من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الهجاء
الهجاء هو الوقيعة في الإنسان، ورميه بالمعايب، وأصله التسكين يقال: هجا جوعه إذا سكن، والشاعر إذا هجا فكأنه إذا رمى الإنسان بالعيوب سكن من إشراقه وقصر منه، وقيل هجا بمعنى فصل فكأنه فصله ومزقه.
وقال موسى بن جابر الحنفي، موسى مفعل من أوسيت الرأس، وجابر من جبرت:
((الأول من الكامل والقافية من المتدارك))
كانت حنيفة لا أبالك مرة عند اللقاء أسنة لا تنكل
لا أبالك اعتراض بالدعاء، ومعناه هلك أبوه، ولا يريدون به الإيقاع.
المعنى يقول: إن بني حنيفة تثبت في الحرب ولا تفر.
فرأت حنيفة ما رأت أشياعها والريح أحيانًا كذاك تحول
المعنى يقول: رأت حنيفة ما رأت أصحابها من الجبن والخور فاقتدت في الهزيمة، وتحولت من عادتها المحمودة، وشبه تحولهم بتحول الريح مرة جنوبًا ومرة شمالاً.
وقال قراد بن حنش الصاردي، قراد واحد القردان، وحنش: حية تنفخ ولا تؤذين والصارد النافق.
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
لقومي أدعى للعلا من عصابة من الناس يا حار بن عمرو تسودها
وأنتم سماء يعجب الناس رزها بآبدة تنجي شديد وئيدها
العصابة: جماعة من الناس، أنتم سماء أي سحاب، رزها يعني صوت رعدها، والآبدة الشديدة، وقوله: تنجي شديد وئيدها أي توحش وتبعد، ويروى "زجل باق".
تقطع أطناب البيوت بحاصب وأكذب شيء برقها ورعودها
فويل لها خيلاً بهاء وشارة إذا لاقت الأعدهاء لولا صدودها
معنى الأبيات الأربعة يقول: نحن أولى بالعلا من قومك لأنه لا غناء عندك، مع تقدير الناس ذلك فيكم، وشبههم بسحاب ذي رعد وبرق وريح عاصف ولا يكون منها مطر، ثم يهزأ بهم، بأن عجب من حسن هيئتهم لولا جبنهم من العدو.
وقال عملس بن عقيل المري، العملس الذئب، إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتواتر))
من مبلغ عني عقيلاً رسالة فإنك من حرب علي كريم
ألا تذكر الأيام إذ أنت واحد وإذ كل ذي قربي إليك مليم
وإذ لا يقيك الناس شيئًا تخافه بأنفسهم إلا الذين تضيم
إذ أنت واحد أي واحد لا نصير لك، ويروى "ألا تعلم الأيام"، وقوله: إذ لا يقيك ... البيت يقول: أتذكر إذ كنت مخذولاً، ولم ينصرك ولم يدفع عنك بنفسه إلا الذين تظلمهم الآن. المعنى: يذكر عقيلاً أيام خذلان الناس إياه، وتحامل أقاربه عليه إلا طائفة منهم، وهو يسيء إليهم لما استقام أمره، ويحسن إلى غيرهم، ويوبخه على ذلك.
أترفع وهي الأبعدين ولم يقم لوهيك بين الأقربين أديم
المعنى: يقول: تصلح أمور الأجانب، وتترك أمور عشيرتك فاسدة وهي أولى بالصلاح.
فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيم
لم يسمع رحيم بمعنى مرحوم في غير هذا البيت. المعنى يقول: إذا اشتدت بك الحرب، وكان عدوك يغلبك رحمناك ودفعنا عنك.
وأما إذا آنت أمنًا ورخوة فإنك للقربى ألد خصوم
المعنى يقول: إذا أنت أمنت وأخصبت عاديت أقاربك، ويصفه بسوء الخلق وعدم الكرم.
وقال أرطاة بن هية يهجو أبا التائب بن البعير المحاربي، إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
تمنت وذاكم من سفاهة رأيها لأهجوها لما هجتني محارب
معاذ الإله أنني بعشيرتيونفسي عن ذاك المقام لراغب
المعنى: يهجو محاربًا بأنه لا يهجوها للؤمهم، وكانوا لا يرون مجاوبة من لا يكافئهم نفعًا عنه، وربما تركوا مفاوضة اللئيم.
وقال زميل بن أبير، وزميل تصغير زمل وهو الضعيف:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
إني امرؤ أطوي لمولاي شرتي إذا أثرت في أخدعيك الأنامل
أي أكف عنه شرتي، وتأثير الأنامل يريد به الصفع، وقيل تأثيره في أخدعيه أنه يخاصم ابن عمه، ويتعلق كل واحد منهما بالآخر وهذا أولى، كأنه يقول: أنا أكف شرتي عن ابن عمي وأنت تخاصمه.
خلقت على خلق الرجال بأعظم خفاف تطوي بينهن المفاصل
تطوي بينهن المفاصل يقول: من قلة لحمي وخفة أعضائي تنثني مفاصلي بين عظامي، والعرب تتمدح بقلة اللحم وتذم السمن.
وقلب جلت عنه الشؤون وإن تشأ يخبرك ظهر الغيب ما أنت فاعل
جلت عنه زالت، وأراد بالشؤون الهموم، وقيل معناه انكشفت عنه الشؤون لذكائه فلا يلتبس عليه شأن، فإذا ظن شيئًا لم يخطئ فيه، وهذا أولى لما بعده.
المعنى: يمدح نفسه بكف الشر وخفة الخلق وذكاء القلب، ويهجو صاحبه بمنازعة ابن العم.
ولست بربل مثلك احتملت به عوان نأت عن فحلها وهي حافل
الربل قد فسر على وجهين: أحدهما أن الربل الضخم، واحتملت به أي حملت بمعنى حبلت، ويروى "احتلمت به" من حلم النوم، عن فحلها أي عن زوجها، وهي حافل يقال ضرع حافل إذا اجتمع اللبن فيه، وأراد ها هنا اجتماع مني الرجل في الرحم، وابن أحلام النيام كناية عن الفجور، يعني جاء ولد الزنا كأنه نام فحلها فزنى بها فحملت وفحلها نائم، وينتسب الولد إلى الفحل وهو لغيره، فلهذا قال ابن أحلام النيام، فالمعنى على هذا التفسير لست ضخمًا مثلك ملت به امرأة بعدت عن زوجها وقد اجتمعت ما شهوتها فقارفت فجورًا فجئت لغير رشدة. والوجه الآخر، ولست بربل مثلك احتملت به حصان نأت عن فحلها وهي حافل، والربل من النبات ما يستغنى عن المطر وينفطر بالندى أو برد الليل، وأراد بالنأي هنا الطلاق فكنى عنه، يقول: ولدتك أمك من غير ذكر كالربل الذي ينبت من غير
مطر، ووصف أمه بالحصن ليؤكد أنه ولد من غير والد كبيضة التراب، وذكر أن أمه طلقت وهي حائض توكيدًا لذلك لئلا يلحق بالرجل الذي كانت أمه تحته، والمراد أنه ليس له أصل ولا أب ينسب إليه.
فجئت ابن أحلام النيام ولم تجد لصهرك إلا نفسها من تباعل
معنى هذا البيت قد تقدم أكثره في شرح قوله: "ولست بربل" وقوله: ولم تجد لصهرك، أي لم تجد أنت إلا نفس أمك من تناكحه وتباعله لأنه لا يناكحك أحد لخساستك وعدم نسبك، المعنى: يقول: لا أصل له ولا نسب.
وقال زميل لخارجة بن ضرار المري:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
أخارج هلاً إذ سفهت عشيرة كفنت لسان السوء أن يتدعرا
سفهت عشيرة أي جهلت حقهم عليك، والتدعر سوء الخلق من العود الدعر وهو الكثير الدخان، ومنه الدعارةن ورجل داعر خبيث مؤذ.
وهل كنت إلا حوتكيًا ألاقه بنو عمه حتى بغى وتجبرا
الحوتكي: القصير الميم، ألاقه: ألزقه وخلطه بأنفسهم. المعنى: يهجوه بالدمامة والضآلة، وأنه لما قبل وأحسن إليه تكبر، ووبخه على بذاءة لسانه.
فإنك واستضاعك الشعر نحونا كمستضيع تمرًا إلى أهل خيبرا
المعنى: يجهله في تشبيه الشعر فيهم، ويقول: نحن معدن الشعر، ومنا يؤخذ كما أن خيبر معدن التمر، فقد أخطأت في قيلك الشعر فينا والمثل الأشهر كمستبضع التمر إلى هجر".
وقال عمارة بن عقيل، إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتراكب))
بني منقذ لا آمن الله خوفكم وزادكم ذلاً ورقة جانب
فمن يرتجيكم بعد نائلة التي دعت ويلها لما رأت ثأر غالب
أي جعل الله خوفكم أمنًا، ورقة جانب ضعفًا، ونائلة اسم امرأة قتل أباها وأخاها قاتل فدعت بالويل فلم يغيثوها فرأت القاتل تزوج منها، فهذا معنى تقوله دعت ويلها نائلة.
دعته وفي أثوابها من دمائها خليطًا دم من ثوبه غير ذاهب
يعني: وفي أثواب زوجها خليطًا دم: دم العذرة ودم القتل غير ذاهب، ويروى "مهراقه غير ذاهب" والعرب تقول: دم فلان في ثوب فلان إذا كان قاتله. المعنى: يرميهم بالخور وقلة الحمية، والقعود عن طلب الثأر.
وقال طرفة بن العبد، جاهلي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتواتر))
وفرق عن بيتيك سعد بن مالك وعمرًا وعوفًا ما تشي وتقول
وأنت على الأدنى شمال عرية شامية تروي الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبًا غير قرة تذاءب منها مرزغ ومسيل
عرية: باردة، شامية تأتي من جهة الشام، تذاءب منها أي جاء من كل وجه، مرزغ ومسيل: أي مطر يرزغ الأرض ويسيل السيل، والرزغة: الوحل القليل. المعنى يذمه يقول: أنت مسيء إلى الأقارب محسن إلى الأباعد كالصبا. تسوق السحاب من كل وجه ويمطر حتى يكثر المطر ويكون منه الوحل.
وأعلم علمًا ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
يقول: أنت تجفو أبناء أعمامك، وكل ما لحقهم فقد لحقك، فإنما الناس بمواليهم.
وإن لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل
أي عقل وثبات في الأمور ورزانة، ومنه الحصا لصلابتها وثباتها، والعورات العيوب، يضع منه. المعنى: إذا لم يكن الرجل عاقلاً دل لسانه على عيوبه.
وقال بشر بن أبي جذيمة بن الحكم بن مروان بن زنباع بن جذيمة العيسي:
((الثالث من الطويل والقافية من المتواتر))
أتخطر للأشراف يا قرد حذيم وهل يستعد القرد للخطران
الخطران: تحريك الفحل الذنب، وقد سمى من هجاه قردًا، وقال: لم تحرك ذنبك للأشراف أي لم تروم مصاولتهم وأنت بمنزلة الفرد.
أبى قصر الأذناب أن تخطروا بها ولؤم بني قرد بكل مكان
لقد سمنت قعدانكم آل حذيم وأحسابكم في الحي غير سمان
بنو قرد نبزوا به، والقعدان جمع قعود، وهو الذي يتخذ مركبًا. المعنى: يصفه بالخسة، ويشبهه بالقرد، ويستقصره عن مساواة أهل الكرم، ويصف قومه بإكرام المال وإضاعة حقوق الضيف والجار.
وقال فرعان بن الأعرف في منازل ابنه، إسلامي:
((الثاني من الطويل والقافية من المتواتر))
جزت رحم بيني وبين منازل جزاء كما يستنزل الدين طالبه
تربيته حتى إذا آض شيظمًا يكاد يساوي غارب الفحل غاربه
تغمد حقي ظالمًا ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه
منازل ابن هذا الشاعر، تربيته ربيته ويروى "لربيته" وآض شيظمًا أي صار جسيمصا، ولوى يدي أي ثناها. المعنى: يستجزي الرحم ولده على ما كان منه إليه، ثم شرح ذلك وذكر أنه رباه حتى إذا تم شبابه وقامته وضعف أبوه وكل بصره جاز ماله ولوى يده، ثم سأل الله تعالى أن يكافئه عن لي يده بمثل ذلك.
ويروى أن عمر بن الخطاب ﵁ مر برجل ملوي اليد فقال له عمر: ما بال يدك ملوية؟ قال: كان لي أب كثير المال في الجاهلية فسألته ماله فأبى فلما كبر لويت يده وانتزعت عنه ماله فدعا علي بهذا الشعر فأصبحت يا أمير المؤمنين ملوي اليد فقال عمر ﵁ هذا دعاء الأباء في الجاهلية فكيف في الإسلام.
وقال عارق الطائي يهجو المناذرة، العارق من عرق العظم إذا أخذ ما عليه من اللحم.
((الثاني من الكامل والقافية من المتواتر))
والله لو كان ابن جفنة جاركم لكسا الوجوه غضاضة وهوانا
وسلاسلاً يثنين في أعناقكم وإذا لقطع منكم الأقرانا
الجار هنا المجير، ولقطع منكم الأقران أي فرق بينكم أسرًا وقتلاً، والأقران الحبال واحده قرن.
ولكان عادته على جاراته مسكًا وريطًا رادعًا وجفانا
أي كان يخلو بنسائكم ويعطيهن مسكًا وربطًا رادعًا أي مصبوغًا وجفانًا، أراد أعطاهن طعامًا. المعنى: يهجو ابن جفنة ويقول: لو كان جاركم لأهانكم وأفناكم قتلاً وأسرًا وخلا بنسائكم وأعطاهن ما تطيب نفوسهن عنكم به.
وقال آخر لبني أسد، وهو مساور بن قيس، إسلامي:
((الأول من الوافر والقافية من المتواتر))
زعمتم أن إخوتكم قريش لهم الف وليس لكم الاف
أولئك أومنوا جوعًا وخوفًا وقد جاعت بنو أسد وخافوا
الإلف والإلاف في الأصل واحد، وهو الجمع بين الشيئين، والإلاف: مصدر من المؤالفة، أولئك يعني قريشًا أومنوا جوعًا وخوفًا. المعنى: يهجو بني أسد يقول: زعمتم أنكم مثل قريش فكيف تكونون مثلهم ولهم تجارة الشام واليمن وليس لكم، وقد أمنوا الجوع والخوف وأنتم جياع خائفون، يرميهم بالذلة.
وقال آخر، وهو قعنب بن أم صاحب:
((الأول من البسيط والقافية من المتراكب))
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا مني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا
جهلاً على وجبنا عن عدوهم لبئست الخلتان الجهل والجبن
طاروا بها أي طيروها أي أسرعوا نشرها. المعنى: يستزيدهم بأنهم ينشرون ما سمعوا عنه من المساوئ، ويخفون ما يبلغهم منه من المحاسن، ويكرهون سماع الخير فيهم، ويعجبهم ذكرهم بالشر، يرميهم بالجهل عليه والجبن من عدوهم.
وقال منصور بن مسجاح الضبي:
ثأرت ركاب العير منهم بهجمة صفايا ولا بقيا لمن هو ثائر
يريد بالعير الرئيس، والهجمة: القطيع من الإبل، وصفايا جمع صفي وهي الغزيرة اللبن، وقوله: لا وبقيا لمن هو ثائر [أي طالب الثأر لا يبقى على ثأره إذا وجده].
من الصهب أثناء وجذعًا كأنها عذارى عليها شارة ومعاصر
أثناء: جمع ثني، عليها شارة أي هيئة، ومعاصر جمع معصر، وهي التي دنت من أن تحيض في خير أوقاتها، المعنى يقول: لما أغاروا على إبل رئيسنا أدركت ثأرها فأغرت على هجمة لهم غزار اللبن، وبين لونها وسنها وحسنها، ثم قال: طالب الثأر لا يبقى على ثأره إذا تمكن منه، يعني سقت الإبل لما وجدتها ولم أعرج على شيء.
فإن نلق من سعد هنات فإننا نكاثر أقوامًا بهم ونفاخر
لقد كان فيكم لو وفيتم لجاركم لحي ورقاب عردة ومناخر
الهنات: أمور تؤذي، واللحى جمع لحية، وعردة غلاظ شداد، يقول: لم تكونوا صبيانًا بل أنتم أصحاب لحى، وكانت فيكم مناخر أي مواضع الحمية لو حميتم ووفيتم لجاركم. المعنى: يقول: إن كانت بيننا وبين سعد دفائن شحناء فإننا إذا جاءت الأمور العظام، وحقت الحقائق كنا يدًا واحدة، ثم عابهم في خذلان الجار.
وقال جواس بن نعيم الضبي لامرأة من بني عائذة بن مالك، وجواس فعال من جاس يجوس إذا وطئ البلاد وقتل أهلها، ونعيم تصغير نعم:
((الثالث من الطويل والقافية من المتواتر))
والله ما أخشى حكيمًا ورهطه ولكنما يخشى أباك حكيم
وروى البرقي في الرواية الصحيحة مكان "ولكنما يخشى أباك حكيمولكنما يهواك أنت حكيم" ويروى "ولكنما يهوى أباك حكيم" قال جعل حكيمًا عاهرًا، رماها به، هذا إذا قلت "يهواك أنت حكيم" ولو قلت "ولكنما يخشى أباك حكيم" فمعناه لأنه منك بسبيل.
وجدت أباك تابعًا فتبعته وأنت لعهار الرجال لزوم
تابعًا: أي يتبع الناس لذله وهوانه، ولزوم: دائمة اللزوم. المعنى: يرميها بمتابعة الزناة وملازمتهم، ولم يجعل لها من القدر ما يتبعها الزناة، ويرميها بحكيم ويذكر جبن أبيها.
على كل وجه عائذي دمامة يوافي بها الأحياء حين يقوم
الدمامة القبح، حين يقوم في مجالس الملوك ومواسم العرب، وإنما خص هذه المواضع لأن الناس يتزينون لها. المعنى: يهجوهم بقبح الوجه في مواضع التزين والتحسن.
وأورثهم شر التراث أبوهم قماءة جسم والرواء ذميم.
القماءة: الصغر والقصر، والرواء الوجه هاهنا، ويروى دميم وذميم والثاني أولى لأن الدمامة قد ذكرها من قبل. المعنى: يهجوهم بقباحة الوجه وحقارة الجسم عن أصل موروث يشمل القبح أسلافهم.
كأن خروء الطير فوق رؤوسهم إذا اجتمعت قيس معًا وتميم
قيل: إنه وصفهم بالذلة والخضوع وشبههم بمن على رأسه خروء الطير أي لا يقدرون على منع رؤوسهم لذلتهم، وهذا وجه، ولو قيل يريد وصفهم بالقذارة كان وجهًا، وقيل: إنهم موصوفون بالقرع. وشبه بياض قرعهم بخروء الطير وهو أبيض.
متى تسأل الضبي عن شر قومه يقل لك إن العائذي ليئم
المعنى: جعل العائذي شر قبائله شهادة أصله.
وقال محرز بن المكعبر الضبي لبني عدي بن جندب بن العنبر، قال البزقي: وكان جارًا لبني عدي بن جندب بن عنبر بن عمرو بن تميم، فأغار ناس على إبله وساقوها فطلب إليهم أن يسعوا له، فوعدوه أن يفعلوا، فلما طال ذلك عليهم ورآهم لا يمنعون شيئًا أتى المخارق بن شهاب المازني وأخاه وهما من بني خزاعة، فسعيا له بابله فرادها عليه فقال:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أبلغ عديًا حيث صارت بها النوى فليس لدهر الطالبين فناء
ويروى "حيث شطت بها النوى" وقوله: فليس لدهر الطالبين فناء يعني من طلب ثأرًا لا تفنى طلبته ما دام طالبًا إلى أن يدرك.
كسالى إذا لاقيتم غير منطق يلهى به المتبول وهو عناء
كسالى يعني رهط عدي، غير منطق يلهي به أي يعلل، والمتبول الذي أصيب بتبل، وقوله: وهو عناء يعني إذا لم يله فعل.
أخبر من لاقيت أن قد وفيتم ولو شئت قال المنبئون أساءوا
أي أنشر الجميل عنكم لئلا يذمكم الناس، وقوله: ولو شئت ... الخ أي لو شئت صدقت عن فعلكم بأنكم أضعتم فما وفيتم فيقول الذين أخبرهم أساءوا.
وإني لراجيكم على بطء سعيكم كما في بطون الحاملات رجاء
المعنى: جعل رجاءه منهم على غير ثقة، لأن الراجي ما في بطون الحاملات يمتد به وقت الرجاء، ولا يكون على ثقة أذكر هو أم أنثى، أسليم أم سقيم.
فهلا سعيتم سعي أسرة مازن وهل كفلائي في الوفاء سواء
المعنى: يعنفهم على تقصيرهم في أمره يقول: هل كنتم مثل مخارق بن شهاب لما ضمن أمري ووفى به، وقوله: "وهل كفلائي أي ليس كفلائي متساوين في الوفاء لأنك لم تف ووفى مخارق.
لهم أذرع باد نواشر لحمها وبعض الرجال في الحروب غثاء
المعنى: يمدح عصبة بني مازن، وأعرض عن ذكر بني عدي فقال: لهم أذرع جمع ذراع، باد نواشر لحمها، النواشر: عصب ظاهر الذراع الواحدة ناشرة يريد أنهم خفاف من رجال الحروب وليسوا أرباب ترفه وتنعم، وقوله: بعض الرجال في الحروب غثاء لا يبعد أن يكون عرض بعدي ولم يصرح به، والغثاء القماش الذي يحمله السيل.
كأن دنانيرًا على قسماتهم وإن كان قد شف الوجوه لقاء
القسمات: الوجوه الواحدة قسمة لأنه موضع الحسن، وقوله: وإن كان قد شف البيت أي ذهبت الحرب بنضارتها لكثرة ممارستهم إياها، تقول: قد شفه الحزن إذا أذابه. المعنى: يعاقب عدي بن جندب في تقصيرهم في أمره، ونسبهم إلى الكسل والريث، وأشار إلى أن راجيهم غير واثق منهم بنجح، ويمدح مخارقًا ورهطه، ويذكر وفاء هم له، ووصفهم بخفة الأعضاء وحسن الوجوه.
وقال معدان بن عبيد بن عدي بن عبد الله بن خيبر بن رافلة الطائي
المعنى. ومعن في باهلة ومعن في طيئ:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
عجبت لعبدان هجوني سفاهة أن اصطبحوا من شاتهم وتقيلوا
العبدان: جمع عبد، اصطحبوا من شاتهم أي شربوا لبن شاتهم بالغداة.
يقول:
شربوا فثارت بهم البطنة فهجوني.
بجاد وريسان وفهر وغالب وعوف وهدم وابن صفوة أخيل
فأما الذي يحصيهم فمكثر وأما الذي يطريهم فمقلل
بجاد إلى آخر البيت أسماء قبائل، المعنى: يتعجب من القبائل التي ذكرها ويصفهم بكثرة العدد وقلة الخير، يقول من يخصهم يكثر لأنه يعد بطونًا كثيرة ومن يمدحهم يقلل لأنه لا يجد فيهم من يستحق المدح.
وقال يزيد بن قنافة بن عبد شمس العدوي، ورجل قناف: ضخم الأنف، ويقال: هو طويل الجسم، والأقنف: الصغير الأذنين:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري وما عمري علي بهين لبئس الفتى المدعو بالليل حاتم
غداة أني كالثور أحرج فاتقى بجبهته أقتاله وهو قائم
غداة أتى كالثور .. البيت، شبه حاتمًا بثور ضيق عليه فقام فاتقى بجبهته، أقتاله أي أعداءه الواحد قتل.
كأن بصحراء المريط نعامة تبادرها جنح الظام نعائم
أعارتك رجليها وهافي لبها وقد جردت بيض المتون صوارم
المريط موضع، وتبادرها تسبقها، شبهه بسرعة النعامة في الهزيمة، وقوله: وهافي لبها أراد نفي العقل. لأن النعامة لا عقل لها. المعنى: يهجو حاتمًا ويصفه بسرعة الهزيمة، وخفة العدو فيها ويقول: كأن نعامة تسابق النعائم أعارتك رجليها وخافق لبها فانهزمت عليها، والمراد بها في لبها وصفه بالجبن.
وقال عارق بن قيس بن جروة الطائي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
من مبلغ عمرو بن هند رسالة إذا استحقبتها العيس تنضي من البعد
أيوعدني والرمل بيني وبينه تبين رويدًا ما أمامة من هند
استحقبتها: حملت خلفها، وأمامه أم عارق هذا، وهند أم عمرو، أي ليس بينهما نسب، وقيل: إنه يريد تفضيل أمه على أم عمرو ليكون الابن أيضًا كذلك، وقيل إنما أوعده عمرو لبيت قاله.
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه
وسمي عارقًا بهذا البيت، ولحق عارق هذا بالجبلين فقدم زرارة بن عدس بن زيد التميمي على عمرو فأخبره أنه تهدده في شعره فبعث عمرو في طلبه، فوجده قد لحق بالجبلين، فجعل عمرو يتوعد عارقًا فبلغه تهدده فقال هذه القصيدة. المعنى: يستحمل رسالة إلى عمرو بن هند على بعد المسافة، ويذكر أنه يوعده ولا يقدر عليه لكون الرمل بينهما، وليس بينهما نسب فيعطفه عليه ويستحمله لأجله.
ومن أجأ حولي رعان كأنها قنابل خيل من كميت ومن ورد
أجا جبل، والقنابل، الجماعات من الخيل، وجعلها مختلقة الألوان لاختلاف ألوان الجبال.
غدرت بأمر كنت أنت اجتذبتنا إليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه إذا هو أمسى حلبة من دم الفصد
يروى مكان "حلبة" جلة، أي يحلب من دم القصد. وذلك أن عمرو بن هند دعا أناسًا من طيء لحماه، ثم غزاهم وسبى النساء فحبسهن عنده، ثم خلى سبيلهن ورد أموالهم حتى لامه زرارة بن عدس على ذلك. المعنى: ينسبه إلى الغدر ويذمه عليه، ويروى أن حاتمًا كان أسيرًا في بعض العرب، فنزل بهم ضيف والحي خلوف فعمدت امرأة منهم إلى مدية وناولتها حاتمًا، وقالت له: افصد هذه الناقة ليصيب ضيفنا من دمها فنحرها حاتم فأنكرت المرأة وقالت إنما سألتك فصدها فقال حاتم: هكذا فصدي. المعنى يقول: قد يترك المرء الغدر وهو في شدة العيش فكيف لا تترك وأنت ملك.
وقال رجل من طيئ هو يزيد بن قنافة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لعمري وما عمري عليّ بهين لقد ساءني طورين في الشعر حاتم
أيقظان في بغضائنا وهجائنا وأنت عن المعروف والبر نائم
طورين: مرتين، وحاتم: هو الطائي المعروف بالجود، وقوله: أيقظان .. البيت يقول: لا ينبغي للسيد أن يكون بذيًا، وعن البر والإحسان غافلاً، فأنت غافل عن إسداء المعروف إلينا، يقظ في بغضنا وهجونا.
بحسبك أن قد سدت أخزم كلها لكل أناس سادة ودعائم
فهذا أوان الشعر سلت سهامه معابلها والمرهفات السلاجم
أخزم قبيلة، وسادة القوم ودعائمهم: رؤساءؤهم، المعابل: السهام القصيرة النصال، والسلاجم: الطوال النصال. يقول: هذا أوان أهاجيك كما هجوتني بضروب الشعر، وجعل كل بيت سهمًا لأنه يوجع كما يوجع السهم. المعنى: يهجو حاتمًا ويشكو هجوه إياه، وينسبه إلى حرصه على بغضه ونومه عن بره، وتهدده بمهاجاته.
وقال آخر من طيئ:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
إن امرأ يعطى الأسنة نحره وراء قريش لا أعد له عقلا
يذمون في الدنيا وقد ذهبوا بها فما تركوا فيها لملتمس ثعلا
يروي مكان محره "حقهاط، والثعل زيادة في أخلاف الشاة، ويقال للسن الزائدة ثعل، يقول: من استقتل لأجل قريش ليفوزوا بالملك دونه فليس بعاقل، ثم وصف الخلفاء فقال: يذمون إلى الدنيا في خطبهم وهو لا يتركون وجه رغبة إلا أتوه، وضرب الخلف الزائدة مثلاً.
وقال رويشد بن مالك الطائي، إسلامي:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
وموقع تنطق غير السداد فلا جيد جزعك يا موقع
فما فوق ذلتكم ذلة ولا تحت موضعكم موضع
موقع قبيلة، ومعنى ولا جيد جزعك أي لا سقي واديك من الجود، وجزع الوادي جانبه، المعنى: نسبهم إلى الخنا ودعا عليهم بالجدب ووصفهم بالذلة والإسفاف.
وقال جابر:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
أجدوا النعال لأقدامكم أجدوا فويها لكم جرول
أجدوا أي استجدوا، وغيروا حالكم وأحسنوا زيكم وبزتكم، وبها كلمة استحثاث، وجرول اسم رجل.
وابلغ سلامان إن جئتها فلا يك شبهًا لها المغزل
يكسي الأنام ويعري استه وينسل من خلفه الأسفل
سلامان قبيلة من همدان، والمغزل بضم الميم وكسرها، وقوله: "يكسي الأنام ويعري استه" أي كلما كثر الغزل نزع عنه، وينسل أي يخرج أسفله من خلفه. المعنى: يخاطب بني جرول يقول: استجدوا وخذوا في طلب حقوقكم، ويحث سلامان على حفظ حقها وينهاها أن تكون كالمغزل يكد ثم لا يكون من كده حاصل.
فان يجيرا وأشياعه كما تبحث الشاة إذ تذأل
بجير اسم رجل، وقوله: "كما تبحث الشاة" مثل وأصله فيما يقال أن جماعة أخذوا شاة، ولم يكن معهم سكين يذبحوها بها، فجعلت الشاة تبحث عن الأرض بأطلافها فظهرت سكين، فذبحوها بها، فضرب بها المثل لكل من أعان على
حتف نفسه، وتذأل من الذألان والدألان وهو مشي النشيط.
أثارت الحتف فاغتالها فمر على حلقها المغول
اغتالها: أهلكها، والمغول ما يهلك به الشيء، وأراد به السكين هنا.
آخر عهد لها يعني الشاة، وقوله مونق غدير أي غدير مونق، فقدم الصفة على الموصوف، ومبقل: ذو بقل. المعنى: ينذر بجيرًا وأتباعه ويقول: قد بطروا ودنوا من أن يهلكوا بفعلهم، وشبههم بالشاة المضروب بها المثل في حتف نفسها.
وقال إياس بن الأرت الطائي، إسلامي:
((الأول من السريع والقافية من المترادف))
كأن مرعى أمكم إذ بدت عقربة يكومها عقربان
إكليلها زول وفي شولها وخز أليم مثل وخز السنان
مرعى: اسم أمهم، يكومها يسفدها، إكليلها يعني إكليل العقرب وزول خفيف، وقيل عجب، وقيل شولها ما يشول بذنبها على ظهرها، وخز أليم أي طعن غير نافذ يعني لسعها مثل وخز السنان إيلامًا، شبهها بالعقرب.
كل عدو يتقي مقبلاً وأمكم سورتها بالعجان
يصف كل عدو يتقي مقبلاً إلا العقرب قال: وأمكم سورتها بالعجان، يعني أنها تبيح عجانها للرجال فتستعين بهم على من تعاديه، والعجان ما بين السبيلين من الرجل والمرأة، وقيل: بل معناه: أنها إذا عادت أفسدت كأنها تنم لأن النمام يشبه بالعقارب. المعنى: يهجو أمهم مرعى وشبهها بالعقرب.
وقال أدهم بن الزعراء الطائي، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني خيبري نهنهوا عن قنادع أتت من لدنكم وانظروا ما شؤونها
فكائن بها من ناشص قد علمتم إذا نفرت كانت بطيئًا سكونها
ويروى "خنادع" والقناذع جمع قنذع وهو الكلام الفاحش، وناشص من نشصت أي نفرت، وقيل: أراد الشعر والداهية، فمن حمله على الشعر قال: معنى نفرت ظهرت منا وقلناها فتنتشر في الناس ولا تسكن، لحسنها تروي وتنشد، والشعر إذا لم يكن جيدًا لم يرو. ومن قال أراد به الداهية وهو أقرب قال: نفرت سطوة كانت بطيئًا سكونها أي لم تسكن ولا يقال نفرت للقصيدة. المعنى: ينذر بني خبيري ويستكفهم من ذكرهم بالسوء ويذكرهم ما تقدم من سطواتهم.
وبالحجل المقصور خلف ظهورنا نواشئ كالغزلان نجل عيونها
المقصور: المسيل عليه الستر، نواشيء: جواب شواب، كان خطب امرأة منهم فردوه فقال هذا يقول: في غيرها ممن هذه صفتها مندوحة عنكم، وقيل إن هذا الشاعر ممن رد الخطبة، وما بعده يدل على هذا القول.
وإنا لمحقوقون حين غضبتم بأيمة عبد الله أن سنهينها
فلست لمن أدعى له إن تفقأت عليها دماميل استه وحبونها
ويروى "بلحية عبد الله" وهو استمرار عزبته، الحبون جمع حبن وهو الدمل أيضًا، يقول: لست لأبي إن أعطيته مراده حتى يشتفي قليبه لأن تشقق
الدماميل يؤذن بالبرء عليها، يعني على ما طلب، فهذا يدل على أن الشاعر هو المخطوب إليه لا الخاطب يقول: وراءنا مخدرات حسان لا نمكنكم منهن ونهين أيمتكم ولا نشفيها.
وقال حريث بن عناب، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني ثعل أهل الخنا ما حديثكم لكم منطق غاو وللناس منطق
ما حديثكم أي لغتكم مخالفة للغات العرب، ويروى "بني القين لانام القطافي دياركم" يقول: قد ضل منطقكم عن سبيل منطق العرب.
كأنكم معزى قواصع جرة من العي أو طير بخفان ينعق
قواصع جرة هي التي تجتر، وقصع بجرته إذا دفع بها من جوفه، وخفان موضع بالسواد جعلهم كالمعزى ذلة وهوانا.
ديافية قلف كأن خطيبهم سراة الضحى في سلحه يتمطق
ديافية: منسوبة إلى ديافة بالشام وفيها نبط، لم يرض بأن جعلهم معزى حتى أخرج المعزى من حد العرب وجعلها نبطية، وسراة الضحى أوله وصدره. المعنى: يهجوهم باللكنة والذلة.
وقال شعيث من كنانة بلقين يهجو رجلاً من بلقين يقال له عقال بن هشام، وعقال يقول فيهم:
فما كنانة من خير بخائرة وما كنانة من شر بأشرار
وشعيث تصغير أشعث، وخائرة فاعلة من خايرته فخرته، أي كنت خيرًا منه. المعنى: ليس عندهم خير ولا شر، لا ينفعون صديقًا ولا يضرون عدوًا خشية وذلاً.
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
أترجو حيي أن تجيء صغارها بخير وقد أعيا عليك كبارها
إذا النجم وافى مغرب الشمس أحجرت مقاري حيي واشتكي الغدر جارها
يريد بالنجم الثريا، وطلوعها عشاء أول البرد، وواحد المقاري مقراة وهي جفنة يقرى الضيف فيها، ومعنى أحجرت سترت كأنها أدخلت الحجر وفيه وجه آخر حسن أي أخليت من الخير، من الحجرة وهي السنة المجدبة، وقوله "اشتكى الغدر
جارها" يريد أنهم يسرقون ماله مع أنهم لا يطعمون أحدًا، المعنى: يهجوهم بقلة الخير في خلفهم، ويذمهم بمنع الطعام وسرقة مال الجار.
وقال حريث بن عناب:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
قولا لصخرة إذ جد الهجاء بها عوجي علينا يحييك ابن عناب
صخرة اسم امرأة وأراد أهلها، جد الهجاء بها أي جدت في هجائي، وعوجي علينا أي اعطفي يحييك ابن عناب أي لا يجيبك عن هجائك ولكنه يحييك، ويجوز أن يكون لأن يحييك.
هلا نهيتم عويجًا عن مقاذعتي عبد المقد دعيًا غير صباب
المقذ خلف الأذن يعني قفاه، أي هو عبد دعي، غير صياب غير خالص، المقاذعة: المفاحشة.
مستحقبين سليمي أم منتشر وابن المكفف ردفًا وابن خباب
مستحقبين سليمي .. البيت قال بعضهم: أراد أنهم أسروها فحملوها في موضع الحقيبة من البعير، وقيل: معناه الانتساب إليهم، وهذا أشبه بسرد الأبيات. المعنى يعاتب صخرة وقومها في هجاء عويج إياه يقول: هلا نهيتموه عن مهاجاتي، ثم رماه بالدعوة.
يا شر قوم بني حصن مهاجرة ومن تعرب منهم شر أعراب
تعرب يعني بلاد العرب هنا، ويكون تشبه بالعرب في نزولهم بالبادية.
لا يرتجي الجار خيرًا في بيوتهم ولا محالة من شتم وألقاب
ولا محالة أي يشتمون من يجاورهم ويلقبونه، والجار المجاورة هنا. المعنى: يصفهم بالشرارة في البدو والحضر والإساءة إلى الجار شتمًا ولقبًا.
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
بني أسد إلا تنحوا تطأكم مناسم حتى تحطموا وحوافر
وميعاد قوم إن أرادوا لقاءنا مياه تحامتها تميم وعامر
تحامتها تميم وعامر لعزتها ومنعتها، وقيل معناه ميعادنا مياه لا ننزلها نحن ولا أنتم وهي بيننا وبينكم، والأول أجود.
وما نام مياح البطاح ومنعج ولا الرس إلا وهو عجلان ساهر
مياح: فعال، وهو الذي يميح الماء أي يسقيه، والبطاح ومنعج والرس مواضع فيها ما يورد. المعنى: يتهدد بني أسد ويقول: إن لم تبعدوا عنا داستكم خيولنا وابلنا تحت حوافرها وأخفافها، يصف قومه بالكثرة وبني أسد بالقلة، ويقول: إن أردتم لقاءنا ومحاربتنا فنحن متأهبون لها، ثم دل على تيقظ قومه وتحرزهم.
التضاؤل: التقاصر، والخارئ: الذي يقضي حاجته أمام البيوت لأن
الناس يرونه هناك فيجب أن يجمع شخصه ويستتر، كي لا تظهر سوأته، ولو كان وراء البيوت لم يحتج إلى ذلك. وكان متقاصرًا ثم تضاءل فيكون أقل وأحقر.
ترى الجون ذا الشمراخ والورد يبتغي ليالي عشرًا وسطنا وهو عاثر
الشمراخ: غرة تستدق وتسيل سفلاً حتى تأخذ الخيشوم، والعاثر: المنفلت. المعنى: يصف كثرة خيلهم يقول: يفلت الفرس المشهور بلونه المعروف بمشيته فيطلب عشر ليال فلا يوجد، وهو وسطنا، أبلغ من الأول، لأن البلق أشهر وشكلها في الخيل أقل وهي من بعيد أظهر.
ولما رأيناكم لثامًا أدقة وليس لكم مولى من الناس ناصر
ضممناكم من غير فقر إليكم كما ضمت الساق الكسير الجبائر
أدقة: جمع دقيق يعني به الذليل. المعنى: يقول لما رأيناكم ضعفاء أذلاء ضممناكم إلينا رحمة عليكم لا حاجة إليكم.
وقال أبو صعترة البولاني، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أتهجونا وكنا أهل صدق وتنسى ما حباك بنو براء
هم نتجوك تحت الليل سقبًا وبلوا منكبيك من الدماء
ويروى "أبو براء" وبنو براء أجود لقوله هم نتجوك، والسقب الذكر من ولد الناقة، وقوله: خبيث الريح من خمر وماء أي ضربوك حتى سلحت وأنت سكران، فأحدثت حدثًا عظيمًا كهيئة السقب، وقوله: وهم جهلوا عليك أي ضربوك وأنت
برئ، وبلوا منكبيك من الدماء يعني شجوك وجرحوك حتى سالت الدماء على منكبيك. المعنى: يعاتبه على هجائه من غير سبب أوجب ذلك، ويذكره ما جرى عليه من بني براء من ضرب محدث وجرح مدم.
وقال الطرماح بن حكيم السنبسي لنافذ بن سعد المعني الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إن بمعن أن فخرت لمفخرا وفي غيرها تبنى بيوت المكارم
أي في غير معن تبني بيوت المكارم يعني في غير معن تضرب قباب الكرم لأن بيوت العرب لا تكون إلا المدر. المعنى يقول: إن فخرت بمعن جاز لأن فيهم موضع الفخر، إلا أن الكرم لا يوجد فيهم.
متى قدت يا بن الحنظلية عصبة من الناس تهديها فجاج المخارم
الفجاج: الطرق والمحارم: أنوف الجبل، وقوله: تهديها فجاج المخارم بالنصب على عنى أنت تهديها، لأنه يقال هديت القوم الطريق وإلى الطريق، هذا أجود. المعنى: يبرئه من السيادة فيما تقدم يقول: متى كنت قائدة جماعة تتقدمهم.
إذا ما ابن جد كان ناهز طيئ فإن الذري قد صرن تحت المناسم
جد وعتيب: قبيلتان، وناهزهم كبرهم القيم بأمورهم عند السلطان [وأصل الناهز الذي ينهز الدلو من البئر أي يخرجها]، والذري أعالي الأسمنة. المعنى: إذا كان ابن جد زعيم طيئ فقد انقلب الدهر، وصار أشرافهم تحت أذلالهم، وضرب ذلك مثلًا هنا.
فقد بزمام بظر أمك واحتفر بأير أبيك الفسل كراث عاسم
الفسل: الضعيف. المعنى: يقول: أنت لا تصلح للقيادة والزعامة فلا تطلبها، وقد بظر أمك فإنه عظيم أراد تفحيش أمرها كما يشتم فيقال: ابن البظراء وقوله: واحتفر بأير أبيك أي خذ أير أبيك مكان السيف فإن السيف لا يليق بك.
وقال الكروس بن زيد بن حصن بن مصاد بن مالك بن معقل بن مالك، والكروس العظيم الرأس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألايت حظي من عطائك أنني علمت وراء الرمل ما أنت صانع
فقد كان لي عما أرى متزحزح ومتسع من جانب الأرض واسع
يروي مكان "عطائكلقائك" ووراء هنا خلف. المعنى: هذا رجل قصد من كان يرجو خيره فخاب رجاؤه فقال: ليتني علمت في بلدي ما تصنعه فكنت لا أعروك فإني كنت بعيدًا عما أرى من الذلة والخيبة.
وهم إذا ما الجبس قصر همه طلوع إذا أعيا الرجال المطالع
الجبس هنا الدنيء الجبان، وطلوع ثبت لم أي لي هم يطلب معالي الأمور إذا صعب ذلك على الرجال المعنى: يقول كان لي هم يعلو غير أني غلطت فيه.
وقال وضاح بن إسماعيل بن عبد كلال ابن داود بن أحمد، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
من مبلغ الحجاج عني رسالة فإن شئت فاقطعني كما قطع السلا
السلا: الجلدة التي يكون فيها الولد، والسلا إذا قطع عن وجه الصبي حين يولد لم يرجع إليه أبدًا، يريد انقطاعًا لا وصل بعده، ويجوز أن يكون المراد اقطعني انقطاعًا لا مطمع في إصلاحه لأن السلا إذا انقطع في البطن لم يمكن إخراجه وقتل الحامل.
وإن شئت فاقتلنا بموسى رميضة جميعًا فقطعنا بها عقد العرى
رمضية: حادة، والجذع أصل الشجرة إذا ذهب رأسها. المعنى: يظهر قلة مبالاته بالحجاج يقول: إن انشئت اقطعنا قطعًا لا وصل بعده، وإن شئت اقتلنا، وإن شئت أبعدنا فلا حاجة لنا فيك.
فإني أرى في عينك الجذع معرضًا وتعجب أن أبصرت في عيني القذى
الجذع قد مضى شرحه في شرح البيت الأول وهو أصل الشجرة إذا ذهب رأسها، المعنى يقول: أنت تستعظم اليسير من عيبي، وتغفل عن فظيع عيبك الظاهر الذي لا يخفى، مثل ذلك بالجذع والقذى، ويقال: إن في التوارة "ابن آدم القذاة في عين أخيك، وتترك الجذع معترضًا في عينك".
وقال عمرو بن خلاة الحمار الكلبي:
(الثناني من الطويل والقافية من المتدارك)
ضربنا لكم عن منبر الملك أهله بجيرون إذ لا تستطيعون منبرا
ضربنا لكم يخاطب بني مروان، وعنى بأهل منبر الملك عليًا ﵇ وأولاده يجيرون باب من أبواب دمشق، وقوله: لا تستطيعون منبرًا أي لا تستطيعون صعود منبر.
وأيام صدق كلها قد علمتم نصرنا ويوم المرج نصرًا مؤزرا
يوم المرج مرج راهط وهو اليوم الذي قاتل فيه مروان بن الحكم الضحاك بن قيس الفهري، ومؤزرًا قويًا.
فلا تكفروا حسنى مضت من بلائنا ولا تمنحونا بعد لين تجبرا
فلا تكفروا حسني يعني لا تكفروا حسنا من بلائنا وقوله: فلا تمنحونا .. إلخ أي لا تتعظموا علينا عند استغنائكم عنا بعد أن لا ينتمونا وقت الحاجة إلينا.
فكم من أمير بعد مروان وابنه كشفنا غطاء الغم عنه فأبصرا.
فكم من أمير قبل مروان وابنه يعني معاوية ويزيد، وكشفنا أي نصرناه في الحرب فاستقام أمره وأبصر ما كان لا يهتدي به.
ومستسلم نفسن عنه وقد بدت نواجذه حتى أهل وكبرا
نفسن عنه يعني الخيل، وبدت نواجذه أي قلصت شفتاه من شدة الأمر، يصف معاوية يوم صفين، وما لحقه فيه من الشدة ويقول: نصرناه فنفسنا عنه حتى أهل وكبر لما انهزم عنه عدوه.
إذا افتخر القيسي فاذكر بلاءه بزراعة الضحاك شرقي جوبرا
جوبر بالشام، وقيس كانت أنصار بني مروان، وكانوا مع الضحاك أسلموه
حتى قتل، يقول: إذا افتخرت قيس فاذكر خذلانهم الضحاك ليتركوا الافتخار.
فما كان في قيس من ابن حفيظة يعد ولكن كلهم نهب أشقرا
نهب أشقر قيل: أن أشقر فرس طفيل [بن مالك وكان فرارًا] يقول: كأنهم انتهبهم في ذلك اليوم فهذا على التشبيه وليس بجيد، وقال ابن الكلبي: أشقر رجل من كلب أصاب صندوقًا في إغارة لكلب على إياد فظن أن فيه خيرًا كثيرًا ففتحه فإذا فيه عظام فضربته العرب مثلًا لما لا خير فيه، وهذا له روعة، وقيل: أنه أراد بالأشقر العبد والعرب تسمي العجم الحمراء، وذلك لأن الغالب على لون الفرس الصهبة، والعجم تقول: إذا كنت عربيًا فلا تكن أشقر، المعن: إذا افتخر القيسي فاذكر ما يتقمع له ولا هيبة فيه، وهذا وجه المعنى إذا افتخر القيسي فاذكر ما يتقمع له.
وقال جواس بن القعطل الكلبي، وجواس فعال من جاس البلد إذا
وطئه، والقعطل مرتجل.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أعبد المليك ما شكرت بلاءنا فكل في رخاء الأمن ما أنت آكل
بجابية الجولان لولا ابن بحدل هلكت ولم ينطق لقومك قائل
يقول: يا عبد المليك ما شكرت نعمتنا في الذب عنك، والجولان موضع، وقوله: لولا ابن بحدل أراد حميد بن بحدل قاتل ابن الزبيرن وقوله: لم ينطق لقومك قائل يريد لم تكن خليفة يخطب على منبر لك.
فلما علوت الشام في رأس باذخ من العزلا يسطيعه المُتناول
نفحت لنا سجل العداوة معرضًا كأنك مما يُحدث الدهر جاهل
نفحت لنا سجل أي عاديتنا، والنفح الإصابة اليسيرة، يقول: كأنك غافل عن تغير الزمان ونوائب الحدثان وانتقال الأحوال.
وكنت إذا أشرفت في رأس رامة تضاءلت إن الخائف المتضائل
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع