تجاوز إلى المحتوى

من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)

باب النسيب (٣)

جنية أو لها جن يعلمها رمي القلوب بقوس ماله وتر

المعنى: يتعجب من إصابتها القلوب بعينها، وجعلها جنية ومتعلمة من الجن لسحرها الرجال بعينها.

وقال توبة بن الحمير:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

يقول أناس لا يضيرك نأيها بلى كل ما شف النفوس يضيرها

أليس يضير العين أن تكثر البكا ويمنع منها نومها وسرورها

شف النفوس: أذابها وهزلها. المعنى: رد على من طيب بنفسه وقال: لا يضرك بعدها، ودل على أنه كثير البكاء دائم السهر لمفارقته إياها.

وقال ابن أبي دباكل الخزاعي: سمعت أبا علي القاساني يقول: هو أبو دباكل: ودباكل اسم مرتجل غير منقول من جنس كأنه جمع دبكل، ودبكل فيعل من الدكلة وهي القطعة من الطين:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

يطول اليوم لا ألقاك فيه ويوم نلتقي فيه قصير

وقالوا لا يضيرك نأي شهر فقلت لصاحبي فما يضير

المعنى: يقول: إذا سعدت بقربها ما ضرني شيء معها، يدلك عليه قوله فما يضير أي لا يضيرك النأي.

وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال الأصمعي هو عمر

ابن عبد الله بن عتبة، وكف بصره في آخر عمره، وكان صاحب حديث، فقيل له:

أنت صاحب حديث فمالك والشعر؟ فقال: إن المصدور لا بد له من أن يرمي بحواشي صدره.

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

شققت القلب ثم ذررت فيه هواك فليم فالتأم الفطور

تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور

ذررت أي نثرت هواك في القلب، فليم من لأم أراد لئم فلم يستقم له فلين الهمزة، وألحقه ببنات الياء مثل بيع وسير، فالتام الفطور أي التأمت، فطوره، يعني فطور القلب، والفطور الشقوق الواحد فطر. المعنى: يصف تمكن حبها من قلبه واختلاطه وينسب ذلك إلى فعلها، تغلغل دخل ووصل إليه.

تأثل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير

عثمة: اسم من يهواها، وتأثل: استحكم وقوي، والبادي الظاهر، والخافي المستتر.

وقال ابن ميادة:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

وما أنس مل أشياء لا أنس قولها وأدمعها يذرين حشو المكاحل

مل أشياء يريد من الأشياء، أذرت العين دمعها أسألته، والمكاحل مواضع الكحل كأنها نحلة، فلما بكت سالت دموعها بالكحل، وهذا الوجه أصح لأن أذرى بمعنى سال ليس بصحيح. المعنى: يقول: مهما نسيت شيئًا من الأشياء فإني لا أنسى قولها وهي تبكي:

تمتع بذا اليوم القصير فإنه رهين بأيام الشهور الأطاول

وقال آخر:

(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)

بيضاء آنسة الحديث كأنها قمر توسط جنح ليل مبرد

مبرد وبرداء أي ليل ذو برد وليلة ذات برد، شبهها بالقمر توسط السماء في ليلة الشتاء، وإنما خص الشتاء دون الصيف لأن القمر فيه أتم نورًا لنقاء الجو من الغبرة التي تكون في الصيف، وجعله متوسطًا في جنح ليل لأنه أراد البدر.

موسومة بالحسن ذات حواسد إن الحسان مظنة للحسد

وترى مدامعها ترقرق مقلة سوداء ترغب عن سواد الأثمد

ويروى "مطية" يعني حسد الحاسد، وترغب عن سواد الأثمد وهو الكحل. المعنى: يصفها بطيب الحديث وحسن الوجه، وجعلها موضع حسد لقصورهن عن حسنها.

وقال آخر:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

صفراء من بقر الجواء كأنها ترك الحياة بها رداع سقيم

الجواء: موضع بالصمان، والرداع الأثر من ضعف، يقول: كأنها من فرط الحياء سقيمة.

من مخذيات أخي الهوى جرع الأسى بذلال غانية ومقلة ريم

وقصيرة الأيام ود جليسها لو دام مجلسها لفقد حميم

مخذيات أخي الهوى: معطياته. المعنى: يصفها بفرط حياء وفتنة من يهواها بحسن دلالها وسواد مقلتها، ويصف طيب محاسنها.

وقال آخر:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ونار كبحر القور ترفع ضوءها مع الليل هبات الرياح الصوارد

السحر: الرئة بفتح السين وضمها، والعود: الناقة المسنة، والنار إذا رئيت من بعيد ولم تكن عظيمة أشبهت رئة البعير لحمرتها، الصوارد: البوارد، والصرد: البرد، يعني في ليل الشتاء.

أصد بأيدي العيس عن قصد أهلها وقلبي إليها بالمودة قاصد

المعنى يقول: لرب نار رأيتها في الليالي الباردة تضيء من ناحية الحبيب صددت عن قصد أهلها خوفًا، وقلبي قاصد إليهم بالمودة لأنها نار حبيبتي.

وقال حسين بن مطير الأسدي، إسلامي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)

وكنت أذود العين أن ترد البكا فقد وردت ما كنت عنه أذودها

كأنه قال: وكنت أمنع أن تنظر العين إلى مورثها البكا فجعل سبب البكاء بكاء.

المعنى: يلزم ذنب الهوى عينه لأنها كانت السبب.

خليلي ما بالعيش عتب لو أننا وجدنا لأيام الحمي من يعيدها

المعنى يقول: لوردت علينا أيام الحمى لكان عيشنا على ما كان مرضيًا عنه.

ولي نظرة بعد الصدود من الجوى كنظرة ثكلى قد أصيب وليدها

المعنى: يصف شدة ما أورثه الصدود في قلبه من الحزن والقلق، ويشبه ذلك بامرأة قد أصيب وليدها فبكاؤها وحزنها دائم.

هل الله عاف عن ذنوب تسلفت أم الله إم لم يعف عنها يعيدها

المعنى معروف يتمنى أيام البطالة، واستفهامه على هذا الوجه ضرب من البطالة أيضًا.

وقال سوار بن المضرب السعدي، إسلامي:

(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)

يا أيها القلب هل تنهاك موعظة أو يحدثن لك طول الدهر نسيانًا

إني سأستر ما ذو العقل ساتره من حاجة وأميت السر كتمانًا

المعنى: يعاتب قلبه، ويعرض عليه الاتعاظ والسلوة، ويصف نفسه بكتمان السر.

وحاجة دون أخرى قد سنحت لها جعلتها للتي أخفيت عنوانًا

ويروى "سمحت بها" وعنوانًا أي ابتداء يتوصل به إلى غيره. المعنى يصف دهاءه وتأتيه لاستنجاز الحوائج، يقول: كم حاجة أردتها فأخفيتها في نفسي، وذكرت غيرها، وتوصلت بها إلى ما في نفسي.

إني كأني أرى من لا حياة له ولا أمانة وسط الناس عريانًا

المعنى: يصف نفسه بالحياء والأمانة ويقول: من خلا من الأمانة والحياء فإنه متكشف قد بدت سوءته بقبح القباحة والخيانة.

وقال ابن الدمينة الخثعمي، إسلامي:

(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)

ألا لا أرى وادي المياه يثيب ولا النفس عن وادي المياه تطيب

أحب هبوط الواديين وإنني لمشتهر بالواديين غريب

أحقًا عباد الله أن لست صادرًا ولا واردًا إلا على رقيب

ولا زائرًا فردًا ولا في جماعة من الناس إلا قيل أنت مريب

وهل ريبة في أن تحن نجيبة إلى إلفها أو أن يحن نجيب

وإن الكثيب الفرد من جانب الحمى إلىّ وإن لم آته لحبيب

المعنى: يقول: أي ريبة في حنين المحب إلى حبيبه، وضرب المثل بالإبل لأنها لا تلام إذا نسبت، فكأنه أشار إلى أنه إذا لم تلم النجيبة والنجيب من الإبل في الحنين فالأولى أن لا نلام نحن، يذكر محبته لنزول حبيبه وإن بعد.

لك الله إني واصل ما وصلتني ومثن بما أوليتني ومثيب

لك الله أي لك عهد الله. المعنى يعطيها عهد الله وميثاقه أنه يواصلها ما وصلت ويثني عليها بما فعلت، ويشكرها على ما أولت، ويستعطفها ويصف شدة وجدة بها.

فلا تتركي نفسي شعاعًا فإنها من الوجد قد كادت عليك تذوب

وإني لأستحييك حتى كأنما عليّ بظهر الغيب منك رقيب

البيت كلام مستسلم، وشعاعًا: متفرقة، يعني متفرقة الخواطر، وقلب الحزين كالمتفرق بكثرة وساوسه، وقلب الخلي ساكن مجتمع، وقوله: وإني

لأستحييك حتى كأنما يريد ذكر مراعاته لها وتركه ما تكرهه منه على كل حال حتى كأن عليه رقيبًا من جهتها.

وقال آخر:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

أهابك إجلالاً وما بك قدرة عليّ ولكن ملء عين حبيبها

أي لإجلالك أهابك لا لأنك تقدرين عليّ ومعنى ملء العين أنه لا ينظر إلى غيرها فكأنه يملأ عينه منها، إذا رآها فلا تتفرغ إلى غيرها.

وما هجرتك النفس أنك عندها قليل ولكن قل منها نصيبها

المعنى: يعتذر إليها من إعراضه عنها، ويقول: ليس ذلك لبغض ولكن لقلة الحظ منك.

وقال آخر، إسلامي:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي وللناس أشجان ولي شجن وحدي

أحبكم ما دمت حيًا فإن أمت فواكبدًا ممن يحبكم بعدي

المعنى: يذكر وجده بها ويتحسر لمن يحبها بعده.

وقال أبو حية النميري:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

رمته أناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم

ويروى "رقود الضحى" أناة أي جارية ذات أناة أي متأنية، وإنما وصفها بنؤوم الضحى لأنها مكفية، لها من يخدمها، فهي تنام وقت الضحى، وله معنى آخر هو كل من كان أنعم بدنا وأكثر سمنا كان النوم إليها أشهى.

فجاء كخوط البان لا متتابع ولكن بسيما ذي وقار وميسم

فجاء يعني الفتى الذي رمته الجارية، كخوط البان لا متتابع أي لا متسرع، ولكن بسيما ذي وقار وميسم أي بآثار الوقور والحسن يقول: أصابته الجارية بعينها فتوقر وتجلد وجاء وهو شاب كغصن البان.

فقلن لها سرًا فديناك لا يرح صحيحًا وإن لم تقتليه فالممي

فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم

قوله: واتقت بأحسن موصولين يعني سترت وجهها بكفها ومعصمها، فألممي من اللمم وهو شدة الجنون.

وقالت فلما أفرغت في فؤاده وعينيه منها السحر قلن له قم

فود بجدع الأنف لو أن صحبه تنادوا وقالوا في المناخ له نم

المعنى: يصف ختل الجارية إياه، أغراها صويحباتها حتى بالغت في إصبائه بإلقاء القناع والاتقاء بالكف والمعصم وفتنته في الوقت حتى ود أن يترك معها بجدع الأنف.

وقال آخر، إسلامي:

((الثاني من الطويل والقافية من المتدراك))

نظرت كأني من وراء زجاجة إلى النار من فرط الصبابة أنظر

مجاز هذا البيت كأني من فرط الصبابة أنظر إلى الدار من وراء الزجاجة، يصف كثرة اجتماع الدمع في عينيه حتى حجب بين ناظره وبين ما ينظر إليه، كما تحجب الزجاجة وهذا أملح التشبيهات.

فعيناي طورًا تغرقان من البكا فأغشى وطورًا تحسران فأبصر

أعشى: لا يبصر شيئًا، تحسران أي تكشفان الدمع. المعنى: يصف غلبة الدمع عينيه.

وقال آخر، إسلامي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)

وما شئنا خرفاء واهيتا الكلى سقى بهما ساق فلم يتبللا

بأضيع من عينيك للدمع كلما توهمت ربعًا أو تذكرت منزلاً

الشنة: القربة البالية، بأضيع من عينيك يعني بأشد إضاعة، وقوله: كلما

توهمت ربعًا أو تذكرت منزلاً يعني للحبيب، وفيه حذف يعني بأضيع للماء من عينيك للدمع، وواهية الكلي يريد به من عيب السقاء، وجعله خرقاء لا رفق لها بالخرز ولا تمسك الماء. المعنى يقول: عيناك أسرع هملانًا إذا توهمت ربع حبيبك من سقائي خلق منخرقين من خرز امرأة غير بصيرة بالخرز إذ جعل فيهما الماء.

وقال أبو الشيص الخزاعي، الشيص: التمر الرديء، الواحدة شيطة. وقد أشاصت النخلة إذا أثمرت الشيص.

(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم

أجد الملامة في هواك لذيذةحبًا لذكرك فليلمني اللوم
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»
أشبهت أعدائي فصرت أحبهمإذ صار حظي منك حظي منهم
للشاعر أبو الحسن الجعفري، اقرأ القصيدة
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرًاما من يهون عليك ممن أكرم
للشاعر ابن الصباغ الجذامي، اقرأ القصيدة

المعنى: يصف أن هواها ملكه فاقتاده إليها، فلا معدل له عنها، ثم وصف قلة مبالاته باللوم فيها بل يحب اللوم فيها لتضمنه ذكرها، ثم ذكر نهاية الموافقة لها بحبه أعداءه لمماثلة حظه منهم حظه منها، ولمجانبه خلافها بإذلاله نفسه لها.

وقال آخر، إسلامي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ولا غزو إلا ما يحبر سالم بأن بني أستاهها نذروا دمي

لا غرو: لا عجب، ولا يصرف منه فعل، وقوله بأن بني أستاهها نذروا دمي هجاء قبيح يرمي أمهم بالإفضاء وأنها وضعتهم من دبرهالا من قبلها، وسالم المذكور وهو الذي أخبره أنهم نذروا دمه.

وما لي من ذنب إليهم علمته سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي

نعم فاسلمي ثم اسلمي ثم اسلمي ثلاث تحيات وإن لم تكلمي

سرحة: كناية عن جارية. المعنى: يتعجب من وعيدهم إياه فإنه لا يبالي بهم، ويذكر أنه ليس له جرم بتوديعه هواه، نؤدي عنه، ثم أظهر الجرأة عليهم فكرر التحية للسرحة.

وقال خليد مولى العباس بن محمد بن علي بن عبيد الله بن عباس، وخليد هو أبو أبي العميثل وصاحب عبد الله بن طاهر، واسم أبي العميثل عبد الله بن خليد:

(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)

رعاك الله يا سلمى رعاك ودارك باللوى ذات الدكاك

قتلت بفاحم وبذي غروب أخا قوم وما قتلوا أخاك

أما والراقصات بذات عرق ومن صلى بنعمان الأراك

الفاحم: الأسود، وبذي غروب يريد بها الأسنان، أقسم تعظيمًا، ومن صلى بنعمان الأراك يعني الحجاج، ونعمان وادٍ بعرفات.

لقد أضمرت حبك في فؤادي وما أضمرت حبًا من سواك

أريت الأمريك بصرم حبلي مريهم في أحبتهم بذاك

فإن هم طاوعوك فطاوعيهم وإن عاصوك فاعصي من عصاك

عاصوك: أي عصوك المعنى: يقسم بالحجيج وابلهم أنه لا يحب سواها، ثم تلطف لها في عصيان الوشاة.

وقال أبو القمقام الأسدي، والقمقام السيد، وأصله البحر لأنه يجمع الماء، والسيد مجمع الناس:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

اقرأ على الوشل السلام وقل له كل المشارب مذ هجرت ذميم

الوشل ها هنا ماء بعينه، وفي اللغة ماء قليل، وذميم أي مذموم أي لم أحمد مشربًا بعدك.

سقًا لظلك بالعشي وبالضحى وليرد مائك والمياه جميم

الظل لا يحتاج إلى السقي ولكن له غرضًا في ذلك، وكذلك برد مائك كأنه يعني بعض أهل ذلك الماء.

وقال ابن الدمينة:

(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)

وأنت التي كلفتني دلج السرى وجون القطا بالجهلتين جثوم

وأنت التي قطعت قلبي حزازة وقرفت قرح القلب فهو كليم

الجلهتان موضع، وجون القطا سودها، وجثوم جمع جاثم، وقرفت قرح الفؤاد أي قرفت القرح في قلبي فما فيه موضع إلا وفيه جرح، وكليم جريح.

وأنت التي أحفظت قومي فكلهم بعيد الرضا داني الصدود كظيم

أحفظت قومي: أغضبتهم عليّ، لأنهم كانوا يمنعونني عن هواك فكلهم بعيد الرضا داني الصدود لأجلك، لا يكاد يرضى عني. المعنى: يعاتب خلته في سير الليل لأجلها والطير نائمة وفي ايحاشها إياه، ويصف المبالغة في حزنه، ومعاداة قومه إياه لأجلها.

فاجابته أمامة فقالت:

(الوزن ذاته والقافية ذاتها)

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني وأشمت بي من كان فيك يلوم

وأبرزتني للناس ثم تركتني لهم غرضًا أرمي وأنت سليم

فلو أن قولاً يكلم الجسم قد بدا بجسمي من قول الوشاة كلوم

تقول: جعلتني للناس بمنزلة الهدف يرمونني بالسهام وأنت سالم من ذلك، ويكلم يجرح. المعنى: تعاتبه مجيبة بأنه أخلفها وعده، وأشمت بها لوامها، وجعلها شهرة تذكر بما تكره.

وقال المعلوط السعدي، وتروي هذه لجرير بن عطية وأولها:

"إن الذين مضوا بلبك غادروا" وهو المعلوط بن بدل، إسلامي، مفعول من علط البعير إذا وسمه في عرض خده واسم السمة علاط، وجرير حبل يشد في الخطام.

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

إن الظعائن يوم جو سويقة أبكين عند فراقهن عيونًا

غيضن من عبراتهن وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا

بل لو يساعفنا الغيور بداره يومًا لقد مات الهوى وحيينا

غيضن نقضن واحتلن في ردها، وربما رددن بأناملهن، والغيور الزوج ومن يغار على المرأة، وداره موضع. المعنى: يصف سؤال الجواري عن حاله عند المفارقة وإخفاءهن دموعهن، وتمنى مساعدته أهلها بقربها ليذهب وجده، ويحيا قلبه.

وقال جميل بن عبد الله بن معمر العذري:

(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)

وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك وامق

المعنى: يقول: لم آت في هواك ريبة أعير بها فإذا عابني الوشاة لم يعيبوني إلا بأني عاشق.

نعم صدق الواشون أنت كريمة علينا وإن لم تصف منك الخلائق

المعنى يقول: قد صدق الواشون أني أحبك وإن كنت شرسة الأخلاق، ويروى أن جميلاً حين حضرته الوفاة حلف أنه لم يمس بثينة بما لا يرضاه الله ﷿ وذلك قوله: "سوى أن يقولوا إنني لم وامق".

وقالآخر:

(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)

وإذا عتبت على بت كأنني بالليل مختلس الرقاد سليم

ولقد أردت الصبر عنك فعاقني علق بقلبي من هواك قديم

يبقى على حدث الزمان وريبه وعلى جفائك إنه لكريم

يبقى على حدث الزمان، يبقى راجع إلى علق عاقني علق يبقى على تصرف الزمان وعلى جفائك، ثم مدحه، فقال إنه لكريم لا يفارقنا. المعنى: يصف قلقه لعتبها وعجزه عن الصبر عنها، ويصف هواه بكرم العهد، والبقاء على ضروب الجفوة.

وقال آخر، وهو مزاحم العقيلي:

(الثاني عن الطويل والقافية من المتدارك)

وما برح الواشون حتى ارتموا بنا وحتى قلوب عن قلوب صوادف

وحتى رأينا أحسن الوصل بيننا مساكنة لا يقرف الشر قارف

ارتموا أي رموا موضعًا، ورموا بها موضعًا يعني فرقوا بيننا، صوادف معرضة، صدف أعرض، مساكتة يسكت بعضنا عن بعض، لا يقرف الشر قارف تفسير المساكتة. المعنى يشكو تفريق الوشاة إباهما، وإفساد قلبها عليه، حتى أحوجا إلى أن يسكت كل واحد منهما عن صاحبه.

وقال آخر:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

فإن ترجع الأيام بيني وبينها بذي الأثل صيفًا مثل صيفي ومربعي

أشد بأعناق النوى بعد هذه مرائر إن جاذبتها لم تقطع

ذو الاثل: موضع. وبعد هذه أي بعد هذه الكرة، ومن روى "بعد هدأة" أي بعد ساعة من الليل، ومرائر حبالاً، واحدتها مريرة، إن جاذبتها يعني النوى لم تتقطع. المعنى: هذا رجل ندم على مفارقة هواه وتضمن إن ردته الأيام إليه استمسك بقربه ولم يفارقه.

وقال كلثوم بن صعب:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

دعا داعيًا بين فمن كان باكيًا معي من فراق الحي فليأتني غدا

فليت غدًا يوم سواه وما بقىمن الدهر ليل يحبس الناس سرمدا

داعيًا بين: غرابان. المعنى: أخبر بارتحال الأحبة غدًا فانزعج مع ذلك، وتمنى أن غدًا لا يأتي، ويكون ما بقي من الدهر ليلة لئلا يرتحلوا.

لتبك غرانيق الشباب فإنني اخال غدًا من فرقة الحي موعدًا

الغرانيق جمع الغرانق وهو الشاب، المعنى يستبكي الشباب على نفسه لأنه شاب مثلهم، ويظهر الجزع من فراقهم.

وقال آخر:

(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)

ألمم على دمن تقادم عهدها بالجزع واستلب الزمان جمالها

دمن جمع دمنة، وهي آثار الديار، وألمم أي انزل، ويروى "حلالها" جمع حلة.

رسم لقائلة الغرانق ما به إلا الوحوش خلت له وخلا لها

ظلت تسائل بالمتيم أهله وهي التي فعلت به أفعالها

المعنى: يستنزل صاحبه بدار حبيبته وقد ارتحلت عنها، وأوحشت بمفارقتها، ودل على حسن أهلها، وذكر تهزؤ الجارية بسؤالها أهله عنه، مع علمها بما صار له منها.

وقال زياد بن حمل بن سعيد بن عمير بن حريث، ويقال: زياد بن منقذ، وهو أحد بلعدوية من تميم، وأتى اليمن فنزع إلى وطنه:

((الأول من البسيط والقافية من المتراكب)

لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ولا شعوب هوى مني ولا نقم

صنعاء وشعوب: بلدان ويروى "ولا هبوب" وروى الديمرتي "ولا بفم"

بالباء مفتوحة، وروى البرقي بالنون والقاف مضمومين وهذا أصح.

ولن أحب بلادًا قد رأيت بها عنسًا ولا بلدًا حلت به قدم

عنس، بالنون، قبيلة من اليمن من مذحج، رهط عمار بن ياسر، وكان منهم الأسود بن كعب العنسي، ومن روى بالباء فقد صحف لأنه لم يرد عبس بن بغيض، وقدم بفتح القاف والدال وهو غلط، وإنما هو قدم مثل زفر وهو حي من العرب.

إذا سقى الله أرضًا صوب غادية فلا سقاهن إلا النار تضطرم

وحبذا حين تمسي الريح باردة وادي أشي وفتيان به هضم

إنما قال: حين تمسي الريح باردة لأن القحط في الشتاء، فأراد أنهم يطعمون فيه. المعنى: هذا رجل قد غاب من بلده وحل ببلاد اليمن فاجتواها فدعا عليها بالحريق واشتاق إلى وطنه فمدحه وأثنى عليه.

الحاملون إذا ما جر غيرهم على العشيرة والكافون ما جرموا

ويروى "الواسعون إذا ما جر غيرهم" أي يبذلون إذا جنى غيرهم ما يرضى به الخصم، وإن جنوا هم لم يلزموا قومهم تلك الجناية وتحملوها في مالهم ويكفون ذلك.

والمطعمون إذا هبت شامية وباكر الحي من صرادها صرم

شامية يعني الشمال وهي أشد الرياح بردًا، والصراد غيم رقيق معه برد شديد وصرم قطع من الإبل واحدها صرمة شبه هذا الشاعر قطع السحاب بصرم الإبل.

وشتوة فللوا أنياب لزبتها عنهم إذا كلحت أنيابها الأزم

فللوا: كسروا، واللزبة: الضيق والشدة وكلحت أجدبت، وكلحت كسرت. المعنى يمدحهم بتحمل جنايات غيرهم وتركهم إلزام العشيرة جناياتهم، ويصفهم بالجود والشجاعة.

هم البحور عطاء حين تسألهم وفي اللقاء إذا تلقاهم بهم

البهم: جمع بهمة وهو الرجل الشجاع، شبهه بالصخر الأملس لشدته ونجدته.

وهم إذا الخيل حالوا في كواثبها فوارس الخيل لا ميل ولا قزم

الكواثب: جمع كاثبة وهو من الفرس قدام القربوس، ومن البعير الكاهل، وحال في متن فرسه إذا ركبها بخفة حولاً، والميل جمع أميل وهو الذي لا يثيت على الفرس، والقزم: الضعاف من الناس، ورجل قزم وقوم قزم، المعنى: يصفهم بالفروسية.

لم ألق بعدهم حيًا فأخبرهم إلا يزيدهم حبًا إلى هم

يقول لم ألق بعدهم أحدًا فاختبرته، وعرفت حاله إلا ازداد حبًا إلى لإيفائهم عليّ ضرًا وفضلاً.

كم فيهم من فتى حلو شمائله جم الرماد إذا ما أخمد البرم

جم الرماد: كثير الرماد، لأنه يطبخ للأضياف، فيكثر الرماد، والبرم: البخيل الذي لا يدخل مع القوم في الميسر فيخمد ناره كي لا يهتدي إليه. المعنى: يذكر من فيهم ممن يرجع إلى حسن الخلق وإكرام الضيف.

تحب زوجات أقوام حلائله إذا الأنوف امترى مكنونها الشبم

ترى الأرامل والهلاك تتبعه يستن منه عليهم وابل رذم

امترى: استخرج، والشبم البرد، يعني ماء الأنف من البرد، ويستن يجيء على سنن، والرذم السائل، يصفه بكثرة الخير وتحقيق مال الأرامل والضعفاء إذا قصدوه، ويريد بالهلاك هنا الفقراء.

كان أصحابه بالقفر يمطرهم من مستحير غزير صوبه ديم

غمر الندى لا يبيت الحق يثمده إلا غدا وهو سامي الطرف يبتسم

المستحير: الغيث الثابت، لا يبيت الحق يثمده أي لا يجعله مثمودًا، يعني لا يقلل ماله، ويلح عليه بجهده، إلا وهو سامي الطرف مبتسم إلى المكارم، ومثمود من الثمد وهو الماء القليل.

إلى المكارم يبينها ويعمرها حتى ينال أمورًا دونها قحم

تشقى به كل مرباع مودعه عرفاء بشتو عليها تامك شنم

أموراً دونها قحم أمورًا صعابًا شدادًا، المرباع: الناقة التي من عادتها أن تنتج في أيام الربيع، مودعة: مرهفة فلا تركب لنفاستها، عرفاء: غليظة موضع العرف يريد العنق، وقيل العرفاء الطويلة السنام، المعنى: يصفه بكثرة العطاء ودوامه وأنه إن جهد العطاء ماله لا يكتئب لذلك، ولكن يرتاح، ويصفه بنحر كرائم الإبل، وقرى الأضياف والأسباغ عليهم.

ترى الجفان من الشيزى مكللة قدامه زانها التشريف والكرم

ينوبها الناس أفواجًا إذا نهلوا علوا كما عل بعد النهلة النعم

الجفان جمع جفنة، والأفواج جمع فوج وهو الطائفة من الناس، والنهل: الشرب الأول، والعلل: الشرب الثاني.

زارت رويقة شعثًا بعدما هجعوا لدى نواحل في أرساغها الخدم

رويقة: اسم امرأة، وشعثًا يعني قومًا قد شعثوا من طول السفر، يعني جاء خيال رويقة ليلاً بعد النوم لدى نواحل يعني إبلاً قد نحلت وهزلت، وفي أرساغها الخدم، يزعم أنها حفيت فشد في أرساغها نعالها.

وقمت للزور مرتاعًا فأرقني فقلت أهي سرت أم عادني حلم

فكان عهدي بها والمشي يبهظها من القرب ومنها النوم والسأم

وبالتكاليف تأتي بيت جارتها تمشي الهوينى وما تبدو لها قدم

يعني بالزور الخيال، والتكاليف المشقة، يعني كان عهدي بها أنها كانت تأتي بيت جارتها بالمشقة فكيف قطعت المسافة البعيدة.

سود ذوائبها بيض ترائبها درم مرافقها في خلقها عمم

مرفق درم إذا لم يكن له حجم لاكتنازه باللحم، في خلقها عمم أي طول.

المعنى: يصف ورود خيال من يهواها ومناظراته إياها، ووصفها بسواد الشعر وبياض الصدر وامتلاء العضد وكمال الحسن.

روبق إني وما حج الحجيج له وما أهل بجنبي نخلة الحرم

لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم عيش سلوت به عنكم ولا قدم

ولم تشاركك عندي بعد غانية لا والذي أصبحت عندي له نعم

الحرم: جمع الحرام، لا والذي: يريد به الله تعالى عزه. المعنى: يقسم بالله تعالى وبالبيت أنه مذ فارقها لم ينسها شيء ولا تسلى عنها لطول الوقت ولا أحب معها غيرها.

متى أمر على الشقراء معتسفًا خل النقا بمروح لحمها زيم

الشقراء بلد، معتسفًا على غير قصد، خل النقا: موضع، ونصبه مفعولاً به

بمعتسف، وبمروح أي ناقة نشيطة تمرح في السير، وقيل أراد بمروح فرسًا، وزيم: مكتنز غليظ.

والوشم قد خرجت منه وقابلها من الثنايا التي لم أقلها ثرم

الوشم: بلد ذو نخل دون اليمامة، وخرجت يعني الناقة أو الفرس من الوشم، وقابلها من الثنايا ثرم اسم ثنية، مجازه وقابل الناقة ثرم من الثنايا، وقوله لم أقلها يريد لم أبغضها، والثنايا: الطرق في الجبال. المعنى: يتمنى ورود خل النقاراكبًا، والنظر إلى بلاده.

يا ليت شعري عن جنبي مكسحة وحيث تبنى من الحناءة الأطم

مكسحة: موضع، والحناءة رمل، وهمزتها أصلية، والأطم: الحصن وجمعه آطام.

عن الأشاءة هل زالت مخارمها وهل تغير من آرامها إرم

وجنة ما يذم الدهر حاضرها جبارها بالندى والحمل محتزم

ما يذم الدهر حاضرها لأنهم يقرون منها، والجبار: ما فات اليد من النخل يصف طول النخل، وقوله: "بالندى والحمل محتزم" أراد بالندى أهله أي أهله محيطون به. وسماهم الندى لأنهم ذوو الندى، والأول أجود لأنه يدل على الخصب والري، وهذا يدل على قلة النخل وعزته.

فيها عقائل أمثال الدمى خرد لم يغذهن شقا عيش ولا يتم

أي في الجنة كرائم خيار، وقد قيل: أراد النخل وشبهه بالنساء، والأول أصح لقوله بعده "لم يغذهن شقا عيش ولا يتم" والشقا مصدر يمد ويقصر، واليتم مصدر اليتيم.

ينتابهن كرام ما يذمهم جار غريب ولا يؤذي لهم حشم

أي ينتاب هؤلاء العقائل قوم كرام، ما يذمهم جار غريب لأنهم يحسنون قراه، ويكرمون مثواه، فلا يؤذي لهم حشم من عزهم. [وحشم الرجل: أتباعه ومن يلزمه أن يغضب لهم].

مخدمون ثقال في مجالسهم وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم

أراد بالثقال الرزان أي عليهم سكينة الوقار والحلم، وفي الرحال إذا صاحبتهم خدم يريد أنهم يخدمون من صاحبهم في السفر لكرمهم. المعنى: يتمنى العلم بأحوال بلاده. ويصف خصبها، ويذكر بالكرم والسيادة أهلها.

بل ليت شعري متى اغدو تعارضني جرداء سابحة أو سابح قدم

نحو الأميلح أو سمنان مبتكرًا بفتية فيهم المرار والحكم

قدم متقدم يوصف به الذكر والأنثى، والأميلح: ماء بيني ربيعة وسمنان بفتح السين، من ديارهم، والمرار والحكم رجلان من حية.

ليست عليهم إذا يغدون أردية إلا جياد قسي النبع واللجم

قوله: ليست عليهم إذا يغدون أردية ... البيت، يريد أنهم كانوا يضعون اللجم على عواتقهم إذا ابتكروا من منازلهم فيأتون خيلهم فيلجمونها.

من غير عدم ولكن من تبذلهم للصيد حين يصيد القانص اللحم

ويروى "يصيح" أي يستمع الصوت، وأصاخ وبمعنى واحد، واللحم المشتهي للحم.

فيفزعون إلى جرد مسحجة أفنى دوابرهن الركض والأكم

أي ينفرون إلى خيل جرد، ومسحجة فسرها بقوله: أفنى دوابرهن الركض والأكم، وأصل السحج القشر، والدوابر: مآخير الحافر.

يرضحم صم الحصا في كل هاجرة كما تصايح عن مرضاحه العجم

المعنى: يصف شدة عدون وصلابة خوافرهن يقول: إذا وقعت حوافرها على صلاب الحجر بدت عنها فكأنها ترميه، ويروى "يضرحن" أي يبعدن.

والمضرح: الإبعاد. وتصايح: أي تطاير، وكل شيء تصدع أو تشقق فقد تصيح، شبه تطاير الحصى تحت الحوافر بتطاير النوى تحت المدق.

يغدو أمامهم في كل مربأة طلاع أنجدة في كشحه هضم

المربأة المرقبة، وهو الموضع الذي يربأ فيه، وأنجدة جمع نجد، وأراد بطلاع أنجدة أنه ركاب الأمور العام، خراج منها، وقوله: في كشحه هضم أي في خصره رقة، يتمنى كونه في دياره، وركوبه مع أصحابه.

وقال عمرو بن ضبيعة الرفاشي، إسلامي:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

تضيق جفون العين عن عبراتها فتسفحها بعد التجلد والصبر

وغصة صدر أظهرتها فرفهت حزازة حر في الجوانح والصدر

فتسفحها: تصبها. المعنى: يصف كثرة الدمع وكرب الصدر وأن البكاء خفف من وجده.

ألا ليقل من شاء ما شاء أما يلام الفتى فيما استطاع من الأمر

قضى الله حب المالكية فاصطبر عليه فقد تجري الأمور على قدر

المعنى: يعترف بالعجز ويستسلم للقضاء.

وقالت وجيهة بنت أوس الضبية، إسلامية:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

وعاذلة تغدو علي تلومني على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي

فما لي إن أحببت أرض عشيرتي وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنب

المعنى: تشكو لأئمة لامتها على الشوق، ثم احتجت على نفسها فقالت: وما لي من ذنب إن أحببت أرض قومي.

فلو أن ريحًا بلغت وحي مرسل حفي لنا جيت الجنوب على النقب

حفي مبالغ في الأمر، وروي بالخاء وهو تصحيف، لناجيت الجنوب أي ساررتها وحملتها رسالة إلى من أحبه، والنقب طريق بين الجبلين.

فقلت لها أدى إليهم تحيتي ولا تخلطيها طال سعدك بالترب

فإني إذا هبت شمالاً سألتها هل ازداد صداح النميرة من قرب

لا تخلطيها بالترب أي لا تذليها، والنميرة موضع، وصداح النميرة قالوا: هو الديك، إنه ما من قرية إلا وفيها ديك، وقيل: صداح النميرة أهلها لأن الصدح الصوت، وقيل: هو حادي إبلها، وقال بعض من لا يوثق بعلمه هو موضع. المعنى: تتمنى إبلاغ الريح رسالتها إلى من تهواهم.

وقال مرداس بن همام الطائي:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

هويتك حتى كاد يقتلني الهوى وزرتك حتى لامني كل صاحب

وحتى رأى مني أدانيك رقة عليهم ولولا أنت ما لان جانبي

قوله: وحتى رأى مني. البيت أي خضعت لهم، وذللت ولولاك لم أفعل. المعنى: يصف اشتداد الهوى به وإفراطه في زيارتها، وانقياده لأهلها بسببها، ولولا حبه إياها ما انقاد لهم.

ألا حبذا لومًا الحياء وربما منحت الهوى من ليس بالمتقارب

بأهلي ظباء من ربيعة عامر عذاب الثنايا مشرفات الحقائب

كأنه قال: حبذا ظباء افديهن بأهلي، منحت أي أحببت من لا ينصفني ولا مطمع فيه، والحقائب الأعجاز. المعنى يقول: حبذا ما أعمل في هواك لولا الحياء، وقد أحببت من لا ينصفني، ثم فدى نساء ربيعة بأهله ووصفهن بعذوبة الريق وعظم العجز.

وقال بعض بني أشد، إسلامي:

(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)

تبعت الهوى يا طيب حتى كأنني من أجلك مضروس الجرير قؤود

مضروس الجرير أي بعير ضرسه الجرير، والضرب في الجرير أن يلوي عليه قد أو وتر ثم يفقر أنف البعير، أي تحز قصبة الأنف فيوضع ذلك الموضع من الجرير عليه، والقؤود الذي ينقاد بغير صعوبة.

تعجرف دهرًا ثم قاود أهله فصرفه الرواد حيث تريد

ويروى "حيث يرود" والعجرفة: الاقدام في هوج، وتعجرف ركب رأسه، ومعنى يرود يجيء ويذهب. المعنى: يصف انقياده للهوى بعد امتناعه فيه وشبه حاله ببعير مضروس الجرير، لا يأبي على قائده، فهو في نهاية الذل بعدما كان صعبًا، راكبًا رأسه.

وإن ذياد الحب عنك وقد بدت لعيني آيات الهوى لشديد

المعنى: يعترف بالعجز عن منع حبها عن قلبه، بعدما رأى محاسنها.

ما كل ما في النفس للناس مظهر ولا كل ما لا تستطيع تذوذ

وإني لأرجو الوصل منك كما رجا صدى الجوف مرتادًا كداه صلود

صدى الجوف: عطشان، والكدي جمع كدية وهو شيء بين الحجارة والطين لا يعمل فيه المعول، صلود لا يندى ولا يخرج منه شيء. المعنى يقول: لا مطمع لي فيك يا طيبة كما لا مطمع للعطشان إذا حفر في الكدي.

فكيف طلابي وصل من لو سألته قذى العين لم يطلب وذاك زهيد

أطلب: أحوج إلى الطلب، وأطلب أعطي الطلبة، وزهيد قليل، والمزهد: القليل المال، المعنى: يؤيس نفسه من وصلها لأنها لا تسعفه بما لا خطر له فكيف تسعفه بنفسها.

ومن لو رأى نفسي تسيل لقال لي أراك صحيحًا والفؤاد جليد

المعنى يقول: أنها لا تشفق عليه فلو رأت روحه سائلة لنسبته إلى الصحة.

فيا أيها الريم المحلى لبانه بكرمين كرمي فضة وفريد

المحلى لبانه: أي المزين صدره بكرمين: بقلادتين، والفريد الدر، وفي البيت أقواء ومن الناس من يرويه بإزالة الأقواء فينشده كرمي فضة وفريد" أي فيها فريد وهذا بعيد، ويروي "كرما فضة وفريد"، ومن الناس من يشتبه عليه هذا الوجه فيغير وينشد "كرم فضة وفريد" وهذا لو روي كان حسنًا، ولكن الشعر رواية لا يحسن تغييرها، وأكثر الأشعار يمكن تغييرها عما قيل ابتداء، فلو ساغ هذا الوجه لم يحتج إلى الرواية.

أجدك لا أمسي برمان خاليًا وغضور إلا قيل أين تريد

رمان موضع، وغضور: ماء لطييء. المعنى: يشكو إليها تعرض الرقباء، ويروى "لا أمشي".

وقال رجل من بني الحارث، إسلامي:

(الأول من الطويل والقافية متواتر)

مني إن تكن حقًا تكن أحسن المنى وإلا فقد عشنا بها زمنًا رغدًا

رغدًا أي واسعًا، وكانوا يرددون الاسم في بيت واحد إما لغرض وإما تأنسًا بها، وتفخيمًا لها أو تذكيرًا لها.

أماني من سعدي حسان كأنما سقتك بها سعدي على ظمأ بردًا

على ظمأ بردًا أي ماء باردًا. المعنى: هذا الرجل يتلذذ بالمنى، ويشبه مواعيد الحبيب بالماء البارد عند العطش.

وقال بعض الأعراب؟:

(الثاني من الصويل والقافية من المتدارك)

وخبرت سوداء القرون مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها

ويروى "سوداء القلوب" وسوداء القلوب تنصبها لأن خبرت يقتضي ثلاثة

مفعولين، فالأول التاء والثاني سوداء والثالث مريضة، قال الديمرتي جعلها سوداء القلوب لقساوة قلبها، وإنما جمع فقال القلوب لأنه يريد ما اتصل بالقلب وهو ما حواليه، كما يقال: فلان لبن الأجياد وعظيم المناكب، وقيل: سوداء القلوب كان اسمها فأضافها إلى القلوب لتعلق القلوب بها، كما قال ابن الدمينة:

قفي يا أميم القلب نقض تحية ونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لك

وهذا وجه حسن، وقيل: إنه جعلها سوداء القلوب أي محبوبة فمحلها أوساط قلوب الناس.

فوالله ما أدرى إذا أنا جئتها أوبرئها من دائها أم أزيدها

المعنى: يصف قصده عيادة من يهواه، ويحلف أنه لا يدري أيبرئها من دائها أنسأ بلقائه أم يزيدها في دائها خوفًا من أهلها عليه وشفقة.

وقال بعضهم:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

وإني على هجران بيتك كالذي رأى نهلاً ربًا وليس بناهل

يرى برد ماء ذيد عنه وروضة برود الضحى فينانة بالأصائل

الناهل: الريان هنا، ويكون العطشان في غيرها، وبرود الضحى أي طيبًا

ماؤه قبل الزوال، وفينانة كثيرة الأفنان. المعنى: يعتذر إلى هواه في تركه زيارتها يقول: لم أهجر بيتك مختارًا، وشبه نفسه بالعطشان منع عن ورود الماء فهو يراه باردًا، ويتحسر عليه.

وقال آخر:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

مرًا على أهل الغضا إن بالغضا رقارق لا زرق العيون ولا رمدًا

الغضا هاهنا موضع، وفي اللغة شجر معروف، ورقاق يعني نساء نواعم، وقوله: لا زرق العيون ولا رمدًا أي هن كحل، وقيل: إنه أراد عيون الماء، وليس بجيد لأن الماء يوصف بالزرقة إذا أرادوا صفاءه والرمد جمع أرمد وهو الذي به رمد.

أكاد غداة الجمع أبدى صبابة وقد كنت غلاب الهوى ماضيًا جلدًا\

فلله دري أي نظرة ذي هوى نظرت وأيدي العيس قد نكبت رقدًا

يقربن ما قدامنا من تنوفة ويزددن ممن خلفهن بنا بعدا

المعنى: يستعطف صاحبيه إلى أهل الغضا لأن هوى قلبه فيهم، وذكر سبب الفراق، وجلادته، وتعجب من نظره وقد استقلت الإبل وازدادت بهم بعدًا كل ساعة من أحبابهم.

وقال ابن هرم الكلابي:

(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)

إني على طول التجنب والنوى ووراش أتاها بي وواش لها عندي

لأحسن رم الوصل من أم جعفر بحذ القوافي والمنوقة الجرد

حذ القوافي: هي التي لا تكون مضمنة ببيت آخر قبله، والمنوقة الجرد هي الخيل وهي مفعلة من النيقة وهي إحسان الصنعة.

وأستخبر الأخبار من نحو أرضها وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي

فإن ذكرت فاضت من العين عبرة على لحيتي نثر الجمان من العقد

الجمان: أمثال اللؤلؤ يتخذ من الفضة، الواحدة جمانة، يصف تأتيه في أسباب الهوى وحفظ الوصال مع كثرة الوشاة من الجانبين، ويذكر تعلله بالاستخبار عن خبرها لينذ بذكرها، فإذا ذكرت فاضت دموعه جزعًا وحسرة.

وقال ابن المولى:

(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)

ألا بأبينا جعفر وبأمنانقول إذا الهيجاء سار لواؤها

ولا عيب فيه غير ما خوف قومه على نفسه ألا يطول بقاؤها

ليس البيتان من النسيب في شيء وهما بالحماسة أولى. المعنى: إذا سار لواء

الهيجاء فدينا جعفرًا بأبينا وأمنا، ولا عيب فيه غير الشجاعة، وعبر عن الشجاعة بخوف قومه عليه ألا يطول بقاؤه، ولأنه من ألقى نفسه في الغمرات خيف عليه.

تم باب النسيب

النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح حماسة أبي تمام»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.