من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الأضياف (٢)
إذا لاقيت قومي فاسأليهم كفي قومي بصاحبهم خبيرا
هل أعفوا عن أصول الحق فيهم إذا عظمت واقتطع الصدورا
ومعني أقتطع الصدورا: آخذ ما سهل أخذه من أوائل الحقوق، وهذا هو الكرم، المعني: يخاطب جارية ويقول: سلي قومي فإنهم يخبرونك بكرمي وبحسن مسامحتي إياهم وجميل معاملتي.
وقال عمرو بن الإطنابة الخزوجي، مخضرم:
((الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
إني من القوم الذين إذا انتدوا بدأوا بحق الله ثم النائل
المانعين من الخنا جاراتهم والحاشدين علي طعام النازل
انتدوا: جلسوا في المجلس كما بينا قبل، وبدوا بحق الله يعني الواجبات ثم بالنائل وهو العطاء للسائل، وقوله: المانعين البيت أي لا يفحشون القول لجاراتهم ويصورهن من ذلك، وقوله: [الحاشدين أي الذين لا يفترون عن القيام بذلك وهو من قولهم في الإبل لها حاشد وهو الذي لا يفتر عن حلبها]، وقيل معناه: إذا نزل بهم ضيف لم يطعموه وجده ولكنهم يجمعون القوم يأكلون معه وينسونه، والحشد الجمع.
والخالطين فقيرهم بغنيهم والباذلين عطاءهم للسائل
والضاربين الكبش يبرق بيضه ضرب المهجهج عن حياض الآبل
الخالطين: أي يقربون الفقير ولا يميزونه من الأغنياء إجلالاً له، وتوفرًا عليه، والهجهج الذي يطرد الإبل الذي يطرد الإبل من الحوض إذا رويت، والآبل: صاحب الإبل.
والقاتلين لدي الوغي أقرانهم إن المنية من وراء الوائل
خزر عيونهم إلي أعدائهم يمشون مشي الأسد تحت الوابل
والقائلين فلا يعاب كلامهم يوم المقامة بالقضاء الفاصل
إن المنية من وراء الوائل يقول: المنية من وراء الهارب أي تلحقه علي كل حال، لا منجي منها، ويوم القيامة يعني يوم الجماعة، وبالقضاء الفاصل أي بالحكم الفاصل، يصفهم بالبيان واللسن والحجة القاطعة.
ليسوا يأنكاس ولا ميل إذا ما الحرب شبت أشعلوا بالشاعل
الميل: جمع أميل وهو الذي لا سلاح معه. المعني: يصف مناقب قومه وأنهم يقدمون الواجبات، ويعقبونها بالنقل، ويصفهم بعفة اللسان وإكرام الضيف وتفقد الجار، واطلاب السائل، والشجاعة، وفصل الخطاب ونفي عنهم الفسولة، والعجز عن الفروسية.
وقالت حبيبة بنت عبد العزي العوراء:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
إلي الفتي بر تلكأ ناقتي فكسا منا سمها النجيع الأسود
المعني: تدعو علي ناقتها بدوام السير والتعب حتى تدمي قوائمها، لأنها لم تسرع إلي الفتي بر.
إني ورب الرقصات إلي مني بجنوب مكة هديهن مقلد
أولي علي هلك الطعام أليه أبدًا ولكني أبين وأنشد
بجنوب مكة بنواحيها، أولي علي هلك الطعام أي لا أولي علي أن طعامي هلك وليس عندي شيء كما يفعل اللئام، وهذا حسن لقولها ولكني أبين وأنشد، وإنما جاز حذف لا هاهنا لما علم أن القسم لا يكون بغير واللام ومثله كثير، قال امرؤ القيس:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا
وقيل معني أبين أظهر منزلي ولا أخفيه، وأنشد أطلب من يأكل الطعام من نشدت الضالة إذا طلبتها. والمعني: تحلف بالتي يحج عليها والإبل التي سبقت هديًا إلي بيت الله تعالي أنها لا تحلف علي أن طعامها نفد ولكنها تدعو اليه.
وصي بها جدي وعلمني أبي نفض الوعاء وكل زاد ينفد
نفض الوعاء تفريغه ببذل ما فيه، ولت بقولها، وصي بها جدي أن أباها وجدها كان كريمين. المعني: زعمت أن ذلك وصية جدها، وذكرت أن أباها علمها البذل والسخاء.
فاحفظ حميتك لا أبالك واحترس لا تخرقنه فارة أو جدجد
الجدجد: صرار الليل وأمه شبيه بصوته. المعني: تخاطب رجلا ببخله تقول: إن لم تطعم ما في حميتك فأحفظ لا تعمل فيه الفارة والجدجد.
وقال مالك بن جعدة التغلبي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
فابلغ صلهبًا عني وسعدًا تحيات مأثرها سفور
فإنك يوم تأتيني حريباً تحل علي يومئذ نذور
صهلب: اسم وهو كبير، وسفور أي كتب تنسخ، حريباً أي محروب ذاهب المال ويروي "تحل: أي تنزل، وتحل تجب، وهذا أجود.
تحل علي مفرهة سناد علي أخفافها علق يمور
لأمك ويلة وعليك أخري فلا شاة تنيل ولا بعير
يمور يجئ ويذهب، يعني أعرقبها فأنحرها وأطعمها يوم تجيئني محروبًا مسلوب المال، وقوله لأمك يدعو عليه وعلي أمه بالويل وهو الهلاك. المعني: هذا الشاعر كان قد سأل صلهبًا فحرمه فعيره ببغله فقال: إن أتيتني بخلافك ونحرت لك ناقة نفيسة، وأطعمتك وأنت لا تعطي نفسيًا ولا خسيسًا.
وقال عبد الله الحوالي من الأزد، إسلامي، منسوب إلي بني حوالة، والحوالي الجيد الرأي:
[الثاني من الطويل والقافية من المتواتر]
لما تعيا بالقلوص ورحلها كفي الله كعبًا ما تعيًا به كعب
دعونا لها قينًا رفيقًا بمدية يجزئها فينا كما يجزأ النهب
تعيا وتعايا من العي وهو العجز وتعيته بالقلوص هو أنها حسرت فنحروها،
وذلك معني قوله: دعونا لها قينًا وفيقًا، وكل خادم عند العرب قين، والعبد قين، ويجزأ النهب أي الغنيمة.
لعمري لقد ضيعت يا كعب ناقة يسيرً عليها أن يضر بها الركب
موكلة بالأولين فكلما رأت رفقة فالألوان لها نصب
يسيرًا عليها أن يضربها الركب أي كان إتعاب الركب إياها هيناً عليها، موكلة، بالأولين أي كانت ترمي بنفسها غلي الرفاق كما يرمي الهدف، ورفقة أي جماعة، والنصب: الشيء المنصوب. المعني يقول. لما تبلد كعب قلوصه كفاه الله أمرها بأن أمر بنحرها، واقتسمنا لحمها ثم وصف القلوص باحتمال التعب والتجافي في السير.
وقال حجر بن خالد يمدح النعمان بن المنذر، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد كمثل أبي قابوس حزمًا ونائًلا
كمثل أبي قابوس وهو أشهر، وأبو قابوس كنيته النعمان بن المنذر أي لم أجد مثله في الحزم والعطاء.
فساق الإله الغيث من كل بلدة إليك وأضحي حول بيتك نازًلا
فأصبح منه كل واد حللته من الأرض مسفوح المذانب سائًلا
المعنى: يفضله علي كل من سمع به حزامه وسخاوة، ودع له بالسقيا الواسعة حتى يجري الماء في أسافل أوديته وهذا علي رسم العرب لأن الجدب من قلة المطر.
متى ينع ينع البأس والجود والندي وتصبح قلوص الحرب جرباء حائلا
ليس للحرب قلوص وانما هذا مجاز استعمله لضعف الحرب لأن القلوص اذا جربت لم تركب، وإذا حالت لم تحلب. المعني: يصفه بأنه قوام الجود والحرب به فإذا مات لم يكن جود ولم يكن للحرب من يباشرها.
فلا ملك ما يدركنك سعيه ولا سوقه ما يمدحنك باطلا
المعني: يعجز الملوك عن سعيه، ويصدق السوق في مدحه يقول: كل ملك وإن اجتهد فلا يدرك سعيك، وكل سوقة وان احتشد فلا يفرط في مدحك لأنك أهل لكل مدح.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبح بعد الهدوء دعوته بشقراء مثل الفجر ذاك وقودها
ومستنبح: متقدم تفسيره، شقراء يعني نارًا سماها شقراء بلونها، وشبهها بالفجر لارتفاعها وانتشارها، ذاك وقودها أي متقد إيقادها، وهذا من باب جنونك مجنون، وشعرها شاعر، يراد به المبالغة، ومعني دعائه بالنار إلهابه إياها ليبعد ضوؤها فيجئ إليها.
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا بموقد نار محمد من يرودها
بموقد نار يعني نفسه، محمد من يرودها أي محمد رائدها، يعني من أتاها حمد
أمرها وأهلها. المعني: يصف استجلابه بضوء النار وترحيبه.
نصبت له جوفاء ذات ضبابة من الدهم مبطانًا طويًلا ركودها
جوفاء يعني قدرًا واسعة لها جوف، ذات ضبابة من الدهم، شبه الشحم فوق المرق في القدر بالضبابة وهي السحابة تدنو من الأرض، ويحتمل أن يريد به ما يعلوها من البخار، وجعلها مبطانًا من الشحم أي عظيمة، كثيرًا ما في بطنها، ويروي "من الهم" أي السود، طويًلا ركودها أي لبثها علي النار لعظمها وكثرة لحمها. المعني: يصف نصبه قدرًا عظمها وكثرة لحمها. المعني: يصف نصبه قدرًا عظيمة لأجله ويعرفه مراده في الظعن والمقام ليتبغه.
فان شئت أثويناك في الحي مكرمًا وان شئت بلغناك أرضًا تريدها
معني هذا البيت قد اندرج في شرح الأبيات المتقدمة وهو أنه خيرة بين المسير والمقام، وأثويناك أنزلناك.
وقال آخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبح تهوي مساقط رأسه إلي كل شخص فهو للسمع أصور
أي يميل رأسه إلي كل شخص يقدره إنسانًا يلتجئ إليه، لأنه ضل لطريق، وهو ممل أي يكاد يسقط رأسه من شدة ما يلتفت يمينًا وشماًلا فهو للسمع أصور أي مائل والجمع صور.
يصفقه أنف من الريح بارد ونكباء ليلٍ من جمادي وصرصر
حبيب إلي كلب الكريم مناخه بغيض إلي الكوماء والكلب أبصر
حبيب أي نزوله وإنما يحبه كلب الكريم لأن الكريم ينحر له فيأكل الكلب فضل ما يبقي، والكلب لأنه من تحب محبته يعني الضيف، وأنف الريح أولها، والصرصر: ريح باردة.
حصأت له ناري فأبصر ضوءها وما ماد لولا حضأة النار يبصر
حضأت أي أشعلت، وما كاد المستنبح لولا حضأة النار يبصر من شدة الظلمة.
دعته بغير اسم هلم إلي القرى فأسري يبوع الأرض والنار تزهر
فلما أضاءت شخصه قلت مرحبًا هلم وللصالين بالنار أبشروا
دعته أي بضوئها لا باسم، يبوع الأرض أي يوسع الخطي، كأنه جعل كل خطوة تزهر أي تضئ. ويقول أضاءت النار شخصه أي تبينه، ويقول: بشرت المصطليين بناري بحضور ضيف آخر.
فجاء ومحمود القرى يستنفزه إليها وداعي الليل بالصبح يصفر
يستفزه من الفرح، وداعي الليل بالصبح يصفر قيل: انه من ما يصوت سحراً مثل الديك ونحوه، ويروي " وداعي الليل والليل مدبر" أي جاء في آخر الليل فكأنه قال والليل قد سبق وطرد.
تأخرت حتى لم تكد تصطفي القرى علي أهله والحق لا يتأخر
تأخرت أي قلت له تأخرت، حتى لم تكد تصطفي القرى أي تسبق غيرك إلي القرى، فتنال صفوة القرى أي خياره، والحق لا يتأخر يعني حق الضيف لا يتأخر وان تأخر حضوره.
وقمت بنصل السيف والبرك هاجد بهازره والموت في السيف ينظر
فأغضضته الطولى سنامًا وخيرها بلاء وخير الخير ما يتخير
والبرك هاجد يعني الإبل، وبهزاره سمان جسام، فأغضضته يعني أعضضت السيف أطولها سناماً أي عرفتها بالسيف حتى عضها السيف، وهو مجاز وخيرها بلاء يعني أفرها ولداً أغزرها لبناً، ووطأها ظهراً وأخفها سيرًا، لأن البلاء النعمة، وهذه نعمة الناقة.
فباتت رحاب جونة من لحامها وفوها بما في جوفها يتغرغر
ويروي "رحاب جوزة من لحامها" أي ملئت لحماً كما يملأ العطار جونته من متاعه، يتغرغر يصوت. المعني: يصف إنسانًا حيره ضلال الطريق وشدة البرد، واهتدي بضوء نارة إليه فأحسن قراه وأكرم مثواه، ونحر له خير إبله، وطبخ وأطعنه، ورحاب: قدور واسعة.
وقال لآخر
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ومايك في من عيب فأني جبان الكلب مهزول الفصيل
يتمدح بأن كلبه جبان، لأنه لا يجسر أن يذبح علي الضيف، وفصيله مهزول لأنه يثر الضيف عليه بلبن أمه أو ينحر أمه قبل الفصال فيهزل لذلك، يذكر كرمه وحبه للقري.
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
سأقدح من قدري نصيبا لجارتيوان كان ما فيها كفافًا علي أهلي
إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي يكون قليلاً لم تشاركه في الفضل
المعنى: يقول: أنزل جارتي منزلة عيالي وأعطيها من ذات القدر، وان لم يكن فيها فضل، ثم بين أ، من لم يعط صاحبه من قلة لم يعط من كثرة.
وقال عمرو بن الأهتم، مخضرم، والهتم: كسر الثنايا وامرأة هتماء:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
ذريني فإن الشح يا أم هيثم لصالح أخلاق الرجال سروق
ويروي "يا أم مالك" المعني يقول: ذريني يا أم مالك أجر علي الكرم فان الشح يزين للإنسان العذر الكاذب والعلل الباطلة، فكأنه يسرق أخلاقه الحميدة، يقول: كل خلق شريف يفسده البخل.
ذريني وحطي في هواي فإنني علي الحسب الزاكي الرفيع شفيق
حطي في هواي أي ساعديني علي الجود. والمعني يستعد أم مالك علي كرمه، ويبين لها أنه يشفق علي كرمه وحسبه أن يتدنس بعيب.
ذريني فأني ذو عيال تهمني نوائب يغشي رزها وحقوق
جعل الضيفان والزوار عيالا، يغشي أي يغشاني رزها، ويرزأ أي يصاب. المعني يذكر أن من قصده ولزمه حقه فهو بمنزلة عياله الذي يلزمه القيام بأمره.
وكل كريم يتقي الذم بالقري وللحمد بين الصحالين طريق
ويروى مكان الحمد الحزم. المعني يقول: كل كريم يطعم الضيف خشية أن يذم، والكرام لهم طرق في الكرم يسلكونها.
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
المعني: يبين أن الأماكن لا تضيق علي الناس، ولكن أخلاقهم الذميمة تضيق عليهم.
وقال عروة بن الورد، يقول لقيس بن زهير، وهمنا من بني عبس:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
إني امرؤ عافي إنائي شركة وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
المعني: يقول: أنا آكل مع جماعة، وأنت تأكل وحدك.
أتهزأ مني أن سمنت وأن تري بنفسي شحوب الحق والحق جاهد
شحوب الحق تغير اللون لما يلحقه من جهد الحق لهذا قال: والحق جاهد
المعني: يبين أن احتمال كد الحقوق أشحب لونه.
أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
أقسم جسمي أي غذاء جسمي وقوت جسمي أي أفرق قوتي علي جماعة كثيرة، واقتصر من اللبن علي الماء البارد أي أفعل ذلك في الشتاء، لأن القحط أكثر والماء أبرد، ويروي أن عبد الملك بن مروان قال: "ما يسرني أن أحدًا من العرب وادني إلا عروة بن الورد لقوله: " إني امرؤ عافي إنائي شركة"
وقال آخر، وهو أبو العتاهية:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أجلك قوم حين صرت إلي الغني وكل غني في العيون جليل
وليس الغني إلا غني زين الفتي عشية يقري أو غداة ينيل
المعني: يعنف رجلا استغني وأحله القوم وعظموه، ولم يكتسب بغناه حمداً ولا أجراً وقال: ليس الغني إلا ما يضاف به القوم عشية إذا نزلوا ويصلهم بالغداة إذا ارتحلوا.
وقال مثلم بن رياح بن ظالم المري: وقال دعبل هي للشبيب بن البرصاء:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
بكر العواذل بالسواد يلمنني جهلاً يثلن ألا تري ما تصنع
أفنيت مالك في السفاه وإنما أمر السفاهة ما أمرنك أجمع
إنما قالت العرب: بكرت العواذل لأنهم كانوا يشربون ليًلا ويسكرون ويهبون فإذا أصبحوا لامهم من أرد لومهم علي ذلك، وقوله بالسواد يعني في سواد الليل، المعني يصف لوم اللوائم إياه علي بذله، وتسفيههن إياه علي ذلك، وأخبر أن السفاهة في المنع دون البذل.
وقتود ناجيةٍ وضعت بقفرةٍ والطير غاشية العافي وقع
غاشية آتية، وأضاف العافي لاختلاف اللفظين. المعني يقول كم من راحلة نحرتها لأصحابي وألقيت رحلها بقفر من الأرض ليعلم أني كريم.
بمهند ذي حلية جردته يبري الأصم من العظام ويقطع
لتنوب نائبة فتتعلم أننيممن يفر علي الثناء فيخدع
يبري الأصم أي يقطع. المعني يقول: كم من راحلة -ذكرها - قد نحرتها لرفاقي ليتحققوا أني كريم، وهذا معني قوله ممن يغر علي الثناء فيخدع لأن اللئيم لا ينخدع.
إني مقسم ما ملكت فجاعل أجرًا لآخره ودنيا تنفع
المعني يقول: إني أقسم مالي قسمين فأجعل أحدهما للمعاد والآخر لثناء الدنيا.
وقال أبو البرج القاسم بن حنبل المري في زفر بن أبي هشام بن مسعود بن سنان، إسلامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أوي الخلان بعد أبي حبيب وحجر في جنابهم جفاء
من البيض الوجوه بني سنان لو أنك تستضئ بهم أضاءوا
لهم نور النهار إذا استقلت ونور لا يغيبه العماء
هم حلوا من الشرف المعلى وممن حسب لعشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلمدماهم من الكلب الشفاء
فأما بيتهم إن عد بيت فطال السمك واتسع الفناء
وأما أسه فعلي قديم من العادي عن ذكر البناء
فلو أن السماء دنت لمجد ومكرمة دنت لهم السماء
المعلى بعني أعلي رتب الشرف، دماهم من الكلب أي ملوك، والكلب أن يعض الرجل الكلب، فيأخذه من تلك العضة عطاش لا يقدر علي شرب الماء البارد لأنه يري أمثال الجراء، والعرب تزعم أن الكلب إذا عض الرجل استحال صوته نباحًا، فينتظر به سبعة أيام فأن بال فيهن علي خلق الجراء برأ وإلا مات، ويزعمون أنه لا دواء أبلغ من شرب دم ملك، ويقال: انه يسعط به.
وقال أرطاة بن سهجة، إسلامي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ولو أن ما نعطي من المال نبتغيبه المجد يعطي مثله زاخر البحر
لظلت قراقير صيامًا بظاهر من الضحل كانت قبل في لجج خضر
الزاخر المرتفع، والقراقير: السفن الطوال، الواحد قرقور، والضحل: الماء القليل، يترقرق علي وجه الأرض، والأخضر يريدون الأسود، أي لو كانت عطية البحر مثل عطيتنا التي نطلب بها الحمد لطبقت المفاوز حتى كانت السفن تجري علي الماء فيها.
ولا نكسر العظم الصحيح تعززًا ونغني عن المولي ونجبر ذا الكسر
غلبنا بني حواء مجداً وسددًا ولكننا لم نستطع غلب الدهر
لا نكسر العظم الصحيح أي لا نفصل اللحم إذا أعطيناه، ولكنا نعطيه صحيحًا لعزنًا، وقيل معناه لا نكسر عظم ابن عمنا أي لا نذله ونقهره ولا نتعزز عليه، وقوله ولكننا لم نستطع غلب الدهر، كأنهم أصابهم وهن فنسب ذلك إلي الدهر, واعترف بالعجز عنه. المعني: يصف نفسه وقومه بكثرة العطاء وسد خله المحتاج، وفضل مجدهم علي جميع الناس واعتذار من وهن لحقهم بأنه فعل الدهر، والدهر لا يغلب.
وقال حجر بن حية العبسي:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
ولا أدوم قدري بعدما نضجت بخلا لتمنع ما فيها أثافيها
لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ولا أقوم بها في الحي أخرتها
لا أحرم الجارة الدنيا إذا اقتربت ولا أقوم بها في الحي أخزيها
أي ما دامت علي النار نغترف منها، وقيل، لا أسكن حرها بالماء، والأول الوجه، والثاني صحيح من جهة اللغة، الدنيا تأنيث الأدنى، ولا أقوم ... الخ
أي لا أشتمها ولا أفضحها، وأخزيها من الخزاية وهو الاستحياء أي أقوال لها ما تستحي منه، ويحتمل من الخزي وهو الهوان.
ولا أكلمها إلا علانية ولا أخبرها إلا أناديها
قوله ولا أكلمها .... الخ أي أسرها ريبة. يصف سخاءه في تقديم الطعام وعطاه الجارة إذا جاءت سائلة، وعفافه عما يسوئها، واجتنابه مما يرتاب الناس في أمره معها.
وقال المساور بن هند بن قيس بن زهير، إسلامي كان في زمن عبد الملك بن مروان:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
فدي لبني عبد غداة دعوتهم بجو وبال النفس والأبوان
إذا جارة شلت لسعد بن مالك لها ابل شلت لها ابلان
إذا جارة شلت لسعد بن مالك لها ذمة عزت بكل مكان
لبني عبد يعني بن الحارث بن سعد بن مالك من بني أسد، وبال: ماء لبني أسد، وسعد بن مالك بن ثعلبة بن دودان. المعني: يفدي نفسه وأبويه بني عبد بن الحارث، ويذكر اعتزاز الجار بهم، ومنعتهم، وأنهم لا يحتملون ضيم أحد.
إذا سئلوا ما ليس بالحق فيهم أبي كل مجني عليه وجان
ودار حفاظ قد حللتم مهانة بها نيبكم والضيف غير مهان
النيب جمع ناب وهو المسن من الإبل، ودار حفاظ هي التي يقيم بها أهلها في الجدب والخصب، يحافظ عليها ضنًا بها، ومهانة بها نيبكم أي تنحرونها للأَضياف. المعني: صرف الكلام عن الخبر إلي الخطاب، يقول: إنكم تكرمون الضيف وتهينون الإبل هبة ونحراً.
وقال أيضًا
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
جزي الله خيرًا غاليًا من عشيرة إذا حدثان الدهر نابت نوائبه
فكم دافعوا من كربة قد تلاحمت علي وموج قد علتني غواربه
غالب حي من أحياء العرب، المعني: يستجيز الله خيرً لغالب ويشكر بلاءهم في النوائب، ومدفعتهم عنه كرباً عظاماً.
إذا قلت عودوا عاد كل شمردل أشم من الفتيان جزل مواهبة
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها تجرد فيها متلف المال كاسبه
الشمردل: القوي السريع، إذا أخذت بزل المخاض يعني سمنت وجعلت سمنها كالسلاح لأن صاحبها يضن بها إذا رأس سمنها فلا ينحرها، تجرد فيها أي تأهب لنحرها، متلف المال يعني الممدوح يتلف ماله في المكارم، ويكسبه من الغارات. المعني: يصفهم بحسن القامة والخفة، وبعظم الموهبة، وذكر أن سمن مالهم لا يمنعهم من نحره كما يمنع غيرهم.
وقال حاتم الطائي، جاهلي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك وياء ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيًلا فإني لست آكله وحدي
هذه الأبيات لحاتم الطائي يخاطب بها امرأته وهي ماوية بنت عبد الله، وذوا البردين عامر بن أحمر بن بهدلة، وله حديث، يقول: إذا صنعت الزاد فالتمس غريباً أكيلا ويروي "قصياً كريماً" أو قريبًا، والقصي: النائية عن وطنه.
أخًا طارقًا أو جارا بيت فإننيأخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وإني لعبد الضيف ما دام نازلًا وما في إلا تلك من شيم العبد
مذمات الأحاديث: ما يتحدث به ويستحي منه. المعني: يكلف امرأته التماس منواله كلما أكل كي لا يتحدث عنه بالبخل، ودل على حسن خدمته للضيف.
وقال آخر وهو أبو العتاهية:
(الثالث الطويل والقافية من المتواتر)
وليس فتى الفتيان من جل همهصبوح وإن أمسى ففضل غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح أوغدا لضر عدوا أو لنفع صديق
المعنى يقول: ليس الفتوة في الأكل والشرب، ولكنها في ضر الأعداء ونفع الأصدقاء.
وقال حزاز بن عمرو من نبي عبد مناة، جاهلي:
(الثالث من المتقارب والقافية من المتدارك)
لنا أبل لم تهن ربها كرامتها والفتى ذاهب
هجان يكافأ فيها الصديقويدرك فيها المني الراغب
ونطعن عنها نحور العدا ويشرب منا بها الشارب
لم يهن ربها كرامتها أي لم يكرمها بأن لا ينحرها ولا يهب منها، والفتى ذاهب أي ميت. المعنى: يفتخر بكثرة الإبل وجودهم بها للصديق، ونيلهم بها المجد، ودفعهم العدا عنها، وربهم الخمر.
ونؤلفها في السنين الكلولإذا لم يجد مكسبًا كاسب
ولم تك يومًا إذا روحتعلى الحي يلغى لها جادب
حبانا بها جدنا والالهوضرب لنا خذم صائب
الجادب العائب، وحبانا بها جدنا أعطانا، والاسم: الحباء. المعنى: يصف توسيعهم على الضعف في الجحظ من مالهم وابلهم، وانتفاء العيوب عنها، وإنهم ملكوها بالسيف.
وقال منصور بن مسجاح الضبي، ومسجاح: مفعال من قولهم: ملكت فأسجح:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
ومتخبط قد جاء أو ذي قربة فما اعتذرت إبلي عليه ولا نفسي
المتخبط: الذي قد جاء يقصد طالباً معروف، من غير تقدم معرفته، ويروى ((فما اعتذرت إبلي إليه))
حبسنا ولم نسرح لكي لا يلومنا على حكمة صبرًا معوذة الحبس
فطاف كما طاف المصدق وسطها يخير منها في البوازل والسدس
معودة الحبس على الحقوق فهي عارفة بها مقرة، وطاف يعني المتخبط وسط الإبل كما يطوف الذي يأخذ الصدقات بلا حشمة ويخير منها أي يقال له اختر ما شئت والبازل ابن تسع سنين، والسديس ابن ثمان.
وقال عامر بن حوط من بني عامر بن عبد مناة بن بكر:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
ولقد عملت لتأتين عشية ما بعدها خوف علي ولا عدم
فأزور بيت الحق زورة ماكثفعلام أحفل ما تقوض وانهدم
يقول: لقد عملت أني أموت، وليس بعد الموت فقر ولا خوف، وبيت
الحق قبر, وما تقوض أي انهدم يريد ما تراجع من أمر الدنيا, وقيل ما تقوض أي ما انهدم من حياض إبلي] ويقال لا أحفل كذا ولا أحفل بكذا [.
فلأتركن للسامين حياضهم ولا حبسن على مكارمي النعم
الساملون حياضهم: الذين يصلحونها, تقول: سملت الحوض أصلحته ونقيته من الطين. المعنى يقول: لقد علمت أن الموت لابد منه فعلى أي شيء أبالي ما ينقص من مالي, ثم قال: أترك الذين يصلحون حياضهم لابلهم, ولا أقتدي بهم, ولا ألتفت إليهم, وأفرق مالي قبل وفاتي على المكارم.
وقال زيد الفوارس بن حصين بن ضرار بن عمرو بن مالك بن زيد بن كعب بن نخالة بن ذهل بن بكر بن سعد بن ضبة:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أقلي علي اللوم يا ابنة منذر ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري
يستكفها عن لومه, لأنه يأمرها بالنوم أو السهر. المعنى: يقول لعاذلته: لا تلوميني وافعلي ما شئت من النوم أو السهر فإني لا أطيعك, ولا أكف عن عادة جودي بلومك.
ألم تعلمي أني إذا الدهر نابني بنائبه ذلت ولم أتترتر
يراني العدو بعد غب لقائه خليًا نعيم البال لم أتغير
لم أتترتر أي لم أتزلزل ولم أتحرك. المعنى يقول للعاذلة: ألم تعلمي أني لا أتخشع للنواب ولا أتقلقل لها والعدو يراني بعدما مستني النائبة ناعم البال لم أتغير عن خلقي وبعد همتي.
وراكدٍة عتبى طويٍل صيامها قسمت على ضوٍء من النار مبصر
طروقًا فلم أفحش وقسمت لحمها إذا اجتنب العافون نار العذور
راكدة: يعني قدرًا تركد على النار, أي تدوم, عتبى أي غضبي جعل غليانها بمنزلة الغضب لها, طويل صيامها أي قيامها على الأثافي لكثرة ما فيها من اللحم, على ضوء من النار مبصر, أي لم أستر قدري ليلا. المعنى: يصف قدرًا كبيرة شديدة الغلي نصبها للأضياف, وأطعمهم منها ليلا, ولم يفحش قولا إذا أفحش السيئ الخلق.
وقال الهذيل بن مشجعة البولاني:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
إني وإن كان ابن عمي غائبًا لمقاذف من خلفه وورائه
ومفيده نصري وإن كان امرًأ متزحزحًا في أرضه وسمائه
مقاذف من خلقه أي مرام عنه في غيبته, في أرضه وسمائه يعني في غوره ونجده] لأن السماء العلو والأرض السفل كأنه قال: في سهله وجبله [وقيل: معناه في أي موضع كان:
ومتى أجده في الشديدة مرملًا ألق الذي في مزودي بوعائه
وإذا تتبعت الجلائف مالنا خلطت صحيحتنا إلى جربائه
ويروي ((ومتى أجئه)) وكلاهما حسن, وأصل الجلف الكشف, ومنه جلفت الطين عن رأس الدن, يقول: نحن لا نفرد الجرباء من ابل عمنا بل نقربها بصحيحتنا مشاركة له, وهذا مثل معناه أنا نخلط فقرة بغنانا, وغثه بسميننا المعنى: نيابة عن ابن عمه, ونصرته له على بعده, ومساعدته عند حاجته, ومؤاساته بماله عند خلته, وقرنه جرباءه إلى صحيحته.
وإذا أتى من وجهٍة بطريفٍة لم أطلع مما وراء خبائه
ويروى ((لم أطلع ماذا وراء خبائه)) أي لم أسأل ما ستره عني, وقيل بطريقة معناه جارية استحدثها فخدرها, لم أطلب النظر إليها. المعنى: إذا رجع من سفره بشيء يستره عني لم أطلب النظر إليه,, يصف حفاظه.
وإذا اكتسى ثوبًا جميلًا لم أقل يا ليت أن علي حسن ردائه
المعنى يقول: إذا لبس ثوبًا جميلًا حسنًا لم أحسده على ذلك.
وقال حسان بن حنظلة بن أبي رهم, جاهلي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
تلك ابنة العدوى قالت باطلًا أزرى بقومك. قلة الأموال
أنا لعمر أبيك يحمد ضيفنا ويسود مقترنا على الإقلال
المعنى: يبطل قول التي قالت: قصر الفقر بقومك, وبين لها أنهم يحسنون
القرى مع قلة مالهم فيحمدهم ضيفهم, وإن السعادة لا تزول عنهم وإن ذهبت أموالهم.
غضبت علي أن اتصلت بطيىٍء وأنا امرؤ من طيئ الاجبال
أي غضبت ابنة العدوي, وقالت أنت من تميم فلماذا تتصل بطيء فقلت لها: أنا من طيء, يقال: إن رهط أوس بن حجر كانوا من طيء فانتقلوا إلى تميم, من حي طيئ أضاف إلى الأجبال لجبال مشهورة في بلادهم نحو أجأ وسلمى وعوارض.
وأنا امرؤ من آل حية منصبي وبنو جوين فاسألي أخوالي
وإذا دعوت إلى جديلة جاءني مرد على جرد المتون طوال
أحلامنا تزن الجبال رزانًة ويزيد جاهلنا على الجهال
حية من طيئ بالحيرة رهط بن قبيصة, وبنو جديلة من طيئ. المعنى: ينتسب بانتسابه إلى طيئ ويقول: غضبت علي هذه المرأة لا نتسابي إلى طيء وهي قبيلتي, وإذا دعوت بعضهم مستنجدًا إياهم جاءني شبان على خيل عراب لا نجادي, وبعض معنى هذه الأبيات قد تقدم, وقوله أحلامنا تزن الجبال أي تزيد عليها إذا وزنت معها, يقول: إذا احتيج إلى الجهل, وهو الموضع الذي يكون الحلم فيه ذلا فجاهلنا يزيد على جميع الجهال.
وقال إياس بن الأرت, والأرت هو عامر بن خالد بن عدي بن الكروس بن حيان بن ثعلبة:
((الثاني من الطويل والقافية من المتدارك))
وإني لقوال لعافي مرحبًا وللطالب المعروف إنك واجده
وإني ممن يبسط الكف بالندى إذا شنجت كف البخيل وساعده
المعنى: يصف جوده وترحيبه لعافية ووعد طالب معروفة لوجدانه, وبسط يده بالعطاء, إذا بخل البخيل.
لعمرك ما تدري أمامه أنها ثنًى من خياٍل ما أزال أعاوده
فشقت على صحبي وعنت ركائبي وردت علي الليل قرنا أكابده
ثنى أي ثانية بعد أولى, وإنما شقت عليهم لأنهم كانوا قد استراحوا فلما عاودني خيالخا انتبهت ورحت. المعنى: يصف طروق خياله أمامة بعدما نزل القوم للاستراحة فثار شوقًا إليها, ورحل فشقت رحلته على أصحابه لما كان بهم من التعب, وعنت إبله لما كان بها من الكلال, وجعل يقطع الليل سيرًا يؤثر فيه ضعفًا, فلهذا قال قرنًا أكابده.
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
أثنى علي بما لا تكذبين به يا بكر أي فتًى للضيف والجار
إني أجاور ما جاورت في حسبي ولا أفارق إلا طيب الدار
يخاطب امرأة يقول: أثني علي بحسن القيام بأمر الأضياف وتعهد الجيران فإنك لا تكذبين بذلك, وقوله: إني أجاروا ما جاورت في حسبي أي ومعي حسبي لا أفارقه ولا آتي ما أذم عليه. ولا أفارق إلا طيب الدار أي محمودا لم أعمل فيها ما يدنسني ويدنسها. المعنى: يصف حسن مجاورته من يجاوره ويدعي شهرته بذلك.
كم من لئيٍم رأينا كان ذا إبٍل فأصبح اليوم لا معٍط ولا قار
ولو يكون على الحداد يملكه لم يسق ذا غلٍة من مائه الجاري
في ((لا معط ولا قار)) وجهان من الإعراب رفعًا على معنى لا, ونصبًا على الحال. الحداد: قال القاسم: هو النهر وقال بعضهم هو البحر. المعنى: يقول كم من لئيم رأينا كان ذا غنى هلك ماله فأصبح لا يقال له معط ولا قار لأنه لم يكتسب بماله حمدًا, ولو ملك الحداد كثرة مائه لم يسق عطشان منه شربة.
قال حسان بن ثابت, مخضرم:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
المال يغشى رجالًا لاطباخ بهم كالليل يغشى أصول الدندن البالي
ويروى (لاطباخ لهم)) أي لا عقل, وقيل بل المعنى: المال يغشى رجالًا لا ينتفعون به كما أن الشجر البالي لا ينتفع بالسيل إذا أصابه, ومن روى لا طباخ بهم يعني لا خير فيهم من قولهم: هذا لحم لا طباخ به أي لا يطبخ مثله.
أصل عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأكسبه ولست للعرض إن أودى بمحتال
المعنى يقول: أبذل مالي كي لا يلزمني من عيب, فلا خير في صلاح المال بعد فساد النفس لأن المال يمكن جمعه بالحيلة بعد هلاكه, والنفس لا حيلة لها في ردها إذا هلكت.
وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي, إسلامي:
((الثالث من الطويل والقافية من المتواتر))
دعوت إليها فتيًة بأكفهم من الجزر في برد الشتاء كلوم
إذا ما اشتهوا منها شواًء سعى لهم به هذريان للكرام خدوم
دعوت إليها يعني ناقة, قال من تعاطي تفسير هذا الكتاب يعني أن برد الشتاء قد اشتد عليهم فتزلقت أكفهم فصار فيها شقوق كالجراحات, والصواب عندي أن يكن المراد بأكفهم كلوم سرعة ما يفصلون الجزور استعجالا لإطعام الضيف فتصيب الشفرة أيديهم, والدليل على هذا الوجه قوله من الجزور, ولم يقل من البرد, هذريان خفيف في كلامه وخدمته. المعنى: يصف ناقة نحرها لضيوفه ودعا
إلى نحرها جماعة تعودا الجزر, وعلى أيديهم آثاره, وصف نفسه بالخفة في الكلام إيناسًا للضيف, وبكثرة الخدمة لهم.
وقال أخر:
(الثاني من الطويل والقافية من المتواتر)
فالا أكن عين الجواد فإنني على الزاد في الظلماء غير شتيم
وإلا أكن عين الشجاع فإنني أراد سنان الرمح غير سليم
هذان البيتان تقدم تفسيرهما في باب الحماسة.
وقال آخر:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
وسع بمدك ماء اللحم تقسمه وأكثر الشوب إنلم يكثر اللبن
وسع به وتلفت حول حاضره إن الكريم الذي لم يخله الفطن
وسع به يعني مدك الماء, وتلفت حول أي تأملهم فعله زيد فيهم. المعنى: يستكثر الماء في القدر ليسمع القوم ويأمر بتأمل الأضياف لئلا يقع في أمرهم غفلة.
وقال رجل من هذيل:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
إذا هي لم تمنع برسٍل لحومها من السيف لاقت حده وهو قاطع
ندافع عن أحسابنا بلحومها وألبانها إن الكريم يدافع
الرسل: اللبن نفسه. المعنى يقول: إذا لم يكن لإبلنا لبن يحمي نفوسنا من السيف نحرناها به, ونحفظ أحسابنا ببذل ألبانها ولحومها.
ومن يقترف خلقًا سوى خلق نفسه يدعه وترجعه إليه الرواجع
المعنى يقول: من يتكلف ما ليس من طبعه يدعه وترجعه إلى خلقه الأول عادته.
وقال حماس بن ثامل, إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبٍح في لج ليٍل دعوته بمشبوبٍة في راس صمٍد مقابل
فقلت له أقبل فإنك راشد وإن على النار الندى وابن ثامل
وابن ثامل يعني نفسه. المعنى يقول: كم ضال طريقة في ظلم الليل دعوته بضوء النار إلى مكان مرتفع وأكرمته وحمدته في قصد مالي.
وقال مضرس بن ربعي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدار)
وإني لأدعو الضيف بالضوء بعدما كسا الأرض نضاح الجليد وجامده
لأكرمه إن الكرامة حقهوسيان عندي قربه وتباعده
نضاح الجليد: الندى, وجامده ما تعقد منه. المعنى: يصف كرمه وإنه يدعو الضيف بالنار سواء كان قريبا أو بعيدًا.
أبيت أعيشه السديف وإنني بما قال حتى يترك الحي حامده
السديف: شحم السنام, وإنني بما قال يعني أحمده بما حكى عن نفسه من خير أو شر, ولا أكذبه إيناسًا له. المعنى: يقول أطعم ضيفي شحم السنام أحمده على ما يقول.
وقال النمري, ويقال لرجل من باهلة, والنمري منسوب إلى النمر بن قاسط, وامرأة باهلة لا زوج لها, ورجل باهل متردد بلا عمل.
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وداٍع دعا بعد الهدوء كأنما يقاتل أهوال السري وتقاتله
دعا بائسًا شبه الجنون وما به جنون ولكن كيد أمر يحاوله
فلما سمعت الصوت ناديت نحوه بصوٍت كريم الجد حلٍو شمائله
فأبرزت ناري ثم أثقبت ضوءها وأخرجت كلبي في البيت داخله
المعنى يقول: كم داع بالليل مكابد هول السرى, شديد الحيرة ناديته بصوتي وأوقدت له ناري وأخرجت له كلبي ليسمع فيجيء.
فلما رآني كبر الله وحده وبشر قلبًا كان جمًا بلابله
فقلت له أهلًا وسهلًا ومرحبًا رشدت ولم أقعد إليه أسائله
المعنى يقول: لما رآني فرح واستبشر فرحبته وأكرمته, لم أسائله عن أحواله بل قمت إلى أعداد ما يطعمه.
وقمت إلى برٍك هجاٍن أعده لوجبة حق نازٍل أنا فاعله
بأبيض خطت نعله حيث أدركت من الأرض لم تخطل علي حمائله
البرك: الإبل الكثيرة الكثيرة الواحد بارك, لوجبة حق, ويروى ((لنوبة حق)), وقوله أبيض خطت نعله أي بسيف طويل يخط نعله في الأرض يعني نصل السيف, ولم تخطل لم تضطرب لطول قامتي. المعنى: لما نزل الضيف قمت إلى ابل كريمة معدة لقضاء الحقوق بسيف صقيل طويل, لم يطل علي لطول قامتي.
فجال قليلًا واتقاني يخيره سنامًا وأملاه من الني كاهله
فجز وظيف القرم في نصف ساقهوذاك عقال لا ينشط عاقله
ويروي ((فخر وظيف القرم)) أي سقط وظيفه, وسمى ضربة السيف عاقلا, لأنه ضربه في موضع العقال, لا ينشط عاقله أي لا يحله أبدًا, يقول:
فزعت الإبل لما رأتني لما عرفت من عادتي فيها فجالت قليلًا, ثم عقرت خيرها سنامًا وأكثرها شحمًا وكاهلًا ..
بذلك أوصاني أبي وبمثله كذلك أوصاه قديما أوائله
المعنى: يقول: أوصاني بمثل هذا الفعل أبي, وأوصاه بمثل ذلك آباؤه.
وقال النابغة الذبياني:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لنا بفناء البيت سوداء فخمة تلقم أوصال الجزور العراعر
ويروى ((دهماء فخمة)), والدهماء السوداء, وفخمة ضخمة, والعراعر: الضخم.
بقية قدٍر من قدور تورثت لآل الجلاح كابرًا بعد كابر
تظل الإماء يبتدرن قديحها كما ابتدرت سعد مياه قراقر
ويروى ((يقتدحن قديحها)) أي مقدوحها, وقرار ماء لقضاعة وهو فراطة بينهم أيهم سبق إليه سقى وأرى, يقول: من سبق إلى هذا القدر غرف منه ولم ينتظر به أخر وسعد هو بن قضاعة المعنى: يمدح رجلًا بكثرة الطعام, وأن له قدرًا كبيرة سوداء لكثرة الاستعمال خارج بيته, من انتهى إليها غرف منها.
وقال الفرزدق:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وداٍع بلحن الكلب يدعو ودونه من الليل سجفا ظلمٍة وغيومها
أي نبح كما ينبح الكلب, وفي تثنية السجف قولان: أحدهما أنه واحد فثني لفظًا على مذهب العرب, والآخر ستر ظلمة المشرق وستر ظلمة المغرب, وقوله غيومها ظاهرة, أي الغيوم مضافة إلى (الظلمة) إلا أنه من المقلب أرادوا ظلمة الغيوم.
دعا وهو يرجو أن ينبه إذ دعا فتًى كابن ليلى حين فارت نجومها
بعثت له دهماء ليست بلقحًة تدر إذا ما هب نحسًا عقيمها
كأن المحال الغر في حجراتها عذراي بدت لما أصيب حميمها
فتى يعني أباه غالب بن ليلى وأبوه صعصعة, وغارت نجومها يعني نجوم الظلمة, وقوله: بعثت له دهماء يعني أن الدهماء هنا ليست بناقة تدر ثم ينقطع درها وإنما هي قدر تدر, إذا ما هب نحسًا عمسيقها: وهو الوقت الذي ينقطع فيه در الحيوان. العقيم: الريح التي تغرق كل شيء ولا مطر فيها, والمحال جمع محالة وهي فقارة الظهر, وأراد بها قطع السنام, وقد شبه قطع السنام في القدر بالجواري يبرزن عند المصيبة لحميمهن, وذلك أنهن يلبسن السواد ووجوههن تشرق بياضًا وقطع السنام بيض والقدر سوداء, وأيضًا فإن الدموع تبل وجوههن وقطع السنام في ماء القدر بمنزلة وجوه العذارى في الدموع.
غضوبًا كحيزوم النعامة أحمشت بأجواز خشٍب زال عنها هشيمها
غضوبًا يعني قدرًا, جعل غليانها غضبًا لها, وأحمشت أوقدت وبأجواز خشب يعني باوساط خشب, وقوله: ((زال عنها هشيمها)) أي ما بلي من قشورها, وهشيمها عيدانها, فلم يبق إلا أواسطها, فهي أحمى لنارها كما يفعل المجوس.
محضرة لا يجعل الستر دونها إذا المرضع العوجاء جال بريمها
أي جعلت حاضرة للقوم لا تستر عنهم ضنا بها, إذا المرضع العوجاء أي أعوجت هزالًا وجوعًا, والبريم خيط أو سير ينظم فيه خرز, فتشده النساء في أوساطهن, وإنما يجول البريم إذا زال من عقدها في وسطه.
وقال شريح الأحوص بن كلاب:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ومستنبٍح يبغي المبيت ودونه من الليل سجفا ظلمٍة وكسورها
رفعت له ناري فلما اهتدى لها زجرت كلابي أن يهر عقورها
الكسر: جانب البيت الذي يثنى ويكسر عند الرفع, ومعنى زجرت كلابي .. الخ لئلا تهر كقول الله تعالى: ((يبين الله لكم أن تضلوا)) أي لا تضلوا, ولم يجود في قوله: زجرت كلابي لأنه لو كثرت ضيفانه لألفته كلابه إلا أن في طلب الليل أعذر لأن الغالب مجيء الضيف بالنهار, والكلب لا يدع الحراسة بالليل. المعنى: كم مستنبح يطلب موضعًا يبيت فيه في ظلمة الليل أضأتله ناري ونهيت كلابي عن الهرير عليه.
فبات وإن أسرى من الليل عقبًة بليلة صدٍق غاب عنها شرورها
يقول: بات في ليلة صدق في قرى وفرح, غاب عنها شرورها وإن كان
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع