمون أنفسهم، ولا يحتاجون إلى ناصر، وقوله: كستها ريشها مضرحية وهي النسور العتيقة، وكذلك الصقور أي ريشت من ريش النسور، ومعنى تضل البلق في حجراته يريد تصادمهم بجيش لا يتبين البلق في نواحيه، بيثرب أخراه أي يسد ما بين الشام والمدين'، وقادمه أوله، ونصادمه الهاء عائدة إلى لفظ الرأس. المعنى: إذا الطاعة بطلت بهذه الحرب وهي الفساد فليدعنا ومقاتلة معد بأسرها،

فإنا نقوى لهم لكثرتنا، نقاتلهم بسيوف وسهام كما وصفها، ونقاتلهم بجيش كثير لا يتبين فيه البلق لكثرته.

إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب تحرك يقطان التراب ونائمه

قيل يقظان التراب: ما وطيء وسلك من البلاد والطرق، ونائمة ما لم يوطأ، وقيل: يقظان التراب هو المثار بعينه، والنائم المدر والأكم والأرض الصلبة، يريد إذا سرنا أثرنا التراب بحوافر خيلنا ودققنا الأكم والمدر فأثرناها يريد الكثرة.

وقال أنيف بن حكيم النبهاني:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

جمعنا لهم من حي عوف ومالك كتائب يردي المقرفين نكالها

له معجز بالحزن فالرمل فاللوي وقد جاوزت حيي جديس رعالها

وتحت نحول الحي حرشف رجلة تتاح لغرات القلوب نبالها

أبى لهم أن يعرفوا الضيم أنهم بنو ناتق كانت كثيرًا عيالها

نكالها يعني نكال الكتائب أي ما يكون منها من الضرب فالقتل، والحزن

والرمل واللوى مواضع، حيًا جديس يريد طسمًا وجديسًا، وأراد مواضعهما لأن طسمًا وجديسًا من العرب البائدة الذين أهلكوا بالطاغية ولم يبق منهم على بسيط الأرض باقية، والحرشف الجراد، والرجلة الرجالة، وأراد به سهام الرجالة، وتتاح أي تقدر لغرات القلوب يعني لمن غفل قلبه عن الرمي، وبنو ناتق امرأة كثيرة الأولاد. المعنى: يصف كثرة عددهم وجودة رميهم حتى أنهم لا يخطئون القلوب، وبين أنهم لكثرتهم لا يقبلون الضيم.

فلما أتينا السفح من بطن حائل بحيث تلاقي طلحها وسيالها

دعوا لنزارٍ وانتمينا لطيءٍ كأسد الشرى إقدامها ونزالها

السفح ما انحدر من الجبل طلح وسيال نبتان مختلفا المنابت، المعنى: لما أتينا بطن حائل انتسبوا إلى نزار وانتسبنا إلى طيء، وشبههم بالأسد في الجرأة والحرب.

فلما التقينا بين السيف بيننا لسائلةٍ عنا حفي سؤالها

المعنى: لما تلاقينا استغنى السائل بآثار السيف عن سؤاله، يصف جودة الضرب وكثرة الجراح.

ولما تدانوا بالرماح تضلعت صدور القنا منهم وعلت نهالها

يصف في هذه البيت كثرة الطعن في نزار، كما وصف في البيت الأول كثرة الضرب.

ولما عصينا بالسيوف تقطعت وسائل كانت قبل سلمًا حبالها

فولوا وأطراف الرماح عليهمقوادر مربوعاتها وطوالها
للشاعر أنيف الطائي، اقرأ القصيدة

عصينا بالسيوف أي ضربنا بها، قوادر أي غير قواصر، والمربوعات التي ليست بطويلة. المعنى: يصف كثرة ضربهم القوم بالسيوف وقطعهم وسائل الصلح، وانهزام عدوهم، والرماح دانية منهم عاملة فيهم.

وقال الكروس بن زيد بن حصن بن مصاد بن معقل بن مالك، والكروس العظيم الرأس:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

رأتني ومن لبسي المشيب فأملت غنائي فكوني آملاً خير آمل

المعني: يعد صاحبته من نفسه الغناء والكفاية، وأن علاه المشيب، ويروى "فأملت عتابي".

لئن فرحت بي معقل عند شيبتي لقد فرحت بي بين أيدي القوابل

أهل به لما استهل بصوتهحسان الوجوه لينات الأنامل

المعنى: يقول لئن فرحت بي قبيلتي عند كبرى، لقد فرحت بي عند ولادتي لما رأت من نجابتي، ثم كني عن نفسه فقال: لما استهل بصوته يعني نفسه أهل به نساء قبيلته، ووصفهن بحسن الوجوه ولين الأنامل، منعمات مكفيات أمر الخدمة.

وقال القوال:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

قولا لهذا المرء ذو جاء ساعيًا هلم فإن المشرفي الفرائض

وإن لنا حمضًا من الموت منقعًا وإنك مختل فهل أنت حامض

أظنك دون المال ذو جئت تبتغي ستلقاك بيض للنفوس قوابض

الساعي المصدق، ومعنى فإن المشرفي فرائض أي يضع السيف مكان الصدقة، يريد نقتل المصدق ولا نعطيه الصدقة، الحمض ما ملح من النبت، والخلة ما حلا. المعنى: يخاطب مصدقًا أراد أن يصدق ماله، ويوعده بأنه ليس عنده مكان الفريضة إلا السيف، والحمض للناقع من الموت، يعرض عليه ذلك ويهدده بالقتل.

وقال وضاح ابن إسماعيل بن عبد كلال بن داود بن أبي أحمد:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

صبا قلبي ومال إليك ميلاًفأرقني خيالك يا أثيلا
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «صبا قلبي ومال إليك ميلا»
يمانية تلم بنا فتبديدقيق محاسنٍ وتكن غيلا
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «صبا قلبي ومال إليك ميلا»
ذريني ما أممن بنات نعشمن الطيف الذي ينتاب ليلا

ولكن إن أردت فهيجينا إذا رمقت بأعينها سهيلا

وتكن غيلا أي تستر ساعدها، والغيل الساعد، يقول: لست من شأن الغزل والنساء وأنا قاصد أعدائي، وإذا انصرفت عن حربي فاستقبلت أبلي نحو الغرب فرمقت سهلاً اليماني، فهيجيني إن أردت تهيجي حينئذ، المخاطية للمرأة، والمعنى لنفسه يزجرها عن التذكر وهو محارب. المعنى: يصف هوى قلبه أثيلة ومدافعة خيالها ويستكفها عنه وهو متوجه إلى الحرب كي لا تشغله عنها إلا أن يعود منها، فشأنه حينئذ شأنها.

فإنك لو رأيت الخيل تعدو عوابس يتخذن النقع ذيلا

رأيت على متون الخيل جنا تفيد مغانمًا وتفيت نيلا

المعنى: يعظم أمر الخيل والحرب، ويعتذر في ذهوله عن صاحبته ويقول لها: لو رأيت الخيل مسرعة إلى الحرب مثيرة للغبار رأيت عليها كالجن يغنمون مال العدو ويمنعون ما عندهم.

وقال عمرو بن مخلاة، وكان يقال مخلاة الحمار الكلبي:

(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

لا قوتي قوة الراعي قلائصه يأوي فيأوي إليه الكلب والربع

ولا العسيف الذي يشتد عقبته حتى يبيت وباقي نعله قطع

لا يحمل العبد فينا فوق طاقته ونحن نحمل ما لا تحمل القلع

منا الأناة وبعض القوم يحسبنا أنا بطاء وفي ابطائنا سرع

القلع: السحاب العظام، يصف نفسه وقومه بالقوة والجلادة مع الأناة من غير عجز يقول: ليس قوتي قوة من يرعى صغار الإبل، يرجع إليه الكلب لأنه يمسكه استعانة به، ويرجع إليه الربع وهو ولد الناقة، ولا قوة الأجير الذي يعدو حتى ينقطع نعله، ولكننا نحمل من الأمور العظام ما لا يحمل السحاب، وفينا أناة وقد يغلط بعض الناس فيها فيقدرها بطاء وهو سرع لأنا نتوصل بها إلى مرادنا.

وقال أيضاً:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ويوم ترى الرايات فيه كأنها حوائم طير مستدير وواقع

أصابت رماح القوم بشرا وثابتا وهرما وكل للعشيرة فاجع

طعنا زيادا في استه وهو مدبر وثور أصابته السيوف القواطع

وأدرك هماما بأبيض صارم فتى من بني عمرو طوال مشايع

الحوائم العطاش تحوم حول الماء، وشبه الأعلام بالطير التي تستدير ولا تقع، ثم قال وواقع يعني ما ينهزم صاحبه ويسكن خفقانه عند سكون الريح، وقوله: وكل للعشيرة فاجع يدل على أنهم كبار كرام يؤلم العشيرة فقدهم. المعنى: يصف شدة الحرب وقتلهم بشرا وثابتا وهرما، ويروى "وحزما" وطعنهم زيادا وهو منهزم، وقتلهم ثورا وهماما.

وقد شهد الصفين عمرو بن محرز وضاف عليه المرج والمرج واسع

فمن يك قد لاقي من المرج غبطة فكان لزيد فيه خاص وجادع

الصفين: يعني صفي الحرب، ومن روى "صفين" فقد غلط، والخاصي الذي يخصي، والجادع الذي يجدع أنفه وهو مثل وأراد به المهين المذل. المعني: يصف شدة الأمر في ذلك اليوم على عمرو بن محرز وطول الذل والهوان بقيس.

وقال زفر بن الحارث الكلابي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

أفي الله أما بحدل وابن بحدل فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل

كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ولما يكن يوم أغر محجل

ولما يكن للمشرفية فوقكم شعاع كقرن الشمس حين ترجل

ابن بحدل: يزيد بن معاوية لأن أمه ميسون بنت بحدل الكلابي، وأراد بهذا الشعر عبد الملك بن مروان، لأنه كان على رأي يزيد في قتل بني هاشم، فلقبه بلقبه، وابن الزبير هو عبد الله بن الزبير قتله الجاج بمكة وصلبه في الحرم، وأم

عبد الله أسماء بنت أبي بكر وهي ذات النطاقين، يقول: لا تقتلون ابن الزبير إلا بعد حرب شديدة تعرف ولا تنكر، ولمعان السيوف فيها كالشمس إذا ارتفعت يستعظم قتل ابن الزبير وهو عظيم مع بقاء أعدائه.

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.