من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب المراثي (٣)
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لتبك النساء المُعولات بعولة أبا حُجر قامت عليه النوائح
عقيلة دلاه للحد ضريحه وأثوابه يبرقن والخمس مائح
المعولات: النساء البواكي، عقيلة دلاه، عقيلة اسم رجل أرسله إلى قبره، والخمس مائح، الخمس اسم رجل جعله مائحًا لأنه نزل القبر ليدفنه فسماه من يدخل البئر ليستقي، وأثوابه يعني أنها بيض جدد. المعنى: يستبكي النساء لأبي حجر ويصف دفته.
خدب يضيق السرج عنه كأنما يمد ركابيه من الطول ماتح
الخدب: الضخم العظيم الجنبين، والماتح: الذي يستقي على بكرة، يقول: كأن ركابيه من طول ساقيه يمدهما ماتح، شبه رجليه برشاء الماتح. المعنى: يصف طول قامته.
وقال منصور النمري، إسلامي كان في زمن الرشيد:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبا خالد ما كان أدهى مُصيبة أصابت معدًا يوم أصبحت ثاويا
لعمري لئن سر الأعادي فأظهروا شماتًا لقد مروا بربعك خاليا
فإن تك أفنته الليالي فأوشكت فإن له ذكرًا سيفني اللياليا
المعنى: يستعظم المصيبة التي أصابت معدًا يوم مات، ثم قال: لئن شمتت الأعادي فقد شمتوا في موضع الشماتة، وقد رأوا ربعك خاليًا، ثم طيب نفسه ببقاء جميل ذكره.
وقالت امرأة من بين أسد:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
خليلي عُوجا أنها حاجة لنا على قبر أُهبان سقته الرواعد
فثم الفتى كل الفتى كان بينه وبين المُزجى نفنف متباعد
إذا انتضل القوم الأحاديث لم يكن عيبًا ولا ربًا على من يقاعد
المزجى: الذي ليس بكامل، والنفنف: المفازة، انتضال القوم: أي يحدث كل أحد منهم بشيء، كأنه يرمي به من مناضلة السهام، كل الفتى مدح، وليس بصفة مخلصة، ولم يكن ربًا على من يقاعد يعني لم يتكبر عليه ويروى "عبئًا" أي ثقلًا يعني لم يكن يستثقله جليسه، ويروي "لغبا" أي ضعيفًا يلقى عليه كله ويستكفيه أمره وقد "لغب" أي ضعف. المعنى: تستسلم صاحبيها بقبر أهبان المرثي، ثم وصفته بالكمال والظرف والتواضع.
وقالت امرأة من كندة، وتروى لكبشة بنت جفنة.
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
لا تخبروا الناس إلا أن سيدهم أسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا
أنعى فتى لم تذر الشمس طالعة يومًا من الدهر إلا ضر أو نفعا
لم تذر الشمس: لم تطلع، أي ضر عدوه ونفع صديقه، المعنى: تعاتب قومها في خذلانهم المرثي ثم وصفته بأن أيامه لم تخل من نفع أوليائه وضر أعدائه.
وقال كعب بن زهير المزني وكعب القنا، ما بين كل أنبوبتين، والكعب بقية السمن في أسفل النحي، وزهير تصغير أزهر مرخمًا.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لقد ولى أليته جوى معاشر غير مطلول أخوها
فإن يهلك جُوي فإن حربًا كظنك كان بعدك موقدوها
وإن تهلك جوى فكل نفس سيجلبها لذلك جاليوها
فما ساءت ظنونك يوم تولى بأرماح وفي لك مشرعوها
جوي اسم رجل قتله أعداؤه، فقال: لئن قتلتموني ليقتلن منكم بي خمسون رجلًا، فبلغ ذلك قومه، فصدقوا قوله وبروا يمينه، فهذا معنى قوله سيجلبها لذلك يعني الهلاك، وجوى ها هنا نداء مفرد، ويقول في البيت الرابع يوم تولي أي تحلف لم تسيء ظنونك بأرماح يعني أرماح قومه الذين قاموا بطلب ثأره وقتلوا به خمسين ويروى "فرب حرب".
ولو بلغ القتيل فعال قوم لسرك من سيوفك منتضوها
كأنك كنت تعلم يوم بزت ثيابك ما سيلقى سالبوها
لنذرك والنذور لها وفاء إذا بلغ الخزاية بالغوها
من سيوفك يعني سيوف قومك يقول: لو بلغ الموتى فعل الأحياء لسرك قومك، ويقول: كأنك كنت تعلم بما يلحق سالبي ثيابك وسلاحك فسمحت لهم بها، واللام في لنذرك متعلقة بسيلفى أي يلقون لما نذرت من قتلهم.
صبحن الخزرجية مُرهفات أباد ذوي أرومتها ذووها
فما عُتر الظباء بحي كعب ولا الخمسون قصر طالبوها
الخزرجية: هم الذين قتلوا جويا، ويروى "أبان ذوى أرومتها" يريد ذوى أرومة الخزرجية، ذووها: ذوو السيوف، فما عتر الظباء الأصل فيه أن العرب كانت تنذر النذور أنه أن كان ذلك لنذبحن من الغنم كذا فإذا حصل
مرادها ربما ضن بعضهم بماله فيصطاد من الظباء عدد ما أوجبه من النذر من الغنم، ويعترها بذبحها وهي العتير، يقول كعب: ما قتل غير الجناة، وقوله: "ولا الخمسون قصر طالبوها" أي قتل الخمسون كاملة، وما جرى تقصير في طلبهم، والمعنى قد ذكر.
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية متواتر)
نعى الناعي الزبير فقلت تنعى فتى أهل الحجاز وأهل نجد
خفيف الحاذ نسال الفيافي وعبدًا للصحابة غير عبد
معناه أتنعي فحذف الهمزة، ويحتمل أن يكون معناه نعيت، الحاذ ها هنا مؤخر الفخذ، وهما الحاذان يعني أدبار الفخذين، نسال الفيافي جواب المفاوز سيرًا، وعبد للصحابة في خدمته لهم غير عبد في الرق. المعنى: وصفه بالفتوة والتبريز على أهل نجد والحجاز ومدحه بالخفة وجوب المفاوز وخدمة الأصحاب من غير استحقاقه عليه.
وقال رقيبة الجرمي، من طيء، إسلامي، ورقيبة تصغير رقبة، من رقبت أي انتظرت:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أقول وفي الأكفان أبيض ماجد كغصن الأراك وجهه حين وسما
أحقًا عباد الله أن لست رائيًا رفاعة طول الدهر إلا توهما
فأقسم ما جشمته من ملمة توود كرام الناس إلا تجشما
ولا قلت مهلًا وهو غضبان قد غلا من الغظي وسط القوم إلا تبسما
قيل: لم شبه وجهه بغصن الأراك، وإنما يشبه بالبدر، والنجم والسيف والدينار وغيرها، فالجواب معناه وجهه كحسن غصن الأراك حين وسم أي أورق، وتؤود تثقل. وقد غلى من الغيظ أي اشتد غيظه حتى أخذ منه. المعنى: يرثيه ويودعه، ويصفه بنعمة الشباب ويذكر حسن طاعته.
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ولا عُرف إلا قد تولى فأدبرا
فتى حنظلي ما تزال ركابه تجود بمعروف وتُنكر مُنكرا
لحا الله قومًا أسلموك وجردوا عناجيج أعطتها يمينك ضمرا
قوله: تجود به معروف وتنكر منكرًا أي يحسن إلى عشيرته ويدرك الثأر من عدوه، لحا الله شتم من لحوت العود ولحيته إذا قشرته، والعناجيج الطوال الواحد عنجوج والضمر جمع ضامر، وجردوها أي خففوا أثقالها، وتجانبوا عليها، وأنت أعطيتهم تلك الخيل فأسلموك. المعنى: يصف ذهاب الإحسان بموته ويصفه أنه كان دائمًا في إسداء المعروف إلى وليه وينل الثأر من عدوه، ويذم قومًا خذلوه ونجوا على خيل كان أعطاهم إياها.
وقال دعبل إسلامي:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
كانت خزاعة ملئ الأرض ما اتسعت فقص مر الليالي من حواشيها
أضحى أبو القاسم الثاوي ببلقعة تسفى الرياح عليه من سوافيها
هبت وقد علمت أن لا هبوب به وقد تكون حسيرًا إذ يباريها
أضحى قرى للمنايا رهن بلقعة وقد يكون غداة الروع يقريها
أراد بالسوافي ها هنا التراب، أي هبت الريح وقد علمت أن أبا القاسم ليس به هبوب، وقد تكون الريح حسيرًا أي معيبة ضعيفة إذ يباريها أبو القاسم، وقوله أضحى قرى للمنايا أي صار أبو القاسم طعمة للمنايا، وكان في الحرب هو الذي يطعمها. المعنى: يصف نقصان المنايا عدد خزاعة بعد كثرتهم، ويرثي أبا القاسم، ويصفه بكثرة العطاء وفرط الشجاعة.
وقال عقيل بن علقة المري، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
لتعد المنايا حيث شاءت فإنها مُحللة بعد الفتى ابن عقيل
فتى كان مولاه يحل بنجوة فحل الموالي بعده بمسيل
طويل نجاد السيف وهم كأنما تصول إذا استنجدته بقبيل
لتعد المنايا بالعين غير المعجمة أي لتصب، ولتغد بالغين أيضًا، والأول أجود، ومحللة يعني مطلقة، والمولى ها هنا ابن العم، ومعنى البيت الثاني يحتمل وجهين: أحدهما أن ابن عمه كان عزيزًا في حياته، عاليًا فوق غيره كمن علا على مكان مرتفع، فذل بعد موته، فصار كمن هو في مسيل يجتاحه السيل فضرب النجوة والمسيل مثلًا للعز والذل، والآخر أن ابن عمه كان ينزل على نجوة من الأرض تعرضًا للأضياف لتهتدي إليه، فحل الموالي بعده بمنخفض من الأرض لأنهم افتقروا وليس عندهم ما يقرون به الضيف، لا ينزل التلاع الأجبان أو كريم، ولا يلزم الوهاد إلا لئيم أو فقير، ونجاد السيف حمالته وكلما كان الرجل أطول كان النجاد أطول، وقوله وهم أي قوى وأصله في الإبل. المعنى: ما بقي بعده من يصعب علي موته فليمت من كان، ويصف المرثي بالطول والهيبة والقوة، ويقول: إذا أعانك فكأنما تصول على عدوك بجماعة كنفس واحدة.
وقال مسافع بن حذيفة العبسى:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أبعد بني عمرو أُسر بمقبل من العيش أو آسى على أثر مدبر
وليس وراء الشيء شيء يرده عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر
أي ليس وراء الشيء الفائت شيء يرده فحذف الصفة بدلالة الكلام. المعنى يقول: قد ذهب من كنت أريد عيشي لهم فالآن لا أسر بما يقبل منه، ولا أحزن على ما يدبر منه، ثم اعترف بأن الفائت لا يرده إلا الصبر فجعل الأجر الذي هو عوض عن الفائت بمنزلته.
سلام بني عمرو على حيث هامكم جمال الندي والقنا والسنور
الندى: المجلس وهو النادي، والسنور: السلاح الذي يلبس، وهامكم مبتدأ فحذف الخبر يريد حيث هامكم مقبور. المعنى: يحييهم ويصفهم بأنهم كانوا زين الندامى والحروب.
أولاك بنو خير وشر كلاهما جميعًا ومعروف ألم ومنكر
المعنى: يصفهم بإسداء الخير إلى أصحابهم وايلائهم الشر إلى أعدائهم.
وقال الربيع بن زياد في مالك بن زهير، جاهلي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
إني أرقت فلم أغمض حار من شيئ النبأ الجليل الساري
من مثله تُمسي النساء حواسرًا وتقوم معولة مع الأسحار
ويروى "تمشي" ويروى "العظيم الساري". المعنى: يصف أرقه لعظيم الخبر الذي يخرج المخدرات ويدعوهن إلى البكاء والعويل.
أفبعد مقتل مالك بن زهير ترجو النساء عواقب الأطهار
ما إن أرى في قتله لذوي النهى إلا المطي تُشد بالاكوار
ومُجنبات ما يذقن عذوقًا يقذفن بالمهرات والأمهار
ومساعرًا صدأ الحديد عليهم فكأنما طلي الوجوه بقار
ويروي "تطلى"، وقوله: ترجو النساء أي لا يرجون عواقب الأطهار، وهو جمع طهر، كانوا يواقعون نساءهم قبل أطهارهن ويدعون أن ذلك أنجب للولد، وكانوا لا ينكحون امرأة، ولا يقربون طيبًا ولا لذة ماداموا لم يدركوا الثأر والمجنبات ها هنا الخيل تجنب إلى الإبل في الغزو، وقوله: "ما يذقن عزوفًا" بالذال والدال أي ما يذقن شيئًا، وقوله بالمهرات والأمهار، يعني الخيل تقذف أولادها لشدة السير يقول: ما أرى لقتل مالك بن زهير رأيًا لذوي العقول إلا أن تركب الإبل وتجنب إليها الخيل، ويسار بها سيرًا عنيفًا حتى ترمي بأجنتها، وتبلغ بنا عدونا، فنغير عليهم ونسفك دماءهم، والمساعر جمع مسعر وهو الشجاع تسعر به الحروب، وقوله: صدأ الحديد عليهم للبسهم المغافر والدروع فكأنما تطلى الوجوه بقار لسوادها من لبس المغفر ومن كابة السفر.
من كان مسرورًا بمقتل مالك فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسرًا يندبنه يلطمن أوجههن بالأسحار
قد كن يخبأن الوجوه تسترًا فالآن حين برزن للنظار
يضربن حُر وجوههن على فتى عف الشمائل طيب الأخبار
وجه النهار قيل: هو موضع وقيل صدر النهار وهو أجود وقيل في معنى هذا من كان مسرورًا بمقتل مالك فلا يشمت فإنا قد أدركنا ثأرنا به، وذلك أن العرب كانت لا تبكي على القتيل حتى تدرك الثأر أي فليأت نسوتنا حتى يراهن حواسر يندبنه، وفيه وجه آخر أي من كان مسرورًا بذلك فليشمت فإنه موضع الشماتة، وهذا أجود لأن الذي روى من مذهب العرب ليس بثابت. المعنى: من شمت بقتل مالك فليشمت فإنه موضعه، ثم وصف النساء كما ترى.
وقال كعب بن زهير، مخضرم:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لعمرك ما خشيت على أبي مصارع بين قو فالسلي
ولكني خشيت على أبي جريرة رمحه في كل حي
من الفتيان محلول ممر وأمار بإرشاد وغي
ألا لهف الأرامل واليتامى ولهف الباكيات على أبي
قو موضع ببلاد بني أسد أعلاه لهم وأسفله لعبس، والسلي فيه طلح، ومات أبي بين هذين الموضعين، وقوله محلول أي كثير الحلاوة، وممر أي مر، وبإرشاد من الرشد وهو ضد الغي، وأراد بالغي ها هنا الشر وبالإرشاد الخير. المعنى: يقول: ما خشيت أن أبيا يقتل بين هذين الموضعين ولكني خشيت أن يجني رمحه في كل حي قتلًا وطعنًا، ثم وصفه بالكمال وأن فيه حلاوة ومرارة.
وقال آخر:
(من مرفل الكامل والقافية من المتواتر)
في بعض تطواف ابن طعـ ـمة آمنًا لاقى حمامه
رصدًا له من خلفه يغتره لا بل أمامه
غُر امرؤ مدته نفـ ـس أن تدوم له السلامة
هيهات أعيا الأوليـ ـن دواء دائك يا دعامه
تطواف تفعال من طاف يطوف، ويروى "وصدا له" أي تعرض له ورفع رأسه إليه، ومنه النخل الصادية أي الطويلة، ويغتره يأخذه على غرة، وقوله منته نفسه أي أطمعته. المعنى: يصف هلاك ابن طعمة مسافرًا، ومعنى هيهات ما أبعد لك، وقوله: "أعيا الأولين دواء دائك" أي لم يقدر أحد على السلامة.
وقال غوية بن سُلمي بن ربيعة الضبي، مخضرم، وغوية تصغير غية أو غاوية:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا نادت أمامة باحتمال لتحزنني فما بك ما أبالي
فسيري ما بدا لك أو أقيمي فأيا ما أتيت فعن تقال
وكيف تروعني امرأة ببين حياتي بعد فارس ذي طلال
وبعد أبي ربيعة عبد عمرو ومسعود وبعد أبي هلال
أصابتهم حميدين المنايا فدى عمي لمصبحهم وخالي
أولئك لو جزعت لهم لكانوا أعز علي من أهلي ومالي
أمامة اسم امرأة، قال: خبرتني بارتحالها لتحزنني، ثم أظهر قلة المبالاة بها فقال: فلا بك ما أبالي، على الدعاء أي لا يقع ما أبالي. أقسم بها، ويروي "ولا بك" بالواو، ويروي "فآبك" أي أبعدك الله وها أجود معنى وأنسبه بما بعده، والتقالي التباعض، أي أن شئت سيري، وإن شئت أقيمي فإني أقليك على كل حال، ثم بين أن بغضه أياها ليس لجناية من جهتها، ولكنه لما سئم من عيشه بموت قومه، وفارس ذي طلال - بطاء غير معجمة - قيل: أنه فرسه وذكر بعضهم أنه موضع ببلاد مرة وقتل المرثي هناك، فنسبه إليه. والأول أظهر، وقوله لمصبحهم أي موضع أباحهم في قبورهم يعني تربته يقول: صبرت عن أولئك ولم أجزع فكيف لا أصبر عنك. المعنى: يصف قلة مبالاته بشأن امامة شغل قلبه بهلاك قومه.
وقال قراد بن غوية بن سلمى بن ربيعة بن زبان:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا ليت شعري ما يقولون مخارق إذا جاوب إلهام المصبح هامتي
ودُليت في زوراء يُسفى تُرابها علي طويلًا في ثراها إقامتي
وقالوا ألا لا يبعدن اختياله وصولته إذا القروم تسامت
ويروي "ودليت في غبراء" ويروي "ألا لا يبعدن احتياله" بالحاء غير المعجمة، مخارق ابن أخيه، وكان العرب تزعم أن الرجل إذا قتل خرج من قبره طائر يدعى الهامة والصدى فلا يزال يقول: اسقوني حتى يدرك ثأره، وهذا من أباطيلهم، وقوله "ودليت في زوراء" أي أرسلت في قبر ملحد، والأزور المعوج،
ومن روى "غبراء" يعني القبر، وأنث لتأنيث الحفرة، يسفي ترابها أي يثير ترابها، والسافي: التراب نفسه، واختياله: تجبره، إذا القروم تسامت يعني إذا تنازلت الأبطال، والتسامي التعالي.
وما البعد إلا أن يكون مغيبًا عن الناس مني نجدتي وقسامتي
أيبكي كما لو مات قبلي بكيته ويشكر لي بذلي له وكرامتي
وكنت له عمًا لطيفًا ووالدًا رؤوفًا واُمًا مهدت فأنامت
نجدتي أي شجاعتي وبسالتي، وقسامتي أي حسني ويروى "ويشكر من بذلي له"، ويروى "ويشكرني بذلي"، وقوله: عمًا لطيفًا أي ملطفًا. لأن اللطيف له معنيان أحدهما صغير والآخر فاعل اللطف، وقوله: ووالدًا رءوفًا أي مثل والد كثير الرأفة، وأما مهدت يعني مثل أم في الشفقة مهدت فأنامت. المعنى يقول: ليتني علمت ما يفعل مخارق ابن أخي بعد موتي، وثناء الناس علي، أيبكي ويذكر إحساني إليه، ثم ذكر إكرامه إياه، وقيل: أنه يهزه على طلب الثأر به إذا قتل.
وقال المسجاح بن سباع بن خالد بن الحارث بن قيس بن نصر بن عائذة بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة، جاهلي، وهو أحد المعمرين، والمساج، فعال من السجح إذا أحسن فقال: ملكت فأسجح أي أحسن، وسباع جمع سبع:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لقد طوفت في الآفاق حتى بليت وقد أنى لي لو أبيد
وأفناني ولا يفنى نهار وليل كلما يمضي يعود
وشهر مُستهل بعد شهر وحول بعده حول جديد
ومفقود عزيز الفقد تأتي منيته ومأمول وليد
طوفت أكثرت الطوفان، وقوله: "لقد أني لي لو أبيد" معناه قد حان الهلاك لو أهلك، ومفقود يعني مصيبة مفقود عزيز الفقدان. قيل: كيف يفنيه مأمول وليد [ولم عطف به على ما ذكر أنه أفناه] قيل: معناه: إذا كان وليدًا وهو هرم يفنيه همه وشغل القلب به، وقيل: بل معناه وما يفني نهار وليل يعني يتعاقبان وشهر وحول ومفقود ومولود أي الدهر كله هكذا. المعنى: هذا قد استطال عمره، وشكا تأثير الأيام فيه من غير أن يؤثر فيها شيء.
وقال حزاز بن عمرو من بني عبد مناة يرثي زيد الفوارس وعمرًا وغيرهما من بني عمه، وحزاز جمع حزازة، وهي هبرية الرأس:
(الثاني من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتواتر)
تبكي على بكر شربت به سفهًا تبكيها على بكر
هلا على زيد الفوارس زيـ ـد اللات أهلا على عمرو
تبكين لارقأت دموعك أو هلا على سلفي بني نصر
خلوا علي الدهر بعدهم فبقيت كالمنصوب للدهر
إن الرزيئة ما أولاك إذ هز المخالع أقدح اليسر
أهل الحلوم إذا الحلوم هفت والعرف في الأقوام والنكر
حزاز هذا باع بكرًا من الإبل واشترى به خمرًا شربها فبكت امرأته على فوت البكر فقال: هذه تبكي على بكر شربت به خمرًا، سفه تبكيها، بالرفع أي جهل بكاؤها على بكر ومن روى سفهًا، بالنصب: أي أعد بكاءها سفهًا، والأول أجود، ثم قال لها: هلا تبكين على سادة قومك، وقوله: لارقأت دموعك دعاء عليها بدوام البكاء أي لا جفت دموعك، وقوله: "فبقيت كالمنصوب" يعني كالهدف يرميني الدهر كل يوم بنكبة، وقوله: إن الرزئية ما أولاك، يعني أن المصيبة العظيمة أولئك لا بكر يؤكل ويستفاد، وما زائدة، وإذا هز إذا حرك، والمخالع المقامر يخلع خلعته بالقمار، ويروي "إذا هر" بالراء أي كره وجزع مخافة أن يقمر فيغرم، وقوله: إذا الحلوم هفت أي طاشت.
وقال زويهر بن الحارث الضبي، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألم تر أني يوم فارقت مؤثرًا أتاني صريح الموت لو أنه قتل
وكانت علينا عرسه مثل يومه غداة غدت منا يُقاد بها الجمل
وكان عميدنا وبيضة بيتنا فكل الذي لاقيت من بعده جلل
مؤثر رجل وهو ابن أخي زويهر، وصريح الموت خالصة، أي كنت أصرح بالموت وأتمناه، ولو قبل صراحي وأتاني لكان أهون علي من هذه المصيبة، ويجوز أن يكون معناه أتاني بموته صراح الموت أي هتف بي الموت لما فارقت هذا، ولكنه لم يقتلني، وقوله: "وكانت علينا عرسه" أي أخرجت عرسه إلى أهلها يوم موته [أراد كانت علينا مفارقة عرسه] فحذف المضاف، وقوله: "وكان عميدنا" أي معتمدنا، وبيضة أي سيدنا بمنزلة بيضة الحديد على الرأس وجلل يستعمل في الهين والعظيم، والمراد به هنا الهين.
وقال عبد الله بن عنمة الضبي يرثي بسطام بن قيس، وكان نازلًا في بني شيبان، مخضرم، والعنمة واحدة العنم قال أبو عبيدة هي أطراف الخروب الشامي، وقيل: هي دود حمر يكون في الرمل، وقيل: شيء ينبت أخضر ثم يحمرن يكون ملتفًا على الشجر.
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
لأم الأرض ويل ما أجنت بحيث أضر بالحسن السبيل
بسطام هذا قتلته ضبة، وقاتله عاصم بن خليفة الضبي، وكان عاصم أسلم في زمن عثمان ﵁ وكان يقف ببابه ويقول: عاصم قاتل بسطام بالباب، وكان بسطام نصرانيًا، ومقتله بعد مبعث النبي ﷺ وعبد الله بن عنمة كان مجاورًا في بني شيبان [فخاف على نفسه لما قتل بسطام فرثاه يستميل بذلك بني شيبان]، وقوله لأم الأرض ويل، هذا على سبيل التعجب، وما أجنت أي شيء
سترت، وبحيث أضر أي دنا يقال أضر به إذا ضايقه. المعنى: يقول متعجبًا ويل لهذا الموضع أي رجل واراه.
نُقسم ماله فينا وندعو أبا الصهباء إذ جنح الأصيل
أبو الصهباء كنية بسطام. المعنى: نقسم ميراثه ندعوه بالأصائل لقرى الأضياف كما قالت الخنساء:
وأذكره لكل غروب شمس
أجدك لن تراه ولا تراه تخب به عُذافرة ذمول
إلى ميعاد أرعن مُكفهر تُضمر في جوانبه الخيول
أي أبجد منك، ويروي "أحقًا آل مرة لن تروه" يخاطب بني مرة بن شيبان، وتخب تعدو، ومرببة فرس أحسنت تربيتها، ودؤول سريع الدألان وهي سرعة السير يقول: حقيبة هذا الرحل درع وسرج، وقد جنبت إلى هذه الناقة فرس يعارضها أي يباريها في سيرها، ومكفهر كريه المنظر، وقوله يضمر في جوانبها الخيول أي بما يلحقها من التعب، ويروي "يضمن" بالنون أي يقرن بالإبل. المعنى: يجزع قومه به ويؤيسهم من أن يروه راكبًا ناقته، حاملًا سلاحه، مجنبًا فرسه، متسرعًا إلى الحرب.
لك المرباع فينا والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
قال الأصمعي: المرباع أن يأخذ الرئيس ربع الغنيمة، يكون له دون أصحابه، والصفايا جمع صفي وقد مضى ذكره، والنشيطة ما ينشط قبل أن يبلغ القوم أو ما لا يجوز أن يقسم على الجيش، وما يعثر عليه في الطريق قبل بلوغ
الموضع المقصود. يكون ذلك للرئيس، والفضول: بقايا تبقى من الغنيمة مثل بعير أو بعيرين أو فرس والجيش كثير لا يمكن أن يقسم بينهم، قال: " هذا الربع الذي كان في الجاهلية، وهو في الإسلام الخمس، وقد بقي الصفي في الإسلام، اصطفى النبي ﷺ منبه بن الحجاج ذا الفقار يوم بدر، واصطفى جويرية بنت الحارث من بني المصطلق من خزاعة يوم المريسيع، فجعل صداقها عرسها وتزوجها. واصطفى يوم خيبر صفية بنت حيي بن أخطب النضري، وجعل مثل ذلك بما قال، والنشيطة ما تنشط من الغنائم ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب فبقيت في الإسلام وفدك من ذلك، وهو النفل في الإسلام، وحكمك أي ما تحكم به في الغنيمة ويروى "البسيطة" بالباء والسين وهي: الناقة تجعل معها ولدها، يجعل ذلك في ربع الرئيس ولا يعتد عليه بولدها إذا لم تكن البسائط بعدد أصحابه فإذا كانت بعددهم كانوا فيها شرعًا، ومنه النقيعة أيضًا وهو بعير يؤخذ من الإبل فينحره ويطعمه وليست في الإسلام. المعنى: يقول: كنت رئيس القوم لك ما للرئيس من الغنائم وسائر ما ذكره.
أفاتته بنو زيد بن عمرو ولا يوفي ببسطام قتيل
وخر على الألاءة لم يُوسد كأن جبينه سيف صقيل
فإن يجزع عليه بنو أبيه فقد فجعوا وفاتهم جليل
بمطعان إذا ما الخيل خامت وعرد عن حليلته الحليل
أفاتته: قتلته، ولا يوفى أي لا كفؤله في الناس فيقتل به، والألاة شجر مثل الطرفاء، وقوله: إذا ما الخيل خامت أي نكلت، وعرد بمعنى عدل، والمعرد
الجبان. المعنى: يصف قتله وأنه لا كفؤ له، ويذكر سقوطه عند القتل على الالاءة، ولم يدفن، وشبه بياض جبهته بسيف مجلو، ثم عذر قومه في الجزع عليه، ووصف جوده ومطاعنته عند عدول الحليل عن حليلته وذهوله عنها لشدة الحرب، ويروى "ونابهم جليل".
وقال الهذيل بين هبيرة التغلبي، جاهلي، والهذيل فعيل من الهذلان وهو الاضطراب، وهبيرة تصغير هبرة وهي القطعة من اللحم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألكني وفر لابن الغريرة عرضه إلى خالد من آل سلمى بن جندل
فما أبتغي في مالك بعد دارم وما أبتغي في دارم بعد نهشل
وما أبتغي في نهشل بعد جندل إذا ما دعا الداعي لأمر مجلل
وما أبتغي في جندل بعد خالد لطارق ليل أو لعان مُكبل
ألكني أي كن رسولي إلى خالد برسالة، ليس فيها كلام قبيح، وفر أمر وفر يفر فهو موفور، وطارق ليل ضيف يجيء ليلًا، وعان مكبل أي أسير مقيد، وأمر مجلل معظم، المعنى: يقول: ليس في مالك بعد زيد بن مناة خير، ولا في دارم خير بعد نهشل ولا في نهشل خير بعد جندل، وليس في جندل بعد خالد من يقري طارقًا أو يفك الأسير المكبل.
وقال إياس بن الأرت، اسلامي، واياس من الأوس وهو العوض، وليس من اليأس، والارت الذي في لسانه رتة أي عجلة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ولما رأيت الصبح أقبل وجهه دعوت أبا أوس فما إن تكلما
وحان فراق من أخ لك صالح وكان كثير الشر للخير توأما
تتابع قرواش بن ليلى وعامر وكان السرور يوم مات مذمما
هممت بأن لا أطعم الدهر بعدهم حياة فكان الصبر أبقى وأكرما
قوله: "فما إن تكلما" يعني ما تكلما، وإن زائدة، وكان كثير الشر أي عنده في حال الغضب شر كثير، وعند الرضا كأنه ولد معه الخير فهو توأم له، وقوله: "هممت بأن لا أطعم" أراد هممت بأن أترك الطعام والشراب حتى لا أحيا، ويروى "هممت بأن لا أطعم النوم بعدهم"، فكان الصبر أبقى أي أوفى، ويروى "مدمدمًا" أي مغيبًا، ويروى "مدمما" بالدال من دممت الشيء إذا غطيته. المعنى: يرثي أبا أوس ويصفه بضر العدو ونفع الصديق، وذكر موت واحد بعد واحد وغيبة السرور عنه، وشدة المصيبة عليه.
وقال قبيصة بن النصراني الجرمي وقبيصة فعيلة من القبض وهو القبض
بأطراف الأصابع:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا يا عين فاحتفلي وبكي على قرم لريب الدهر كاف
وما للعين لا تبكي لحوط وزيد وابن عمهما ذُفاف
وعبد الله يا لهفى عليه وما يخفى بزيد مناة خاف
وجدنا أهون الأموال هُلكًا وجدك ما نصبت له الأثافي
احتفلي: احتشدي واجتهدي في البكاء، على حوط وذفاف اسم مرخم أصله ذفافة إلا أنه لم ينو فيه الترخيم، وقوله: "وما يخفى بزيد مناة خاف" كأنه قال وما يخفى زيد مناة خفاء، فجعل خاف في موضع "خفاء" كما تقول: قمت قائمًا أي قيامًا، ومعنى البيت أن زيد مناة مشهور لا يخفى أمره، وفيه وجه آخر هو أن ما يخفى زيد مناة مخف لشهرته، كما تقول ما يذهب بزيد ذاهب، فتجعل الباء للتعدي، وجدك قسم أي وعظمتك، وما نصبت له الأثافي يعني ما يذبح ويطبخ يقول: هلاك المال سهل وإنما الصعب هلاك الرجال. المعنى: يستمد البكاء من عينيه على جماعة سماهم، ثم هون هلاك المال معظمًا هلاك الرجال.
وقال أبو صعترة البولاني في بني أخيه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
زكيرة وابنا أمه الهم والمنى وبالصدر منهم كلما غبت هاجس
أودهم ودًا إذا خامر الحشا أضاء على الأضلاع والليل دامس
بنو رجل لو كان حيًا أعانني على ضُر أعدائي الذين أمارس
زكيرة ابن أخيه وابنا أمه أخوا زكيرة، وهاجس أي خاطر، يعني أهتم لهم كلما غبت عنهم، ودامس أي مظلم. المعنى: يرثى لبني أخيه، ويذكر إفراط إهتمام بأمرهم ويشكو أخاه المتوفى.
وقال الغطمش الضبي من بني شقرة بن ثعلبة بن سعد بن ضبة، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا رُب من يغتابني ود أنني أبوه الذي يدعى إليه وينسب
على رشدة من أُمه أو لغية فيغلبها فحل على النسل منجب
على رشدة أي على نكاح صحيح، أو لغية على غير نكاح، والمنجب من يلد نجيبًا. المعنى: يصف فضله ويذكر أن من يذكره بالسوء يتمنى أنه ولده نكاحًا أو سفاحًا.
فبالخبر لا بالشر فارج مودتي فأني امرؤ يقتال منه الترهب
يقتال: يحتكم يعني فإني امرؤ يحكم بأن يترهب منه، ويروى "وأي امرئ" وفسره أي امرئ يطلب مودته على الرهبة، وليس له وجه. المعنى: يقول: اطلب مودتي بالرفق لا بالعنف، فإني لا أعطي على القسر، وإني من يرهب منه.
أقول وقد فاضت لعيني عبرة أرى الأرض تبقى والأخلاء تذهب
أخلاء لو غير الحمام أصابكم عتبت ولكن ما على الموت معتب
معتب موضع العتب. المعنى: يرثي أخلاءه، ويعتذر إليهم في ترك العتب على الموت.
وقالت امرأة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا فاقصري من دمع عينيك لن ترى أبًا مثله تنمي إليه المفاخر
وقد علم الأقوام أن بناته صوادق إذ يندبنه وقواصر
أقصري: أي كفي، ويروى "فاقصري" من أقصر إلا أنه أدرج ألف القطع، وصوادق جمع صادقة وقواصر يقصرن أي يعجزن أن يبلغن الثناء عليه. المعنى: يستكفها عن البكاء على أبيها ويريد أنه لجلالته وكثرة مفاخره لا يقضي البكاء حقه.
وقال القلاخ بن حزن، إسلامي، والقلاخ من قلخ البعير قلخًا وقليخًا إذا صاح.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سقى جدثًا وارى أريب بن عسعس من العين غيث يسبق الرعد وابله
مُلث إذا ألقى بأرض بعاعه تغمد سهل الأرض منه مسايله
العين: ما بين قبلة العراق ومغيب الشمس، ويقال: إنها لا تكاد تخلف سحابًا نشأ منها حتى يعقب المطر، ويدوم مطرها أيامًا، يسبق الرعد وابله لكثرته وشدته، وملث لازم، والبعاع ثقله، وتغمد بالعين والغين أي غطى. المعنى: يستسقى لقبر أريب على رسم العرب.
فما من فتى كُنا من الناس واحدًا به نبتغي منهم عميدًا نُبادله
ليوم حفاظ أو لدفع كريهة إذا عي بالجمل المعضل حامله
العميد: السيد، يعتمد عليه في الأمور، ونبادله أي نأخذ به بدلًا منه، وهذا البيت فيه تقديم وتأخير، ومجازه فما من الناس فتى كنا نبتغي من القوم واحدًا عميدًا نبادله به، والهاء في به للمرثي، والمعضل: الثقيل الشديد. المعنى: يصفه بأنه لا نظير له، وما كنا نرضى أحدًا بدله.
وذي تُدرأ ما الليث في أصل غابه بأشجع منه عند قرن ينازله
قبضت عليه الكف حتى تُقيده وحتى يفي للحق أخضع كاهله
ذو تدرأ ذو شغب من الدرء وهو الدفع، وتقيده تنتصف منه، وحتى يفي
للحق يعني حتى انقاد للحق. المعنى: يصف أنه كان يغلب الأجلاد أمثال الليوث، ويقودهم إل الحق.
فتى كان يستحي ويعلم أنه سيلحق بالموتى ويذكر نائله
المعنى: يصفه بالحياء وأجزال الحبا لأنه إذا علم أنه ميت يذكر إن هو أجزل العطية.
وقال الضبي:
(من الكامل والقافية من المتواتر)
أأبي لا تبعد وليس بخالد حي ومن تصب المنون بعيد
أأبي إن تُصبح رهين قرارة زلخ الجوانب قعرها ملحود
فلرب مكروب كررت وراءه فمنعته وبنو أبيه شهود
أنفا ومحمية وأنك ذائد إذ لا يكاد أخو الحفاظ يذود
ولرب عان قد فككت وسائل أعطيته فغدا وأنت حميد
يُثني عليك وأنت أهل ثنائه ولديك إما يستزدك مزيد
رهين قرارة يعني القبر، وزلخ الجوانب أي جوانبها مزلة يقال: مكان زلخ وزلوخ أي لا تستقر عليه قدم، والأنف والحمية بمعنى واحد، وكرر المعنى لاختلاف اللفظين، والذود أصله منع الإبل عن حوض، ثم سمي به كل منع على وجه الحماية، وقوله: أما يستزدك، ما زائدة يريد أن يستزدك. المعنى: يرثي أبيًا ويقول: إن صرت مقبورًا فرب كرب فرجت وأسير فككت، وسائل أعطيت، فاستوجبت الثناء وإن طلب الزيادة منك زدت.
وقال عكرشة أبو الشغب، إسلامي، كان في زمن خالد بن عبد الله القسري
وهو يرثي ولده شغبًا، والعكرشة الأرنبة سميت بذلك لأنها تأكل العكرشن والشغب الجلبة:
(الثاني من البسيط والقافية من المتراكب)
قد كان شغب لو أن الله عمره عزًا تُزاد به في عزها مُضر
فارقت شغبًا وقد قوست من كبر لبئست الخلتان الثكل والكبر
قوست: انحنيت فصرت كالقوس. المعنى: يرثي ابنه شغبًا ويمدح قبيلته ويشكو الهرم وفقدان الولد.
وقال آخر يرثي ابنه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لله در الدافنيك عشية أما راعهم مثواك في القبر أمردا
مجاور قوم لا تزاور بينهم ومن زارهم في دارهم زار هُمدا
الإضافة مع الألف واللام قليلة. المعنى: يتعجب من دفنهم أمرد يقول: أما فزعهم ذلك فيمتنعوا من دفنك، ثم وصف أحوال الموتى أن من زارهم من الأحياء زار همدًا موتى لا يسمعون ولا يجيبون.
وقال لبيد بن ربيعة العامري، مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري لئن كان المُخبر صادقًا لقد رزئت في حادث الدهر جعفر
أخًا لي أما كل شيءٍ سألته فيُعطى وأما كل ذنب فيغفر
المعنى: يعني أخاه أربد وقد أهلكه الله بدعاء النبي ﷺ فأصابته صاعقة فأخبر لبيد فقال: لئن صدق الخبر فقد رزئت قبيلتي به، ثم وصفه بحسن مؤاتاته له، وجعفر قبيلة، واللبيد جوالق صغير.
وقالت زينب بنت الطثرية ترثي أخاها يزيد بن الطثرية، والطثرية من
الطثر وهي خثورة اللبن الذي فوقه لبن خائر، ويقال طاثر، وهي إسلامية كانت في زمن هشام:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري مقيمًا وقد غالت يزيد غوائله
فتى قدقد السيف لا متضائل ولا رهل لباته وأباجله
إذا نزل الأضياف كان عذورًا على الحي حتى تستقل مراجله
الأثل: شجر يشبه الطرفاء، والعقيق: واد ببلاد بني عامر وهو من الحجاز، وغالت يزيد أي أهلكته، وغوائله مهلكاته تعني الحوادث، قد قد السيف أي طبع كالسيف في استقامته وصرامته، لا متضائل: لا قصير ضعيف، ولا رهل: لا مسترخ لحم لباته واللبة النحر، والأباجل جمع أبجل، وهو عرق ما بين العنق إلى الترقوة، عذور: سيء الخلق، وتستقل مراجله حتى تنتصب قدوره الكبيرة. المعنى: ترثي أخاها يزيد، وتصفه باستواء القامة وخفة الحركة والخلقة، واستعجال إطعام الأضياف إذا نزلوا. والبيتان الثاني والثالث هما في جملة أبيات العجير، ولا أدري السبب فيه.
مضى وورثناه دريس مُفاضة وأبيض هنديًا طويلًا حمائله
وقد كان يروي المشرفي بكفه ويبلغ أقصى حجرة الحي نائله
كريم إذا لاقيته مُتبسمًا وإما تولى أشعث الرأس جافله
إذا القوم أموا بيته فهو عامد لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله
الدريس: الخلق من الدروع وغيرها، والجمع درسان، ويروى "محامله" وحمالة السيف ومحمله واحد، وإما تولى ما زائدة يعني وإن تولى، أشعث الرأس لا يشتغل بتزيين نفسه، وإنما يشتغل بخدمة الأضياف، وجافله أي غير مسرح.
ترى جازريه يرعدان وناره عليها عداميل الهشيم وصامله
يُجران ثنيًا خيرها عظم جارة بصيرًا بها لم تعد عنها مشاغله
ترى جازريه يرعدان من خوفه لاستعجاله أياهما، وقيل: بل يرعدان من شدة البرد، تخبر أنه كان ينحر في الشتاء والبرد، وأما قولها: "عداميل الهشيم وصامله" فالهشيم المنكسر يبسًا، والصامل اليابس الصلب، ومنه الصمل، والعدامل جمع عدمول وهو البالي القديم من الشجر، ويروي "عدولي الهشيم" منسوب إلى عدولي، ويجران ثنيًا يعني يجر جازراه ثنيًا أي ناقة ولدت بطنين وولدها أيضًا ثنى، وخيرها عظم جارة أي الذي يهدي للجار خيرها عظمًا، أي خير عظم فيها يهدي لجاره. ولم تعد عنها مشاغله أي لم يشغل عنها ضنه بها، يعني كان بصيرًا بقرى الضيفان والنحر لهم. المعنى: تصفه بأنه لم يترك ارثًا غير سلاحه، وأنه كان ضرابًا بالسيف مطعامًا للضيف نحارًا في الجدب متعهدًا للجار.
وقال منقذ الهلالي، إسلامي:
(الثاني من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتواتر)
الدهر لاءم بين ألفتنا وكذاك فرق بيننا الدهر
وكذاك يفعل في تصرفه والدهر ليس يناله وتر
لاءم جمع، والملاءمة الجمع بين الشيئين، وقوله: "والدهر ليس يناله وتر" أي لا يتهيأ الانتقام من الدهر، فهو ينال ولا ينال. المعنى: يشكو الدهر.
كنت الضنين بمن أصبت به فسلوت حين تقادم الأمر
ولخير حظك في المصيبة أن يلقاك عند نُزولها الصبر
المعنى: سلاني عنه بعد ضنى به تقادم الزمان، ولما ذكر أنه سلا اعتذر لنفسه وأشار إلى أنه سلا صبرًا واحتسابًا، وجعل خير حظ في المصيبة للمصاب عن الفائت الصبر إذا كان عند نزولها.
وقال أبو حكيم المرئ يرثي ابنه حكيمًا، إسلامي:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
وكنت أرجي من حكيم قيامه علي إذا ما النعش زال اتدانيا
فقدم قبلي نعشه فارتديته فيا ويح نفسي من رداءٍ علانيا
قيامه على يعني للتجهيز، وأراد بالنعش الجنازة، ارتداني حملني على عاتقه في موضع الرداء، وقوله: فيا ويح نفسي من رداء علانيًا، يعني جنازته حمله على موضع فسماه باسمه. المعنى: يرثي ابنه ويذكر كان يتمنى أن يتقدمه فقدمه.
وقالت أم قيس الضبية ترثي أخًا لها، إسلامية:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
من للخصوم إذا جد الضجاج بهم بعد ابن سعد ومن للضمر القود
ومشهد قد كفيت الغائبين به في مجمع من نواصي الناس مشهود
الضجاج والضجيج: الصياح والجلبة، تعني: من يدفع شغب الخصوم إذا راموا الغلبة، القود الطوال الأعناق، أي من يحسن أن يركب الخيول بعدك، ويغزو عليها ويغير، ونواصي الناس أشرافهم تريد أنه في مقدمة الناس.
فرجته بلسان غير مُلتبس عند الحفاظ وقلب غير مزوود
إذا قناة امرئ أزرى بها خور هز ابن سعد قناة صلبة العود
غير مزؤود أي غير مذعور، تريد لم يتهيب اجتماع الأشراف، والخور اللين والضعف، وهو خوار يعني إذا ضعف، امرؤ صلب ابن سعد، فضربت القناة مثلًا للنفس. المعنى: ترثي ابن سعد وتصفه بالفروسية واللسن والجلد.
وقالت مية بنت ضرار الضبية ترثي أخاها قبيصة، إسلامية:
(الثاني من الكامل والقافية متواتر)
لا تبعدن فكل شيءٍ ذاهب زين المجالس والندي قبيصا
يطوي إذا ما الشح أبهم قُفله بطنًا من الزاد الخبيث خميصا
قبيصا تريد قبيصة فرخمت، إذا ما الشح أبهم قفله أي منع البخل الأيدي عن الإنفاق، واشتد على الناس المعاش، وعم الجدب يطوى حينئذ بطنًا خميصًا، ومن الزاد الخبيث أي مما يصعب عليه تناوله:
وكأنه صقر بأعلى مربأ من كل مرتبأٍ تراه شخيصا
يسر الشتاء وفارس ذو قدمة في الحرب إن حاص الجبان محيصا
المرتبأ: المكان العالين شبهته بالصقر في خفته، وجعلته موفيًا على المراقب، وهذا يحتمل وجهين أحدهما كما ذكرنا في قوله طلاع النجاد وطلوع الثنايا، والثاني أنه يحفظ أصحابه ليلًا من بغتة العدو الروابي كالصقر، وقولها "يسر الشتاء" أي ذو يسر وأكثر ما سمع في الجمع، ويجوز في الواحد، وذو قدمة أي ذو تقدم في الحرب، وإن حاص الجبان محيصًا يعني أن عدل الجبان عن التقدم، ومحيص مصدر ها هنا. المعنى: ترثي أخاها قبيصة وتصفه بأنه كان زين مجلس الشرب، وندى الخصومة، وتصفه بالعفة والخفة والنجدة، والندي المجلس ولكنه يستعمل في مجتمع الناس لأمر يحز بهم، والمجلس للشرب والطرب واللهو وغير ذلك.
وقال عكرشة أبو الشغب العبسي يرثي بنيه، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
سقى الله أجداثًا ورائي تركتها بحاضر قنسرين من سبل القطر
مضوا لا يريدون الرواح وغالهم من الدهر أسباب جرين على قدر
ولو يستطيعون الرواح تروحوا معي وغدوا في المصبحين على ظهر
لعمري لقد وارت وضمت قبورهم أكفًا شداد القبض بالأسل السمر
يُذكرنيهم كل خير رأيته وشر فما أنفك منهم على ذُكر
سبل القطر: ما يعظم منه، وغالهم أهلكهم واغتالهم مثله، وعلى ظهر أي على ظهر خيل جياد، وأكفا جمع كف، يذكرنيهم كل خير أي أذكرهم لما كانوا يلون من الخير إلى أوليائهم، ومن الشر إلى أعدائهم، ويجوز أن يكون أنهم كانوا يصنعون الخير ويكفون الشر، فأذكرهم كلما رأيت خيرًا وشرًا. المعنى: يرثي بنيه ويستسقي لقبورهم، ويذكر عجزهم عن العود إلى الدنيا، ثم وصف شدتهم واعتيادهم الخير والشر.
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع