من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الهجاء (٢)
فلو طاوعوني يوم بطنان أسلمت فروج نساء منكم ومقاتل
رامة موضع، تضاءلت تصاغرت خوفًا، وبطنان بالشام موضع بقنسرين، وقوله: أسلمت فروج أي كنت أشير على قيس بالإضافة منكم لما عرفت من قلة رعايتكم، فلو طاوعوني لملكوا نساءكم وقتلوكم. المعنى: يعاتب عبد الملك في إعراضه عنه، مع نصرته له إلى أن علا أمره، ويقول: لولا قاتل ابن الزبير لم تفارق خوفك، ويخطئ قيسًا في مخالفته إياه، ويصوب تقديره فيه.
وقال أيضًا:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
صبغت أمية بالدماء رماحنا وطوت أمية دوننا دنياها
أي حاربنا لأجل بني أمية، وقلتلنا أعداءهم، وطوت أمية دوننا دنياهم فلم يعطونا مما ملكوا شيئًا.
أأمي رب كريهة مدفوعة صيد الكماة عليكم دعواها
ويروي "كتيبة" يقول: رب كتيبة تكره منزلتها لشجاعة فرسانها. عليكم دعواها أي تهديدها، ويروي "صب الكماة عليكم دعواها" أي هددوكم منتسبين
كنا ولاة طعانها وضرابها حتى تجلت عنكم غماها
فالله يجزئ لا أمية سعينا وعلًا شددنا بالرماح عراها
جئتم من الحجر العيد نياطه والشام تنكر كهلها وفتاها
إذ أقبلت قيس كأن عيونها حدق الكلاب وأظهرت سيماها
قوله وعلا شددنا بالرماح عراها أي أحكمنا أمر العلا بالحرب، وقوله: جئتم .. البيت يعني من الحجاز، وقال من الحجر وأراد موضع الحجارة. والنياط البعد، والشام تنكر أي لم تعرفكم لأنكم لم تكونوا من أهلها، والشام يذكر ويؤنث، وقوله: كأن عيونها حدق الكلاب أي احمرت عيونها للعداوة والغضب،
وأراد بالكلاب الكلب وأظهرت سماها أي علامتها للمحاربة. المعنى: حاربنا لبني أمية وفازوا بالدنيا دوننا، ثم ذكر نصرته لهم وذبه عنهم".
وقال عبد الرحمن بن الحكم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
لحا الله قيسًا قيس عيلان إنها أضاعت ثُغور المسلمين وولت
فشاول بقيس في الرخاء ولا تكن أخاها إذا ما المشرفية سلت
إنما دعا عليهم لأنهم كانوا في الثغور فانهزموا مع الضحاك، وقوله: فشاول بقيس أي مارس بهم من تريد في اللين والدعة ولا تمارس بهم في الحرب فليسوا من رجالها، فلا تكن أخاها أي صاحبها. المعنى: يدعو على قيس ويصفهم بإضاعة الثغور للمسلمين، ويخرجهم من جملة الشجعان.
وقال أبو الأسود في الحسن بن رجاء بن أبي الضحاك:
(الأول من الكامل والقافية من المتواتر)
فلأنظرن إلى الجبال وأهلها وإلى منابرها بطرف أخرز
بطرف أخرز يعني بمؤخر عينه وكان أبو الأسد في أيام أبي تمام وقد مدح أبو تمام هذا الذي هجاه أبو الأسد يقول: لا أملأ عيني من الجبال بعد ما صرت أميرًا عليها.
مازلت تركب كل شيء قائم حتى اجترأت على ركوب المنبر
ما زال منبرك الذي خلفته بالأمس منك كحائض لم تطهر
المعنى: رماه بشيء فاحش بقوله: مازلت تركب كل شيء قائم.
وقال الراعي الميري، وقد نزل به رجل من أبي بكر بن كلاب في ركب مه في سنة مجدبة، وقد عزبت من الراعي إبله فنحر من رواحلهم نابًا وأحسن قراهم، فلما جاء راعيه بابله عوضه فأعطى رب الناب ناباو زاده ثنية:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
عجبت من السارين والريح قرة إلى ضوء نار بين فردة والرحى
إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها وقد يكرم الأضياف والقد يشتوى
فرجة والرحى: موضعان. يشتوي القد أي يشوون لأنفسهم والقد الجلد، وإنما اشتووه لضيقة لحقتهم، فلم يقدروا على اللحم، وقوله: وقد يكرم الأضياف ... الخ يعني أن الكريم يكرم الأضياف في وقت الضيق والشدة.
فلما أتونا فاشتكينا إليهم بكوا وكلا الحيين مما به بكى
بكى معوز من أن يلام وطارق يشد من الجوع الإزار على الحشا
يقول: كل واحد من الحيين منا، ومن الذين أتوا بكى لما بهم، ثم فسر قوله بكى معوز يعني نفسه، والمعوز المحتاج، يقول: يشد من الجوع الأزار على الحشا أي ليستمسك فقد أضعفه الجوع.
فأطلفت عيني هل أرى من سمينة تدارك فيها ني عامين والصرا
ويروى "وطنت نفسي للغرامة والقرى" وهو أحسن، وقوله فالطفت عيني أي ضممت أجفاني فعل من يدق النظر في الشيء، أي فعل كذلك لأنه يجتمع شعاع عينه فيكون بصره أقوى، وني عامين الني الشحم والصرا الغزارة، وهو أن لا يحلب لبنها لئلا تهزل، ومنه المصراة
فأبصرتها كوماء ذات عريكة هجانًا من اللائي تمتعن بالصوى
كوماء: ناقة عظيمة السنام، وجمعها كوم، والعريكة السنام، وقوله تمتعن بالصوى يعني بالأسمنة ويروي "بالصوى" بفتح الصاد وهو أن لا تحلب فيذهب لبنها وهو أسمن لها وأقوى يريد هل أرى في إبلهم ما لها هذه الصفة.
فأومأت إيماءً خفيًا لحبتر ولله عينا حبتر أيما فتى
وقلت له ألصق بأيبس ساقها فإن يجبر العرقوب لا يرقأ النسا
حبتر اسمه، ولله عينا حبتر تعجب من وقوفه على إيمائه ويروي "ولله ثوبا حبتر" يعني نفسه وقوله: وقلت له ألصق يعني السيف، بأيبس ساقها أي بأقلها لحما فيخلص السيف إليه سريعًا، فإن يجبر العرقوب أي رقأ دمه لم يرقأ النسا، يعني لم يرقأ دم النسا، وهو يجري في البدن، ومع انقطاع هذا تنقطع الحياة على ما يقال.
فأعجبي من حبتر أن حتبرا مضى غير منكوب ومنصلة انتصى
كأني وقد أشعتهم من سنامها جلوت غطاءً عن فؤادي فانجلى
نبتنا وباتت قدرنا ذات هزة لنا قبل ما فيها شواء ومصطلى
منكوب قالوا غير فارغ من أمري، من قولهم: نكتب الإناء إذا صببت ما فيه وفرغته، وقيل: غير منكوب لم ينكب به عن أمري، ويروي "غير منكود" أي مسرعًا والمنكود الذي لا يسرع، وقوله: لنا قبل إدراك ما في القدر شواء واصطلاء.
وأصبح راعينا بريمة عندنا بستين أبقتها الأجلة والخلا
فقلت لرب الناب خذها ثنية وناب علينا مثل نابك في الحيا
أصبح راعينا بريمة اسم راعية، جعله بدلًا منه، ويروي "أنقتها" بالنون وهي رواية الأكثر بمعنى حصلتها ذات نقى يعني أسمنتها، والمسموع أنقت الماشية إذا كان لها نقي، وفي الحديث في ذكر الأضاحي التي لا تنقى، وروى البرقي "أبقتها" بالباء أي أبقاها على الجدب والبرد أننا كنناها وخليناها، وهذا أجود، ويروى "الأجلة" بالجيمي جمع جل، وروى بعضهم "الأخلة" بالخاء وفسرها جمع الخلال الذي يخل لسان الفصيل لئلا يرتضع فيكون أقوى للناقة وقيل: الأخلة ما اختل واجتز من العشب وهو أخضر، والجيم أصح.
وقوله: وناب علينا يعني الشحم والسمن والحيا هنا الشحم ومعناه قلت لرب الناب خذها ثنية فضلًا عن نابك ناب علينا واجب مثل تلك في السمن عوضًا عما نحرناه فخذها مع الثنية، ومن فسر الحيا بمعنى الخصب ويقول: وناب علينا إذا أحيينا أي جاءنا الخصب فقد غلط، والثنية بنت ست سنين والناب الهرم.
وقال في ذلك خنزر بن أرقم واسمه الحلال وهو أحد بني زيد بن ربيعة بن عبد الله بن نمير، والراعي من بني قطن بن ربيعة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بني قطن ما بال ناقة ضيفكم تعشون منها ملقى فتودها
غدا ضيفكم يمشى وناقة رحله على طنب الفقماء ملقى قديدها
الفقماء: لقب امرأة الراعين والفقم تقدم الثنايا السفلى فلا تقع عليها العليا، وكان من عادتهم أن يلقوا القديد على الأطناب يجففونه.
وبات الكلابي الذي يبتغي القرى بليلة نحس غاب عنها سعودها
أمن ينقص الأضياف أكرم عادة إذا نزل الأضياف أم من يزيدها
المعنى: يقبح فعل الراعي، ويخاطب قومه ويقول: يا بني قطن ما لكم أكلتم ناقة ضيفكم وقددتم لحمها وأرجلتموه، جاءكم يطلب القرى فغبن ناقته، قبح فعلهم بلفظ الاستفهام للمبالغة كما بينا فقال: أمن يعطي الأضياف أكرم أم من يأخذ ما لهم؟.
كأنكم إذ قمتم تنحروها براذين مشدود عليها لبودها
المعنى: يشبههم بالبراذين لعجزهم وفشلهم يضربونها مثلا لكل مذموم [ويحتمل أن يكون شبههم بالبراذين لما حرصوا على أكل لحمها لأن البراذين تحرص على أكل العلف].
فما فتح الأقوام من باب سوءةٍ بني قطن إلا وأنتم شهودها
السوءة: العيب. المعنى: يرميهم بكل عيب يدخل فيه الناس والسبق إليه.
فأجابه الراعي بقصيدة كتبنا منه بعض جوابه ووصف القدر
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ماذا ذكرتم من كزوم عقرتها بسيفي وضيفان الشتاء شهودها
فقد علموا أني وفيت لربها فراح على عنس بأخرى يقودها
قرينا الكلابي الذي يبتغي القرى وأمك إذ يزجى إلينا قعودها
ويروى "فإن تسألوني ما كزوم عرقته" وهي الناقة المسنة التي مشفرها الأعلى أطول من الأسفل. المعنى يرد على "خنزر" ويبين له أنه لم يعقر الناقة سرًا، وإنما عقرها بحضور الضيفان وأنه عوضه عنها وزاد مثلها كرمًا فما في ذلك من أمر يعاب به. وهذا دليل على غلط من روى أن الحيا الخصب ويروي "ماذا نكرتم".
رفعنا له مشبوبة يُهتدى بها ولقحة أضياف طويلًا ركودها
مشوبة أي نار موقدة، ولقحة أضياف يعني قدرًا، جعلها لقحة لما يدر من خيرها، طويلًا ركودها أي ثبوتها على النار لأنها كثيرة اللحم، والقدر كلما كانت أكثر لحمًا كان ركودها على النار أطول، يريد رفعنا له نارًا تثقب للقرى.
إذا أخليت عود الهشيمة أرزمت جوانبها حتى نبيت ندودها
ويروي "خليت" أي صير العود لها بمنزلة الولد فهي كالناقة الخلية التي تعطف على ولد غيرها فترأمه، وأخليت أي جعلت عود الهشيمة علفًا لها كما تعلف اللقحة ويروي "أرزمت حناجرها" يعني فاها، نبيت نذودها أي نسكن غليانها بزيادة الماء ونقصان الحطب، والهشيم الشجر البالي.
إذا نُصبت للطارقين كأنها نعامة حزباء تقاصر جيدها
الحزباء: المرتفع من الأرض شبهها بنعامة ونسبها إلى الحزباء لارتفاعها على الأثافي وإنما شبه القدر بالنعامة لأنا تكثر وضع رأسها لجبنها ونفورها، وكذلك القدر ترفع قطع اللحم بشدة غليانها، وجعل النعامة تقاصر جيدها لأن القدر لا عنق لها، وهذا من أحسن الاحتراز والتقييد بالصفة الناقصة للتشبيه.
تبيت المحال العر في حجراتها شكارى مراها مأؤها وحديدها
المحال: فقر البعير، والعر جمع أعر وهو السمين، وشكارى ممتلئة من الدسم من قولك: ناقة شكرة، ومراها استخرج ما فيها من الدسم، وماؤها لما خالطها من الدسم عند الغلي وحديدها مغرفتها.
بعثنا إليها المنزلين فحاولا لكي ينزلها وهي حام حيودها
فباتت تعد النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها
فباتت أي أم خنزر، تعد النجم في مستحيرة قالوا: أراد بالنجم الجنس، وقيل أراد الثريا وهذا أحسن، والمستحيرة جفنة تحار فيها الاهالة فكأنها حارت وإستحارت، ومعنى سريع بأيدي أي أنها باتت تؤكل في شدة البرد فكان اللحم يجمد في الأيدي.
فلما سقيناها العكيس تمزحت مذاخرها وارفض رشحًا وريدها
العكيس: لبن الضأن خاصة يصب على المرق، ويروى "تمرحت" أي توسعت، وارفض رشحًا أي سال عرقًا، ووريدها يريد عنقها.
ولما قضت من ذي الإناء لبانة ارادت إلينا حاجة لا نريدها
أرادت إلينا أي أرادت منا أن نفجر بها فأبينا تكرمًا وعفة لأنها كانت ضيفنا، كما تقول: طلبت إليه حاجة. المعنى: يصف إذكاء ناره ليهتدى بها، ونصبه القدر الكبيرة كثيرة اللحم والدسم، وإشباعه أم خنزر منها وسقيها اللبن حتى امتلأت شعبًا وريا، وذكر أنها رغبت أن يفجر بها لتعودها ذلك، وأنه أبى عليها كرمًا.
وقال رجل من بني أسد:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
دببت للمجد والساعون قد بلغوا جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابروا المجد حتى مل أكثرهم وعانق المجد من أوفى ومن صبرا
وألقوا دونه أي تشمروا، ألقوا الأزر دون المجد: وقوله: وكابروا المجد أي ركبوا العظائم فيه، وعانق أي بلغه حتى خالطه. المعنى يقول: جد الطالبون للمجد وانكمشوا ومل أكثرهم وبلغ المجد من أوفى بشرائطه، وصبر على مرارته وطلبت أنت أهون طلب فكيف تدركه؟ !.
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
قوله: لا تحسب المجد تمرًا، يرميه بالرغب وأنه لا يهمه إلا أكل التمر، حتى تلعق الصبر أي المر. المعنى: يستقعده عن المجد لأنه ليس من أهله ويقول: لا يدرك المجد بالسعي القصير وإنما ينال بتجرع المرارات.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستعجل بالحرب والسلم حظه فلما اشتريت كل عنها محافزه
حارب فيها بامرئٍ حين شمرت من القوم معجاز ليئم مكاسره
فأعطى الذي يُعطى الذليل ولم يكن له سعي صدق قدمته أكابره
كل عنها محافره أي سلاحه، والمعاجز: الدائم العجز، وكاسره يعني أصوله، وقوله: فأعطى الذي ... البيت، يعني أعطى الذل في الهزيمة والأسر يقول: لم يكن له قديم وسعي لسلفه حميد، فكان يرث ذلك عنهم ويقتدي بهم. المعنى: يهجو رجلًا كان يحرص على محاربته، والصلح خير له، فلما هاجت الحرب، عجز وذل، ولم يفعل الآنف الماجد.
وقال إسماعيل بن عمار الاسدي، قال دعبل بن علي: هي للوليد بن كعب قالها لما مات بشر بن غالب، واشترى داره هلال بن مرزوق:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
بكت دار بشر شجوها أن تبدلت هلال بن مرزوق ببشر بن غالب
وهل هي إلا مثل عرس تحولت على رغمها من هاشم في محارب
ويروي "تتفلت"، العرس: المرأة، على رغمها أي وهي كارهة. المعنى: هذا هجو مطابق ومدح مطابق، يهجو هلال بن مرزوق وبني محارب، ويمدح بني هاشم وبشر بن غالب.
وقالت امرأة قتل زوجها في جوار الزبرقان بن بدر وزوجها ابن مية:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
متى تردوا عكاظ توافقوها بإسجاع مجادعها قصار
المجدع: موضع الجدع أي القطع، ويروي "بآذان مسامعها" جمع المسمع وهو الأذن أيضًا، والأول أجود. المعنى: إذا وردتم سوف عكاظ، ووافتهم أهلها تصامتم لكثرة ما تسمعون من مثالبكم بما فعلتم، فشبهتهم لتغافلهم بمن قصر سمعه.
أجيران ابن مية خبروني أعين لابن مية أم ضمار
العين هنا: النقد الحاضر، والضمار دين لا يرجى قضاؤه وابن مية زوجها، تريد أتدركون ثأر ابن مية أم بطل دمه
تجلل خزيها عوف بن كعب فليس لخلفها منه اعتذار
تجلل خزيها أي لبس مذلتها أي خزي هذه الخطة فليس لخلفها منه اعتذار الخلف: الأعقاب، خلفة بعد خلفة.
فأنكم وما تخفون منه كذات الشيب ليس لها خمار
المعنى: توبخ عوف بن كعب وتقاعدهم بطلب الثأر وتفحش عيبهم، وشبهت شهرة ما فعلوه وانتفاء انكتامه بشيب امرأة لا خمار لها فلا يخفى.
وقال آخر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تولت قريش لذة العيش واتقت بنا كل فج من خراسان أغبرا
كل فج: كل طريق صعب، واتقت بنا أي قدمتنا إلى خراسان، واستأثرت بلذة العيش. المعنى: يشكو استئثار قريش بلذة العيش وتكليف غيرهم من العرب المشاق.
فليت قريشًا أصبحت ذات ليلة تؤم بها موجا من البحر أكدرا
تؤم بها أي بخراسان. معناه: ليت قريشًا أمت بنا بحرًا بدلا من طريق خراسان، لتغرق ونخلص من أذاها، ويحتمل أن تكون الهاء للعرب وإن لم يتقدم ذكرها، فإنهم كانوا يوجهون إلى حراسان، ويحتمل أن يكون موجًا من البحر بخراسان، والعرب تسمى الماء الكثير بحرًا وإن لم يكن بحرًا فقال على اعتقاده وقال بعضهم: الهاء لقريش لتخلص هو منهم، ولا يحسن هذا من جهة الإعراب. المعنى: يتمنى الموت ليستريح منهم.
وأنشد لامرأة في زوجها:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
حلفت فلم أكذب وإلا فكل ما ملكت لبيت الله أهديه حافيه
لو أن المنايا أعرضت لاقتحمتها مخافة فيه إن فاه لداهية
فما جيفة الخنزير عند ابن مغرب قتادة إلا ريح مسك وغاليه
فكيف اصطباري يا قتادة بعدما شممت الذي في فيك أثأى ضماخية
أي أن في فيه داهية، يقال: لا شيء أنتن من جيفة، ولا جيفة أنتن من جيفة خنزير. المعنى: تشكو بخر قتادة بن مغرب.
وقال عبد الله بن أوفى في امرأته، إسلامي
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
نكحت بشهبيذق نكحة على الكرة ضرت ولم تنفع
ولم تغن من فاقة معدمًا ولم تجد خيرًا ولم تجمع
شهبيذق تعريب شهبنده أي مستعبدة السيد يعني الزوج، ويروى "نكحت ابنة المنتضى" ولم تجمع أي لم تجمع الشمل. المعنى: يذكر أنه تزوج امرأة لا خير فيها.
منجذة مثل كلب الهراش إذا هجع الناس لم تهجع
مفرقة بين جيرانها وما تستطع بينهم تقطع
بقول رأيت لما لا ترى وقيل سمعت ولم تسمع
وإن تشرب الزق لا يروها وإن تأكل الشاة لم تشبع
وليس بتاركة محرمًا ولو حف بالأسل الشرع
ولو صعدت في ذرى شاهق تزل بها العصم لم تصرع
فبئست قعاد الفتى وحدها وبئست موفية الأربع
منجذة مجربة، قوله فبئست قعاد البيت يقول: إذا انفردت بزوجها فهي مذمومة، وكذلك إن كان معها ثلاث نسوة فيكن بها أربعًا. المعنى: يصف امرأته بالنكارة والشراسة وقلة النوم اشتغالًا بالشر وتفريق الجيران بالكذب ويصفها بالرغب وارتكاب المحارم وإن صعب الوصول إليها، يصفها بالصلابة والجلادة، وإنها بئست زوجة الواحد، وبئست زوجة من له ثلاث.
وقال بعض آل المهلّب، قال دعبل: هو عبد الله بن عبد الرحمن ولقبه أبو الأنواء:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم واستوثقوا من رتاج الباب والدار
المعنى: يصفهم بغاية الشح، ويقول: يخفون كلامهم عند الأكل لئلا يسمع صوتهم إنسان فيضيفهم، وأغلقوا باب دارهم لئلا يدخل إليهم من يساعدهم.
لا يقبس الجار منهم فضل نارهم ولا تكف يد عن حرمه الجار
المعنى يقول: إنهم من شحهم لا يأخذ جارهم من نارهم، وهم مع ذلك يؤذون الجار وينتهكون محارمه.
وقال آخر:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
كاثر بسعد إن سعدًا كثيرة ولا تبغ من سعد وفاءً ولا نصرا
ولا تدع سعدًا اللقراع وخلها إذا أمنت ونعتها البلد القفرا
يروعك من سعد بن عمرو جسومها وتزهد فيها حين تقتلها خبرا
قتلت الشيء خبرًا إذا تحققته. المعنى: يصف بي سعد بكثرة العدد وقلة الوفاء وعدم النصرة، ويقول: لا يصلحون للحرب وإنما يصلحون لقول الشعر، ولهم منظر وليس لهم مخبر.
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أعاريب ذوو فخر بافك وألسنة لطاف في المقال
رضوا بصفات ما عدموه جهلًا وحسن القول من حسن الفعال
المعنى: يفتخرون بما ليس لهم، ورضوا من المعنى بالدعوى، ومن حسن الفعل بحسن القول.
وقال مالك بن أسماء: قال دعبل هي لعتيبة بن أسماء بن خارجة، وكان زار صديقًا، فلم بلغ باب داره شد عليه كلب صديقه فعضه:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
لو كنت أجمل خمرًا حين زرتكم لم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك تفغمني وعنبر الهند مشبوبًا على النا
تفغمني: تشد خياشيمي، ويروي "تعبقني" اي تنافحني من عبق به الطيب ويروي "والعنبر الطرب أذكيه على النار".
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني وكان يعرف ريح الزق والقار
المعنى: يصفهم بأنهم خمارون، وليسوا بأهل مروءة واستعمال الطيب، وإنما عضه الكلب لأنه أنكر رائحة الطيب لأنه لم يجدها قبله ولو كان يحمل خمرًا ما عضه الكلب.
وقال ابن هرمة، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
هجوت الأدعياء فناصبتني معاشر خلتها عربًا صحاحًا
المعنى: يعرض بقوم نازعوه لأجل آخرين هجاهم، ويقول: أنا هجوت الأدعياء فعادتني جماعة ظننت أن له نسبًا صحيحًا.
فقلت لهم وقد نبحوا طويلًا على فلم أجب لهم نباحا
أمنهم أنتم فأكف عنكم وادفع عنكم الشتم الصراخا
وإلا فاحمدوا رأيي فإني سأنفي عنكم التهم القباحا
وحسبك تهمة ببرئ قوم يضم على أخي سقم جناحا
المعنى: يستصرفهم عن معاونة من هجاهم، وقال: أنهم أدعياء ولا يتعصب للدعي إلا مثله.
وقال بن حصن، وهو مدرك بن حصن الفقعسي، وتروي للفرزدق، وقال دعبل: هي لعبد الله أو لأخيه مغلس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقد كنت أرمي الوحش وهي بغرة ويسكن أحيانًا إلى شرورها
فقد أمكنتني الوحش مذرث أسهمي وماضر وحشًا قانص لا يصيدها
فقد أمكنتني الوحش: أي دنت مني الجواري وأمكنتني من نفسها، مذرث سهمي: أي مذ شبت وفترت التي ولا حاجة لي فيهن. المعنى: يصف طلبه لمغازلته النساء أيام شبابه وطلبهن له وأنه لما شاب وفقد حاجته إليهن استوى الوصل والنفار منهن.
فأعرضت عن سلمي وقلت لصاحبي سواء علينا بخل سلمى وجودها
المعنى: يصف استواء الوصل والنفار منهن لعدم حاجته إليهن، وأنهن أمكنه من أنفسهن بعد كبر سنه كالوحش إذا علمت أن الصائد لا يقدر على صيدها.
فلا تحسدن عبسًا على ما أصابها وذم حياة قد تولى زهيدها
تشبه عبس هاشمًا أن تسربلت سرابيل خز أنكرتها جلودها
الزهيد: القليل. المعنى يسلي نفسه عما نالت عبس من العز يقول: لا تحسدهم على ما أصابوا، وذم حياة أدبر باقيها، ويروي "قد تولى حميدها" وقوله: تشبه عبس .. البيت، يريد تشبه عبس هاشم بن عبد مناف لأنها لبست الخز وما كانت تلبسه فأنكرتها جلودها أي أنكرت الخز جلودها.
فلا تحسبن الخير ضربة لازب لعبس إذا مامات عنها وليدها
فسادة عبس في الحديث نساؤها وقادة عبس في القديم عبيدها
وليدها: يعني الوليد بن عبد الملك بن مروان وكانت أمة عبسية. المعنى: يذكر عبسًا ويقول: يتشبهون بهاشم بن مناف لما لبسوا الخز وليس ذلك دائمًا لهم، فأما قوله: فسادة عبس .. البيت بالعبيد عنترة بن شداد وكان ابن أمة، وشداد لم يقبله ابنًا وكان يسميه عبدًا، ثم قبله ابنًا في بعض الحروب وله قصة. ويعني بالنساء وسليمان فإنها كانت عبسية، وزعموا أن الحسين بن المنذر قال لبعض بني عبس وتنازعا في شيء: إنما أنتم يا بني عب بحر إن ابتل ابتللتم وإن يبس يبستم.
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
أقول حين أرى كعبًا ولحيته ولا بارك الله في بضع وستين
من السنين تملاها بلا حسب ولا حياء ولا قدر ولادين
تملاها: عاشها طويلًا، من الملوين وهما الليل والنهار. وفي جر ستين قولان أحدهما أنه أخرجه على أصل حركته لالتقاء الساكنين وهو الكثير ضرورة كما قال:
وقد جاوزت حد الأربعين
والقول الآخر أن الشاعر أراد الوقف، وللعرب مذهب في الإسناد أنهم يطلقون في القوافي، ومنهم من يعربها ومنهم من ينون ما ينون وما لا ينون، فإذا وقف على نون الجمع لا يبين حركة فجاز ذلك مع نون الأصل في القوافي لأنك لا تجد هذه النون مكسورة إلا في القوفي. المعنى: يهجو كعبًا وذكر لحيته للشيب ويقول: عاش أكثر من ستين سنة من غير كرم ولا حياء ولا دين.
وقال عويف القوافي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
وما أمكم تحت الخوافق والقنا بثكلى زهراء من نسوة زهر
الخوافق هنا السيوف، وقيل الأعلام، والأول أجود لذكر القنا معها، والزهر المرأة يزهر لونها سرورًا. المعنى يقول: أنتم جبناء فلا تقتلون فتثكلكم أمكم، ولا
تقتلون أعداءكم، فيزهر لونها سرورًا بكم، وقال بعضهم: زهراء يعني بيضاء نقية وليس بشيء.
ألستم أقل الحي عند لوائهم وأكثرهم عند الغنيمة والقدر
المعنى: حقق جبنهم في البيت الأخير، ودل على رغبهم وحرصهم على الأكل، ويروي "عند الذبحية" وهو الأشهر.
وقال أيضًا
(الثاني من الطويل والقافية من التراكيب)
ونبئت ركبان الطريق تناذورا عقيلًا إذا حلوا الذناب فصرخدا
فتى يجعل المحض الصريح لبطنه شعارًا ويقري الضيف عضبًا مهندا
الذناب وصرخد: موضعان أي يأكله ويجعله لبطنه بمنزلة الشعار من الثياب للجسد، وهو الذي يليه، ويقري الضيف السيف بدل الإطعام ولا يضيفه إلا بالقتل. المعنى: يصف شهرة غدر عقيل وأن الناس يحذر بعضهم بعضًا من غدره، ثم بين غدره فقال: يقتل ضيفه ويأكل ماله، ويشبع دونه.
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أناخ اللؤم وسط بني رياح مطيته فأقسم لا يريم
كذلك كل ذي سفر إذا ما تناهى عند غايته مقيم
لا يريم: لا يبرح أي لا يجاوزهم. المعنى: يصفهم بغاية اللؤم وأن اللؤم كان يسافر في البلاد، فلما انتهى إليهم حلف لا يفارقهم لأنهم غاية قراره.
وقال آخر، إسلامي:
((الأول من الوافر والقافية من المتواتر))
إذا بكرية ولدت غلامًا فيا لؤمًا لذلك من غلام
يُزاحم في المآدب كل عبد وليس لذي الحفاظ بذي زحام
المعنى: يصفهم باللؤم الشامل، والرعب الفاحش، والمأدبة - بضم الدال وفتحها - طعام يصنع فيدعي إليه.
وقال آخر، إسلامي
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ردي ثم اشربي نهلًا وعلًا ولا تغررك أقوال ابن ذيب
فلو كان القليب على لحاهم لأسهل وطؤها شفة القليب
يخاطب ناقته أي اشربي كيف شئت، ولا تغتري بقول ابن ذيب، وقوله: فلو كان القليب .. البيت، أي ضاق وطؤها شفة القليب سهلا، والقليب البئر. المعنى يصفهم بالذلة وأنهم لا يقدرون على منع الإبل عن وطء لحاهم.
وقال أعرابي، إسلامي:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
إن تبغضوني فقد أسخنت أعينكم وقد أتيت حرامًا ما تظنونا
وقد ضممت إلى الأحشاء جارية عذبًا مقبلها مما تصونونا
المعنى يقول: إن أبغضتوني فحق لكم ذلك لأني فعلت ما اقتضى ذلك، ويذكر أنه تمتع بجارية مخدرة لهم حرامًا.
ياقبح الله أقوامًا إذا ذكروا بني عميرة أهل اللؤم والعار
قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوا في سوءةٍ لم يجنوها بأستار
قبح الله: أبعد الله، المعنى: يصفهم بالتقلب في الفواحش وملازمتهم إياها، ويروي "رهط اللؤم".
وقال آخر يهجو الحضري:
(من العروض الرابعة من السريع والقافية من المتواتر)
جواب بيداء بها عروف لا يأكل البقل ولا يريف
ويروي "به عروف" وأكثر الروايات "بيداء بها" على الواحدة، والعروف: الصبور وقوله: لا يأكل البقل ولا يريف، المسموع لا يريف، بفتح الياء، والقياس ضمها من أراف إذا أتى الريف أي لا يقيم في الريف.
ولا يرى في بيته القليف إلا الحميت المنعم المكشوف
القليف: التمر البصري، أي ليس هو من الحضر فيكون في بيته التمر، والقليف أيضًا ما ينقلف أن يتقشر من الخبر ويابس الفاكهة، والحميت عني السمن ويكون للعسل، والمفعم المملوء، وقد أفعمته أي ملأته.
للجار والضيف إذا يضيف والحضري مبطن معلوف
أي يكون الحمت مكشوفًا للجار إذا جاء أخذ منه ولا يحتاج إلى طلبه، وكذلك الضيف، والحميت بعد هذا بدل من القليف كأنه قال لا يرى إلا الحميت، والحضر مبطن أي عظيم البطن، والأشهر مبطان.
للفسو في أثوابه شفيف أعجب بيتيه له الكنيف
قوله للفسو يعني شفت ثيابه أي رقت بكثرة فسوه، ذكره الديمرتي قال: والصواب عندي أن الشفيف هذا ندوة. وذكر ابن دريد الشفيف: شدة حر الشمس وقال قوم بل هو شدة لذع البرد. وأعجب له يعني يعجبه الكنيف لحاجته إليه لكثرة أكله.
أوطانه مبقلة وسيف
السيف: ساحل البحر، المعنى: في الأبيات بمدح البدوي يجوب المفاوز،
وخلو بيته من البقل والتمر، وليس فيه إلا السمن المبذول للجار والضيف، ويهجو الحضري بكثرة الأكل والفسو وإعجابه بالخلاء
وقال ربعان، إسلامي:
(الثالث من الطويل والقافية من المتراكب)
إن كنت عميًا فكن فقع قرقر وإلا فكن إن شئت أير حمار
الفقع: ضرب من الكمأة. وقرقر: مكان مستقر. وأير حمار لا ينتفع به بوجه، فضرب المثل به في عدم المنافع. المعنى: يصفهم بالذل وعدم النفع.
فما دار عمي بدار خفارة ولا عقد عمى بعقد جوار
الخفارة: مصدر الخفير. المعنى: يصفهم بقلة الوفاء بالعهد وكثرة الخيانة والغدر. والعمي: منسوب إلى بني العم من بني مالك بن حنظلة.
وقال آخر:
(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)
أراني في بني حكم غريبًا على قتر أزور ولا أزار
أناس يأكلون اللحم دوني وتأتيني المقاذر والقتار
القتر والقطر: الناحية، والمقاذر جمع قذر على غير قياس، والقتار ريح القدر والمرق، المعنى: يشكو بني حكم بأنه يزورهم، ولا يزورونه، ويأكلون دونه ولا يضيفونه.
وقال آخر:
[الأول من الوافر والقافية من المتواتر]
وما إن في الحريش ولا عقيل ولا أولاد جفنة من كريم
ولا البرص الفقاح بني نمير ولا العجلان زائدة الظليم
زائدة الظليم خفه لأن الخف زائدة في الظليم ألا ترى أنه ليس من آلة الطائر وقد هوس بعضهم في الظليم بما لا يساوي ذكره. المعنى: ينفي هذه القبائل من الكرم وجعل العجلان قبيلة زائدة في القبائل كخف الظليم.
أولئك معشر كبنات نعش خوالف لا تسير مع النجوم
ويروي "لا تغور مع النجوم" وبنات نعش في الركود والثبوت لأنها تدور حول القطب، فلا تزول عن مرأى العين، يقول: هؤلاء القوم الذين لا يفدون إلى الملوك ولا يغزون العدو، ولا ينتجعون الغيث بل يقيمون على الذل والرضا باليسير.
وقال رجل من جرم لزياد الأعجم، وقيل: إنه لزياد، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
دلفت إلى صميمك بالقوافي عشية محفل فهتمت فاكا
وصدق ما أقول عليك قوم عرفت أباهم ونفوا أباكا
دلفت: أي مشيت بتؤدة، والدالف: الهرم لذلك، إلى صميمك أي قلبك أي
جرحت قلبك بالقوافي فهتمت فاك كسرت أسنانك أي أوجعتك وأحزنتك، والهتم: الكسر. المعنى يقول: هجوتك وتركتك لا تجسر تتكلم، وصدقني ما أقول فيك من يشهد بصحة نسبهم ويشهدون بفضيحة نسبك.
وقال زياد الأعجم، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومن أنتم إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر
المعنى: يهجوهم بأنهم سقاط لا يعرفون، والعرب تعبر عن الدولة بالريح فيقولون: هبت ريحه، وفي ضده سكنت ريحه، يقول: ريحكم شمول أم جنوب أم صبا أم دبور والأعاصر جمع إعصار.
وأنتم أولى جئتم مع البقل والدبا فطار وهذا شخصكم غير طائر
يقول ما عهد ناكم قبل الخصب، ولا رأيناكم أثرًا، فلما أخصب الناس نبعتم فكأنكم إنما جئتم مع البقل والدبا، فطار وبقي شخصكم، يرميههم بأنهم لا أصل لهم.
فلم تسمعوا إلا بما كان قبلكم ولم تدركوا إلا مدق الحوافر
المدق: موضع وقع الحافر. المعنى يقول: سمعتم من كان قبلكم ولم تدركوهم لحداثة ولادتكم أي ليس لكم قديم، ولم تكنوا إلا أذلة يطؤكم كل حافر.
وقال عمرو بن الهذيل العبدي:
[الأول من الطويل بالحزم والقافية من المتواتر]
نحن أقمنا أمر بكر بن وائل وأنت بثاج ما تمر وما تحلي
وما تستوى أحساب قوم تورثت قديمًا وأحساب نبتن مع البقل
ثاج: ماء لبني سعد، يخاطب بذلك مالك بن مسمع حين فر أيام العصبية.
المعنى يقول: باشرنا أمر الحرب وأنت لا نفع فيك ولا ضر، يرفعه عن قدم الأصل وإرث الحسب.
وقالت كنزة أم شملة بنت بردة المنقري في مية صاحبة ذي الرمة، قال عبد الله بن مسلم هي لذي الرمة، وذاك أنه كان يشبب بمية، وكانت من أجمل الناس، ولم تره قط، فجعلت لله ﷿ عليها أن تنحر بدنة أول ما تراه، فما رأته، رأت رجلًا دميمًا أسود. فقالت واسوءتاه، فقال ذو الرمة فيها هذه الأبيات:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا جبذا أهل الملا غير أنه إذا ذكرت مي فلا حبذا هيا
على وجه مي مسحة من ملاحة وتحت الثياب الخزي لو كان باديا
المعنى: تحمد أهل الملا وتخص مية منهم بالذم، وتصفها بظاهر الجمال وباطن القبح والنكال.
ألم تر أن الماء يخلف طعمه وإن كان لون الماء أبيض صافيًا
إذا ما أتاه وارد من ضرورة تولى بأضعاف الذي جاء ظاميا
يخلف طعمه: يتغير يجيء بخلاف ما ظن به. المعنى: شبهتها بالماء الصافي اللون الخبيث الطعم إذا أتاه العطشان زاده عطشًا لأنه لا يتمكن من شربه لزعوقته.
كذلك مي في الثياب إذا بدت وأثوابها يُخفين منها المخازيا
فلو أن غيلان الشقي بدت له مجردة يومًا لما قال ذا ليا
المخازي جمع خزي على غير قياس، وغيلان ذو الرمة وهو غيلان بن عقبة التيمي، ويروي "لما قال آليًا" فآليا هو فاعل من قولهم لا يألو أي لا يقصر، وقيل: الاليا من الآلية أي الحلف يعني حالفًا، لا حسنها المسموع، ومنه آلى يولي على أفعل، وقيل: ذا ليا يعني ذا لي ما تمناها، وقال بعضهم: يجوز أن تكون الهمزة من آليا مبدلة من الهاء أي لما قال "هاليا" أي ما توجع من حبها كقوله: "فها لي منها إذ أصيب صميمي".
كقول مضى منه ولكن لرده إلى غير مي أو لأصبح ساليا
كقول مضى أي ما قال بدءا، ولكن قوله إلى غير مي أو سلا عن كل غزل لما
يبدو من قبح بدن مية، المعنى: تقول لو رأهاذو الرمة متجردة لسلا عنها ولم يشبب بها.
وقال أبو العتاهية العتاهية فعالية من التعته وهو التحسن والتزين، ورجل معتوه بين العتاهية أي مجنون.
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
جزي البخيل علي صاحلة عني بخفته على ظهري
أي جزي البخيل على مثوبة بخفته على ظهري، وضع الاسم مكان الصدر يعني بتخفيفه على ظهري يقول: لو جاد علي لكان قد أثقل ظهري بمنته، فلما بخل خفف ظهري فلم يلزمني شكره.
أعلى وأكرم عن يديه يدي فعلت ونزه قدره قدري
قوله أعلى وأكرم .. البيت لأنه لو كان أعطاني لكانت يده فوق يدي وقدره فوق قدري.
ورزقت من جدواه عافية ألا يضبق بشكره صدري
وغنيت خلوًا من تفضله أحنوا عليه بأحسن العذر
المعنى يقول: عوفيت وسلمت من عطائه لأنه كان يلزمني شكره، ولو وصل
إلي عطاؤه لكان يضيق صدري بشكر مثله، وقوله: غنيت خلوًا أي بقيت خاليًا من تفضله.
ما فاتني خير امرئ وضعت عني يداه مئونة الشكر
المعنى: شكر البخيل بحرمانه إياه لسقوط مئونة شكره عنه ولعذره عليه ويعتد بذلك خيرًا منه، وهذه الأبيات خارجة عن حد الهجاء لاحقة بباب الأدب لأنها في القناعة.
وقال ابن عبدل الأسدي، عبدل بمعنى عبد واللام زائدة:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
أضحى عراجة قد تعوج دينه بعد المشيب تعوج المسمار
أي ترك الاستقامة التي كان عليها في الدين، وشبه ذلك بتعوج المسمار لأنه لا يستقيم وينكسر.
وإذا نظرت إلى عراجة خلته فُرجت قوائمه بأير حمار
فرجت قوائمه يعني عن أير حمار، شبه قوائمه بأير حمار، ويجوز أن يكون المراد كأن قوائمه من أير حمار أي شقت منه وخلقت لوحشتها، والباء قد تجئ بمعنى من، ويحتمل أن يكون المراد به عوج القوائم لأن أير الحمار ليس بآلة القطع فما يقطع به لا يكون مستويًا. المعنى يصف اعوجاجه، ويصفه بالتخلف عن دينه ويذكر قبحه.
وقالت أم عمرو بنت وقدان، وهو فعلان من الوقد، وهو الوقود بعينه:
(الأول من الكامل والقافية من المتراكب)
إن أنتم لم تطلبوا بأخيكم فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق
الأبرق: مكان، والتوحيش بالموضع إخلاؤه، ويجوز أن يكون المراد، فذروا السلاح ووحشوا بهذا المكان. المعنى تعيرهم بالقعود عن طلب الثأر، وتحثهم عليه تقول: أن لم تطلبوا ذلك فذروا السلاح فلستم برجال.
وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا نقب النساء فبئس رهط الرهق
النقب: جمع نقبة وهو ثوب تلبسه المرأة ويروى "المرهق" وهو أجود المعنى: تقول البسوا آلات السناء، ودعوا آلات الرجال، تعيرهم بتركهم طلب الثأر.
ألهاكم أن تطلبوا بأخيكم أكل الخزير ولعق أجرد أمحق
الأمحق من المحق وهو ذهاب الشيء، وليست له فعلاء، تعني: لبنا أجرد قد ذهبت رغوته فلا رغوة له. المعنى: تقول شغلكم أكل الخزير عن طلب الثأر بأخيكم، والخزير طعام يصفي بلال النخالة فيطبخ منه.
وقالت عاصية البولانية، من طيئ:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فلو أن قومي قتلتهم عصابة من السروات والرؤوس الذوائب
صبرنا لما يأتي به الدهر عامدًا ولكنما آثارنا في محارب
قبيل لئام إن ظهرنا عليهم وإن يغلبونا يوجدوا شر غالب
العصابة بالكسر دون القبيلة العظيمة، قبيل لئام: لم تجعلهم من بني أب واحد. المعنى: لو كان قتلهم قوم كرام صبرنا ولكن قتلهم لئام، فهم أشد علينا لأنا إن ظفرنا بهم لم يكن موضع الفخر للؤمهم وإن غلبونا كان شيئًا مستأنفًا.
وقالت غيرها:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
إذا ما الرزق أحجم عن كريم وألجأه الزمان إلى زياد
تلقاه بوجه مُكفهر كأن عليه أرزاق العباد
مكفهر: إذا ركب بعضه بعضًا، ويكون أظلم إذا كان كذلك، ويروي "بوجه مقشعر" أي متشنج متقطب. المعنى: تصف زيادًا بعبوس وجهه عند السؤال.
وقال أبو محمد اليزيدي، إسلامي كان مؤدبًا للمأمون:
(الأول من الكامل والقافية من المتراكب)
عجبا لأحمد والعجائب جمة أني يلوم على الزمان تبذلي
إن العجيب لما أثبتك أمره من كل مثلوج الفؤاد مهبل
مهبل ملقى، المثلوج: البليد الفؤاد. المعنى يقول: عجبت لأحمد كيف يلوم تبذلي على الزمان، وليس العجب من تبذلي ولكن العجب من كل جاهل بليد.
وغد يلوك لسانه بلهاته وترى ضبابة قلبه لا تنجلي
متصرف للنوك في غلوائه زمر المروءة جامع في المسحل
يقول: هو مظلم القلب كأنه مغطى لا ينكشف غطاؤه ويقول: يتقلب في أتم الخلق وأرفعه، ورمز المروءة قليلها، وجامح في المسحل مثل الدابة يجمع فلا ينقاد، والمسحل حديدة اللجام.
وإذا شهدت به مجالس ذي النهي وبلت سحابته بنوك مسهل
غلب الزمان بجده فسما به وكبا الزمان لوجهه والكلكل
المعنى بقول: أتعجب من كل أحمق متناه في الحمق والبلادة، صعب المراس قد عوه حدة وغلب الزمان فسما بجده.
ولقد سموت بهمتي وسما بها طلبي المكارم بالفعال الأفضل
لأنال مكرمة الحياة وربما عثر الزمان بذي الدهاء الحول
فلئن غلبت لتمضين ضريبتي كلب الزمان بعفة وتجمل
المعنى: يقول أنا أسمو بهمتي في طلب المكارم لأنال مكرمة حياتي فلا أرتكب فيها شيئًا يلزمني ذمًا، ثم قال: والزمان قد يغلب الداهي الكثير الحيلة، ثم قال: لئن غلبني الزمان فإن تحملي وعفافي يغلب شدائده.
تم باب الهجاء
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع