من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الأدب
وقال مسكين الدرامي، إسلامي كان في زمن الفرزدق:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم على سر بعض غير أني جماعها
فتيان جمع فتى، كما تقول: خرب وخربان، وجماعها: أي ما جمع عدداً، وكل ما جمع من شيء فهو جماعة، ويجوز أن يعود الضمير إلى ما دل عليه الكلام من ذكر الأسرار، فيكون جماعها أي الذي تجتمع فيه الأسرار، كما تقول: صوان للذي يصان به الشيء ونظام الأمر الذي به ينتظم.
لكل امرئ شعب من القلب فارغ وموضع نجوى لا يرام اطلاعها
الشعب: الفرجة بين الشيئين ضاق أو اتسع، وطريق الجبل شعب فعل بمعنى مفعول، وقوله من القلب أراد من قلبي، فأقام الألف واللام مقام الإضافة، والنجوى السر نفسه، وهو أيضاً جمع المسارين ولا يرام اطلاعها أي لا يطلب الاطلاع عليها، يعني لا يطمع في ذلك.
يظلون شتى في البلاد وسرهم إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
يظلون شتى يعني هؤلاء الفتيان يتفرقون في البلاد وسرهم إلى صخرة أي انضم إلى قلب شبه صخرة صماء، أعيا الرجال انصداعها أي أعجزهم أن يصدعوها لصلابتها.
وقال يحيى بن زياد:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
ولما رأيت الشيب لاح بياضه بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خفت أني إن كففت تحيتي تنكب عني رمت أن يتنكبا
مفرق الرأس - بفتح الميم وكسر الراء - حيث أنفرق شعر، ويقال: مفرق فأما مفرق الطريق فبالفتح لا غير، ويروى > أي حسبت، ولو خفت بمعنى علمت، وقد يستعمل الخوف بمعنى العلم قال تعالى: > وكففت تحيتي أي أمسكتها، تنكب عني أي عدل.
ولكن إذا ما حل كره فسامحت به النفس يوما كان للكره أذهبا
كره: أي مكروه، وسامحت به النفس أي تابعت به، وقوله: كان للكره أذهبا أي أسرع ذهاباً، وقيل: أراد أشد إذهابا للكره فحذف. المعنى: يصف رضاه بالشيب، وتحيته له لما ظهر برأسه لعلمه أنه إذ لم يزل عنه، ثم بين المكروه إذا نزل فانقادت له النفس كان أسهل منه إذا أظهر كراهيته.
وقال المرار بن سعيد الأسدي، إسلامي:
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
اذا شئت يوما أن تسود عشيرة فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم
يسود عشيرته يكون سيدهم ويروى > أي بالتعجل، ورجل ترع أي عجول.
وللحلم خير فاعلمن مغبة من الجهل الا أن تشمس من ظلم
مغبة أي عاقبة، وتشمس تنفر. المعنى يقول: من أحكام السيادة الحلم فاطلبها به ولا تطلبها يشتم الناس والعجلة في الأمور فان الحلم خير عاقبة من الجهل، إلا أن تظلم فلا وجه للصبر على الظلم.
وقال عصام بن عبيد الزماني، عصام: الخيط الذي تشد به القربة، وجمعه عصم، إسلامي:
((الثاني من البسيط والقافية من المتواتر))
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة وفي العتاب حياة بين أقوام
مغلغة أي رسالة، ولا يستعمل ذلك إلا فيما يتضمن معنى الشر والخصومة، والتغلغل الدخول في الشيء، وقوله: وفي العتاب حياة أي حياة للود والصلح،
وترك العتاب فساد للود، لأن العتاب يباح به ما في القلب من الوحشة، ويقع عنده العذر ويحصل الرضا.
أدخلت قبلي قوماً لم يكن لهم في الحق أن يلجوا الأبواب قدامي
المعنى: يعاتب أبا مسمع وإيثاره قوماً دونه عليه.
لو عد قبر وقبر كنت أكرمهم ميتاً وأبعدهم من منزل الذام
اللذام والذم بمعنى واحد، وقوله: قبر وقبر، لم يرد قبرين اثنين إنما أراد لو عد القبور قبرأ قبراً. المعنى: يصف كرم أصله.
فقد جعلت إذا ما حاجتي نزلت ببان دارك أدلوها بأقوام
أدلوها أنتجزها، وأصله من دلوت الدلو إذا أخرجتها. المعنى: أحوجتني إلى استشفاع الناس في قضاء حوائجي.
وقال شبيب بن البرصاء المري، والبرصاء هذه خطبها رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يكن بها برص فقال أبوها: لا أرضاها لك يا رسول الله فإنها برصاء، فرجع أبوها إلى عندها وإذا هي قد برصت عقوبة للأب:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وإني لتراك الضغينة قد بدا ثراها من المولى فما أستثيرها
مخافة أن تجني علي وإنما يهيج كبيرات الأمور صغيرها
الضغينة والضغن والضغن: الحقد، وثراها أي أثرها، وقوله: مخافة أن تجني أي مخافة أن تجني علي الضغينة أمراً عظيماً لا يمكن تلافيه، ويهيج يبعث، وهاج لازم ومتعد. المعنى: يصف حلمه ونظره في العواقب.
لعمري لقد أشرفت يوم عنيزة على رغبة لو شد نفسي مريرها
لعمري: قسم أقسم ببقائه، أشرفت: اطلعت وعلوت، على رغبة أي ما يرغب فيه، ويوم عنيزة يوم معروف، المرير القوة وكذا المرة. المعنى: لقد قاربت يوم عنيزة الفوز بمرادي لو تم عزمي وقوة قلبي كأنه يتندم بعد تفريطه بعد العزم.
تبين أعقاب الأمور إذا مضت وتقبل أشباها عليك صدورها
تبين أي تتبين، وأعقاب الأمور أواخرها، وأشباها جمع شبه، وصدورها: جمع صدر، وصدر كل شيء أوله. المعنى: يتأسف على فوت مراده، وهذا البيت مما يتمثل به.
إذا افتخرت سعد بن ذبيان لم تجد سوى ما ابتنينا ما يعد فخورها
افتخر القوم وتفاخروا بمعنى واحد وذبيان بضم الذال وكسرها، والفخور: الكثير الفخر.
ألم تر أنا نور قوم وإنما يبين في الظلماء للناس نورها
قو: اسم موضع، جعل نفسه وقومه نور بلادهم لأنه ينتفع بهم كما ينتفع بالنور في الظلماء. المعنى: يصف أنهم لكثرة مناقبهم يعقدون الفخر لغيرهم وأنهم بمنزلة النور في بلادهم انتفاعاً واهتداءً.
وقال معن بن أوس المري:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
لعمري ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول
يروى > بالغين معجمة من الغدو، وبالعين من العدو، والعدوان، وكلاهما حسن لأنه يقال: غدت عليه المنية، وعدا عليه الدهر، أوجل أفعل لا فعلاء له، فلا يقال امرأة وجلاء، استغنوا عنه بوجلة، أول مبنى على الضم لأن الاضافة مراده فاقتطعت منه كقبل وبعد.
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل إن أبزاك خصم أو نبا بك منزل
أبزاك خصم أي قهرك وغلبك، نبا بك لم يحتملك فكأنه أزعجك.
أحارب من حاربت من ذي عداوة وأحبس مالي إن غرمت فأعقل
معنى أحبس مالي إن غرمت فأعقل يقول: إن لحقك غرم من جناية جنيتها لم أسرح إبلي، ولكني أحبسها بفنائي وأعقل عنك ما يلزمك، أي أعطي ديته من مالي، وقيل: أراد أعقل إبلي أي أشدها بالعقال وأحبسها عليك.
كأنك تشفي منك داء مساءتي وسخطي وما في رثتي ما تعجل
معنى كأنك تشفي منك يقول: ليس في أناتي وتركي مكافأتك ما يجب أن تعجل على ما يسوءني، ويروى ((وما في ريبتي)) أي ما في مساءتي وما يريبني ربح ومنفعة يوجب أن تتعجلها.
وان سؤتني يومًا صفحت إلى غٍد ليعقب يومًا منك آخر مقبل
يعني إذا فعلت ما يسوءني تجاوزت إلى غد ليعقب منك يوم آخر مقبل ما يسرني.
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني يمينك فانظر أي كٍف تبدل
يقول: أنا لك في الموافقة بمنزلة يمينك، فانظر من الذي تجعله بدلي، ويشفق عليك شفقتي.
وفي الناس إن رثت حبالك واصل وفي الأرض عن دار القلى متحول
يقول: إن وهت أسباب مودتك ففي الناس من يرغب في وصلي، والأرض واسعة، وفيها موضع ينتقل إليه عن قرب من يبغضك.
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدتهعلى شرف الهجران إن كان يعقل
قوله: أن كان يعقل شرط حسن في موضعه، لأنه إذا لم يعقل لم يفرق بين الإحسان والإساءة.
ويركب حد السيف من أن تضيمه إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل
تضيمه تظلمه، وشفرة السيف حده، ومزحل: مبعد، يقال: أرحل عن هذا المكان: تنح عنه، وزحل: نجم معروف سمي به، ومضى يركب حد السيف يقول: إذا لم يكن موضع يهرب إليه من ظلمك إلا حد السيف ركبه، ولم يصبر على ظلمك إياه.
وإني على أشياء منك تريبني قديمًا لذو صفٍح على ذاك مجمل
المعنى: إني أتجاوز عن إساءتك، وأصفح عن ذنبك إذا أتيت ما يريبني، مجمل لعشرتك.
وكنت إذا ما صاحب رام ظنتيوبدل سوءًا بالذي كنت أفعل
قلبت له ظهر المجن فلم أدمعلى ذاك إلا ريث ما أتحول
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل
المعنى: يبذر صاحبه هجرانه، ويبين له أنه إذا هجر صاحبه لم تكن منه معاودة. يقول: كنت إذا طلب صاحبي ما يريبه مني وجازاني بالإحسان إساءة هجرته سريعًا وإذا انصرفت عن شيء لم أنزع إليه بحال.
وقال عمرو بن قميئة فعلية من القماءة، وهي المذلة، وهو صاحب امرئ القيس، خرج معه إلى قيصر الروم وإياه عنى بقوله:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لا حقان بقيصر
((أول المنسرح والقافية من المتواتر))
يا لهف نفسي على الشباب ولمأفقد به إذ فقدته أمما
الأمم القصد. المعنى: يتأسف على الشباب ويقول: لم افقد به يسيرًا من الأمر قصداه وإنما فقدت به أمرًا عظيمًا.
إذ أسحب الريط والمروط إلىأدنى تجاري وانفض اللمما
المروط: الأكسية الدقيقة تجلب إلى أرض العرب ولا تعمل هناك، والتجار الخمارون واحدهم تاجر. المعنى: كنت في شبيبتي أجر ردائي خيلا إلى باعة الخمر، وأتبختر، وعبر عن التبختر بنفض اللمم، لأنه إذا تبختر حرك رأسه.
لا تبغط المرء أن يقال لهأمسى فلان لعمره حكما
إن سره طول عمره فلقد أضحى على الوجه طول ما سلما
المعنى: لا تبغط المعمر في تعميره، فا، هـ أن سره طول سلامته فقد ذهبت نضارة وجهه، واختلفت جدة شبابه فما ذهب منه خير مما حصل له، وأضحى على الوجه أي ظهر، وأضحى ليس لها خبر لأنها تامة بمعنى بدا وظهر.
وقال إياس بن القائف، إياس فعال بمعنى الأوس وهي العطية، وقيل بمعنى اليأس وليس بفصيح، والقائف فاعل من قاف يقوف إذا تبع، والقافة قوم ينظرون إلى الغلام فيعرفون أباه وهم من بني مدلج.
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم وترمي النوى بالمقترين المراميا
المرامي جمع مرمى كقولك: الجهات البعيدة. المعنى يقول: من كان مكفيًا أقام في وطنه. ومن كان معدمًا رمت به الأسفار إلى الجهات البعيدة في طلب الكفاية، ولم يعذر في لزوم الوطن.
فأكرم أخاك الدهر مادمتما معًا كفى بالممات فرقًة وتنائيا
إذا زرت أرضًا بعد طول اجتنابها فقدت صديقي والبلاد كما هيا
ويروى ((ماكنتما معًا)) ويروى ((تقاليا)) المعنى: يحث على صلة الرحم وإكرام الخ قبل وقوع الفرقة بالموت، ثم بين تفاقد الأصدقاء مع بقاء البلاد، وهذا من لطيف ما يستعطف به على صلة الرحم. يقول: لا تهجر أخاك فربما تغيب عنه ثم تعود طاليًا لوصله فلا تجده.
وقال ربيعة بن مقروم بن قيس بن خالد الضبي، مخضرم:
((أول الوافر والقافية من التواتر))
وكم من حامل لي ضب ضغن بعيد قلبه حلو اللسان
ولو أني أشاء نقمت منه بشغف أو لساٍن تيحان
الضب والضغن واحد وهما الحقد، والعرب تضيف الشيء إلى نفسه إذا كان
له اسمان، ومعنى بعيد قلبه يريد بعيدًا عن موافقتي، حلو اللسان أي يعطيني بلسانه ما أحب، ويضمر لي في قلبه ما أكره، والشغب الجلبة، ولسان تيحان أي يقول ما يعنيه وأصله النسيط.
ولكني وصلت الحبل منهمواصلة بحبل أبي بيان
أبو بيان أحد بني أعمام ربيعة بن مقروم، يصف أنه ترك مقالته لأنه واصل أبا بيان واستفاد من عقله وعمله.
وضمرة أن ضمرة خير جاٍر علقت له بأسباٍب متان
متان: شداد، وعطف على أبي بيان، ذكر أنه استفاد من حلمه أيضًا.
هجان الحي كالذهب المصفى صبيحة ديمٍة يجنيه جان
الديمة: المطر يدوم أيامًا، والهاء في يجنيه عائده إلى الذهب لأن معدن الذهب باليمن إذا اشتد المطر عليه جلاه، فصار له بريق يرى من بعيد، فيسهل على ملتمسه لقطه، ويحتمل أن تكون عائدة على الممدوح كأنه جعل المعتفي مجتنبًا، وقد خص ضمرة بالمدح وشبهه بالذهب أحسن ما يكون وأخلصه.
وقال سلمي بن ربيعة بن زبان بن عامر بن ثعلبة بن ذؤيب بن السيد، جاهلي:
((من مخلع البسيط والقافية من المتواتر))
إن شواٍء ونشوًةوخبب البازل الأمون
هذه الأبيات خارجة عن حد العروض التي جاء بها الخليل، وأقرب ما تعرف
إليه الضرب السادس من البسيط، غير أن عروضه لزمت ((فعل)) كأنها محذوفة من ((فعولن)) كما جاءت عروض المتقارب لأنه في ديوان الأوائل.
الشواء معروف وجمعه أشويه، وقد شويت اللحم، والنشوة السكر، وقد انتشى إذا سكر، والخبب ضرب من السير، والبازل من الإبل ما دخل في السنة التاسعة، وهو انتهاء سنها، والأمون: الناقة يؤمن عثارها.
يجشمها المرء في الهوىمسافة الغائط البطين
والبيض يرفلن كالدمى في الريط والمذهب المصون
والكثر والخفض آمنًا وشرع المزهر الحنون
يجشمنا أي يكلفها أي يكلف المرء البازل الأمون قطع مسافة الأرض البعيدة [والغائط المطمئن من الأرض والبطين: الواسع الغامض]، والبيض: النساء، ويرفلن يتبخترن في ثياب عليها تصاوير، والشرع الأوتار واحدتها شرعة، والمزهر العود، والحنون الذي له حنين أي صوت.
من لذة العيش والفتى للدهر والدهر ذو فنون
واليسر كالعسر والغنى كالعدم والحي للمنون
الدهر ذو فنون لأنه يأتي بما يكره وما يجب، واليسر كالعسر أي كل واحد ينقضي ويؤدي إلى الموت. المعنى يقول، في هذه الأبيات: أن الأكل والشرب وسائر
ما ذكر من الملاذ وتصاريف الأحوال من الغنى والفقر لا يدوم منها شيء، وأن الفتى في يد الدهر، والحي للموت فلا تغترن بشيء.
وقال آخر وهو عبد الله بن همام، إسلامي:
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليًا فخنت وإما قلت قولًا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننابمنزلٍة بين الخيانة والإثم
هذان البيتان لعبد الله بن همام السلولي. أخبر المدائني قال: وشى واش بعبد الله بن همام السلولي إلى زياد بن أبي سفيان قال: إنه هجاك، قال زياد للرجل فأجمع بينكما قال: نعم. فبعث زياد إلى ابن همام فجاء ودخل الرجل بيتًا فقال زياد لابن همام: بلغني أنك هجوتني قال كلا أصلحك الله ما فعلت، وما أنت
لذلك بأهل قال: فأن هذا الرجل أخبرني وأخرج الرجل فأطرق ابن همام هنيهة ثم أقبل على الرجل فقال: وأنت امرؤ ... البيتان، فأعجب زياد بجوابه وأقصى الرجل ولم يقبل منه.
وقوله: ائتمنتك بلا همز لغة اليمن، وبالهمز لغة أهل الحجاز، المعنى: يقول للساعي به: إنك على كل الأحوال مذموم لأنك لا تخلو إما أن تكون تقول هذا بغير علم بل كذبًا على، أو تقوله وقد أسررت إليك، وقد خنتني لما أفشيت سري.
وقال شبيب بن البرصاء المري، إسلامي:
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
قلت لغلاٍق بعرنان ما ترى فما كاد لي عن ظهر واضحة يبدي
غلاق اسم رجل، وعرنان جبل بالجناب دون وادي القرى، فما كاد لي عن ظهر واضحة يبدي أي ما كاد يبتسم لي. المعنى: يستزيد صاحبه غلاقًا ويقول: قلت له مستشيرًا ما ترى في أمري فأقل الفكر في وتبسم قليلًا كارهًا، وتبينت ما به من غيط.
تبسم كرهًا واستبنت الذي به من الحزن البادي ومن شدة الوجد
إذا المرء أعراه الصديق بدا له بأرض الأعادي بعض ألوانها الربد
الربد جمع أربد وهو المتغير، والصديق يكون واحدًا وجمعًا. المعنى يقول: لما استشرته في أمري تبسم في وجهي كارهًا وتبينت ما خامره من الغيط على، وكذلك تكون حال من أعرض عنه صديقه.
وقال سالم بن وابصة، إسلامي:
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه كأن به عن كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسطًا أذًى ولا مانعًا خيرًا ولا قائلًا هجرا
المعنى: يذكر أنه من أهل الكرم لأن من أحب قومًا فهو منهم، يقول: الفتى الخير لا يؤثر فحشًا، ولا يؤذي خلقًا ولا يمنع خيرًا، ولا يبدي هجرًا، والوقر: الثقل في الأذن، والوقر الحمل.
إذا ما أتت من صاحب لك زلة فكن أنت محتالًا لزلته عذرا
المعنى: يعلم كرم العشرة وحسن التغافل، يقول: إذا أخطأ صاحبك فحسن أخطاءه، وأمهد عذره قبلك، فان لم تهتد إلى عذره فأطلب له عذرًا.
غنى النفس ما يكفيك من سد خلٍة فإن زاد شيئًا عاد ذاك الغنى فقرًا
الخلة ها هنا الحاجة. المعنى: يقول: الغنى أن يصيب الإنسان ما يكفيه فطلبه بعد ذلك للزيادة فقر إليه فحينئذ يعود غناه فقرًا.
وقال المؤمل بن أميل، إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وكم من لئيم ودأني شتمته وأن كان شتمى فيه صاب وعلقم
وللكف عن شتم اللئيم تكرمًا أضر له من شتمه حين يشتم
اللئيم: الذي اجتمع فيه خصال مذمومة في نفسه وأبويه، والصاب: عصارة شجر مر. المعنى: يقول: كم من لئيم تمنى أني شتمته ليفتخر بمشاتمتي إياه وان كان شتمي مرا، ثم قال: الاعراض عن شتم اللئيم للتكرم أضر له من أن يشتمه الكريم لأنه يعلم أنه لم يشتمه إحقارًا له.
وقال عقيل بن علفة المري، إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وللدهر أثواب فكن في ثيابه كلبسته يومًا أجد وأخلقا
وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
ويروى ((فكن مثل أحمقا)) ويروى ((كلابسه)). المعنى: كن متلونًا لتلون الدهر، خالق الناس بأخلاقهم، ولا تكلفهم من خلقك ما لا يحتملونه.
وقال بعض الفزاريين، إسلامي:
((من أول البسيط والقافية من المتراكب))
أكنيه حين أناديه لأكرمه ولا ألقبه والسوءة اللقبا
كنيت الرجل وكنوته لغتان, ونصب السوءة لأنه جعلها مفعولًا معه. المعنى: يصف كرم معاشرته وحسن مخالقته واستعماله الأدب, وأنه يكني صاحبه ولا يلقبه رفعًا واجتنابًا لما يوحشه.
كذاك أدبت حتى صار من خلقي إني وجدت ملاك الشيمة الأدبا
قال الديمرتي: الأبيات مرفوعة, وقد روي البيتان مع غيرهما في غير الحماسة بالرفع, وقوله: إني وجدت ملاك الشيمة الأدباء كقولك: ظنتت زيد منطلق أي ظنتت الشأن زيد منطلق, المعنى: يقول: إنه تأدب تعود حسن الأدب حتى صار خلقًا له, وبين أن الذي يحسن به الخلق وينتظم هو الأدب.
وقال رجل من بني قريع
((الثالث من الطويل والقافية من المتواتر))
متى ما يرى الناس الغني وجاره فقير يقولوا عاجز وجليد
أي يقولون للغني جليدًا أي فيه جلادة, وللفقير عاجز يقدرون أن الغني يصاب بالجلادة.
وليس الغني والقفر من حيلة الفتى ولكن أحاٍظ قسمت وجدود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئًافمطلبها كهلًا عليه شديد
الناشئ الذي يكون في الزيادة. المعنى يقول: إذا فات نيل المعالي في الشباب فلا سبيل إليها بعد الكبر, وهذا بخلاف من قال: ((فقلما)) يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا)), ويروي ((أعيته السيادة)).
وكائن رأينا من غنٍي مذمٍم وصعلوك قوٍم مات وهو حميد
ويروى ((وكم قد رأينا)) المعنى: يسلي نفسه يقول: المرءة لا تتبع المال, وقد يكون الغني مذمومًا إذا بطر وبخل, ويكن الفقير محمودًا إذا قنع وتجمل.
وقال بعضهم:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
أضحت أمور الناس يغشين عالما بما يتقي منها وما يتعمد
جدير بألا أستكين لا أرىإذا الأمر ولى مدبرًا أتبلد
يغشين عالمًا أي يغشين عالما. المعنى: يصف حنكته ومعرفته بالأمور وما يجتنب منها وما يتعمد, وقلة تلهفه على ما يفوته من المراد, وتركه الاستكانة لصروف الزمان, أتبلد: أتحير.
فإنك لا تدري إذا جاء سائل أأنت بما تعطيه أم هو أسعد
عسى سائل ذو حاجٍة إن منعته من اليوم سؤلًا أن يكون له غد
السؤال: الحاجة يهمز ولا يهمز. المعنى: يحث على اصطناع الخير وإسداء المعروف قبل فوت الإمكان, وقوله: عسى أن يكون له غد أي يكون له يوم بعد
يومك يستغني فيه عنك ولا يحتاج إليك فيه.
وفي كثرة الأيدي لذي الجهل زاجر وللحلم أبقى للرجال وأعود
أعود: أنفع لهم. المعنى: يقول: التعاون على رد الجاهل عن جهله يزجره, والحلم أنفع من الجهل.
وقال مضرس بن ربعي, إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
إياك والأمر الذي إن توسعت موارده ضاقت عليك المصادر
المعنى: يأمر بالحزم وينهي عن التهور والوقوع فيما لا يخلص منه. يقول: لا تدخل في أمر وإن اتسعت مداخله إذا كانت مخارجه تضيق عليك.
فما حسن أن يعذر المرء نفسه وليس له من سائر الناس عاذر
المعنى يقول: لا يحسن بالمرء أن يأتي ما يستقبحه الناس وهو يعذر نفسه في ذلك, فحينئذ تجتمع له خلتان مذمومتان أحداهما فعل القبيح والآخر استحسانه.
وقال العباس بن مرداس مخضرم, ويروي لكثير, إسلامي:
((الأول من الوافر والقافية من المتواتر))
ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد مزير
تزدريه تحتقره, أسد مزير أي عاقل ويروي ((أسد زبير)) ويروى)) ((يزير)) المعنى يقول: ترى الرجل اللطيف الخلق فتستحقره وه كالأسد.
ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنك الرجل الطرير
الطرير: المستقبل الشباب, المعنى: يعتذر للطاف الأجسام ويزري بالطوال الفخام.
فما عظم الرجال لهم بفخر ولكن فخرهم كرم وخير
الخير: الكرم والمعنى يقول: فخر الرجال الكرم لا الضخم الذي لا غناء عنده.
ضعاف الطير أطولها جسومًا ولم تطل البزاة ولا الصقور
بغاث الطير أكثرها فراخًا وأم النسر مقلات نزور
البغاث طير كالبواشق لا يصيد شيئًا من الطير, قاله الخليل, وقال ابن دريد: بغاث الطير شرارها وما لا يصيد منها, ويجوز ضم الباء في بغاث, ومقلات مفعال من القلت وهو الهلاك, ونزور: قليلة الأولاد.
لقد عظم البعير بغير لٍب فلم يستغن بالعظم البعير
يصرفه الصبي لكل وجٍه ويحبسه على الخسف الجرير
الخسف: القهر والظلم, ولا يصرف منه الفعل, وإنما يقال: سامه الخسف أي ظلمه, والجرير قطعة حبل أو تر يشد في خطام البعير.
وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير
فإن أك في شراركم قليلًا فاني في خياركم كثير
الهراوي: جمع هراوة هي العصا. المعنى: إن الفخر في الكرم لا العظم الذي لا غناء عنده كالبعير لم يغنه عظمه, يصرفه الصبي, وتضربه الراعية, فلا يقدر أن يغير أو ينكر, ثم قال: فإن لم يعرفني شراركم فاني لست منهم فإن خياركم يعرفونني لأنني منهم. ويروى أن كثيرًا دخل على معاوية, وكان قد سمع به, فلما رآه ازدرته عيناه فقال: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه, فقال: مه يا أمير المؤمنين, ليس الرجال بجزر يقتسمن, إنما الرجل بأصغريه قلبه لسانه, ثم انشأ يقول هذه الأبيات فادعى قوم أنها لكثير, وقال آخرون لعباس, وإنما تمثل بها كثير.
وقال آخر, إسلامي:
((الأول من الطويل والقافية من المتدارك))
أعاذل ما عمري وهل لي وقد أتت لداتي على خمٍس وستين من عمري
المعنى في هذا البيت كلامي لأنه لم يأت بلفظ المعنى الذي أراده ولكنه أتى بلفظ الدلالة على مراده يقول: يا عاذلتي ما عمري هل لي من عمر, وقد انقضت أعمار أقراني فلا بقاء له بعد, ذلك, لداتي: جمع لدة فعلة من الولادة كالعدة, ولدة الرجل الذي ولد معه, يروى ((ما عذري)) وفي آخر البيت عذر)).
رأيت أخا الدنيا وإن كان خافضًا أخا سفٍر يسرى به وهو لا يدري
الخافض: الوداع. المعنى: هذا مثل قول الحكيم: ((من كانت مطيته الليل والنهار سارا به وإن لم يسر)), ويقرب من قول الحسن: ((يا بن آدم أنت في
هدم عمرك مذ خرجت من بطن أمك.
مقيمين في داٍر نروح ونغتدي بلا أهبة الثاوي المقيم ولا السفر
نصب مقيمين على أنه بدل من أخي الدنيا, ويجوز إضمار فعل, المعنى: يذكر غفلتنا في الدنيا, نصبح ونمسي ولسنا من البقاء فيها على ثقة, ولا معنا زاد لمعادنا.
وقال بعضهم:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
لا تعترض في الأمر تكفي شؤونه ولا تنصحن إلا لمن هو قابله
المعنى يقول: لا تتكلف مالا يعنيك, ولا تنصح من يقبل منك فيذهب نصحك هدرًا. يحث على اجتناب ما لا يعني.
ولا تخذل المولى إذا ما ملمة ألمت ونازل في الوغى من ينازله
المولى هاهنا ابن العم, ونازل أي حارب, يقول: لا تخذل ابن عمك في
الشدائد ودافع عنه, يبعث على الحفاظ.
ولا تحرم المولى الكريم فإنه أخوك ولا تدري لعلك سائله
المعنى: يحث على انتهاز الفرصة لاعتقاد النعم عند ذوي الكرم, وهذا كقول الآخر:
عسى سائل ذو حاجٍة إن منعته من اليوم سؤلًا أن يكون له غد
وأنشد أبو عبد الله بن الأعرابي لمنظور بن سحيم الفقعسي منظور من نظرته أي انتظرته, وسحيم: تحقير أسحم مرخما, والأسحم: الأسود.
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
ولست بهاٍج في القرى أهل منزٍل على زادهم أبكي وأبكي البواكيا
المعنى, يقول: لا أهجو أحدًا ممن أضافني إن قصر في إضافتي لأن عيب القرى من فعل اللئام.
فإما كرام موسرون لقيتهم فحسبي من ذي عندهم ما كفانينا
وإما كرام معسرون عذرتهم وإما لئام فادكرت حيائيا
وعرضي أبقى ما ادحرت ذخيرًة وبطني أطويه عطي ردائيا
المعنى, يقول: لا أهجو من أضافني, ومن أنزل عندهم لا يخلون من ثلاث طبقات: إما كرام أغنياء فحسبي من الذي عندهم ما أطعموني, وإما كرام فقراء فيلزمني عذرهم, وإما لئام فمعني حيائي من استماحتهم, ثم قال: أجوع ولا ألتمس من اللئام شيئًا, فإني أدخر عرضي لأنه خير الذخائر وأبقاها.
وقال سالم بن وابصة, وبص الشيء وبيصًا, وبص بصيصًا, إذا برق:
((الأول من البسيط والقافية من المتراكب))
ونيرٍب من موالي السوء ذي حسٍد يقتات لحمي وما يشفيه من قرم
ونيرب أراد به النمام ها هنا, يقتات لحمي: يأكله, ولا يسبع منه, ويشفيه مما به من القرم, وهو الشبق الشهوة.
داويت صدرًا طويلًا غمره حقدًا منه وقلمت أظفارًا بلا جلم
بالحزم والحلم أسديه وألحمه تقوى الإله وما لم يرع من رحمي
معنى قلمت أظفارًا بلا جلم أي أزلت عداوته بلا خشونة, يصف حصافته لطافته وحسن تأتيه لإصلاح الفاسد, وضرب مثل ما أصلحه بالإسداء والإلحام, ويروي ((بالحزم والخير))
فأصبحت قوسه دوني موترًة يرمي عدوي جهارًا غير مكتتم
المعنى يقول: أزلت حقده حتى صار يقاتل عني عدوي مجاهرة بعدما كان يعاديني مكاشفة.
إن من الحلم ذلًا أنت عارفه والحلم عن قدرٍة فضل من الكرم
المعنى؛ إن الحلم يكون كرمًا مع القدرة على الإساءة فأما الاحتمال مع العجز عنها فهو ذل, يشير أنه حليم عن قدرة, ومثله:
جهول إذا أزرى التحلم بالفتى حليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل
وقال بعضهم:
((الأول الوافر والقافية من المتواتر))
وأعرض عن مطاعم قد أراها فأتركها وفي بطني انطواء
مطاعم جمع مطعم وهو الطعام, والانطواء: الجوع. يقول: أترك طعامًا كثيرًا أراه وبي جوع فلا آكله إذا كان أكله يزري بي.
فلا وأبيك ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
المعنى: يصف أن الحياء حمله على عفافه ونزاهته عن أكل ما يورثه سبة من الدنايا ويصف فضل الحياء.
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
اللحاء القشر، ولحيت العود ولحوته إذا قشرته.
وقال بعض بني أسد وهو الحكم بن عبدل إسلامي:
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
وإني لاستغني فما أبطر الغنى وأعرض ميسوري على مبتغي قرضي
وما أبطر الغنى أي لا أشر، ولا أتطاول على غيري إذا استغنت.
وأعسر أحيانًا فتشتد عسرتي فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
المعنى: يصف استمرار حاله على الكرم وصون العرض في حالتي اليسر والعسر.
وما نالها حتى تجلت وأسفرت أخو ثقة مني بقرض ولا فرض
ولكنه سيب الاله ورحلتي وشدي حيازيم المطية بالغرض
الهاء في نالها لعسرتي، ما نال عسرتي أخو ثقة مني بقرض ولا فرض. تجلت
وأسفرت أي ذهبت، والغرض للرحل شد الركاب للسرج.
وأستنفذ المولى من الأمر بعدما يزل كما زل البعير عن الدحض
أي أخلص ابن العم من أمر يعثر فيه، والدحض الزلق.
وأمنحه مالي وودي ونصرتي وإن كان محنى الضلوع على بغضي
المعنى: يصف قيامه بأمور بني أعمامه ومؤاساته إياهم مالًا ومودة ونصرًة،
وقال حاتم الطائي، حاتم: الغراب لأنه يحتم بالفراق:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وما أنا بالساعي بفضل زمامها لتشرب ماء الحوض قبل الركائب
المعنى: يصف كرمه وحسن مؤاساته ويقول: لا أستأثر بماء الحوض، ولا أوثر ناقتي به على غيرها من الإبل ولكني أوردها مع سائر الإبل أبادرهم إلى ماء الحوض كرمًا مني.
وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها لأبعثها خفًا وأترك صاحبي
خفًا أي خفيفة، المعنى: يصف حسن موافقته ويقول: إذا كان معي صاحب لا راحلة له أردفته.
وقال آخر، إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وإني لأنسى عند كل حفيظٍة إذا قيل ملاك احتمال الضغائن
في قوله: ((إذا قيل ملاك)) حذف ومعناه قصد أو ظلم مولاك، يصف حسن دفاعه عن ابن عمه ورفضه ما تداخله منه.
وإن كان مولى ليس فيما ينوبني من الأمر بالكافي ولا بالمعاون
المعنى: يذكر ابن عمه أنه لا يكفيه ما ينوبه ولا يعاونه فيه، وكما قيل: ((عند الشدائد تذهب الأحقاد وهو معنى البيت الأول.
وقال آخر:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
ومولًى جفت عنه الموالي كأنه من البؤس مطلي به القار أجرب
جفت عنه الموالي أي خذله بنو أعمامه، وشبهه ببعير هنئ بالقار أجرب به جرب فتحاماه الناس.
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ولم يك فيها للمبسين محلب
رئمت: عطفت عليه وأحسنت إليه، المبسون: الحالبون الموصوتون عند الحلب بس بس لتدار الناقةن وناقة بسوس إذا كانت لا تدر إلا على الإحساس.
وقال عروة بن الورد، جاهلي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
دعيني أطوف في البلاد لعلني أفيد غنىً فيه لذي الحق محمل
أفاد الرجل شيئًا أصابه، وأفاده أعطاه. المعنى يقول للائمته: دعيني أطلب المال فلعلني أستغني عن الناس.
أليس عظيمًا أن تلم ملمة تلم بها الأيام فالموت أجمل
المعنى يقول: هو عظيم أن تنزل نازل نازلة ولا يعول علينا فيها، ثم بين أن الموت أجمل لمن لا يملك مدافعة لحادثة تنزل.
وقال آخر:
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
تثاقلت غلا عن يًد أستفيدها وخلة ذي وًد أشد بها أزري
المعنى يقول: أظهرت ثقلا عن كل شيء إلا من نعمة أصطنهها إلى محتاج وصاقة صديق أعتمدها.
وقال عبد الله بن الزبير بن الأشيم الأسدي، والزبير الحمأة، إسلامي:
لا أحسب الشر جارًا لا يفارقني ولا أحز على ما فاتني الودجا
وما نزلت من المكروه منزلًةغلا وثقت بأن ألقى لها فرجا
أي لا أقتل نفسي أسفًا وتلهفًا إذا فاتني شيء. المعنى: كما قيل: ((لا يحبون الشر ضربة لازب)).
وقال مالك بن حريم الهمداني:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
أنبئت والأيام ذات تجارب وتبدي لك الأيام ما لست تعلم
بأن ثراء المال ينفع ربه ويثني عليه الحمد وهو مذمم
ويثني عليه الحمد- بفتح الياء- أي يعطف الحمد عليه وهو مذمم، وهذا أحسن ما تؤول به. وقيل: يثني عليه الحمد أي المال، يثني عليه الحمد والثناء، وقيل يثنى عليه الحمد على ما لم يسم فاعله، وقيل: يبني عليه الحمد من البناء، والأول أحسن.
وإن قليل المال للمرء مفسديحز كما حز القطيع المحرم
يرى درجات المجد لا يستطيعهاويقعد وسط القوم لا يتكلم
القطيع السوط، والمحرم: الخشب الصلب الذي لم يمرن بعد فيكون أشد إيجاعًا. المعنى: أن الفقر يضع من الرجل كما يقطع السوط الخشن، وإنه لا ينال درج المجد ولا يتكلم وسط المجلس.
وقال محمد بن يسير الخارجي، إسلامي:
((الأول من البسيط والقافية من المتراكب))
لأن أزجي عند العري بالخلق واجتزي من كثير الزاد بالعلق
أزجي: أسوق أيامي، والعرى مصدر العاري، والخلق يستوي فيه المذكر والمؤنث، والعلق جمع علقة، وهي كالبلغة من العيش. المعنى يقول: الاقتصار على أدنى العيش خير مما يذكره بعد وهو:
خير وأكرم لي من أن أرى مننًا معقودة للئام الناس في عنقي
ويروى ((مننًا خوالداً)) المعنى يقول: الاقتصار على أدنى القوت خير لي وأشبه بي من تقلد منن لئام الناس، يصف عزة نفسه وكرم طبعه.
أني وأن قصرت عن همتي جدتي وكان مالي لا يقوى على خلقي
لتارك كل أمٍر كان يلزمني عارًا ويشرعني في المنهل الرنق
الجدة: الثروة، ويشرعني: يخوض بي، والرنق: الكدر. المعنى يقول: إني مع قلة مالي وعلو همتي لا أسف لما يورثني سبة.
وقال أيضًا:
((الأول من البسيط والقافية من المتراكب))
ماذا يكلفك الروحات والدلجا البر طورًا وطورًا تركب الللججا
الروحات: الخرجات بعد الزوال، والدلج: جمع دلجة، واللجج: جمع لجة، المعنى: يعاتب في كثرة الأسفار وركوب البر والبحر.
كم من فتًى قصرت في الرزق خطوتة ألفيته بسهام الرزق قد فلجا
المعنى: رب مقيم واع نال سعة الرزق من غير كد، وفلجا أي ظفر.
ان الأمور إذا انسدت مسالكها فالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وأن طالت مطالبة إذا استعنت بصبٍر أن ترى فرجا
ارتتج: انغلق. المعنى: يأمر بالصبر يقول: ما أولى الصابر بنيل مراده، وينهى عن اليأس مما يتعسر.
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
أبصر لرجلك قبل الخطو موضعهافمن علازلقًا عن غرٍة زلجا
يلج أي يدخل، وزلجا يعني زلقًا. المعنى: يأمر بالحزم والنظر في العاقبة يقول: لا تفعل ما تندم عليه، ويؤدي بك إلى ورطة لا تخلص منها.
وقال حجية بن مضرب، حدث ابن كناسة أن حجية بن مضرب الكندي كان جالسًا بفناء بيته فخرجت جارتة بقعب لبن فقال لها: أين تريدين بالقعب؟ فقالت: بني أخيك اليتامى، فوجم لذلك وأراح راعياه إبله فقال اصفقاها نحو بني أخي ودخل منزله فعاتبته امرأته فقال:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
لججنا ولجت هذه في التغضب وشد الحجاب بيننا والتنقب
يقول: لججنا في التغضب عليها ولومها، ولجت هي في الإعراض عني والتنقب. ذكر الحال بينه وبين امرأته.
تلوم على ماٍل شفاني مكانه إليك فلومي ما بدا لك واغضبي
المعنى: يذكر أنها لامته على رد إلى بيت أولاد أخيه، ووصف أنه شفاه ذلك وأن لم يكترث بلومها.
رأيت اليتامى لا تسد فقورهم هدايا لهم في كل قعٍب مشعب
فقلت لعبدينا أريحا عليهم سأجعل بيتي مثل آخر معزب
القعب: القدح الصغير، وفقورهم جمع الفقر، والمصادر لا تجمع غير أنه اعتقده اسمًا، والمشعب المجبور في مواضع منه، وأريحا عليهم أي ردا الإبل رواحًا إليهم، والمعزب الذي عزبت إبله أي بعدت.
عيالي أحق أن ينالوا خصاصة وأن يشربوا رنقا إلى حين مكسبي
المعنى: بين أنه أثرهم بماله لأنه لا كاسب لهم وهو كاسب أهله، والرنق: الكدر، ويروى ((لدى كل مشرب)) والخصاصة: الجوع والشدة.
حبوت بها قبر امرٍئ لو أتيته حريبًا لآساني على كل مركب
الحريب: الذي ذهب ماله. المعنى: يذكر حسن ألفة أخيه ألفة أخيه في حياته وفضل مؤاساته.
أخوك الذي إن تدعه لملمٍة يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
المعنى: يقول: أخوك الذي لا يخذلك في كلحال، ويواسيك بماله ونفسه. واسم هذا الشاعر حجية تصغير حجاة، وهي النفاخة من المطر وغيره، تعلو الماء، ويجوز أن يكون جمع حجوة، وهي المرة الواحدة، من حجوت بالمكان إذا أقمت به.
وقال المقنع الكندي. المقنع: اللابس سلاحه، وكل مغط رأسه مقنع:
((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))
يعاتبني في الدين قومي وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
المعنى: يعاتبني بنو أعمامي وقومي في الدين، ولا يجب أن يعاتبوني لأن ديني لهم فيما ينفعهم ويكسبهم الحمد.
أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
المعنى: بين وجه ذلك فقال: أوفي من الحقوق ما ضيعوه وأكفيهم ما أخلوا به.
وفي جفنٍة ما يغلق الباب دونها مكللٍة لحمًا مدفقٍة ثردا
الثغور في البيت قبله جمع ثغر وهو موضع المخافة، وأخلوا: أي أدخلوا فيه الخلل، ومكللة لحمًا أي عليها من اللحم مثل الأكاليل، ومدفقة ثردًا من الدفق وهو الصب.
وفي فرٍس نهٍد جواٍد جعلته حجابًا لبيتي ثم أخدمته عبدًا
لم يرد بقبوله: جعلته حجابًا لبيتي أي أحجب بيتي من نظر ناظر, إنما أراد أنه نصب عينيه وأكبر همه. المعنى: ديني في إطعام الناس وفرس أغزو عليه وأحمي دارهم به.
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا
يستريب بني عمه وإخوته, ويذكر اختلاف الأمر بينهم.
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدما مجدي بنيت لهم مجا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
معنى إن ضيعوا غيبي أساءوا القول في إذ غابوا وأحسن القول فيهم إذا غبت عنهم.
وإن زجرا طيرًا بنجسٍ تمر بي زجرت لهم طيرًا تمر بهم سعدا
المعنى يقول: إن تمنوا لي الشر تمنيت لهم الخير.
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جل مالي إن تتابع لي غنًى وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا
المعنى: يقول: لا أحقد عليهم فيما سبق من إساءتهم, أشاركهم في مالي, ولا أطع في مالهم.
وإني لعبد الضيف ما دام نازلًا وما شيمة لي غير تشبه العبدا
أي أخدم الضيف بنفس خدمة العبد مولاه, ما شيمة لي غيرها تشبه العبدا, أي تشبه شيمة العبد, فحذف المضاف. المعنى: يصف خدمته للضيف لأنه من شمائل الكرم.
وقال رجل من فزارة, إسلامي, كان في زمن معاوية:
((الثالث من الطويل والقافية من المتواتر))
إلا يكن عظمي طويلًا فإنني له بالخصال الصالحات وصول
المعنى: إن لم أكن طويلًا, لأن من طال عظمه طالت قامته- وهذا رجل قصير القامة- يذكر أنه وإن قصرت قامته فإن مكارمه تطول فتجبر قصر قامته بالأفعال الحسنة.
إذا كنت في القوم الطوال علوتهم بعارفٍة حتى يقال طويل
يقول: إذا كنت في القوم الطوال طلتهم وفضلتهم بعارفة حتى يقال: طويل, ويروى ((أحبتهم)).
وكم قد رأينا من فروٍع كثيرة تموت إذا لك تحيهن أصول
المعنى: بين أن كرم الآباء لا ينتفع به الأبناء إذا لم يكن فيهم كرم.
ولم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميل
المعنى: أغرب في وصف المعروف بقوله: ولم أر كالمعروف ... البيت. جعل له ذوقًا ووجهًا, على إذا كان ذوقًا لكان حلوًا وإذا كان وجهها لكان حسنًا.
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر, إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
أرى نفسي تتوق إلى أموٍر ويقصر دون مبلغهن مالي
فنفسي لا تطاوعني ببخٍل ومالي لا يبلغني فعالي
المعنى: يشكو انحطاط ماله, وارتفاع همته, ويروى ((ومالي لا يقوم لدى فعالي)).
وقال يزيد بن الحكم الثقفي, يعظ ابنه بدرًا ويخوفه, إسلامي:
((من مرفل الكامل والقافية من المتواتر))
يا بدر والأمثال يضربها لذي اللب الحكيم
دم للخليل بوده ما خير ود لا يدوم
المعنى: يعظ ابنه بدرًا, ويوصيه بمكارم الأخلاق يقول: لا تهجر خليلك وأحفظ وداده.
واعرف لجارك حقه والحق يعرفه الكريم
وأعلم بأن الضيف يومًا سوف يحمد أو يلوم
المعنى: يحث على معرفة حق الجار وإكرام الضيف, لأن الضيف إذا غاب
حمد من أحسن قراه, ولام من أساء إكرامه.
والناس مبتنيان محمود البناية أو ذميم
المعنى: يصف اختلاف أخلاق الناس, منهم من يرغب في الخير فيحمد ما يبنيه من المعالي, ومنهم من يرغب في الشر فيلام على ما يبنيه من المخازي.
واعلم بني فإنه بالعلم ينتفع العليم
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع