تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب النسيب

النسيب مصدر نسب الشاعر بالمرأة إذا ذكر محاسنها.

وقال الصمة بن عبد الله القشيري، إسلامي:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

حننت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معا

ريا اسم امرأة، باعدت أبعدت، يعني فارقت ريًا كائنًا شعباكما معًا، كما

تقول: زرته والشمع طالعة، والشعب: القبيلة العظيمة.

فما حسٌن أن تأتي الأمر طائعًا وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا

داعي الصبابة أسمعا: مثل يريد به اهتياج الشوق الشديد حتى كأنه يدعوه بصوت يسمع. المعنى: لا يحسن أن تفعل شيئًا ثم تجزع ندمًا.

قفا ودعا نجدًا ومن حل بالحمى وقل لنجٍد عندنا أن يودعا

المعنى: يكلف صاحبيه الوقوف بدار حبيبته للتوديع ويستقل التوديع لها.

ولما رأيت البشر أعرض دوننا وحالت بنات الشوق يحنن نزعا

البشر جبل بالجزيرة، وكانت به وقعة معروفة، أعرض دوننا أي اعترض بيني وبين من فارقته، وبنات الشوق: القلب والعينان وكل عضو يؤثر شوقًا، ونزعا جمع نازع من النزاع وهو الشوق.

بكت عيني اليمنى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا

وقد أكثروا في الأرض في هذا المعنى: ونحن نذكر ما بلغنا من ذلك إن شاء الله. قال المفجع في كتاب الترجمان: العين ها هنا عين السحاب، وهي سحابة تنشأ من

عين قبلة العراق يقول: هذه السحابة أمطرت فزجرتها لئلا تصوب على محلة أحبتي فيستغنوا بمصابها عن النجعة حتى ألقاهم، فنشأت سحابة أخرى فمطرتا كلتاهما فآيستاني. قال أبو علي الاستراباذي: وهذا غلط من وجوه: أحدها أنه قال: عينه اليمنى فأضافها إلى نفسه، الثاي أنه قال بعد الشيب أو الحلم، على حسب الرواية، ولا تعلق للسحاب بالشيب أو الحلم أو الجهل، والثالث أنه قد تقدم ذكر الدمع والعين فوجب أن يكون ما يليه مشاكلًا، والرابع أن أحدًا لا يزجر السحاب حتى يزجرها هو، وإنما جرت العادة بالاستمطار، وقيل في تفسيره أيضًا: إنما خص اليمين بالبكاء لأن لها ابتداء بالبكاء، وكل شيء من البدن قوته من الشق الأيمن أكثر، والدمع أول ما يخرج من العين اليمنى قال: وهذا أيضًا لا نعرف صحته، وقيل: إنما خص اليمنى بالبكاء ابتداء لأن دار حبيبته كانت عن يمينه، وهو تعسف أيضًا، لأن العين لا تتميز بالعلم فيكون منه الفعل اختيارًا، ولا أعلم أحدًا يبكي بعين دون عين لأنه ممتنع عن الإنسان، وقد حكي أن الذئب ينام بإحدى عينيه ويفتح الأخرى وينظر بها، وهو شائع في العرب حتى قال حميد بن ثور:

ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع

وفي الحيوان ما ينام مفتوح العين وهو الأرنب، وقد يتفق ذلك في الناس فأما البكاء بإحدى العينين دون الأخرى وكلتاهما صحيحة فلا، وقيل: إنه كان أعور اليسرى وهذا أصح الوجوه كأنه بكى بالعين الصحيحة ثم ساعدتها المؤوفة كما قال الآخر:

عذرتك يا عيني الصحيحة بالبكا فما أولع العوراء بالهملان

ويروي أن عمر- ﵁ قال لمتمم بن نويرة- وكان أعور- ما بلغ بك

من حزنك على أخيك؟ قال: بكيت عليه بعيني الصحيحة، وأسعدتها الأخرى الذاهبة.

فليست عشيات الحمى برواجٍع إليك ولكن خل عينيك تدمعا

ويروي "ألا ليس أيام الصبا برواجع إليك" المعنى: لن يعود إليك ما قد فاتك ولكن أكثر البكاء فإنه يشفي الصدور.

تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتًا وأخدعا

الليت: صفحة العنق وجمعه اللتات والأخدع في الليت، المعنى لما استحكم البعد بيني وبينها وهاج الشوق إليها أكثرت من التفاتي نحو ديارها حتى وجعت من كثرة الالتفات.

وأذكر أيام الحمى ثم أنثني على كبدي من خشيٍة أن تصدعا

ويروي "أن تقطعا" المعنى: أذكر أيام الوصل من الحمى وما فاتني من الأنس بها فأنثني على كبدي الموجعة أسفًا ولهفًأ فأمسك عليها خوف التصدع.

وقال آخر، إسلامي:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

ونبئت ليلى أرسلت بشفاعٍة إلي فهلا نفس ليلى شفيعها

أأكرم من ليلى علي فتبتغي به الجاة أم كنت أمرًأ لا أطيعها

بشفاعة أي بشفيع ولهذا كنى عنه بقوله فتبتغي به الجاه. المعنى: أخبرت أن ليلى استشفعت إلي في حاجة، وما احتاجت إلى شفاعة أحد، لأني لا أخالفها، يصف فنزلتها عنده وطاعته لها.

وقال ابن الدمينة بن دريد:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

أما يستفيق القلب إلا انبرى له توهم صيٍف من سعاد ومربع

يستفيق: يفيق، صيف: أراد به منزل الصيف لقوله مربع، انبرى: عرض وظهر.

المعنى: يعاتب نفسه في شغل القلب لسعاد.

أخادع عن أطلالها العين إنه متى تعرف الأطلال عينك تدمع

المعنى: يذكر تجلده في تناسيها، ويشكو عينه أنها تبكي كلما رأت آثارها.

عهدت بها وحشًا عليها براقٌع وهذي وحوٌش أصبحت لم تبرقع

يعني نساء متبرقعات، وهذي وحوش جمع وحش البر، والوحش الأول مجاز أي فارق الأطلال وأهلها وسكنها الوحش بدلًا منهم. المعنى: يصف استبدال منازل حبيبته الوحوش بأهلها.

وقال آخر:

"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"

فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري

يعني لم يذهب عطشها، ويروي "ولم ترو هامتي" والمعنى فيه قولان: الأول يا رب لم تروني من ليلى قبل أن أموت بما يروي به المحب من حبيبته من نظرة وألفة، لم يكن قبر أعطش من قبري، أي لا مقبور أعطش مني، وخص الهامة بالعطش لأنها محله، والثاني أنه مبالغة في النحول والهلاك من حبها أي صار هامة كما يزعمون، أن الميت يصير بعد موته هامة أي يخرج من دماغه، فإذا كان مقتولًا ولم يدرك بثأره لا يزال يقول: اسقوني إلى أن يثأر، ويقال للشيخ الفاني: هو هامة يومه أو غده، فعلى هذا الوجه معناه إن لم يرو الخيال الباقي مني من ليلى فلا هامة أعطش من هامتي.

وإن أك عن ليلى سلوت فإنما تسليت من يأس ولم أسل من صبر

وإن يك عن ليلى غنى وتجلٌد فرب غني نفٍس قريٍب من الفقر

إن تركت ذكر ليلى فسلوي سلو يأس لا صبر، ثم قال: إن استغنيت بامرأة غيرك فليست هي عوضًا منك، وكل ما تقنع به النفس فقر، فغناي بغيرك كالفقر إليك.

وقال آخر، وهو جران العود النميري، إسلامي

"الثاني من البسيط والقافية من المتواتر"

يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي والعقل متلٌه والقلب مشغول

متله- بكسر اللام وفتحها- مفتعل من الوله، ورجل واله ومتله. المعنى يصف دهشه بحبها حتى قدم ما يجب أن يؤخره وذلك أن يلقي البرذعة على ظهر البعير قبل الرحيل.

ثم انصرف إلى نضوي لأبعثه اثر الحدود الغوادي وهو معقول

النضو: البعير المهزول وجمعه أنضاء، والبلو: مثله وهو الذي قد أبلاه السفر، والحدج مركب من مراكب النساء وجمعه حدوج. المعنى يقول: قصدت أن أبعث بعيري قبل حل عقاله وذلك أنه يحل عقاله ثم يبعث.

وقال جران العود أيضًا:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

أيا كبدًا كانت عشية غرٍب من الشوق اثر الظاعنين تصدع

عشية ما فيمن أقام بغرٍب مقاٌم ولا فيمن مضى متسرع

غرب: جبل دون الشام ببلاد كلب، والمقام: الإقامة. المعنى: البيتان معلقان كأنه قال: أطلب كبدا كادت تصدع شوقًا إلى من ارتحل في الوقت الذي يمكنني المقام مع المقيمين بغرب، والارتحال مع المرتحلين عنها.

وقال الحسين بن مطير الأسدي، إسلامي:

"الأول من الطويل والقافية من المتراكب"

لقد كنت جلدًا قبل أن توقد النوى على كبدي نارًا بطيئًا خمودها

المعنى يقول: كنت جلدًا قبل مفارقة أوداي والتهاب الشوق في كبدي إليهم، وقد ذهبت جلادتي الآن بمفارقتي لهم، يصف تأثير الفراق فيه.

وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي إذا قدمت أيامها وعهودها

المعنى يقول: كنت أرجو أن تقادم الأيام يزيل صبابتي إليها.

لقد جعلت في حبة القلب والحشا عهدا الهوى تولى بشوٍق يعيدها

(العهاد جمع عهدة وهو مطر أول السنة، والولي المطرة الثانية بعد الوسمي) شبه أول الشوق بالعهاد وما يوليه بالولي، وبشوق يعيدها أي يعيد العهاد من أعاد، وكان ثعلب يروي "بعيدها" من البعد أي ما بعد من العهاد، ومعناه يقويها تقوية الولي للوسمي.

بسوٍد نواصيها وحمٍر أكفها وصفٍر تراقيها وبيٍض خدودها

صفر تراقيها قيل من الطيب وقيل: من حلي الذهب، المعنى يصف الجواري بسواد الشعر وخضاب الكف واستعمال الطيب ولبس الحلي.

مخصرة الأوساط زانت عقودها بأحسن مما زينتها عقودها

مخصرة الأوساط أي لطيفتها، وفي الحديث "خصروا فعالكم" زانت عقودها أي أنها تحسن العقود ولا تحسنها العقود.

يمنينا حتى ترف قلوبنا رفيف الخزامى بات طٌل يجودها

يمنيننا أي يطمعننا من الأمنية، حتى ترف قلوبنا أي ترتاح وتفرح، رفيف الخزامى وهو خيري البر، ورفيفها اهتزازها، إذا كانت خضراء ناعمة، وبات طل يجودها أي ندى يجود عليها.

وقال أبو صخر الهذلي، إسلامي:

"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"

أما والذي أبكى وأضحك والذي أمات وأحيا والذي أمره الأمر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى أليفين منها لا يروعهما الذعر

المعنى: يحلف بالله أنه يحسد زوجين من الوحش لا يفزعان من شيء أن يكون مكانهما مع من يهواه.

فيا حبها زدني جوًي كل ليلٍة ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر

الجوى: داء في الجوف. المعنى: يستلذ بحبها ويستديم السقم الذي يكون منه ويودع السلو عنه إلى يوم القيامة.

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

إن قيل: كيف يستقيم هذا البيت لأنه استدام الجوى في البيت الأول، ويذكر في هذا انقضاء ما بينهما قيل: الأول على ما فسر صحيح، ولم يقل في الثاني انقضى الحب، ومعناه أن الدهر لم يزل يسعى في فساد ألفتنا فلما انقضى ما بينا من جهة الدهر أي فرق بيننا سكن الدهر، فليس يسعى في إفسادها ما بين محبين غيرنا، وقال بعضهم: معناه يسعى بيننا بعوائقه، فلما اجتمعنا ووصل كل منا إلى مناه يئس الدهر من الفساد بيننا فسكن سكون يائس.

وقال أيضًا:

"من الكامل والقافية من المتواتر"

بيد الذي شغف الفؤاد بكم تفريج ما ألقى من الهم

أي الذي غلب الحب على قلبي، ومعناه الله الذي شغفني بكم هو القادر على تفريج الغم عني.

ويقر عيني وهي نازحٌة ما لا يقر بعين ذي الحلم

أني أرى وأظن أن سترى وضح النهار وعالي النجم

يقر عيني ما لا يقر عين حليم عاقل، وأفرح باليسير الذي لا يفرح به عاقل، وهو أن أرى وضح النهار وعالي النجم وأظن أنها ستراها، وأني أرى: بدل من ما لا يقر، وهذا كقول الآخر في المعنى:

أليس الله يجمعني وليلى كفاك بها وذاك لها تدان

ترى وضح النهار كما أراه ويعلوها النهار كما علاني

وقيل: إن هذا توعد لقومها أي أمري أمرًا عظيمًا، وسترى هي من قتل النفوس لأجلها، والعرب تصف اليوم الشديد بظهور النجم كما قال:

يومًا لا توارى كواكبه.

وقال طرفة:

وتريه النجم يجري بالظهر.

والأصل فيه أن النهار إذا أظلم ظهرت فيه النجوم، فعلى هذا الوجه لابد من كسر إني أرى.

ولليلٌة منها تعود لنا في غير ما رفثٍ ولا إثم

أشهى إلى نفسي ولو نزحت مما ملكت ومن بني سهم

ولو نزحت أي لو بعدت نفسي من ملكي يعني ذهاب ماله، وبنو سهم قبيلته، المعنى: لليلة تتفق لنا في غير ريبة أحب إلي من مالي وأهلي وقبيلتي.

ولو أن لومًا فيك أو عذلًا كلٌم بجسمي قد بدا كلمي

العذل أشد من اللوم، المعنى: قد أكثروا علي العذل واللوم فيك، فلو كان اللوم يجرح لظهرت بي جراحة.

قد كان صرٌم في الممات لنا فعجلت قبل الموت بالصرم

الصرم القطيعة، المعنى يقول: لو بقيت على الوصال كان الموت يفرق بيننا فعجلت بالفرقة قبل الموت وفعلت ما كنت أخشى أن يفعله الموت.

ولما بقيت ليبقين جوى بين الجوانح مضرٌع جسمي

المعنى: أنس حياتي بك فإن بعدت أو هلكت فلا خير في الحياة بعدك.

فتعلمي أن قد كلفت بكم ثم افعلي ما شئت عن علم

تعلمي أي اعلمي. المعنى: تحققي صدق محبتي لك ثم افعلي بعد العلم ما شئت. يستعطفها ويشير إلى أنك لا تفعلين بعد العلم ما لا يليق بالحال.

وقال آخر.

"الأول من الكامل والقافية من المتدارك"

إن التي زعمت فؤادك ملها خلقت هواك كما خلقت هوى لها

الهوى ها هنا المحبوب أي المهوي. المعنى: إن التي ظنت وقالت إنك مللتها ليس كذلك بل أنت تحبها كما تحبك هي.

بيضا باكرها النعيم فصاغها بلباقٍة فأدقها وأجلها

باكرها النعيم سبق النعيم في ابتداء خلقها، فصاغها بلباقة أي جعلها النعيم لبقة، فأدقها أي خصرها، وأجلها أي أردافها وقيل: أدق في محاسنها وأجلها في عيون الناس، والأول أجود. المعنى: يصفها بالنعمة ودقة الخصر وعظم الردف.

حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ما كان أكثرها لنا وأقلها

ما كان أكثرها يعني التحية أي ما كان أكثرها في الانتفاع، وأقلها يعني قلة الألفاظ، وقيل: ما كان أكثرها لنا فيما مضى وأقلها الآن. المعنى: يتأسف على انقطاع تحيتها عنه.

وإذا وجدت لها وساس سلوٍة شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها

ويروي "شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها" ويروي "شفع الضمير لها إلي فسلها"، وقوله وساوس سلوة ما يخطر بباله، يقول: كيف أسلو عنها إن كان الضمير شفيعها إلي، وقوله: "فسلها" فأخرجها أي أخرج الوساوس من قلبي.

المعنى: لا أسلو عنها أبدًا وإن خطرت السلوة بقلبي زال ذلك سريعًا لأنه إذا كان الضمير أو القلب شفيعها فلا يحصل مضمر.

وقال آخر:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

أما والذي حجت له العيس ترتمي لمرضاته شعٌث طويٌل ذميلها

يحلف بالله الذي حج له أهل العيس، شعث: غبر، ذميلها: سرعة سيرها، ويروي "ترتمي" أي تستبق في السير.

لئن نائبات الدهر يومًأ أدلن لي على أم عمرٍو دولًة لا أقيلها

أدلن لي بمعنى جعلن لي دولة أي ظفرًا، لا أقيلها قال بعضهم: أراد أعذبها كما عذبتني، ولا أتجاوز عن ذنبها من قولهم: "أقلت عثرته" وهو غلط، لأنه يخرج حينئذ عن حد النسيب، ومعناه- والله أعلم- لئن أظفرتني صروف الدهر بأم عمرو لا أقيلها أي لا أفارقها من إقالة البيع، وهو رد المبيع. المعنى: يندم على مفارقتها، ويحلف أنه إن ظفر بها بعد ذلك لم يفارقها.

وقال آخر:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًأ أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كله أنت قادٌر عليه ولا عن بعضه أنت صابر

جعل العين رائدًا للقلب لأنه يشتهي ما تستحسنه العين، ويكره ما تستكرهه، المعنى: من يحفظ العينين عن إدامة النظر تحصل له السلامة.

وقال آخر:

"الأول من الوافر والقافية من المتواتر"

أقول لصاحبي والعيس تهوى بنا بين المنفية فالضمار

تمتع من شميم عرار نجٍد فما بعد العشية من عرار

المنيفة والضمار موضعان، ويروي "تحدي" أي تسرع، وشميم: مصدر شم، والعرار نبت طيب الرائحة أصفر اللون، المعنى: يحكى بأنه أمر صاحبه بشميم عرار نجد فإنه مفارقه، وإنما فخم أمر عرار نجد لأنه في ديار حبيبته.

ألا يا حبذا نفحات نجٍد وريا روضة غب القطار

ريا روضه روائحه، وغب القطار بعد المطر، المعنى: يذكر استطابته نجدًا وما فيه.

وأهلك إذ يحل الحي نجدًا وأنت على زمانك غير زار

شهوٌر ينقضين وما شعرنا بأنصاف لهن ولا سرار

السر، بفتح السين وكسرها، آخر الشهر قدر استسرار القمر، وأيام السرور تستقصر لطيبها، وأيام الحزن تستطال لشدتها. المعنى: يستقصر أيام السرور.

وقال آخر:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

ومما شجاني أنها يوم أعرضت تولت وماء العين في الجفن حائر

فلما أعادت من بعيٍد بنظرٍة إلى التفاتًا أسلمتها المحاجر

أسلمتها المحاجر، وهي ما حول العين. المعنى: يصف حزنه عند فراقها وتهيؤه للبكاء عند صدودها، وإرساله الدمع عند التفاتها إليه، لأنها أسقمته بذلك وأجزعته.

وقال آخر، إسلامي:

"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"

ولما رأيت الكاشحين تتبعوا هوانا وأبدوا دوننا نظرًا شزرا

جعلت وما بي من جفاٍء ولا قلى أزوركم يومًأ وأهجركم شهرا

تتبعوا هوانا أي راموا فساد أمرنا، وهذان البيتان للشاعر العرجي، وذكر إسحاق ابن إبراهيم الموصلي أنه لما مات عمر بن أبي ربيعة رئيت جارية تبكي وتلطم وتقول: من لمكة وذكر شعابها ونسائها؟ فقيل لها: طيبي نفسًا فإنه قد نشأ فتى من آل عثمان بن عفان يقال له العرجي يحذو حذوه قالت: فأنشدوني بعض ما قال فأنشدوها "لما رأيت الكاشحين" قال: فمسحت عينيها ورفعت يديها إلى السماء وقالت الحمد لله الذي لم يضيع حرمه. والمعنى يعتذر في إقلال الزيارة ويزعم أنه خوف العدى.

وقال بعض القرشيين:

"الأول من الخفيف والقافية من المتواتر"

بينما نحن بالبلاكث فالقا ع سراعًا والعيس تهوي هويا

خطرت خطرٌة على القلب من ذكـ راك وهنًا فما استطعت مضيًا

قلبت لبيك إذ دعاني لك الشو ق وللحاديين كرا المطيا

البلاكث والقاع موضعان، وتهوى هويا أي تسرع، وبينما للمباغتة، ووهنا أي بعد ساعة من الليل، ولبيك أي ها أنا ذا مقيم بين يديك إقامة بعد إقامة من ألب بالمكان ويروي "حثا المطيا" أي قلت للحاديين سوقا الإبل فإني قد عجزت عن السوق والحدو، وقيل: بل معناه أمرت الحاديين بسوق المطي نحوها. المعنى: يصف ما لحقه من الفتور عند ذكرها، والعجز عن سوق لابل وحدوها.

وقال آخر، وهو ابن هرمة، إسلامي:

"الأول من البسيط والقافية من المتراكب"

استبق دمعك لا يود البكاء به واكفف مدامع من عينيك تستبق

ليس الشؤون وإن جادت بباقيٍة ولا الجفون على هذا ولا الحدق

اكفف مدامع أي امنعها من السيلان، والمدامع: مجاري الدمع، تستبق: من السبق. المعنى: يكف نفسه عن البكاء ويذكرها بأن البكاء مفسد للعين.

وقال آخر، إسلامي:

"الثاني من الطويل والقافية متدارك"

قد كنت أعلو الحب حينًا فلم يزل بي النقص والإبرام حتى علانيا

ولم أر مثلينا خليلي جنايٍة أشد على رغم العدو تصافيا

خليلين لا نرجو لقاء ولا ترى خليلين إلا يرجوان التلاقيا

أعلو الحب أظهر وأقوى عليه. المعنى يقول: كنت أغلب الهوى زمانًا فجرت على أمور مختلفة من الهوى فغلبني، وصف مصافاتها على بعد الدار واليأس من الالتقاء.

وقال قيس بن ذريح، إسلامي:

"الأول من الطويل والقافية من المتواتر"

وكل مصيبات الزمان وجدتها سوى فرقة الأحباب هينة الخطب

الخطب: الأمر العظيم يستعمل في المكروه، المعنى: هون المصائب كلها إلا فراق الأحبة.

وقال الحسين بن مطير:

"الأول من الطويل والقافية من التواتر"

فيا عجبًا للناس يستشرفونني كأن لم يروا بعدي محبًا ولا قبلي

يستشرفوني: يرفعون أبصارهم إلي كأنهم ينظرون إلي إلى موضع عال، ويروي "يستسرفونني" أي يجدونني مسرفًا في الحب عندهم، والأول أجود.

المعنى: يتعجب من تعجب الناس منه.

يقولون لي أصرم يرجع العقل كله وصرم حبيب النفس أذهب للعقل

المعنى: يخطئ رأيهم في صرفه الحبيب ليرجع عقله، وبين أن صرمه ذهاب للعقل لأنه إنما تغير عقله من الصدود والصرم أبلغ من ذلك.

ويا عجبًا من حب من هو قاتلي كأني أجزيه المودة من قتلي

أجزيه أجازيه. المعنى: يتعجب م حبه من يقتله صدا وإعراضًا وقال: كأني

جعلت مودتي له جزاء عن قلته إياي، فكلما زادني قتلًا زدته ودا، وعني بالقتل أسباب القتل.

ومن بينات الحب أن كان أهلها أحب إلى قلبي وعيني من أهلي

المعنى: يقول: من علامات الحب أنها أحب إلي من أهلي.

وقال عمر بن أبي ربيعة، إسلامي:

"الأول من الطويل والقافية من المتدارك"

ولما تفاوضنا الحديث وأسفرت وجوٌه زهاها الحسن أن تتقنعا

زهاها الحسن أي استخفها الحسن، فلم تتقنع ثقة بحسنها، وكانت المرأة من العرب إذا كانت رائعة الجمال ألقت نقابها فإذا كانت كريهة الوجه سترت وجهها.

تبالهن بالعرفان لما عرفنني وقلن امرؤ باٍغ أضل وأوضعا

تبالهن أظهرن البله من أنفسهن، المعنى: يصف حصوله عند نساء حسان عرفنه وأنكرن معرفته وداعبنه ونسبنه إلى التمادي.

وقربن أسباب الهوى لمتيٍم يقيس ذراعًا كلما قسن إصبعا

يقيس ذراعًا مثل أي يطمع في الكثير منهن إذا أطمعنه في اليسير من وصلهن.

وقلت لمطريهن ويحك إنما ضررت فهل تستطيع نفعًا فتنفعا

المطري: المادح والمزين، أطريت فلانًا أثنيت عليه، ومدحته بفضله وأصله من الطراوة. المعنى: يذكر طلب وصلهن على ألطف الوجوه.

وقال ربيس التغلبي، والربيس تصغير الربس، وهو حبل يصعب به النخل:

"الثاني من الطويل والقافية من المتدارك"

هل تبلغني أم عمرٍو وتقذفن على طرٍب بيوت هم أقاتله

على طرب بيوت هم أقاتله يعني هما يبيت معه، ومقاتلة الهم مدافعته ومغالبته، يعني هل تقذف هما أقاسيه على طرب.

مبنية عتق حسن خٍد ومرفقًا به جنٌف أن يعرك الدف شاغله

مبينة عتق يعني ناقة تبين عتقها وكرمها في حسن خدها ومرفها به جنف يعن بالمرفق أي ميل لئلا يعرك الدف أي الجنب، وشاغله أي شاغل المرفق. يعني يريد أنها فتلاء الذراعين، والعراك أن يعرك المرفق الجنب من الضاغط يكون بالبعير.

مطارة قلٍب إن ثنى الرجل ربها بسلم غرٍز في مناٍخ تعاجله

مطارة قلب نعت للناقة أي حديدة قلب، كأنه أطير لذكائه وحدته، وأن ثني الرجل يعني إذا ركبها صاحبها تسرع في السير، وجعل الركاب سلمًا لأنه يتوصل به إلى ظهر الناقة تشبيهًا بسلم السطح. وفي ذكر السلم إشارة إلى طول الناقة، ويعاجله أي يعجل إليه ربها، والغرز ركاب من خشب.

يباري بها القود النوافخ في البري قليل النزول أغيد الخلق عاطله

يعني يباري صاحبها بها يعني الناقة، النوافخ في البري أي تنفخ في براها المرح والنشاط في طول وشدة السير، والبري جمع البرة، وهي حلقة في أنف البعير، قليل النزول يعني نفسه، يقل نزوله لدوام سيره، أغيد الخلق أي ناعم الشباب عاطله، الهاء للخلق ويفسر على وجهين: أحدهما أنه لا حلي عليه لأنه لا يتزين لدوام سفره، والآخر عاطله حسن الخلق، والعطل الحسن قاله الخليل.

مراجع نجد بعد فرك وبغضة مطلق بصري أصمع القلب جافله

أي كان يهوى نجدًا ثم سلي عنه وأبغضه، فراجعه الهوى فعاد إلى نجد، مطلق بصري أي تاركها، وبصري بالشام، وأصمع القلب أي ذكي القلب، جافله أي خفيف.

وقال عبد الله بن العجلان النهدي

((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))

وحقه مسك من نساء لبستها شبابي وكأس باكرتني شمولها

يقول: كم من جارية طيبة كحقة مسك لبستها شبابي أي عاشرتها في شبابي، وكم من قدح فيه خمر شربتها بكرة، والشمول جنس من الخمر.

جديدة سربال الشباب كأنها سقية بردي نمتها غيولها

جديدة سربال يعني جدة شبابها وطراوتها، وحذف الهاء في جديد أكثر وسقية بردي، يعني ما سقي من البردي، والبردي نبت يشبه القصب، والغيول جمع غيل وهو الماء يجري على وجه الأرض، ومعنى نمتها أي نبتها أي تنبت في الماء الجاري فكأنها نبت الماء، ويروي "غذتها غيولها "من الغذاء ويروي "سقتها "والجميع حسن والأول أبدع.

ومخملة باللحم من دون ثوبها تطول القصار والطوال تطولها

ومخملة باللحم يعني السمن والغضاضة، والخمل هو الذي يستر الثوب من الزبير، وقال من دون ثوبها ليخرج من ذلك اليدان والرجلان والوجه، لأن كثرة اللحم لا يستحسن على هذه، تطول القصار أي هي ربعة تزيد عليهم في الطول، والطوال يزدن عليها يقال: طاولت فلانًا فطلته أي كنت أطول منه.

كأن دمقسًا أو فروع غمامة على متنها حيث استقر جديلها

فروع غمامة: أعلاها، وهو أبيض حسن لأنه مما يلي الشمس ومن علا قلل الجبال ربما رأى ذلك، لأن السحاب ينسحب دونه، والجديل الزمام، جدلته أي أحكم فتله، وأراد بالجديل هنا الذوائب أو ما يوصل به أطراف الذوائب وتسمى القصاص ومسقطها على المتن. يقول: كأن ما انتهى العقاص إليه من متنها عليه دمقس أو فروع غمامة لنقائه وبياضه، وقيل: أنه أراد بالجديل الوشاح، وما أراه كذلك، لأن الوشاح لا يكون على المتن ولا يستقر عليه، وإنما يكون إرساله على الصدر لا على الظهر. المعنى يقول: رب جارية طيبة الريح شابة غضة بضة صحبتها في شبابي ورب كأس سقيتها قبل أصحابي.

وأبيض منقوف وزق وقينة وصهباء في بيضاء باد حجولها

وأبيض قيل أراد به القدح، والمنقوف: المفتوح الرأس، وقيل: إنه أراد به العود لأن المنقوف هو المثقوب يقال: جذع منقوف ونقيف، وحجولها استدارتها في الزجاج وهو موضع انتهاء الخمر إليه من الزجاج يقال: فرس باد حجولها.

إذا صب في الراووق منها تضوعت كميت يلذ الشاربين قتيلها

الراووق: المصفاة لأنه يروق به الشراب، كميت يعني الخمر للونها تلذ الشاربين أي تجعلهم لذاذًا وتسقيهم لذاذًا. المعنى: يصف الخمر وأسبابها.

وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي: إسلامي:

((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))

ولما لحقنا بالحمول ودوننا خميص الحشا توهي القميص عواتقه

الحمول: الأحمال، والحمولة الإبل التي تحمل الأثقال وغيرها. وأراد به الظعن ها هنا ويروي "ودونها "خميص الحشا يعني رجلاً ضامر البطن، وهو الذي يحفظ النساء، توهي القميص عواتقه لقوته وجلده، لأنه ليس بعظيم الجنبين فتحملان الثوب فينخرق موضع الجيب.

قليل قذى العينين يعلم أنه هو الموت إن لم تلق عنا بوائقه

قليل قذى العينين يعني الغيور، يقول هو حديد البصر شديد النظر لا تقذي عينه بشيء فيمنعه من إدراك ما ينظر إليه، وقيل معناه لا تقذي عنه بشيء، لأنه غيور سيء الظن، كلما ظن بشيء يريبه غيره، فلا ينام على قدى ولا يجسر أحد أن يريه ما يكره فعلم أنه هو الموت.

عرضنا فسلمنا فسلم كارهًا علينا وتبريح من الغيظ خانقة

تبريح من الغيظ أي شدة من الغيظ كان يخنقه لأنه سيء الظن بالناس، فسلم كارهًا أي كره قربنا منه.

فسايرته مقدار ميل وليتني بكرهي له ما دام حيًا أرافقه

ويروي "موافقه "وهو أجود، ويروي "على رغمه طول الحياة أرافقه "المعنى: لما فارقه ندم لأنه وإن كان يكره قربه فقد كان يرى في بعض الأوقات صاحبته.

فلما رأت أن لا وصال وأنه مدى الصرم مضروبًا علينا سرادقه

فلما رأت يعني الجارية أن لا وصال، وأن مدى الصرم مضروب علينا سرادقه أي مضروب علينا حجابه وهو مثل.

رمتني بطرف لو كميًا رمت به لبل نجيعًا نحره وبنائقه

أي رمتني بطرف وبلمح وهو الإشارة لو رمت به شجاعًا لأدمته حتى بل الدم نحره وبنائق قميصه.

ولمح بعينيها كأن وميضه وميض الحيا تهدي لنجد شقائقه

يقول: كأن وميض اللمح وميض البرق وهو لمعانه، شبه لمع عينيها بلمع البرق شقائقه أي المطر الشديد الواحد شقيقة.

وقال أبو الطمحان القيني، جاهلي:

((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))

ألا عللاني قبل صدح النوائح وقبل ارتقاء النفس بين الجوانح

عللته: طيبت نفسه بشيء، وصدح النوائح صوتهن، والصدح: الصوت، ويقال صدح الديك إذا صاح وصوت، ورجل مصدح حسن الصوت.

المعنى: يخاطب حبيبه يقول: عللني بوعد أو ما أسكن إليه قبل أن أهلك.

وقبل غد يا لهف نفسي على غد إذا راح أصحابي ولست برائح

يقول: عللني قبل وقت الرحيل، وخطابه لحبيبه، وأخرج الخطاب مخرج التثنية على مذهب العرب.

وقال آخر

((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))

هل الوجد إلا أن قلبي لودنا من الجمر قيد الرمح لاحترق الجمر

المعنى: يشكو لوعة الهوى، وشدة ضرامه وحره في قلبه، وقيد الرمح وقاده وقوده.

أفي الحق أني مغرم بك هائم وأنك لا خل هواك ولا خمر

المغرم: المولع بالشيء، لا خل هواك ولا خمر، هذا مثل يضرب للخير والشر، أي ليس عندك ما أنتفع به من قليل أو كثير، ويروي "ولا حلو لديك ولا مر ".

فإن كنت مطبوبًا فلا زلت هكذا وإن كنت مسحورًا فلا برئ السحر

المطبوب هو المسحور، والطب: السحر فإن قيل: فلم فرق بينهما؟ ففيه جوابان أحدهما أنه سمع بعض الناس يقولون: هو مطبوب فأجابهم على لفظهم، والآخر أن المطبوب أشد حالاً من المسحور، لأن السحر كالخدع والتعليل والطب ما يؤثر في النفس ويضعف الجسم. المعنى: يشكو لوعة الهوى ويعاتب حبيبته يقول: أحق أني كلف بك، وأنك لا تفكرين بي، ثم أظهر الرضا بجميع أحوال الهوى

وقال آخر

((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))

تشكي المحبون الصبابة ليتني تحملت ما يلقون من بينهم وحدي

وكانت لنفسي لذة الحب وحدها فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي

المعنى: هذا رجل يتمنى أن يكون به جميع ما يشكوه المحبون، ويعتد بعذاب الهوى لذة

وقال شبرمة بن الطفيل، مخضرم، الشبرمة نبت يقال إنه نوع من الشيح ويقال: الشبرم القصير.

((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))

ويوم شديد الحر قصر طوله دم الزق عنا واصطفاق المزاهر

لدن عدوة حتى أروح وصحبتي عصاة على الناهين شم المناخر

ليس في هذه الأبيات نسيب إنما فيها ذكر الشرب والقصف لدن غدوة يعني أول النهار، ولا ينصب بشيء من حروف الجر إلا بلدن، وشم المناخر أي أباة لا يذلون ولا ينقادون كما يقال شمخ بأنفه.

كأن أباريق الشمول لديهم إوز بأعلى الطف عوج الحناجر

الطف شاطئ الفرات، وعوج الحناجر أي معوجة الأعناق والإبريق: أشبه شيء بما شبهه به- المعنى: يصف تقصير يومه بالشرب والنقر وشبه الأباريق بالإوز.

وقال جابر بن الثعلب الجرمي، جاهلي:

((الثالث من الطويل والقافية من المتواتر))

ومستخبر عن سر ريا رددته بعمياء من ريا بغير يقين

فقال انتصحني إنني لك ناصح وما أنا إن خبرته بأمين

رددته بعمياء أي بحالة عمياء، انتصحني أي أقبل نصيحتي، وبأمين أي مأمون يقول: إن خبرته بسرها لست ممن أوتمن، يصف كتمان سر صاحبته.

وقال نفر بن قيس وهو جد الطرماح، جاهلي، نفر مصدر نفر الناس من منى وغيرها وهو يوم النفرة.

((الأول من الوافر والقافية من المتواتر))

ألا قالت بهيسة ما لنفر أراه غيرت منه الدهور

وأنت كذاك قد غيرت بعدي وكنت كأنك الشعري العبور

الشعريان ثنتان إحداهما "العبور "والأخرى "الغميصاء "وتشبه النساء بالعبور، وهي التي كان قوم من المشركيين يعبدونها، والعرب تزعم أن إحدى الشعريين عبرت المجرة فسميت العبور، والأخرى لما تخلفت عنها بكت شوقًا إليها حتى غمصت فسميت "الغميصاء ". المعنى: يذكر أن بهيسة عيرته تغيره عما كان عليه في حال شبابه، وأنه أجابها بمثل ذلك.

وقال برج بن مسهر الطائي، جاهلي:

((الأول من الوافر والقافية من المتواتر))

وندمان يزيد الكأس طيبًا سقيت إذا تغورت النجوم

يزيد الكأس طيبًا بحسن خلقه وحسن مفاكهته، إذا تغورت النجوم يعني الغبوق، ويروي "إذا تعرضت النجوم "يعني انتصاف النهار.

رفعت برأسه وكشفت عنه بمعرقة ملامة من يلوم

يعني شربنا وقد انتصف الليل بمعرفة، بكأس قليلة المزاج، وقوله: "رفعت برأسه "أي رأسه من النوم بأن سقيته كأسًا، وكشفت عنه ملامة من يلوم بتلك المعرقة فلم يفكر في اللوم أحد.

فلما أن تنشى قام خرق من الفتيان مختلق هضيم

تنشى أي سكر، قام خرق أي سخي كريم يعني نفسه، مختلق تام الخلقة، هضيم: دقيق الخصر ليس ببطين ويروي "هضوم "أي منفاق يهضم ماله.

إلى وجناء ناوية فكاست وهي العرقوب منها والصميم

وجناء: أي ناقة عظيمة الوجنة، ناوية: سمينة ومنه نوت الناقة: سمنت، وكاست: مشت على ثلاث قوائم لأنه لما سكر قام فعرقبها لتؤكل، وقوله "وهي العرقوب منها "أي ضعف عرقوبها لما عقرها، والصميم أراد الساق أي سقطت الناقة ولم يقلها عرقوبها وساقها بعد العقر.

كهاة شارف كانت لشيخ له خلق يحاذره الغريم

الكهاة: الناقة الضخمة، والشارف: المسنة، وقوله: له خلق يحاذره الغريم، لأنه يتلف ماله ولا يدخر شيئًا فغريمه يحاذره أن لا تصل منه إلى حقه لأن خلقه نحر الإبل وإنفاق المال.

فأشبع شربه وجرى عليهم بابريقين كأسهما رذوم

فأشبع شربه هم القوم الذين يشربون، رذوم سائل أي سقاهم بعد أن أشبعهم وأرواهم.

تراها في الإناء لها حميًا كميتًا مثل ما فقع الأديم

ترنح شربها حتى تراهم كأن القوم تنزفهم كلوم

ترنح شربها أي تميل بهم كأن القوم كلوم أي تميل بهم، يعني بشربها حتى إنهم كأنهم أصابتهم جراحات وكثر خروج الدم منها فضعفوا ومالوا، يقال: نزفت الجراحة دمه إذا جرح فخرج منه. المعنى: يصف جوده بالطعام والشراب، ويقول: كم من نديم حسن الخلق سقيت فلما سكر نحرت له ناقة كبيرة، أطعمت القوم وسقيتهم حتى مالوا وسكروا.

فقمنا والركاب مخيسات إلى فتل المرافق وهي كوم

مخسيات: مذللات أي معقولة للنحر والركوب، وإلى فتل المرافق، وهي كوم جمع كوماء وهي العظيمة السنام.

كأنا والرحال على صوار برمل خزاق أسلمه الصريم

الصوار: البقر الوحشية، وخزاق موضع، وأسلمه الصريم أي فارق الرمل وهو الصريم، والقطعة صريمة، فإذا فارق الوحش الرمل وصار إلى الجدد كان السير فيه أسهل، يقول: كأنا وكأن رحالنا على بقر وحشي برمل خزاق صار إلى الجدد، يعني السرعة والخفة، وقيل: إنما شبه رواحله بالبقر لبياضها، والأول أشبه بمعناه. المعنى: يصف ركوبه وركوب أصحابه نوقًا كرامًا خفافًا بعد الأكل والشرب.

فبتنا بيْن ذاك وبيْن مسْكفيَا عجبا لعيْش لَو يدوم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
وفينَا مسمعات عنْد شرْبوغزلان يعُد لها الحميم

وبين مسك أي طيب, وغزلان يعني الجواري, يعد لها الحميم يعني الماء الحار للاغتسال كناية عن الجماع, وقيل: انهم كانوا يسقون الجواري الخمر, وكانوا يعللوهن بالغسل والماء الحار, وقيل: انهم كانوا يشربون الخمر في الشتاء بالماء الحار فلذلك ذكر الحميم, والأول الوجه. المعنى يصف مبيته في اللهو واللذة والطيب والغناء والتمتع بالجواري.

نطوِّف مَا نطوِّف ثُم يأويذوُو الأموال منَّا والعديِم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة
إلى حفَر أسافلهُن جوفوأعلاهُن صفاح مقيِم
للشاعر عمرو بن شأس الأسدي، اقرأ القصيدة

إلى حفر يعني القبور, وأسافلهن جوف جمع جوفاء, وأجوف يعني اللحد, والصفاح الحجارة العراض يطبق بها فوق اللحد والقبر, الواحدة صفاحة.

المعنى: هذه الأبيات بالزهد أشبه منها بالنسيب, لأنه ذكر التنعيم والتلذذ, وختم بالموعظة وذكر القبر يقول: مصير الغني والفقير منا إلى القبور.

وقال اياس بن الأرت الطائي, إسلامي:

((الأول من الطويل والقافية من المتواتر))

هلُم خليلي والغوايَة قَد تصبِيهلم نحَي المنتشين مِن الشرْب
نسَل ملامات الرجال بريَّةونفْر شرور اليوْم باللهْو واللعْب

المنتشين يعني السكارى, والنشوة السكر, والغواية قد تصبي إي تزيغ عن الرشد, نسل أي نزيل ونخرج لأن الإنسان إذا عمل فيه الشراب لا يعمل فيه اللوم، فإنه أزاله عن نفسه ممن حيث لا يفكر فيه، وبربة هي فعلة من رويت، ونفري أي

نقطع والفري على جهة الإصلاح, والافرار: القطع على جهة الإفساد.

إذا مَا تراخَت ساعَة فاجعلنهَالخيْر فاِن الدهْر أعصَل ذُو شغْب
فاِن يَك خيْر أَو يكُن بعْض راحَةفانَّك لاَق مِن هموم ومِن كرْب

إذا ما تراخت ساعة: أي تطاولت وامتدت, الدهر أعصل أي معوج.

المعنى: يدعو إلى الشرب واستقصار الأيام باللهو واللعب.

وقال آخر:

((الأول من الوافر والقافية من المتواتر))

أحِب الأرْض تسكنهَا سليمَىواِن كانَت توارثهَا الجدوُب
ومَا دهرِي بحُب تراب أرضولكِن مَن يحل بهَا حبيب

توارثها الجدوب أي مرت عليها الجدوب أي جدب بعد جدب بعد جدب كأنها توارثتها, وما دهري بحب كقولهم وما طي بكذا أي ما هواي وهمتي. المعنى: يصف حبه بلدها لأجل أنها تسكنه, ويروى ((وما طبي بحب)) أي علمي.

أعاذِل لو شربْت الخمْر حتَّىيكون لكُل أنملَة دبيب
إذا لعذرتنِي وعلمْت أنِّيبمَا أتلفْت مِن مالي مصيب

عني بدبيبها تأثير الخمر فيها, وإنما قال هذا على ما كان عند العاذلة.

المعنى: لو شربت الخمر وأخذتك الأريحية فعلت بمالك ما فعلت بمالي وعذرتني.

وقال أبو صعترة البولاني, إسلامي:

((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))

فمَا نطفَة مِن مزْن تقاذفَتبِه حسُن الجودِي والليْل دامِس

النطفة: الماء القليل وجمعها نطف, وحب مزن: قطر سحاب, وتقاذفت: ترامت, ويروى ((جنبتا الجودي)) وجنبتا مثنى جنبة أي ناحية, والجودي جبل, استقرت عليه سفينة نوح ﵇, وقال بعضهم: اسم رجل, وحسن الجودي شواهقه.

فلمَاأقرتْه اللصَاب تنفسَّت ... شمال لأعلَى متنِه فهْو قارِس
بأطيَب مِن فيهَا ومَا ذقْت طعمَهولكنني فيما ترَى العين قارس

اللصاب جمع لصْب: شق في الجبل, واللهب أوسع منه, وقارس بارد.

المعني: يصف طيب فم الجارية ظنا لأنه قال: وما ذقت طعمه.

وقال الحارث بن خالد المخزومي, إسلامي كان في زمن عمر بن أبي ربعة

((الضرب الثاني من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتواتر))

إني ومَا نحروا غداة منىعند الجوار تؤودُها العقْل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لَو بدلَت أعلى مساكنهَاسفلا وأصبَح سفلهَا يعلُو
لعرفْت مغناهَا لمَا ضمنَتمنِّي الضلوع لأهلهَا قبْل

تؤودها: تثقلها, والعقل جمع العقال, لما ضمنت يعني لما أضمره من محبة أهلها لأجلها. المعنى: يحلف بالبدن التي تنحر يوم مني أنه عين البصير بمنازلها يعرفها لو تغيرت, لما تردد إليها في هواها.

وقال آخر:

((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))

مريضات أوبات التهادِي كأنماتخاف على أحشائها أَن تقطعَا

قوله: مريضات أوبات التهادي, جعل أوبات تهاديها مريضة أي ضعيفة, والتهادي التمايل, كأن هؤلاء النسوة تخاف على أحشائها أن تقطعا أي تقطع لدقة خصورهن وعظم أردافهن, ثم شبه مشيهن بدبيب الحية في البرد في البيت الثاني فقال:

تسيب انسياب الأيْم أخضرَه الندَىفرفَع مِن أعطافِه مَا ترفعَا

الأيم والأين الحية, وسابت وانسابت جرت, وأخصره الندى أصابه الطل, خصر الرجل إذا آلمه البرد, فرفع لأن الحية أعجز شئ في البرد فإذا حلت على وجه الأرض تجتهد أن ترفع نفسها عن وجه الأرض لئلا يصيبها بردها, ولا تقدر على ذلك لضعفها من البرد فترفع رأسها وتجر سائرها برفق. المعنى: يصف تأني مشي النساء لكبر أردافهن, وشبه مشيهن بدبيب الحية الخصرة.

وقال آخر:

((الثاني من الكامل والقافية من المتواتر))

أبَت الروادِف والثدِي لقمصهَامَس البطون وأَن تمَس ظهورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»
وإذا الرياح مَع العشِّي تناوحَتنبهْن حاسدَة وهجْن غيورا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أبت الروادف والثدي لقمصها»

ويروى ((الروانف)) والرانفتان: طرفا الاليتين, تناوحت تقابلت. المعنى: يصف نساء بالخمص ونهود الثدي وكبر الارداف يقول: تمنع أردافها وثديها أن تمس قمصها بطونها وظهورها, وقوله: ((اذا الرياح تناوحت)) أي هبت مرة من خلفهن ومرت من أمامهن فألصق ثيابهن بأجسادهن, فبان نهود ثديهن وعظم أردافهن فحرك ذلك من يحسدهن من النساء, وهيج من يغار عليهن من الرجال.

وقال بكر بن النطاح, إسلامي كان في زمن أبي دلف العجلي, والنطاح مصدر ناطح, ويكون نطح:

((الأول من الكامل والقافية من المتدارك))

بيضاء تسحَب مِن قيام فرعهاوتغيِب فيِه وهْو وحْف أسحَم
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
فكأنها فيِه نهار ساطِعوكأنَّه ليْل عليهَا مظلِم
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

فكأنها أي كأن الجارية في الشعر الأسحم نهار, وكأن الشعر عليها ليل مظلم, المعنى: يصف طول ذوائبها مع شدة سواد وحسن وجهها, وشبه حسن وجهها بالنهار العالي, وشعرها بالليل المظلم.

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.