من «شرح حماسة أبي تمام» لأبي القاسم الفارسي (ت ٤٦٧هـ)
باب الأضياف (٣)
أسرى عقبة مكروهة, ويروى ((عقبة)) و ((عقبة)). المعنى يقول بات بخير وكرامة بعد مراه عقبة في جهد ومشقة.
وقال مسكين الدرامي:
(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)
كأن قدور قومي كل يومٍ قباب الترك ملبسه الجلال
قباب الترك: بيوتها, ولعل الشاعر سمع أن قبابهم أكبر أوسع, فشبه قدور قومه بها في سعتها.
كأن الموقدين بها جمال طلاها الزفت والقطران طال
كأيديهم معارف من حديٍد أشبهها مقيرة الدوالي
الزفت: القير شبه الطباخين بالجمال المطلية قيرًا وقطرانًا لأنه يدل على كثرة الطبخ, وربما هجي بنقاوة المطبخ وثياب الطباخ كما قيل:
مطبخ داؤد في نظافته أشبه شيء بصرح بلقيس
ثياب طباخه إذا اتسخت أنقى بياضًا من القراطيس
والدوالي جمع دالية, المعنى: يصف قدور قومه بالعظم ويشبهها ببيوت الترك, وشبه مغارفهم بالدوالي لكبرها وسعتها.
وقال العكلي عكلت الشيء جمعته بعد تفريقه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أعاذل بكيني لأضياف ليلٍة نزور القرى امست بليلًا شمالها
نزور القرى أي قليل القرى, بليلًا: باردة مع المطر, يقول لعاذلته: بكيني إذا مت لأضياف ليلة باردة مطيرة, لا يجدون من يقريهم بعدي.
أعاذل مهلًا لا تلومي ولا تكن خفيًا إذا الخيرات عدت رجالها
خفيًا أي بخيلًا إذا ذكرت المكارم يخفي. المعنى: يوصي عامرًا بفعل الخيرات كي يعد من أهلها, ولا يخفى إذا ذكر رجالها.
أرى إبلي تجزي مجازي هجمٍة كثيٍر وإن كانت قليلًا إفالها
جزأت كجزأة أي قمت مقامه, والهجمة القطعة من الإبل إلى المائة, كثير: نعت هجمة لأن فعيلا قد كثر في نعت المؤنث بغير هاء, والإفال جمع أفيل يعني ابن مخاض] والأنثى أفيلة [.
مثاكيل ما تنفك أرحل جمٍة ترد عليهم نوقها وجمالها
المثاكيل: جمع مثكال وهي الناقة التي اعتادت أن تثكل ولدها, بموت أو نحر أو هبة, والجمة: الجماعة يسألون في الدية, وقوله: ترد عليهم نوقها أي نوق المثاكيل وجمالها ترد على القوم الذين يطلبون في الحمالات. المعنى: يقول: إبلي مثاكيل ينحر أولادها للضيفان, ومع ذلك يعطي منها في الحمالات.
وقال جابر بن خباب:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
فإن يقتسم مالي بني ونسوتي فلن يقسموا خلقي الكريم ولا فعلي
أهين لهم مالي وأعلم أنني سأورثه الأحياء سيرة من قبلي
وما وجد الأضياف فيما ينوبهم لهم عند علات الزمان أبًا مثلي
أهين لهم يعني للأضياف والزوار, وعلات الزمان: مكارهه وشدائده, وجعل] نفسه [أبًا للأضياف لأنه يحنو عليهم المعنى: يقول: إن صار مالي ميراثًا بعد موتي فإن الجميل يخلص لي, وكذلك فعلي الحميد, ثم دل على أنه يورث ماله ورث غيره, ثم افتخر باكرامه الأضياف في شدائد الزمان, ويعطفه عليهم عطف الرجل على ولده.
وقال حاتم بن عبد الله الطائي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
وعاذلٍة هبت بليل تلومني كأني إذا أعطيت مالي أضيمها
أعاذل إن الجود ليس بمهلكي ولا يخلد النفس الشحيحة لومها
هبت: قامت من نومها, وإنما هبت بليل لأنها لا تتمكن منه بالنهار لاشتغاله بخدمة الضياف فانتهزت الفرصة ليلًا, ويروى ((قامت علي تلومني)) المعنى: كم عاذلة لا متني ليلًا لأنها تتمكن مني نهارًا, فقلت لها: إن الجود لا يهلكني, والشخ لا يخلد الشحيح.
وتذكر أخلاق الفتى وعظامه مغيبة في اللحد باٍل رميمها
ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه يدعه ويغلبه على النفس خيمها
المعنى يقول: إذا مات الفتى تذكر أخلاقه فيحمد ويذم, فلا تلوميني على اقتناء المدح لنفسي, ثم قال: من تكلف ما ليس من خلقه غلب المتكلف طبعه, أي خلقي الجود فلا يمكنني أن أتعود غيره, والطبع أغلب والعادة أملك.
وقال أيضًا:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أكف يدي عن أن ينال التماسها أكف صحابي حين حاجتنا معا
أبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
أكف يدي أقبض يدي إذا جلسنا على الطعام فلم ينل التماسها أكف من يؤاكلني إيثارًا لهم وخوفًا أن يفنى الزاد ولم يكتفوا منه, وقيل معناه لا أجاوز بين يدي إذا أكلت والأول أوجه لما قاله من بعده ((حين حاجتنا معا)) أي كلنا جائع.
وإني لأستحيي رفيقي أن يرى مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
وإنك مهما تعط نفسك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
أقرع أي خال من الطعام, وأصله في الرأس وقد استعمله في الطعام. المعنى يقول: لا تزاحم يدي أكف الآكلين ثم قال متى أعطيت بطنك وفرجك مرادهما, فقد جلبت على نفسك غاية الذم. وهذا بيت سائر أجود ما قيل في معناه.
وقال أيضًا:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
أما والذي لا يعلم السر غيره ويحيي العظام البيض وهي رميم
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا محافظًة من أن يقال لئيم
يروى مكان القرى ((الخوى)) وهو خلو البطن من الطعام, ويروى: ((القوى)) وأصله القواء قصره للضرورة وهو الخلاء, يقال: دار قواء أي خالية. المعنى: يقسم بالله عالم السر ومحيي الموتى أنه يختار القرى ويجوع البطن, ويؤثر بقوته غيره كي لا ينسب إلى اللؤم.
وإني لأستحيي يميني وبينها وبين فمي داجي الظلام بهيم
المعنى يقول: ربما أطفأ أحدهم النار وأمسك عن الأكل فأوهم الضيف أنه يأكل ليشبع ضيفه, وهذا معنى قوله وإني لأستحيي.
وقال رجل من ال حرب:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
بانن تلوم وتلحاني على خلق عودته عادًة والجود تعويد
قالت أراك بما أنفقت ذا سرٍف فيما فعلت فهلا فيك تصريد
تلوم وتلحى بمعنى واحد, والجود تعويد أي جعله الله عادة له, والتصريد التقليل من كل شيء, قال ابن دريد: هو قطعك الشرب على الدابة.
قلت اتركيني أبع مالي بمكرمٍة يبقى ثنائي بها ما أورق العود
إنا إذا ما أتينا أمر مكرمٍة قالت لنا أنفس حربية عودوا
أنفس حربية نسبها إلى قبيلته. المعنى أجابها بقوله: قلت أتركيني أي دعيني أعتاض من مالي ثناء باقيًا, ثم أفتخر بفعل المكارم, وأن أنفسهم داعية إليها.
وقال أبو الكدراء العجلي, إسلامي, والكدراء تأنيث أكدر, وهو اسم موضع:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
يا أم كدراء مهلًا لا تلوميني إني كريم وإن اللوم يؤذيني
فإن بخلت فإن البخل مشترك وإن أجد أعط عفوًا غير ممنون
البخل مشترك: يعني أكثر الناس بخيل, وقال بعضهم: إن أقللت العطية فأقله ما عندي, وأكون شريكًا لمن أعطيه في القليل فحظي منه مقدار الحاجة والباقي له. وهذا حسن ولكنه لا يطابق اللفظ المعنى: يستكف أم كدراء عن لومه, لأنها تستصرفه عن عادته فهو إذاء له ويقول: إن البخيل في الناس كثير وإنه إن أعطى لم يماطل.
ليست بباكيٍة ابلي إذا فقدت صوتي ولا وراثي في الحي يبكيني
بنى البناة لنا مجدًا ومكرمًة لا كالبناء من الأجر والطين
المعنى: دعيني أعطي مالي, فإني إذا مت لم تبكني إبلي فلماذا أحفظها, ولا وارثي يبكيني بل يفرح بموتي عن تركت مالًا, ثم دل على أن مجده قديم موروث بناه سلفهم.
وقال مسكين الدارمي, ويقال: إنها لعبته بن يحيى, ويروى ابن بجير:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ولم يلهني عنه غزال مقنع
أحدثه إن الحديث من القرى وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
المعنى يقول: بيتي بيت الضيف, ولحافي لحافه, لا ألتحف به إن احتاج إليه, ولا يشغلني عنه غيره, وأحدثه إيناسًا له إلى أن ينام فإن تمام القرى المحادثة والبسط من الضيف كي لا يقدر أنه يستثقل مكانه, وأصبر على حديثه, ولا أتبرم به, وأعلم أنه ينام على كل حال.
وقال عمرو بن أحمر الباهلى, مخضرم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ودهٍم تصاديها الولائد جلٍة إذا جهلت أجوافها لم تحلم
ودهم يعني كم قدور, وتصاديها: تقاسمها وتداريها, ومداراتها كي لا تفور, وجلة جمع جليل, وقوله: إذا جهلت أجوافها أي غلت.
ترى كل هرجاٍب لجوٍج لهمٍة زفوٍف بشلو الناب هو جاء عيلم
هرجاب ضخمة, ولهمة تلتهم كل شيء لسعتها, وقوله زفوف بشلو الناب كأنها تزف بشلو الناب وهو عضوها من الزفيف, وهو ضرب من مشي الإبل سرعة, وهو جاء يعني في غليانها جاهلة كالأهوج, ويروي ((جوفاء)) أي واسعة الجوف, وعيلم: كثيرة المرق وأصله البئر الكثيرة الماء.
لها لغط جنح الظلام كأنها عجارف غيٍث رائٍح متهزم
لها لغط أي صوت, عجارف غيث يعني أصوات المطر إذا أقبل بشدة, متهزم: أي شديد صوت الرعد.
إذا ركدت حول البيوت كأنما ترى الآل يجري من قنابل صوم
شبه ما يجري من الإهالة في هذه القدور بالسراب يجري فيزل عن متون الخيل.
ويحتمل أن يكون المراد تشبيه ما يرتفع من بخارها حول البيوت بالقنابل, وشبه ما ينكشف من بخارها بالسراب ينكشف عن جماعات الخيل.
وقال المرار بن سعيد الفقعسي, إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافيه من المتدارك)
آليت لا أخفي إذا الليل جنني سنا النار عن ساٍر ولا متنور
فيا موقدي ناري ارفعاها لعلها تضيء لساٍر آخر الليل مقتر
وماذا علينا أن يواجه نارنا كريم المحيا شاحب المتحسر
كريم المحيا: حسن الوجه, شاحب المتحسر متغير ما يبدو منه كالوجه واليد والرجل. المعنى: يأمر موقديه بإعظام النار لعله يهتدي بها سار.
إذا قال من أنتم ليعرف أهلها رفعت له باسمي ولم أتنكر
فبتنا بخير من كرامة ضيفنا وبات يهدي طعمًة غير ميسر
رفعت له باسمي أي صورتي, وقوله كرامة ضيفنا أي إكرامنا الضيف, ويحتمل إكرامًا لضيف لنا وقصده إيانا, ويروي ((وبتنا نهدي)) المعنى: ما يضرنا أن يقابل نارنا إذا سأل عنا بينت له اسمي. ثم بين أنه نحر للضيف ما أطعمه وفضل منه ما اتسع هو وعياله فيه, وأهدى إلى جيرانه منه, وبين أن النحر كان للضيف خاصة لا لميسر أوجب أو قمار ألزم.
وقال عروة بن الورد, جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أرى أم حسان الغداة تلومني تخوفني الأعداء والنفس أخوف
لعل الذي خوفتنا من أمامنا يصادفه في أهله المتخلف
والنفس أخوف أي أشد خوفًا, وتخوفني الأعداء أي من إتيان الأعداء, ثم قال: لعل الذي خوفتني يلقاه المتخلف عن أصحابه. المعنى: يقول: تخوفني أم حسان الأعداء وتمنعني عن الترحال, والموت قد يأتي المقيم كما يأتي المسافر إذا حضر.
إذا قلت قد جاء الغنى حال دونه أبو صبيٍة يشكو المفاقر أعجف
له خلة لا يدخل الحق دونها كريم أصابته حوادث تجرف
الخلة: الصداقة التي لا تجاوزها القرابة, والحق هنا القرابة, تجرف: تذهب بالمال كما تجرف المجرفة ما يجرف. المعنى يقول: كلما قلت قد جاء الغني حال بيني وبين الغنى زائر معيل واجب الحق ضعيف مضرور, له صداقة مثل القرابة, تلزم فأواسيه مالي فلا يتم غناي.
وقال يزيد بن الطثرية, وهو قشيري وأمه من طثر, وطثر بن الأزد, وقيل من جرم, إسلامي قتله الخوارج:
] الثاني من الطويل والقافية من المتدارك [
إذا أرسلوني عند تقدير حاجٍة أمارس فيها كنت نعم الممارس
ونفعي نفع الموسرين وإنما سوامي سوام المقترين المفالس
ويروى ((وأفعل فعل الأغنياء وإنما)). المعنى: يصف نفسه بحسن التأتي في الأمور يرسل فيها, ويقول: عطائي كثير ومالي قليل لأني غني النفس.
وقال الأقرع بن معاذ:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
إن لنا صرمًة تلفى مخيسًة فيها معاد وفي أربابها كرم
تسلف الجار شربا وهي حائمة ولا يبيت على أعناقها قسم
الصرمة من الابل نحو الأربعين, ومخيسة: مذللة للقرى والبذل, ويروي ((محبسة فيها معاد)) أي تعود فيها العفاة يصيبون منها مرة بعد أخرى. والشرب الماء بعينه, ويريد اللبن هنا, والحائم العطشان الذي يحوم حول الماء يقول: هذه الإبل تروي الجار من لبنها وهي عطاش, ويروى ((نسلف)) بالنون أي نقدم شرب إبل الجار عليها لكرمنا, وهذا أشبه بالبيت الذي بعده, ولا يبيت على أعناقها, أي لا نقسم عليها أي لا تنحر ولا توهب.
ولا تسفه عند الحوض عطشتها أحلامنا وشريب السوء يحتدم
أي لا تسفه عطشتها أحلامنا في حال احتدام شريب السوء. المعنى: يصف أن لهم إبلًا معدة للمكرمات ويصف فرط حلمهم.
وقال يزيد بن الجهم:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
لقد أمرت بالبخل أم محمٍد فقلت لها حثي على البخل أحمدا
فإني امرؤ عودت نفسي عادًة وكل امرٍئ جاٍر على ما تعودا
يعنى: امرأته ومحمد ابن لها، فقال لها: حثي ابنك على البخل، وأحمد ومحمد سواء. المعنى: يذكر أن امرأته على البخل فرد عليها بأن الجود عادته ولا منزع عنه.
أحين بدا في الرأس شيب وأقبلت إلى بنو عيلان مثنى وموحدا
رجوت سقاطي واعتلالي ونبوتي وراءك عني طالقًا وارحلي غدا
اعتلالي أي اعتل على المعتافين، وراءك أي الزمي وراءك واغربي. المعنى: أبعد شيبي وسيادتي بني عيلان رجوت سقطي واعتلالي، أبعدي فقد طلقتك.
وقال آخر:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
إني وأن لم ينل ما لي مدى خلقي فياض ما ملكت كفاي من مال
لا أحبس المال إلا ريث أتلفه ولا تغيرني حال إلى حال
أي يفيض ما تملكه يدي كما يفيض الماء. يقول: إن قصر مالي عن غاية خلقي في الجود فأني أجود بالموجود، ولا حبس إلا قدر أبذله ولا أفتن في حال الضيف.
وقال سوادة اليربوعي، سوادة فعالة من السواد، وقد قالوا: بياضه وبياض:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
ألا بكرت مي على تلومني تقول ألا أهلكت من أنت عائله
مي مية في الأصل. وإنما جعل بعد الترخيم اسمًا، فلهذا نون. المعنى يقول: لا متني مي وقالت: أهلكت عيالك ببذلك مالك للناس.
ذريني فان البخل لا يخلد الفتىولا يهلك المعروف من هو فاعله
المعنى: أجابها فقال: دعيني أجد فأن البخل لا يخلد البخيل، والمعروف لا يهلك فاعله يعني قبل الأجل، ويحتمل معنى آخر وهو أن المعروف يبقيه أي يبقي ذكره كما قيل: لم يمت من لم يمت كرمه.
وقال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر، وحطائط: الصغير المحطوط من كل شيء ويتبع بطائط، ويعفر من عفرت الزرع وهو سقيه، وقيل: يعفر- بضم الياء والفاء وبعضهم يجيز صرفه لأنه خرج عن مثل الفعل، والأجود ترك صرفه لأن ضمة الياء للإتباع فحكم أصل باق:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
تقول ابنة العتاب رهم حربتنا حطائط لم تترك لنفسك مقعدا
إذا ما أفدنا صرمًة بعد هجمٍة تكون علينا كابن أمك أسودا
وهو اسم ابنة العتاب، وحربتنا أي تركتنا بلا مال، أي لم تترك من ملكك قدر ما يحبسك في أهلك. المعنى: يذكر تألم رهم ابنة العتاب من جوده ومعاتبتها إياه في ذلك.
فقلت ولم أعلي الجواب تبيني أكان الهزال حتف زيٍد وأربدا
أريني جوادًا مات هزلًا لعلني أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا
أي لم يمت زيد وأربد هزالًا وكانا سمحين، وقيل إنهما أخوا حطائط.
المعنى: أجابها بأن زيدًا وأربد كانا سمحين ولم يموتا هزالًا بل ماتا كما يموت غيرهما، وبقي جميل ذكرهما، ثم ذكر محاجته لها ومغالبنه إياها.
وقال المقنع الكندي، إسلامي:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
نزل المشيب فأين تذهب بعده وقد ارعويت وحان منك رحيل
بعده أي بعد نزوله وارعويت: أي رجعت عن حالك الأولى، ورحيل أي رحلة من الدنيا، المعنى: يعظ نفسه بحلول المشيب وقرب الموت.
كان الشباب خفيفة أيامه والشيب محمله عليك ثقيل
المعنى: يصف أيام الشباب بالخفة لكثرة النشاط فيها، وأيام الشيب بالثقل لعوارض الأسقام والضعف.
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل
المعنى: يفضل جود المقل على جود المكثر.
وقال جؤية بن النضر، إسلامي، وجؤية تصغير جوة مخففًا، وهو رائحة صدأ الحديد ويجوز أن يكون تصغير الجية، وهو الماء المستنقع الفاسد، فعله جوي جوفه أي دوي فإذا صغرت ردت إلى أصلها:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
قالت طريفة ما تبقى دراهمنا وما بنا سرق فيها ولا خرق
أنا إذا اجتمعت يومًا دراهمنا ظلت إلى طرق المعروف تستبق
السرف: الخطأ. المعنى: يذكر أن طريفة امرأته قالت متعجبة ما تبقى دراهمنا، ظلت تتسابق إلى طرق المعروف، ويروى ((إلى طرق الخيرات)) يريد أنها لا تبقى لصرفنا إياها في وجوه الخير.
وقال زرعة بن عمرو مخضرم:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
وأرملٍة تنوء على يديهامن الضراء أو قصص الهزال
خلطت بغثها سمني فأضحتشريكة من يعد من العيال
قصص الهزال يقال: ضربه حتى أقصه للموت أي أدناه للموت وأشرف به عليه، وقوله: خلطت بغثها سمني أي خلطت فقرها بغناي. المعنى: يقول: كم أرملة ضعيفة القيام من الجوع أو من الهزال جعلتها في عيالي.
وأفنتني اليالي أم عمرٍو وحلي في التنائف وارتحالي
وتربيتي الصغر إلى مداه وتأميلي هلالًا عن هلال
إلى مداه إلى وقت بلوغه واستغنائه عن قيامي عليه، أفنتني: حرمتني. المعنى: يخاطب امرأته أم عمرو يقول: حرمتني كرور الليالي وقطع المفاوز وتربيتي الأولاد وانتظاري في مضي شهر بعد شهر، يشكو الهرم.
وقال عبد الله بن الحشرج الجعدي، إسلامي، والحشرج الحسي، وفي
كتاب الخليل الحشرج: كوز صغير نظيف.
[الأول من الوافر والقافية من المتواتر]
ألا بكرت تلومك أم سلٍم وغير اللوم أدنى للرشاد
وما بذلي تلادي دون عرضي بإسراٍف أميم ولا فساد
إنما بكرت خشية من أن يصحبهم ويشرب في الصبوح، ويروى ((عتبت)) ويروى للسداد والرشاد. المعنى: يذكر أن أم سلم لامته ولم ترشد في لومها إياه فأجابها بأن بذلي مالي ليس بإسراف ولا فساد.
فلا وأبيك لا أعطي صديقي مكاشرتي وأمنعه تلادي
ولكني امرؤ عودت نفسي على علاتها جري الجواد
مكاشرتي أي ضحكي إليه، والكشر الكشف عن الأسنان، ورفع ((وأمنعه)) على ((لا أعطي)). المعنى: ولا أتبسم في وجهه ولا أمنعه مالي، إلا أن من جوز هذا قال: إن المكاشرة لا تجيء إلا في موضع الذم فجاز أن ينفيها والمنع عن نفسه، وقوله على علاتها فسروا على عسرها ويسرها وشدتها ورخائها، وليس
كذلك بل المعنى على شدتها وعسرها وهذا هو معنى المثل المشهور ((الخيل تجري على مساويها)) أي على بابها من السوء، ولو نصب أمنعه كان جائزًا على الصرف أي بإضمار أي لأنه ينفي عن نفسه أن يجتمع منه أمران معًا.
محافظًة على حسبي وأرعىمساعي آل ورٍد والرقاد
المعنى: يذكر أنه يفعل ذلك مراعاة لحسب نفسه وحفظًا لمساعي قومه.
وقال رجل من بني سعد:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
ألا بكرت أم الكلاب تلومني تقول ألا قد أبكأ الدر حالبه
تقول ألا أهلكت مالك ضلة وهل ضلة أن ينفق المال كاسبه
الدر اللبن، وأبكأ حالبه أقله، يقال: بكؤت الشاة بكئًا قل لبنها. المعنى يصف أن امرأته لامته وقالت: قد أفنيت بذلًا ونحرًا، وأضللت في ذلك، فأجابها بأن الكاسب إذا أنفق لا يكون ضلالًا، وأشار إلى أنه كسب المال لينفقه لا ليورثه.
وقال مذعفر، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتراكب)
وإني لأسدي نعمة ثم أبتغي لها أختها حتى أعل فاشفعا
وأجمل نعمى ما فعلت ذمامًةعلى وآتي صاحبي حيث ودعا
وذمامة أي حقًا وهو الذمام، وآتى صاحبي حيث ودعا، لعله أراد آتي قبره زائرًا أي أحفظ عهده حيًا وميتً، ويحتمل أن يكون المعنى أزوره حيث نزل وودع راحلته. المعنى: يقول: إذا اتخذت يدًا عند أحد شفعتها بأخرى وأجعل نعمي عليه وسيلة عنده، وأزوره حيث نزل ولا أجشمه قصدي.
وقال عمارق الطائي، جاهلي:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
ألا حي قبل البين من أنت عاشقه ومن أنت مشتاق إليه وشائقة
ومن لا تواتي داره غير فينٍةومن أنت تبكي كل يوم تفارقه
تخب بصحراء الثوية ناقتي معدو رباٍع قد أمنحت نواهقه
أي سمن حتى صار في عظامه مخ، والناهقتان، العظمان الناتئان في وجه كل ذي حافر.
إلى المنذر الخير ابن هنٍد تزورهوليس من الفوت الذي هو سابقه
يقال: رجل خير وامرأة خيرة، ويجوز أن يكون مخففًا من خير. يقول: ما عند ابن هند مما يفوت عارقًا ويسبقه، يصفه بكثرة المعروف، وإنه ليس لأول وارد فقط، ويجوز أن يكون المعنى أن الذي سبق إليه المنذر من سبي النساء ليس مما يفوت لأنهن كن في عهده وذمته [وفي هذا الوجه أيعاد] لأن جيشًا له سار إلى بعض أعدائه فأخفق، ثم عطف على رهط عارق فأغار وسبى. المعنى: يصف إسراعه إلى المنذر عمرو بن هند على ناقة سريعة لما لحق حيه من السبي، ويصفه بأنه لا يفوته على ما بينا.
فان نساًء غير ما قال قائل غنيمة سوٍء وسطهن مهارقه
وإنما قال قبيح وغنيمة سوء لأن سبيهن منقصة وعيب، وقوله: غير ما قال قائل يريد: قائل لا يصدق ولا ينصح لك أيها الملك كقولك: هذا هو الحق لا ما يقوله الناس. المعنى يقول: إن نساء وسطهن مهارقه- وهي الصحف وأراد بها كتب العهود هما والأمان- هن غنيمة سوء لأنهن في الذمة يحظر سبيهن، هذا هو النصح لا كما قال قائل يزين سبيهن:
ولو نيل في عهٍد لنا لحم أرنٍب وفينا وهذا العهد أنت مغالقه
مغالقه أي ضامن له، من غلق الرهن وهو لزومه، ويروى ((معالقه)) أي وضرب لحم الأرنب مثلًا له. المعنى: لو عقدنا عقدًا ثم أصيب في عهدنا شيء يسير غضبنا له ووفينا له، وقد بذلت العهد لنا ولزمك.
أكل خميس أخطأ الغنم مرةوصادف حيًا دانيًا فهو سائقه
المعنى يقول: أكل خميس وهو الجيش غزا غزوة فأخفق فلم يغنم ووجد من ليس بعدٍو له وكان في ذمته يستاقه أي لا يفعل هذا أحد فلا ترض بمثله.
وكنا أناسًا دائنين بغبطٍةيسيل بنا تلع الملا وأبارقه
دائنين مطيعين، والأبارق آكام من الأرضين فيها حجارة ذات لونين، واحدهما أبرق.
فأقسمت لا أحتل إلا بصهوٍة حرام عليك رمله وشقائقه
المعنى يقول: كنا مطيعين لك وفينا كثرة فأقسمت لا أنزل بعد هذا الفعل إلا على جبل حرام عليك أي ممتنع عليك سهله ونواحيه أي لا تقدر عليه، لأن أهله لا ينصاعون لك، وذكر الصهوة لأنها بمعنى الجبل، والصهوة النشاز والرهوة الفضاء.
حلفت بهدٍي مشعٍر بكراته تخب بصحراء الغبيط درادقه
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم لنتحين للعظم ذو أنا عارقه
الغبيط ولد والدرادق الصغار واحدها دردق يعني جماعة من الإبل، ولأنتحين لأقصدن العظم بالهجاء والذم، ذو أنا عارقه يعني أنا آخذ اللحم عنده، والمشعر المعلم من الأشعار. المعنى: حلف بالهدي المسوق إلى بيت الله، ويقول للملك لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم من سبي النساء لأقصدنك بالهجاء ولأخذن لحمك عن العظم.
وقال برج بن مسهر الطائي، جاهلي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
سرت من لوى المروت حتى تجاوزت إلي ودوني من قناة شجونها
إلى رجٍل يزجي المطي على الوجى دقاقًا ويشقى بالسنان سمينها
فللقوم منها بالمراجل طبخةوللطير منها فرثها وجنينها
المروت: اسم موضع، وقناة: واد بالمدينة، وشجونها شعابها، الوجى نحو الحفاء، ويروى ((بالشفار)) وبالسنان، والشفار جمع شفرة، وقوله فللقوم ... البيت كأنه كان على سفر، فيطبخون طبخه واحدة، وعندي أنه يريد كثرة القوم فما ينحر منها يطبخ طبخة واحدة ولا يدخر لحمه لكثرة الأكلة، وللطير فرثها أي خبث البطن، وجنينها يعني الولد. المعنى يصف خيالًا أتاه من المروت إلى رجل يعني نفسه ويتمدح بكثرة الأسفار ونحر الإبل للأصحاب.
وقال ملحة الجرمي، وملحة تأنيث ملح، ومياه ملحة
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فتًى عزلت عنه الفواحش كلها فلم تختلط منه بلحٍم ولا دم
كأن زرور القبطرية علقت علائقها منه بجذٍع مقوم
زرور جمع زر والقبطرية ضرب من الثياب، علائقها ما تعلق منها، ومنه أي من هذا الممدوح، وبجذع مقرم شبه قامته بجذع مستقيم، المعنى يصف نفسه بالعفة.
عملس أسفاٍر إذا استقبلت له سموم كحر النار لم يتلثم
عملس من أسماء الذئب أي هو خفيف الأسفار، استقبلت له يريد استقبلته، واللام زائدة، يصف خفته وجلادته وصبره.
إذا ما رمى أصحابه بجبينه سرى الليلة الظلماء لم يتهكم
يقول: إذا رمى أصحابه السرى بجبينه أي قدموه دليلًا أي لم يتعد أي لم يخطئ، والتهكم التندم في غير هذا وقيل معناه لم يتهكم هنا لم يمتن عليهم، ولست أعرف صحته، يصف هدايته في الظلام.
كان قرادي زوره طبعتهمابطيٍن من الجولان كتاب أعجم
قراداه حلمتها ثدييه، والجولان موضع بالشام وأراد بكتاب أعجم كتاب الروم
والفرس لأنه لم يكن في العرب كتاب. المعنى: يصف أنه خميص البطن لطيف الثدي، وأبدع الشاعر لأن وصف الثدي من باب الغزل.
وقال بعضهم:
(من مشطور الرجز والقافية هنا يجتمع فيها المتراكب والمتدارك والمتكاوس)
إنك يابن جعفٍر نعم الفتى
ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحي سرى
صادف زادًا وحديثًا ما اشتهى
أن الحديث جانب من القرى
ثم اللحاف بعد ذاك في الذرى
يروى جانب وطرف، أي لا يتم القرى إلا بأن يتحدث مع الضيف ويؤنس، ثم اللحاف دل على أنه كان في الشتاء، الذرى الناحية يريد في ناحية البيت، ويروى ((الذرى)) بضم الذال جمع ذروة أي ـعلاه. المعنى: يمدحه بإكرام الضيفان وإيناسهم بالحديث.
وقال الشماخ بن ضرار:
(الثاني من الطويل والقافية متدارك)
وأشعث قد قد السفار قميصه وجر شواٍء بلا عصا غير منضج
دعوت إلى ما نابني فأجابني كريم من الفتيان غير مزلج
وجرشواء ... البيت أي لم يتم نضجه لاستعجال القوم، ولأن عادة الأطوياء لا يبالغون في إنضاج اللحم، وقد فصل بالعصا بين الصفة والموصوف، غير مزلج أي ضيق النفس. المعنى يقول: كم من فتى قد شعث السفر رأسه، وقد قميصه السفر وجر الشواء إلى الأضياف دعوته إلى الشغل الذي عرض لي فأجابني، ومدحه بأنه ليس ضيق النفس.
فتًى يملأ الشيزى ويروي سنانه ويضرب في رأس الكمي المدجج
فتًى ليس بالراضي بأدنى معيشٍة ولا في بيوت الحي بالمتولج
الشيزى: جفان الشيز [ويقال هو الشيز بعينه]، وقوله فتى ليس بالراضي ... البيت أي يطلب الأمور العظام، وبالمتولج أي لا يدخل البيوت من غير أن يدعى كما يفعل الطفيلي، يريد ولا بالمتولج في بيوت الحي، فقدم الصلة على الموصول كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾.المعنى وصفه بإطعام الضيف وضرب السيف، وبعد الهمة، وحسن الصنعة.
وقال يزيد الحارثي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
وإذا الفتى لاقى الحمام رأيته لولا الثناء كأنه لم يولد
المعنى: يحث على الأفعال الجميلة، ويشير إلى أن الثناء يحي ذكر صاحبه ولولا الثناء كأنه لم يكن.
وأتيت أبيض سابغًا سرباله يكفي المشاهد غيب من لم يشهد
سابغًا سرباله يريد طول قامته، يكفي المشاهد أي يقوم مقام الغائب كفاية له ونيابة عنه. المعنى: يصف ممدوحة بحسن الوجه، وطول القامة، وحسن المحضر.
وقال بعضهم، وهو الأحمر بن سالم، إسلامي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
كريم يرى الاقتار عارًا فلم يزل أخا طلب للمال حتى تحولا
فلما استفاد المال عاد بفضله على كل من يرجو جناه مؤملا
المعنى: يتمدح بأنه أنف الفقر وطلب المال فلما استغنى أفضل على مؤمله.
لما أتي يزيد بن عبد الملك بآل المهلب قام كثير بين يديه فقال:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
حليم إذا ما نال عاقب مجملًا أشد العقاب أو عفا لم يثرب
فقال يزيد: أطت بك الرحم لولا أنهم قدحوا في الملك لعفوت عنهم، وقوله عاقب مجملًا أي محسنًا من الجمال أي لم يجاوز الحد في عقاب الأعداء، ويحتمل أن يكون من الجملة فيكون معناه الإيجاز وترك التعذيب، والتثريب: التوبيخ. المعنى: يمدحه بالحلم وإجمال العقوبة إذا عاقب.
فعفوًا أمير المؤمنين وحسبًة فما تحتسب من الح لك يكتب
أساءوا فان تغفر فإنك أهله وأفضل حلم حسبًة حلم مغضب
حسبة أي افعل ذلك احتسابًا. المعنى: يطلب العفو عليهم والإحسان إليهم، وينسبهم إلى الإساءة، ويحثه على العفو.
وقال يزيد بن الجهم الهلالي:
(الأول من الوافر والقافية من المتدارك)
تسائلني هوازن أين مالي وهل لي غير ما أتلفت مال
فقلت لها هوازن إن مالي أضر به الملمات الثقال
أضر به نعم ونعم قديمًا على ما كان من ماٍل وبال
أي أفنى مالي قولي للسائل نعم، الملمات الثقال: النوائب، وقوله: على ما كان يريد به التسلط أي أضر به نعم مسلطًا على ما كان من مال وبال، ويروى ((غير ما أنفقت)) وما أتلفت لأنه استثناء مقدم. المعنى: يصف إتلاف ماله جودًا في الحوادث العظيمة، وطلبًا للثناء المخلد.
وقال أعرابي:
(من مشطور الرجز والقافية من المتدارك)
ألا فتًى نال العلا بهمه
ليس أبوه بابن عم أمه
ترى الرجال تهتدي بأمه
الهم الهمة، ليس أبوه أي أبوه بعيد النسب عن نسب أمه، والعرب تزعم أن من تزوج القريبة أضوى أي كان ولده ضاويًا أي نحيفًا، وقوله ترى الرجال ... الخ أي تقصده يعني يتقدمهم ويقودهم. المعنى: يتمنى رجلًا بعيد الهمة، بعيد ما بين نسبة أبويه، يصلح للرئاسة والزعامة ليتعبه.
وقال ابن المولى ليزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، إسلامي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
وإذا تباع كريمة أو تشترى فسواك بائعها وأنت المشتري
وإذا توعرت المسالك لم يكن منها السبيل إلى نداك بأوعر
كريمة يعنى خصلة كريمة، يريد مدحه بإيثار الخصال الكريمة، ويصفه بالسماحة والعطاء يقول: الوصول إلى عطائك سهل لسماحتك وإن صعبت الطريق إلى غيرك.
وإذا صنعت صنيعًة أتممتها بيدين ليس نداهما بمكدٍر
المعنى: يصفه بإتمام الصنائع إذا ابتدأها، واجتناب المن فيها والمطل بتعجيلها.
وإذا هممت لمعتفيك بنائل قال الندى فأطعته لك أكثر
يا واحد العرب الذي ما أن لهم من مذهب عنه ولا من مقصر
يصفه بجزالة العطية، وسماحة السجية، وأنه هو واحد قومه إذ كان عديم النظير، وقوله: ما أن لهم من مذهب أي طريق يعدلون إليه عنه، ولا من مقصر، والقصر الغاية، وفسرها هنا الحيلة. المعنى: يصفه بعدم النظير في السيادة.
وقال المعذل بن عبد الله الليثي، وأخذ بجرم فكفل عنه النهش بن ربيعة العتيكي، وكان حيث كفل عنه دفع إليه فحمله على فرس وبغل وأمره أن ينجو بدمه، فقال له المعذل أخيرك بين أن أمدحك أو أمدح قومك فاختار امتداح قومه:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
جزى الله فتيان العتيك وأن نأت بي الدار عنهم خير ما كان جازيًا
هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الـ ـصحابة لما جم ما كنت لاقيا
خلطوني بالنفوس: جعلوني كواحد منهم، وحم قدر. المعنى: يستجزي الله فتيان العتيك خيرًا، ويقول هم حاموا عني ومنعوا أعدائي عني في وقت قربي فيه الحال التي كنت أكرهها.
هم يفرشون اللبد كل طموٍة وأجرد سباٍح يبذ المغاليا
طعامهم فوضى فضًا في رحالهم ولا يحسنون السر إلا تناديا
كأن ذنانيرًا على قساتهم إذا الموت للأبطال كان تحاسيا
يبذ يعلب، والمغالي المرامي من الغلاء جمع غلوة وهي السهام تبعد في الرمي،
فوضى أي شركة بينهم، فضا أي واسع، ولا يحسنون السر أي لا ريبة عندهم فيغضون أصواتهم لها، والقسمات الواحدة قسمة. المعنى: يصفهم بالفروسية، والحروب لقلة اكتراثهم بها.
وقال بعض الأعراب:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
وزاٍد وضعت الكف فيه تأنسًا وما بي لولا آنسة الضيف من أكل
وزاٍد رفعت الكف عنه تعففًا إذا ابتدر القوم القليل من الثفل
وزاٍد أكلناه ولم ننتظر به غدًا أن بخل المرء من أسوأ الفعل
آنسة يعني أنس. المعنى: قسم الزاد الذي حضره على ثلاثة أقسام ورتبه ثلاث مراتب فقال: وزاد تناولت لأونس الضيف وما بي حاجة إلى الأكل، وزاد آخر لم أتناول منه لقلته وتركته إلى من حضر معي إيثارًا له، وزاد آخر أكلناه ولم ندخره بخلًا فإن البخل من أسوأ الفعل.
وقال آخر، وهو محمد بن يسير، كان في زمن المبرد:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
لقَّل عارَّا إذا ضيف تضيفني ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقل إذا أعطاك نائله ومكثٍر في الغنى سيان في الجود
تضيفني أي جاءني، المعنى يقول: ما أقل عاري إذا بذلت طاقتي لضيفي وإن كنت مقلًا، فإن المقل إذا بذل ما عنده كالمكثر إذا بذل ما عنده في الجود لأن كل واحد منهما قد بذل ما قد عليه.
وقال خلف بن خليفة، ويقال له الأقطع لأنه قطعت يده لسرقة اتهم بها، وكان لسنا بذيئًا: أخبرني أبو أحمد العسكري عن الشاطبي عن عسل بن ذكوان عن أبي عثمان المازني قال: لقي خلف بن خليفة الأقطع الفرزدق فقال من الذي يقول:
هو القين وابن القين لاقين مثله لفطح المساحي أو لجدل الأداهم
فقال: الذي يقول:
هو اللص وابن اللص لا لص مثله لنقب البيوت أو لطي الدارهم
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
عدلت إلى فخر العشيرة والهوى اليهم وفي تعداد مجدهم شغل
المعنى: يصف فخر سيبان وعدواه عن عد مجدهم لأنه لا يحصى كثرة إلى فخرهم.
إلى هضبٍة من آل شيبان أشرفت لها الذروة العلياء والكاهل العبل
من النفر البيض الذين كأنهم صفائح يوم الروع أخلصها الصقل
إلى معدن العز المؤيد والندى هناك هناك الفضل والخلق الجزل
العبل: الضخم، والبيض الحسان، وربما أراد بالأبيض النقي من العيوب، والخلق الجزل العظيم. المعنى: يصفهم بالعزة والمنعة وبحسن الوجوه في الحرب والوقعة، وبالندى وحسن الخلق والسعة.
أحب بقاء القوم للناس إنهم متى يظعنوا من مصرهم ساعة يخلو
المعنى: يصفهم بأن حياة الناس وعمارة البلاد بهم.
عذاب على الأفواه ما لم يذقهم عدو وبالأفواه أسماؤهم تحلو
المعنى: يصفهم بالتحبب إلى أوليائهم والتشدد على أعدائهم.
عليهم وقار الحلم حتى كأنما وليدهم من أجل هيبته كهل
المعنى: يصفهم بفرط الحلم، ويروى ((من جل هيبتهم)).
إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل
استجهلوا أي طلب جهلهم، يقول: إذا قصد الحلم لم يبعد حلمهم وإن
اختاروا أن يفعلوا ما يفعله الجهلاء عظم تأثيرهم. المعنى: يصفهم بكثرة الحلم مع قدرتهم على فعل الجهل.
هم الجبل الأعلى إذا ما تناكرت ملوك الرجال أو تخاطرت البزل
تناكرت: أنكر بعضهم بعضًا وتعادت، وتخاطرت البزل أي تقاتلت الأقران، والبزل جمع البازل من الإبل. المعنى: يقول: هم الجبل العالي عند معاداة الملوك ومحاربة القرآن، لأنه لا يقدر عليهم أحد.
ألم تر أن القتل غاٍل إذا رضوا وإن غضبوا في موطٍن رخص القتل
المعنى: يصفهم بعظم السطوة إذا غضبوا، وشمول الأمن هذا إذا رضوا.
لنا فيهم حصن حصين ومعقل إذا حرك الناس المخاوف والأزل
الأزل الشدة والضيق، وأصله الحبس. المعنى: يصفهم بعز الجار إذا خاف جار غيرهم، يقول: لنا فيهم ملجأ إذا أزعج الناس الخوف عن أوطانهم.
لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم إذا الجار والمأكول أرهقه الأكل
أرهقه غشيه، وقوله إذا الجار أي إذا ظلم حتى كأنه أكل والمأكول كذلك يعني وقت الشدة. المعنى: يصفهم بإغاثة المستغيث والذب عن الجار.
سعاة على افناء بكر بن وائٍل وتبل أقاصي قومهم لهم تبل
التبل الحقد. المعنى: هم يسعون بالخير على أحياء بكر بن وائل، وإذا كان لأبعدهم حقد فهو حقدهم.
إذا طلبوا ذحلًا فلا الذحل فائت وإن ظلموا أكفاءهم بطل الذحل
المعنى: يصف عزهم وأنهم يدركون ذحلهم عند الناس ولا يدرك عندهم ذحل.
مواعيدهم فعل إذا ما تكلموا بتلك التي إن سميت وجب الفعل
الكلمة التي كنى عنها فقال: ((بتلك التي إن سميت وجب الفعل)) قولهم: نعم. المعنى: يصفهم بانجاز المواعيد، وإذا قالوا نعم وجب [الفعل فلم يتأخر].
بحور تلاقيها بحور كثيرة إذا زخرت قيس وإخوتها ذهل
زخرت ارتفعت. المعنى: شبههم بالبحور لعظم شأنهم وإرتفاع مكانهم وغلبة سلطانهم.
وقال أبو الرياح الأسدي:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
لا يملكون عداوة من حاسٍد وحذاء كل مروءٍة حسادها
وقال آخر:
(الثاني من الكامل والقافية من المتواتر)
عادوا مروءتنا وضلل سعيهم ولكل بيت مروءٍة أعداء
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشٍر أزرى بفعل أبيهم الأبناء
يعنى عادوا وأرادوا أن يظفر وابمروءتنا فغاب سعيهم، ثم قال: ولكل بيت مروءة أعداء، والمروءة فعولة من المرء يعني الانسانية، وقوله: أزرى بفعل أبيهم أي قصروا لأنهم هدموا ما بنت آباؤهم من العلا.
وقال المتوكل الليثي:
(الثالث من العروض الثانية الحذاء والقافية من المتراكب)
لسنا وإن أحسبنا كرمت ممن على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا
المعنى: لسنا وان كرمت أحسابنا وشرفت أنسابنا ممن يقعدون عن ادخار المكرمات ويعتمد على ما اثله أولونا من المأثرات، بل نبي المجد كما ابتنوا، ونقتني المحامد كما اقتنوا.
وقال طريح:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
طلبت ابتغاء الشكر فيما صنعت بي فقصرت مغلوبًا وإني لشاكر
المعنى يقول: رمت الاضطلاع بشكرك مجاراة لما أوليتنيه من برك فعجزت عنه وقصرت دون بلوغه، وإن كنت قد استنفدت وسعي وطوقي في ابتغائه وانتحائه.
وقصرت دون بلوغه، وإن كنت قد استنفذت وسعي وطوقي في ابتغائه وانتحائه.
وقد كنت تعطينىي الجزيل بديهة وأنت لما استكثرت من ذاك حاقر
فأرجع مغبوطًا وترجع بالتي لها أول في المكرمات وآخر
المعنى يقول: كنت توليني الجزيل الكثير من إحسانك وتستحقر ما أستكثره من ذلك فأرجع محسورًا على ما أفدتنيه من برك، وفزت أنت بأحدوثة جميلة قد أخذت بطرفي في المكرمات.
وقال أبو العطاء السندي، وتروى لحبيب بن عوف:
(الثالث من الطويل والقافية من المتواتر)
فتًى زاده السلطان في الحمد رغبًة إذا غير السلطان كل خليل
السلطان الملك. المعنى يصفه بحسن العهد وشرف التواضع.
وقال ابن الزبير: وقيل: إنها للربيع يفضل محمد بن مروان على عبد العزيز ابن مروان:
(الأول من الكامل والقافية من المتدارك)
لا تجعلن مبدنًا ذا سرٍة ضخمًا سرادقه وطيء المركب
كأغر يتخذ السيوف سرادقًا يمشي برايته كمشي الأنكب
فتح الاله بشدٍة قد شدها ما بين مشرٍق أهلها والمغرب
جمع ابن مروان الأغر محمد بين ابن أشترهم وبين المصعب
وقال أعشى ربيعة وهو من بني شيبان، ودخل على عبد الملك بن مروان فقال له: يا أبا المغيرة ما الذي بقي من شعرك؟ فقال: "لقد ذهب منه وبقي"، على أنني الذي أقول:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
وما أنا في حقي ولا في خصومتيبمهتضم حقي ولا قارع سني
المعنى: لا أندم على شيء أفعله لكمال حزمي وصواب تدبيري.
ولا مسلم مولاي عند جنايةولا خائف مولاي من شر ما أجني
المعنى يقول: أذا جنى ابن عمي جناية لم أخذله ولكني أدفع عنه وأنصره، وقوله ولا خائف أي لا ألزم ابن عمي جنايتي.
وإن فؤادي بين جنبي عالمبما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضلني في الشعر واللب أننيأقول على علم وأعرف من أعني
وأصبحت إذ فضلت مروان وابنهعلى الناس قد فضلت خير أب وابن
ويروى "وأعرف ما أعني" وهو أعم. المعنى: يصف عزه ومنعته وحزمه وذكاءه وفطنته ويدعي فضله على جميع الشعراء، لعلمه باللفظ ومعرفته بالمعنى، ويفضل عبد الملك بن مروان وأباه على جميع الناس.
وقال في سليمان بن عبد الملك:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
أتينا سليمان الأمير نزورهوكان امرأ يحيا ويكرم زائره
إذا كنت في النجوى به متفردافلا الجود مخليه ولا البخل حاضره
كلا شافعي سؤاله من ضميرهعن البخل ناهيه وبالجود آمره
يقول لسؤاله: له شفيعان من ضمير أحدهما ينهاه عن البخل. وكان حقه ألا يجعله محتاجا إلى النهي عن البخل. المعنى: يصف سليمان بن عبد الملك بالكرم والعطاء ومخالفة الجود إياه وبعد البخل عنه، وإن لكل سائل عنده شفيعين من قلبه يحثان على إنجاحه.
وقال الكميت في مسلمة بن عبد الملك:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
فما غاب عن حلم ولا شهد الخناولا استعذب العوراء يوما فقالها
يدوم على خير الخلال ويتقيتصرفها من شيمة وانفتالها
العوراء: الكلمة القبيحة. المعنى: يمدحه بالحلم واجتناب الفحش والدوام على حسن الخلق.
وتفضل أيمان الرجال شمالهكما فضلت يمنى يديه شمالها
وما أجم المعروف من طول كرهوأمرا بأفعال الندى وافتعالها
ما أجم المعروف أي ما كره الإحسان إلى الناس، من طول كره أي لم يمل المعروف من كثرة مهاودته، وأكثر ما يجيء الافتعال في الذم، وهنا جاء في المدح.
المعنى ينفي عنه ملاله المعروف مع طول تكرره عليه، ويصفه بفعل المعروف والأمر به.
ويبتذل النفس المصونة نفسهإذا ما رأى حقاً عليه ابتذالها
بلوناك في أهل الندى ففضلتهموباعك في الأبواع قدما فطالها
قوله: ويبتذل، جعل للنفس نفساً، يريد يبتذل نفسه في الحقوق. المعنى: يصفه بابتذال النفس في حقوق الناس، ويفضل جوده على جميع الخلق، والأبواع جمع باع.
فأنت الندى فيما ينوبك والسدىإذا الخود عدت عقبة القدر مالها
الندى والسدى واحد عند بعض العرب، قال أبو زيد: "الندى في أول
الليل والسدى في آخره". عقبة القدر ما يبقيه المستعير في أسفلها من المرق صلة لمعيرها، يصف قحط الزمان. المعنى: يقول إذا قحط الناس فأنت الخصب تنعش الناس وتحييهم.
وقال المتوكل الليثي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
مدحت سعيداً واصطفيت ابن خالدوللخير أسباب بها يتوسم
يقول: أثنيت عليهما إلا أني اخترت بابن خالد لما تبينت فيه من آثار الخير، ويتوسم: يتفرس.
فكنت كمجتش بمحفاره الثرىفصادف عين الماء إذ يترسم
المحفار: ما يحفر به، والمجتش القاطع، ويروى "كمحتس" بالسين غير معجمة، وبالتخفيف وهو أحسن في المعنى وهو الذي يحفر الحسا وهو حفيرة يستنقع فيها الماء فلا يلبث أن ينضب يقول: كنت كمن يطلب الحسا فوجد عين الماء.
فإن يسأل الله الشهور شهادةتنبيء جمادى عنكم والمحرم
إنما خص جمادى لأنه شهر برد، والمحرم لأنه شهر حرام، يقول: إن يسأل الله الشهور عنكم أخبرت جمادى بقراكم الضيف وصلتكم الرحم، وأخبر المحرم بحفظكم حرمته وتأديتكم حقه.
بأنكم خير الحجاز وأهلهإذا جعل المعطي يمل ويسأم
المعنى: فضلهم على أهل الحجاز جوداً.
وقال نصيب في عمر بن عبد الله الليثي:
(الثاني من الطويل والقافية من المتدارك)
والله ما يدري امرؤ ذو جنابةولا جار بيت أي يوميك أجود
أيوم إذا ألفيته ذا يسارةفأعطيت عفواً منك أم يوم تجهد
ذو جناية أي غريب، أجود من الجود أي أكثر عطاء. المعنى: يحلف أنه لا يدري الغريب والقريب أنه في يوم اليسر والغنى أجود أم في يوم الضيق والجهد، وإنما اشتبه عليهم ذلك لأنهم نالوا فيهما عطاء، يصفه باستمرار الجود في حالتي السعة والضيق.
وإن خليليك السماحة والندىمقيمان بالمعروف ما دمت توجد
مقيمان ليسا تاركيك لخلةمن الدهر حتى يفقدا حين تفقد
المعنى: ملازمة الجود إياه، ولا يحسن مدح السادة بمثل هذا ما تشمئز منه النفوس من ذكر الفقر، وإن كان لا بد منه.
وقال زياد الأعجم يمدحه:
[الأول من الوافر والقافية من المتواتر]
أخ لك ليس خلته بمذقإذا ما عاد فقر أخيه عادا
أخ لك لا تراه الدهر إلاعلى العلات بساما جوادا
قوله: إذا ما عاد يريد إذا أعطى صاحبه فأتلف ما أعطاه وافتقر عاد يعطي.
المعنى: يصفه بمعاودة العطاء ومداومة التبسم في وجوه الزوار.
وقال أمية بن أبي الصلت:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
أأذكر حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالحقوق وأنت فرعلك الحسب المهذب والسناء
المعنى: يتلطف في استماحته يقول: أأذكر حاجتي أم يكفيني حياؤك وعلمك بالحقوق وعادتك الحياء، وأنت فرع رفيع لا عيب في حسبك، المعنى: يصفه بصدق الخلة، وينفي عنه التلون.
خليل لا يغيره صباحعن الخلق الجميل ولا مساء
وأرضك كل مكرمة بنتهابنو تيم وأنت لهم سماء
هذا مثل، جعل أرضه مكرمة، وجعله سماء لها، المعنى: يمدح قومه بابتناء المكارم ويفضله عليهم.
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرضه الثناء
المعنى: يصفه بغاية الجود، وأنه لا يحوج قاصده إلى المسألة ويكفيه منها ثناؤه عليه.
تباري الريح مكرمة وجوداًإذا ما الكلب أحجره الشتاء
تباري الريح يريد إما أن يعطي كما هبت وإما أن يعطي الناس عاما، ولا تكاد السباع تجد البرد إلا إذا اشتد.
وقال ابن عبدل الأسدي يمدح عبد الملك بن بشر بن مروان:
(الضرب الأول من العروض الثانية من الكامل والقافية من المتراكب)
بينا هم بالظهر قد جلسوايوماً بحيث ينزع الذبح
فإذا ابن بشر في مواكبهتهوي به خطارة سرح
فكأنما نظروا إلى قمرإو حيث علق قوسه قزح
الظهر موضع معروف، والذبح نبت له نور أحمر، وابن بشر هو عبد الملك بن بشر بن مروان، وأمه هند بنت أسماء بن خارجة، خطارة فرس، تحرك ذنبها نشاطاً، سرح سهلة تنسرح في سيرها، أو حيث علق قوسه قزح يعني كأنهم ينظرون إلى قوس قزح، ويقال: أن قزح شيطان، وقال بعضهم: القزح الطرائق الذي فيه، وليس يعني باليوم هنا، وإنما يريد الوقت منه، ويعبر باليوم عن الزمان والعصر. المعنى يصفه بحسن الموكب وشرف الصحبة وجمال الصورة.
وقال حاتم الطائي:
(الأول من الطويل والقافية من المتواتر)
متى ما يجيء يوما إلى المال وارثييجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
جمع الكف بكسر الجيم قدر ما يشتمل الكف عليه. المعنى: يصف سخاوته وشجاعته يقول: أبذل مالي في حياتي فلا يجد وارثي غير ما يذكره من بعد.
يجد فرسا مثل العنان وصارماحساما إذا ما هز لم يرض بالهبر
فرسا مثل العنان يعني ضامرا صلبا، لم يرض بالهبر وهو أن يختلس قطعة من اللحم، ويروى "بالهتر" وهو الكسر, المعنى: يقول: لا يجد إلا فرسا ضامرا وسيفا قاطعاً لا يرضى بقطع اللحم حتى يصم في العظم.
وأسمر خطيا كأن كعوبهنوى القسب قد أربى ذراعا على العشر
القسب نوع من التمر نواه صلب. المعنى: يقول: إن جاء وارثي لم يجد غير رمح طويل صلب طوله إحدى عشرة ذراعاً.
وقال غيره:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
آل المهلب قوم خولوا شرفاما ناله عربي لا ولا كادا
لا كاد أي ولا قرب من نيل ذلك الشرف، يفضل آل المهلب في الشرف على جميع العرب، وينفي العرب نع مداناتهم.
لو قيل للمجد حد عنهم وخالهمبما احتكمت من الدنيا لما حادا
المعنى يقول: لو قلت للمجد انصرف يا مجد عن آل المهلب وخذ حكمك ما شئت لم يفارقهم خالي ترك، يقال خاليت الرجل إذا تركته.
إن المكارم أرواح يكون لهاآل المهلب دون الخلق أجسادا
المعنى: جعل آل المهلب دون الناس أرواحاً للمكارم، يقول: قوام المكارم بهم كما أن قوام الأجساد بالأرواح.
وقال النضر بن الحارث، وتروى لأخته:
(الأول من البسيط والقافية من المتراكب)
الواهب الألف لا يبغي بها بدلاإلا الإله ومعروفا بما اصطنعا
المعنى: يمدحه بكثرة العطية، وأنه لا يريد بذلك إلا رضى الله والإحسان إلى عباده.
وقالت صفية بنت عبد المطلب:
(الأول من الوافر والقافية من المتواتر)
ألا من مبلغ عني قريشاففيم الأمر فينا والإمار
الامار المؤامرة وهي المشاورة، وفسر بعضهم الامار: الامارة وليس ذلك بمشهور.
لنا السلف المقدم قد علمتمولم توقد لنا بالغدر نار
ولم توقد لنا بالغدر نار أي لم تقدر فتوقد نار للشهرة، وكانوا إذا أرادوا أن يشهروا إنسانا بالغدر أوقدوا ناراً فاجتمع إليها الناس، ثم نادى مناد ألا إن فلانا قد غدر.
وكل مناقب الخيرات فيناوبعض الأمر منقصة وعار
المعنى: صفية هي عمة النبي ﷺ تخاطب في هذه الأبيات بني أمية تقول:
كيف تكون الولاية لكم والسلف المقدم لنا، تعني النبي ﷺ.
وقالت امراة من بني مخزوم:
(من السريع والقافية من المتواتر).
إن تسألي فالمجد غير البديعقد حل في تيم ومخزوم
قوم إذا صوت يوم الوغىقاموا إلى الجرد اللهاميم
من كل محبوك طوال القرىمثل سنان الرمح مشهوم
غير البديع نصب، كما تقول حقا أي المجد حل قديما في تيم ومخزوم، واللهاميم من الخيل الجياد، ومن الإبل الغزار الواحد لهموم، والمحبوك الموثق الخلق، طوال القرى طويل الظهر، مشهوم جريء كأنه سهم أي جريء للجري، وتيم هو تيم بن مرة بن كعب رهط أبي بكر الصديق ﵁ ومخزوم رهط أبي جهل بن هشام بن المغيرة لعنه الله. تفتخر بقدم المجد في تيم ومخزوم وهما من قريش، وتصفهم بالشجاعة والفروسية.
وقالت:
[الثاني من الطويل والقافية من المتدارك]
ألا إن عبد الواحد الرجل الذيينيلك ما حاولت والوجه وافر
المعنى تقول: يعطيك ولا يحوجك إلى الضراعة في المسألة.
وقالت الخنساء بنت عمرو:
[من الأول المطوي الموقوف من السريع والقافية من المتواتر]
دل على معروفه وجههبورك هذا هادياً من دليل
المعنى: تصفه بالطلاقة والبشاشة، وبورك هذا دعاء له بالبركة.
تحسبه غضبان من عزهذلك منه خلق ما يحول
ويل امه مسعر حرب إذاألقي فيها وعليه الشليل
ويل امه تعجب لا يريد به الإيقاع، والشليل درع قصيرة الجمع أشلة، وهو أيضاً ثوب يلبس تحت الدرع. المعنى: تصفه بحسن الوجه وكرم العز والثبات في الحرب.
وقالت امرأة من إياد، الإياد ما ارتفع من الرمل، والإياد أيضاً ما يبنى خلف
الحائظ تقوية له:
(الثاني من البسيط والقافية من المتواتر)
الخيل تعلم يوم الروع إن هزمتأن ابن عمرو لدى الهيجاء يحميها
لم يبد فحشا ولم يهزز لمعضلةوكل مكرمة تلفى يساميها
لم يهزز لمعضلة أي لم يحرك لمعضلة أي حادثة، تصفه بالجرأة والقوة ورد العدو عن أصحابه إذا انهزموا، وتمدحه بالعفة وقلة المبالاة بالحوادث العظيمة.
المستشار لأمر القوم يجزبهمإذا الهنات أهم القوم ما فيها
لا يرهب الجار منه غدرة أبداًوإن ألمت أمور فهو كافيها
إذا الهنات أي الأشياء المكروهة، والواحدة هنة. المعنى: تصفه بالسمو إلى المكارم وبجزالة الرأي، وصواب المشورة، وبالبراءة من الغدر وكفاية ما يلم بالقوم من الأمر.
تم باب الأضياف بحمد الله ومنه
النص من طبعة دار الأوزاعي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع