تجاوز إلى المحتوى

من «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ت ٥٤٠هـ)

مهلك مال ومفيد مال

أي مستفيد وفاد المال نفسه يفيد إذا ثبت له والاسم الفائدة. واللطيفة ما يطرف به الرجل صاحبه ويتحفه به من مال أو علم ليعرف بره. واللطف البر والكرامة وجمع لطيفة لطائف. وطالعها أشرف عليها ووقف على معناها. ولم يحل لم يظفر يقال ما حليت منه شيأ أي ما أصبت وحكى أبو جعفر الرواسي ما حليت منه بطائل بالهمز أي ما أصبت ويقال حلي الشيء بعيني وبصدري وفي عيني وفي صدري وحلا في فمي الشراب يحلو ويحلى فيهما جميعا. والطائل الشيء النفيس الذي له فضل مأخوذ من الطول وهو الفضل.

وقوله " إنما هو الجوهر يقوم بنفسه والعرض لا يقوم بنفسه ورأس الخط والنقطة لا تنقسم والكلام أربعة أمر واستخبار وخبر ورغبة ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب وهي الأمر والاستخبار والرغبة وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر "

لفظة الجوهر ليست بالعربية وإنما هي فارسية معربة ويجوز أن تكون عربية ووزنها فوعل من الجهر والجوهر عندهم هو الجسم وحدوه بأنه الشيء الذي له طول وعرض وعمق وهو يقوم بنفسه والعرض كالطعم والريح واللون وهو لا يقوم بنفسه وإنما يوجد في الأجسام. ونهايات الجسم عندهم سطوح والسطح ماله طوله وعرض فقط ولا عمق له ونهايات السطح خطوط والخط هو طول فقط ولا عرض له ولا عمق له ونهاية الخط النقطة وهي جزء لا يتجزأ وليس يراد نقطة ينقطها الكاتب لأن تلك شكل بسيط وإنما هي شيء يدرك بالوهم لا قدر له ونهاية الخط نقطتان والخط المستقيم هو الموضوع على مقابلة النقطة وقالوا النقطة لا تنقسم لأنها لو انقسمت لكانت خطا وقولهم رأس الخط معناه ابتداء الخط ونهايته فأتم

الأشكال هو المجسم وهو الطويل العريض العميق دون الجهات الست التي هي قدام ووراء ويمين وشمال وفوق وتحت فكل طويل عريض عميق ذي جهات ست جسم وليس إلى وجود شكل أتم من هذا السبيل وإذا حل الجسم بأن يرفع منه العمق بقي الطول والعرض بذلك الشكل البسيط ثم ينحل هذا البسيط إلى الخطوط بأن يقدر رفع العرض منه فيبقى الطول وحده وهو الخط وإنما هو خط وهمي لا ما يصوره الكاتب ثم ينحل الخط إلى نقطة وهو نهاية ما يتناهى إليه وليس دونها ما هو أصغر منها فتنحل إليه. وقد اختلف الناس في معاني الكلام اختلافا كثيراً فزعم الأوائل أنه أربعة أقسام خبر واستخبار وأمر وطلب واختلف المتأخرون في ذلك وزاد بعضهم الدعاء والتمني والعرض وزادوا شيئاً آخر ونقصوا فالخبر النبأ عمن تستخبر تقول أخبرني وخبرني وجمع الخبر أخبار والخبر العلم بالشيء والاستخبار طلب الخبر وهو الاستفهام كقولك أزيد عندك والدعاء النداء بمن تريد عطفه أورده أو تنبيهه كقولك يا زيد والتمني أن تقدر الشيء وتحب أن يصل إليك واشتقاقه من المنى وهو القدر نحو قولك ليت لي مالا أنفقه والعرض كقولك إلا تنزل بنا والأمر لمن هو دونك نحو اذهب والطلب والرغبة لمن هو فوقك تقول للخليفة انظر في أمري ففصلوا بينهما في التسمية والنهي خلاف الأمر كقولك لا تفعل. وقال عبيد الله بن أحمد الفزاري النحوي عندي أن أصل الكلام كله في لسان العرب هو الخبر لأن الكلام المفيد لا يكون إلا جملة لها طرفان أحدهما الحديث والآخر المحدث عنه وأن الاستخبار هو جملة الخير زيد عليه حرف دل به المتكلم على أنه يريد أن يلفظ الخير كما يزيد المثبت حرفاً يدل على أن جملة الخبر منفية لا مثبتة وكذلك الأمر هو جملة اسم وفعل دل بها الأمر على أنه يريد من المأمور أن يستحق أن يخبر عنه بذلك وعلى هذا سبيل النهي والطلب والتمني والعرض والدعاء وسائر أجناس الكلام.

وقوله " والآن حد الزمانين مع هذيان كثير والخبر ينقسم على تسعة آلاف وكذا مائة من الوجوه فإذا أراد المتكلم أن يستعمل بعض تلك الوجوه في كلامه كانت وبالاً على لفظه وقيداً للسانه وعياً في المحافل وعقلة عند المتناظرين "

قالوا الزمان ماض وحاضر ومستقبل وهو متصل بمنزلة الحظ الممدود حتى

يكون الماضي متصلا بالحاضر والحاضر متصلا بالمستقبل فالحد الذي يتصل به زمان بزمان يسمونه الآن آخر الزمان الماضي وأول الزمان المستقبل بمنزلة النقطة التي يتصل بها الخطان حتى يصيرا واحدا فتكون النقطة مبدأ لأحد الخطين ومنتهى للخط الآخر والآن في غير هذا الموضع مبنى لتضمنه معنى الإشارة وقيل حذفت منه الألف واللام وضمن معناهما فبنى وزيدت فيه الألف ولام أخرى وبني على حركة لسكون ما قبل آخره وفتح لأن الفتحة أخف الحركات أو لأن الفتحة من الألف وهو من شاذ ما بنى لأن فيه الألف واللام وسبيلهما أن تمكنا ما دخلنا عليه وأصله أو أن فحذفت الألف وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وقيل ألفه منقلبة من ياء تقول آن يئين أينا وأخبرت عن ابن الأنباري أنه قال الآن تفتح نونه وتكسر فمن كسرها قال أصله من الأوان ومن فتحها قال أصله آن لك فدخلت الألف واللام والنون لازم لها الفتح فأما الآن في هذا الموضع فحكمه أن يعرب قرأت على أبي زكرياء عن عال بن عثمان بن جني عن أبيه قال اللام في قولهم الآن حد الزمانين غير اللام في قوله تعالى " قالوا الآن " لأنها في قولهم الآن حد الزمانين بمنزلتها في قولهم الرجل أفضل من المرأة والملك أفضل من الإنسان أي هذا الجنس أفضل من هذا الجنس كذلك الآن إذا رفعه جعله اسم جنس هذا المستعمل في قولك كنت الآن عنده وسمعت الآن كلامه فمعنى هذا كنت في هذا الوقت الحاضر بعضه وقد تصرمت أجزاء منه عنده فهذا معنى غير المعنى في قولهم الآن حد الزمانين فأعرفه وقوله في الحكاية عنهم والخبر ينقسم على تسعة آلاف وكذا وكذا مائة من الو جوه قدوهم وذلك أن المتقدمين اصطلحوا على أن كذا كناية عن العدد فإذا قلت له على كذا وكذا درهما فأقل ذلك أحد عشر درهما لأنه أول عدد ميز بالواحد المنصوب وإذا قلت كذا وكذا درهما فأقله أحد وعشرون وعلى هذا القياس بقية العدد فقوله كذا وكذا مائة أقل ذلك إحدى وعشرون مائة فكأنه قال والخبر ينقسم على تسعة آلاف وإحدى وعشرين مائة فيصير أحد عشر ألفا ومائة وهذا غلط عليهم بعبارة فاسدة لأن العادة لم تجر بأن يقال له على إحدى وعشرون مائة إلا أن يحمل على ما روي عن جابر كنا خمس عشرة مائة وهو نادر. وإن خفض مائة كان لحنا لأنه حكاية عن نيف وعشرين ومميز ذلك منصوب أبدا وجره لحن والصواب أن تقول وكذا مائة بحذف كذا الثانية وخفض مائة على سبيل الحكاية فيكون تقديره ثلاث مائة أو أربع مائة ولعل تكرير كذا وقع من الناقل والله أعلم.

والهذيان كثرة الكلام في غير معنى والوبال أصله الثقل ومنه كلأ وبيل إذا كان لا يمري لثقله وقال تعالى " فأخذناه أخذا وبيلا " أي ثقيلا شديدا ومنه الوابل من المطر لغلظ قطره وشدته. وقياد للسانه أي يقبض لسانه عن التصرف في الكلام كما يقبض القيد اتساع الخطو. والعي الحصر وهو مصدر قولك عي فلان بالمنطق يعيا وأعييت من التعب إعياء ومعناهما واحد لأن الإعياء انقطاع عن العمل من التعب كما أن العي انقطاع الكلام من الحصر. وبالمحافل جمع محفل وهو المجلس والمجتمع في غير مجلس أيضا وأصله الاجتماع والكثرة ومنه المحفلة وهي الشاة التي يجمع لبنها في ضرعها. وعقلة أي حبسة والعقل في اللغة الحبس والمنع ومنه سمى العقل عقلا لأنه يحبس صاحبه عن الحمق وما لا ينبغي ومنه العقال لأنه يمنع يد البعير عن البسط وعقل الدواء بطنه حبسه عن الحدث والدرة عقيلة البحر لأنها محتبسة فيه.

وقوله " ولقد بلغني أن قوماً من أصحاب الكلام سألوا محمد بن الجهم أن يذكر لهم مسألة من حد المنطق حسنة لطيفة فقال لهم ما معنى قول الحكيم أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة فسألوه التأويل فقال مثل هذا رجل قال إني صانع لنفسي كنا فوقعت فكرته على السقف ثم انحدر فعلم أن السقف لا يقوم إلا على اصل ثم ابتدأ في العمل بالأصل ثم بالأس ثم بالحائط ثم بالسقف فكان ابتداء تفكره آخر عمله وآخر عمله بدء تفكره فأية منفعة في هذه المسألة وهل يجهل أحد هذا حتى إلى إخراجه بهذه الألفاظ الهائلة وهكذا جميع ما في هذا الكتاب ".

محمد بن الجهم رجل من البرامكة من أصحاب المنطق وللكندي إليه رسالة. والتأويل التفسير وهو رد فرع إلى أصل واشتقاقه من آل يؤل إذا رجع فإذا قيل أولت كذا فمعناه رددته إلى أصله وقال النصر أصل التأويل من الإيالة وهي السياسة فكأن المتأول للكلام سائسه وواضعه موضعه. والكن ما وقى وستر من كل شيء وهو الكنان أيضا والفعل منه كننت الشيء أكنه كنا وأكننته إكنانا إذا جعلته في كن. والأس أصل البناء وهو الأساس أيضا فجمع الأس أساس وجمع الأساس أسس. وقوله في الحكاية عنه فكان ابتداء تفكره آخر عمله وآخر عمله بدء تفكره غلط لأن قوله وآخر عمله بدء تفكره هو قوله فكان ابتداء تفكره آخر عمله فقد كرر والصواب أن يقول وآخر تفكره بدء عمله. ويقع في بعض الروايات في أول هذه المسألة أو

الفكرة آخر العمل وآخر العمل أول الفكرة وهو تكرير أيضا.

وقوله " ولو أن مؤلف حد المنطق بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو لعد نفسه من البكم أو يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وصحابته لأيقن أن للعرب الحكمة وفصل الخطاب ".

دقائق جمع دقيقة وهو ما غمض معناه ودق. والدين هنا الملة ويكون الطاعة والعادة والجزاء والحساب والسلطان. والفقه أصله العلم يقال فحل فقيه إذا كان حاذقا بالضراب وكل عالم بشيء فهو فقيه ومنه قولهم ما يفقه ولا ينقه معناه لا يعلم ولا يفهم يقال فقهت الكلام إذا فهمته حق فهمه ثم صار الفقه علما لعلم الشريعة تقول منه فقه الرجل بضم القاف إذا صار فقيها وقد أفقته أي بينت له تعلم الفقه ففقه عنى بكسر القاف كما تقول أفهمته ففهم. والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة وهي ما أوجبه الله على العباد ودخلت فيها الهاء لأنها جعلت إسما لا نعتا واشتقاقها من الفرض وأصل الفرض الحزفي الشيء ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنه لازم للعبد كلزوم الحز المحزوز والنسب إلى الفرائض فرضي ترده إلى فريضة وكذلك كل جمع غير مسمى به إذا نسبت إليه رددته إلى واحده. والنحو أصله القصد تقول نحا ينحو نحوا إذا قصد ثم صار اسما لعلم الإعراب وذلك لما يحكى أن عليا ﵇ رسم لأبي الأسود الدئلي الرفع والنصب والخفض وقال انح نحو هذا. والبكم جمع أبكم وهو الأخرس عيا وإن كان يتكلم والفرق بينه وبين الأخرس أن الأخرس لا يتكلم خلقه كالبهيمة العجماء. والحكمة العقل والعلم وهي الحكم أيضاً وكل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة واصل ح ك م في اللغة المنع من ذلك الحاكم لأنه يمنع من الظلم وحكمة الدابة لأنها ترد غربها وجماحها. والفصل في اللغة قطع ما بين الشيئين. والخطاب مراجعة الكلام وهو مصدر خاطب خطاباً كجادل جدالا فكأن معنى فصل الخطاب قطع الجدال والخصام بإصابة الحجة وقيل في قوله تعالى " فصل الخطاب " أن يفصل بين الحق والباطل ويميز بين الحلم وضده وقيل أما بعد وداود أول من قالها وقيل الفهم في القضاء وقيل الشاهدان ويمين المدعى عليه.

وقوله " فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن أيده الله من هذه الرذيلة وأبانه بالفضيلة وحباه بخيم السلف الصالح ورداه رداء الإيمان وغشاه بنوره وجعله هدى

في الضلالات ومصباحا في الظلمات وعرفه ما اختلف فيه المختلفون على سنن الكتاب والسنة ".

يعني بالوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان كاتب المتوكل لأنه عمل له هذا الكتاب فاصطنعه وأحسن صلته واشتقاق الوزير من الوزر وهو الحمل وكأن الوزير يحمل عن السلطان الثقل وقيل اشتقاقه من الوزر وهو الجبل الذي يعتصم به يريد أن السلطان يعتمد عليه ويلجأ إلى رأيه. والرذيلة النقيصة والخسيسة ورذالة كل شيء أردؤه والرذل والرذال من الشيء الدون والفعل رذل يرذل رذالة وهم الرذلون والأرذلون والأرذال. وأبانه بمعنى ميزه وأفرده بالفضل ممن تقدم ذمهم وهو من بان يبين بينا وبينونة وأبانه الله عن كذا أي أفرده وأبعده ويكون أيضاً أبانه لفضيلة أي أظهره بفضيلة العلم والدين فهذا من البيان والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل وحباه أعطاه والحباء العطية والخيم الأصل والغريزة. والسلف المتقدمون والمعنى فضله الله بشيمة من تقدم من الصالحين ورداه رداء الإيمان أي زينه بزينة الإيمان قال ابن الأعرابي يقال أبوك رداؤك ودارك رداؤك وكل ما زينك فهو رداؤك وغشاه بنوره أي غطاه. قال أبو عمرو وأصل الضلال الغيبوبة يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب وضل الكافر عن الحجة ضلالة إذا غاب وضل الناسي إذا غاب عنه حفظه والمصباح السراج بالمسرجة والمصباح نفس السراج وهو قرطه الذي تراه في القنديل ومصابيح النجوم أعلام الكواكب واحدها مصباح والسنة في الأصل سنة الطريق وهو طريق سنة أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم والسنة الطريقة المستقيمة المحمودة ولذلك قيل فلان من أهل السنة والسنن الاستقامة والقصد يقال تنح عن سنن الطريق وسننه وسننه أي محجته.

وقوله " فقلوب الخيار له معتقلة ونفوسهم إليه صبة وأيديهم إلى الله فيه مظان القبول ممتدة وألسنتهم بالدعاء له شافعة يهجع ويستيقظون ويغفل ولا يغفلون ".

الخيار خلاف الاشرار ويقال للواحد خيار يقال ناقة خيار وجمل خيار وفي حديث مرفوع اعطوه جملا رباعيا خيارا والخيار الاسم من الاختيار ويكون الخيار جمع أخير وقلما يجمع أفعل على فعال إلا أنه قد جاء أعجف وعجاف وأبغث وبغاث وأبرق وبراق. ومعتلقة مفتعلة من العلاقة يقال علق الرجل الشيء إذا أحبه يعلق علقا وعلاقة. وصبة مشتاقة والفعل من الصبابة صب يصب صبا فهو صب

فالأول فعل والثاني فعل والصبابة رقة الشوق والرأفة رقة الرحمة والعشق رقة الحب واشتقاقها من الصبب وهو المنحدر من الأرض لأن المحب ينحدر قلبه إلى محبوبه كما أن الهوى مأخوذ من الهوى وهو الانحدار والسقوط يقال هوى إذا سقط انحدر يشهد لهذا قوله تعالى " واجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم " ومظان القبول جمع مظن وهو مفعل يراد به الزمان ونصبه على الظرف والعامل فيه ممتدة وتقديره وأيديهم ممتدة في الأوقات التي يوقنون أن الدعاء يستجاب فيها وإن جعلته ظرف مكان قدرته حيث يظن القبول وممتدة منبسطة وشافعة تدعو مرة بعد مرة ومعنى الشفع في اللغة الزيادة ومنه شفعت الرجل إذا صرت ثانيا له والشفع الزوج ومنه الشفعة وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها أي كان وترا فضم إليه ما شفعه وزاده. وقوله يهجع ويستيقظون أي ينام ولا ينامون الليل من الدعاء والشكر له يقال هجع الرجل هجوعا إذا نام قال تعالى " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ".

وقوله " وحق لمن قام لله مقامه وصبر على الجهاد ونوى فيه نيته أن يلبسه الله لباس الضمير ويرديه رداء العمل ويصور إليه مختلفات القلوب ويسعده بلسان الصدق في الآخرين ".

وحق أوجب يقال حق لك أن تفعل كذا وحق عليك فإذا قلت حق قلت لك وإذا قلت حق قلت عليك ومعناه وجب عليك أن تفعل وهو حقيق أن يفعل كذا من الفعلين جميعاً. وقوله لمن قام لله أي حفظ ما استرعاه الله وتمسك به وأدى حقوقه يقال للخليفة هو القائم بالأمر وفلان قائم بكذا وكذا إذا كان حافظا له متمسكا قال الله تعالى " ومن أهل الكتاب أمة قائمة " إنما هو من المواظبة على الأمر والقيام به. وقوله وصبر على الجهاد صبره أي حبس نفسه عليه أخبرني المبارك بن عبد الجبار عن الحسن بن علي عن المازني عن ابن الأنباري قال: قال بعض أهل العلم صبر النفوس سمي صبراً لأن تمرره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرر الصبر في الفم قال وقال غيره سمي صبر النفوس صبرا لأنه حبس لها عن الاتساع في الغي والانبساط فيما يؤثر ومما يسخط الرب تعالى ذكره والجهاد مصدر جاهد في سبيل الله مجاهدة وجهادا. ونوى فيه نيته أي قصد قصده يقال فلان ينوي كذا من سفر أو عمل أي يقصده أن يلبسه الله لباس الضمير أي يظهر الله ﷿ ضميره

الجميل. ويرديه رداء العمل معناه أن كل من عمل عملا لله تعالى فيه طاعة أبان الله ذلك في بشرة وجهه وألبسه نورا ومن كان عاصيا كان بالضد من ذلك فالرداء في هذا الموضع النور استعارة. ويصور يميل إليه ويضم أي يجمع إليه ما اختلف من الأهواء حتى يقع الإجماع على محبته وتصطحب القلوب على طاعته ويقال صار عنقه يصورها ويصيرها إذا أمالها وأصار لغة. ولسان الصدق في الآخرين الثناء الحسن في الأمة الآخرة.

وقوله " فإني رأيت كثيرا من كتاب زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة واستوطأوا مركب العجز وأعفوا أنفسهم من كد النظر وقلوبهم من تعب الفكر حين نالوا الدرك بغير سبب وبلغوا البغية بغير آلة وقد لعمري كان ذاك فأين همة النفس وأين الأنفة من مجانسة البهائم ".

سائر عند البصريين مأخوذ من سؤر الشيء وهو بقيته فيرون أنه يجب أن يقدم قبل هذه الكلمة بعض الشيء الذي هي مضافة إليه فيقال لقيت الرجل دون سائر بني فلان لأن الرجل بعضهم وكذلك هي هنا لأن المعنى كبقية أهله ولا يحسن أن يقول لقيت القوم سائر الناس وعلى هذا المنهج أكثر كلام العرب وقال قوم سائر ماخوذ من سار يسير وقولهم لقيت سائر القوم أي الجماعة التي ينتشر فيها هذا الاسم ويسير ومما يدل على أن سائرا قد يكون بمعنى الجميع وما أنشدنيه أبو زكريا عن أبي العلاء المعري:

لو أن من يزجر الحماميقوم يوم وردها مقامي

إذا أضل سائر الأحلام

وقال الأحواص؟ فجلتها لنا لبابة لما وقذ النوم سائر الحراس وقال ذو الرمة:

أصاب خصاصةً فبدا كليلاًكلا وانفل سائره انفلالاً
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»

يصف ظهور القمر من خلل السحاب. والدعة الراحة والخفض في العيش وفاؤها محذوفة وهي واو الفعل منها ودع يودع دعة فهو وادع واتدع تدعة وتدعة فهو متدع واستوطئوا مركب العجز وجدوه وطيأ لا تعب فيه وهو استفعلوا من الشيء الوطئ وهو اللين الوثير. والعجز الضعف تقول منه عجزت عن الشيء أعجز إذا ضعفت عنه. وأعفوا أنفسهم أراحوها ورفهوها. والكد الشدة في العمل والتعب والدرك المطلوب وأصل الدرك قطعة حبل تشد في الرشاء إذا لم يلحق الركية وقل ماء الطوى فينالون حاجتهم من سقي الماء ثم قيل لكل من نال مراده قد نال الدرك وقولهم أنا ضامن الدرك أي بلوغ محابك. والسبب الحبل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى أرب سبب والبغية ما تطلبه. والآلة الأداة والمراد به ما يحتاج إليه الكاتب من العلم الذي به تتم كتابته كأداة الصانع التي بها تظهر صناعته. والأنفة الاستنكاف والاستكبار يقال أنفت من الشيء آنف أنفا وانفه وانافا وأرقت البارحة وأرقت والمجانسة المشاكلة وأخبرني ثابت بن بندار عن محمد بن عبد الواحد عن أبي سعيد السيرافي عن ابن دريد قال كان الأصمعي يدفع قول العامة هذا مجانس لهذا ويقول ليس بعربي خالص يعني لفظة الجنس. والبهائم جمع بهيمة وسميت بهيمة لأنها أبهمت عن أن تميز وقيل للاصبع إبهام لأنها تبهم الكف أي تطبق عليها وطريق مبهم إذا كان خفيا لا يستبين وضربه فوقع مبهما أي مغشيا عليه.

وقوله " واي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه وارتضاه لسره فقرأ عليه يوما كتابا وفي الكتاب ومطرنا مطراً كثر عنه الكلأ فقال الخليفة ممتحنا له وما الكلأ فتردد في الجواب وتعثر لسانه ثم قال لا أدري فقال سل عنه ".

أخزى أفعل من الخزي والخزي الهوان والسوء يقال خزى الرجل يخزي خزيا وأخزاه الله إخزاء. والخليفة السائل عن الكلأ المعتصم وكان أميا لأن الرشيد سمعه يقول وقد مات بعض الخدم استراح من المكتب فقال أو قد بلغت منك كراهة المكتب هذا وأمر بإخراجه منه والرجل الذي اصطفاه أحمد بن عمار بن شاذي المذاري ويكنى أبا العباس وكان ولي العرض للمعتصم بعد الفضل بن مروان ولم يكن وزيرا وإنما كان الفضل بن مروان اصطنعه لنفسه لثقته وصدقة فلما نكب الفضل رد المعتصم الأمر إلى أحمد بن عمار وكان محمد بن عبد الملك

الزيات أبو جعفر يتولى قهرمة الدار في خلافة المعتصم في دراعة سوداء فورد كتاب على المعتصم من صاحب البريد بالجبل يصف فيه خصب السنة فقال فيه وكثر الكلأ فقال المعتصم لأحمد بن عمار ما الكلأ فقال لا أدري فقال لا أدري فقال أنا لله وأنا إليه راجعون خليفة أمي وكاتب أمي قال من يقرب منا من كتاب الدار فعرف مكان محمد بن عبد الملك فدعا به فقال له ما الكلأ فقال النبات كله رطبه ويابسه والرطب خاصة يقال له خلى واليابس يقال له حشيش ثم اندفع في صفات النبت من حين ابتدائه إلى اكتهاله إلى هيجه فاستحسن المعتصم قوله فقال ليتقلد هذا العرض على ثم خض مكانه منه حتى استوزره وقد حكى بعضهم أن المسؤول عن الكلأ الفضل بن مروان وكان كاتبه الحسن بن سهل فسأل الفضل الحسن عنه فأخبره فصار إلى المعتصم فقال قد سالت فإذا هو العشب فأمر له بمائة ألف درهم فانصرف إلى الحسن بالمال فقال لو ضربك مائة مقرعة على قلة فهمك كان أكثر من أن يعطيك مائة ألف درهم على ما تجهله.

وقوله " ومن مقام آخر في مثل حاله قرأ على بعض الخلفاء كتابا ذكر في حاضر طيء فصحفه تصحيفا أضحك منه الحاضرين ".

هذا شاجع بن القاسم كاتب أوتامش التركي قرأ على المستمعين وصحف هذه اللفظة فقال حاء ضرطي والحاضرين جماعة الناس الحضور ومثل ما ذلك ما صحفه بعضهم أن الأمير أوغل وأبعط في أرض فقرأ وانعظ والإبعاط الإبعاد والانعاظ انتشار عضو الرجل وانتصابه ومثله أيضا ما أخبرني به المبارك بن عبد الجبار عن الحسن بن علي عن محمد بن العباس عن ابن الأنباري قال حدثنا المقدمي عن الحار ث بن محمد قال حدثني بعض أصحابنا قال بكر بن أبي خالد فقرأ على المأمون قصصا فجاع فمرت به قصة عليها فلان بن فلان اليزيدي فقرأ الثريدي فقال المأمون باغلام صحفة مملوءة نريدا لأبي العباس فإنه أصبح جائعا فاستحيا وقال ما أنا بجائع ولكن صاحب القصة أحمق نقط على الياء ثلاث نقط فقال ما أنفع حمقه لك وأحضرت الصحفة مملوءة ثريداً وعراقا وودكا فخجل أحمد فقال له المأمون بحياتي لما ملت إليها فأكلت فعدل فأكل حتى اكتفى وغسل يده وعاود القراءة ومرت به قصة عليها فلان بن فلان الحمصي فقرأ الخبيصي فقال المأمون يا غلام جاما مملوءا خبيصا لأبي العباس فإن طعامه كان مبتورا فاستحيا فقال يا

سيدي صاحب القصة أحمق فتح الميم فصارت بسنين فقال لولا حمقه وحمق صاحبه مت اليوم من الجوع فأتي بجام مملوء خصيبا فخجل فقال المأمون بحياتي عليك ألا ملت نحوه فأكلت فأكل وغسل يده وعاود القراءة فما سقط بحرف حتى انقضى المجلس.

وقوله " ومن قول آخر في وصف برذون أهداه وقد بعثت به أبيض الظهر والشفتين فقيل له أرثم ألمظ فقال لهم فبياض الظهر قالوا لا ندري قال فإنما جهلت من الشفة ما جهلتم من الظهر ".

البرذون من الخيل ما كان من غير نتاج العراب والأنثى برذونة وسيرته البرذنة وقوله بعثت به الصواب بعثته لأن بعثت متعد بنفسه فاستغنى عن حرف الجر قال الله تعالى " يا ويلنا من بعثنا " ولم يقل من بعث بنا وقال عز اسمه " ثم بعثنا من بعدهم موسى " وإذا ابيضت جحفلة الفرس العليا فهو أرثم وإذا ابيضت جحفلته السفلة فهو ألمظ فأراد أبيض الظهر فهو أرحل وقيل الأرحل الذي في موضع ملبده بياض من البلق.

وقوله " ولقد حضرت جماعة من وجوه الكتاب والعمال والعلماء بتحلب الفيء وقتل النفوس فيه وإخراب البلاد والتوفير العائد على السلطان بالخسران المبين وقد دخل عليهم رجل من النخاسين ومعه جارية ردت عليه بسن شاغية زائدة فقال تبرأت إليهم من الشغا فردوها علي بالزيادة فكم في فم الإنسان من سن فما كان فيهم أحد عرف ذلك حتى أدخل رجل منهم سبابته في فيه يعد بها عوارضه فسال لعابه وضم رجل فاه وجعل يعدها بلسانه فهل يحسن بمن ائتمنه سلطان على رعيته وأمواله ورضي بحكمه ونظره أن يجهل هذا من نفسه وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من جهل عدد أصابعه ".

الفيء الغنيمة والخراج وتخلبه جبابته واستخراجه والسلطان الحجة ولذلك قيل للأمراء سلاطين وقال الزّجاج اشتقاقه من السليط وهو ما يضاء به ومن هذا قيل

للزيت السليط. والسلطان يذكر ويؤنث يقال قضت به عليك السلطان فمن ذكره ذهب به إلى معنى الرجل ومن أنثه ذهب به إلى معنى الحجة وقال محمد بن يزيد من ذكر السلطان ذهب به إلى معنى الواحد ومن أنث ذهب به إلى معنى الجمع وواحدة سليط كقفيز وقفزان ولم يسمع من غيره. وقوله من النخاسين واحدهم نخاس وسمي نخاسا لنخسه الدواب وهو تغريزه مؤخر الدابة ثم قيل لبائع الناس نخاس أيضا. وقوله بسن شاغية الشغا اختلاف نبتة الأسنان لا غير وهو أن يركب بعضها بعضا فتخرج من منبتها ولذلك قيل للعقاب شغواء لفضل منقارها الأعلى على الأسفل وإنما تبرأ إليهم من الشغا لأنه لا ينكتم إذ العيان يدركه. وقوله فردوا عليّ بالزيادة أي زعموا أن هذه السن الشاغية زائدة على عدد الأسنان فكم في فم الإنسان من سن ليعلم هل هي زائدة أم لا وربما وقع في بعض النسخ بسن شاغية أي زائدة وهي غلط من الكاتب وأما الزيادة فهي الثعل والمصدر الثعل وعدد الأسنان اثنان وثلاثون سنا أربع رباعيات وأربعة أنياب وأربعة ضواحك واثنتا عشرة رحى وأربعة نواجذ من وهي أقصاها وقيل للنواجد الضواحك لما روى عن النبي ﷺ أنه ضحك حتى بدت نواجذه وروى أن ضحكه كان تبسماً وآخر الأضراس لا يبديه الضحك. والسبابة الإصبع التي تلي الإبهام وسميت بذلك لأن الساب يشير بها كما سميت دعاءة ومسبحة والعوارض جمع عارض وهو الناب والضرس الذي يليه وقوله في فيه أصل فوفوه بدليل تفوهت وفويه وأفواه فحذفوا الهاء وهي لام الكلمة وابدلوا منها الميم فقالوا فم.

وقوله " ولقد جرى في هذا المجلس كلام في ذكر عيوب الترقيق فما رأيت أحدا منهم يعرف فرق ما بين الكوع والوكع ولا الحنف من الفدع ولا اللمى من اللطع ".

الرقيق اسم جنس للعبيد لا واحد له من لفظه وقد رق فلان أي صار عبدا وسمي العبيد رقيقاً لأنهم يرقون لمالكهم ويذلون ويخضعون. والوكع ميل إبهام الرجل على الأصابع حتى تزول فيرى شخص أصلها خارجا يقال وكعت توكع وكعا وهي وكعاء والأدواء والعيوب تأتي على فعل كثيرا كشتر وعمى وضلع. والكوع اعوجاج

اليد من قبل الكوع وهو رأس الزند الذي يلي الإبهام والفعل منه مثل الأول. والحنف إقبال كل واحدة من الإبهامين على صاحبتها في قول الأصمعي وقال ابن الأعرابي الأحنف الذي يمشي على ظهر قدميه والفدع قال الأصمعي أن تميل الكف على وحشيها وهو ما أدبر عن الإنسان منها يقال فدعت تفدع فدعا وكذلك في الرجل. واللمي سمرة في الشفة تضرب إلى السواد وهو يستحسن وكذلك الحوة واللعس رجل المى وامرأة لمياء ويقال شجرة لمياء أي سوداء الظل لكثافة ورقها واللطع له موضعان أن تذهب الأسنان وتبقى أصولها واللطع أيضا في الشفاه بياض يصيبها وأكثر ما يعتري ذلك السودان.

وقوله " فلما أن رأيت هذا الشأن كل يوم إلى نقصان وخشيت أن يذهب رسمه ويعفو أثره جعلت له حظا من عنايتي وجزءاً من تأليفي فعملت لمغفل التأدب كتبا خفافا في المعرفة وفي تقويم اللسان واليد يشتمل كل كتاب منها على فن وأعفيته من التطويل والتثقيل لأنشطه لتحفظه ودراسته إن فاءت به همته وأقيد عليه بها ما أضل من المعرفة واستظهر له بإعداد الآلة لزمان الإدالة أو لقضاء الوطر عند تبين فضل النظر وألحقه مع كلال الحد ويبس الطينة بالمرهفين وأدخله وهو الكودن في مضمار العتاق ".

رسم كل شيء أثره وترسمت الموضع طلبت رسومه ويعفو يدرس هنا ومصدره العفاء بالمد وهو في غير هذا الموضع بمعنى يكثر ومصدره العفو وهو من الأضداد. والعناية مصدر قولك عنيت بالشيء فأنا معنى به إذا اهتممت به ويقال عنى بفتح العين فهو عان. قال الشاعر:

عان بقصواها طويل الشغل

ويشتمل يحيط ويحتوي عليه. والفن الضرب من الأشياء. وأعفيته تركته وخلصته والنشاط طيب النفس وخفتها للعمل والتعب يقال منه نشطته فنشط نشاطا. وفاءت رجعت. وقوله ما أضل من المعرفة يقال أضللت الشيء إذا ضاع منك فلم تهتد له. واستظهر له معناه احتاط له واستوثق وهو مأخوذ من البعير الظهري وهو ما جعلته عدة لحاجتك لأنه زيادة على حاجة صاحبه إليه أن انقطع من ركابه شيء أو أصابه آفة ثم يقال استظهر ببعير ظهري محتاطا به ثم أقيم الاستظهار مقام الاحتياط في كل شيء وقيل سمى البعير ظهريا لأن صاحبه يجعله وراء ظهره

فلا يركبه ولا يحمل عليه ويجعله عدة لوقت الحاجة. والاعداد تهيئة الشيء لوقت الحاجة واسم الشيء الذي تعده وتهيئه عدة مثل الأهبة يقال أعددت للأمر عدته وعتاده. وزمان الإدالة وقت رجوع الدولة بعد زوالها أي زمان النصر والغلبة يقال أدال الله فلانا إدالة ودال هو دولة وهو الانتقال من حال إلى حال والمداولة مفاعلة من الدولة ومنه قول الحجاج أن الأرض ستدال منا كما أدلنا منها معناه أنه تأكلنا كما نأكلها ولقضاء الوطر كل حاجة تكون لك فيها همة فإذا بلغتها قلت قضيت وطري من هذا الأمر أي حاجتي وجمع الوطر أوطار وقوله عند تبين فضل النظر يقال بان الشيء وأبان إذا وضح ولم يك فيه شك وابنته أي تأملته وتوسمته وفيه لغات آخر تكون لازمة ومتعدية وهي استبان الشيء واستبنته وبين وبينته وتبين وتبينته تبيينا وتبيانا والمبين في صفات الله تعالى قد فسر بالوجهين قيل أبان جميع ما يحتاج إليه العباد في كتابه فيكون متعديا وقيل المبين بمعنى البين الربوبية وقرئ " آيات مبينات " بكسر الياء وفتحها فمن كسر فالمعنى واضحات ومن فتح فالمعنى إن الله بينها وقرئ " ولتستبين سبيل المجرمين " بالرفع وعليه أكثر القراء فيكون غير واقع وقد قرئ سبيل المجرمين بالنصب المعنى ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين أي لتزداد استبانة والمعنى أني احتطت له فجعلت ما الفته عدة لوقت رجوع الدولة إليه أو لبلوغ أربه من العلم إذا أنعم فيما ألفت النظر وقوله مع كلال الحد غير صواب لأن الكلال مصدر كل إذا أعيا فأما كل الحد فمصدره كل وكلول وكلة وكذلك اللسان والطرف وكل إذا أعيا كلالا وكلالة. قال الشاعر:

فإن تقعدي أقعد ولا أخشى مورداولا هلك مال أو كلالة راحلة

وهذا مثل ضربه للبليد القليل المضاء وشبهه بالسيف الجهام الذي لا يمضي في الضريبة. وقوله بالمرهفين مثل أيضا ضربه لذوي الفهم والذكاء والمرهف المرقق المحدد شبههم به في مضائهم وحدتهم. ويبس الطينة جمودها وشبه طبع البليد بها إذ كانت لا تقبل الختم ولا تطوع في العمل والكودن البرذون ووزنه فوعل والواو فيه زائدة واشتقاقه من الكدنة وهو غلظ الجسم وما ابين الكدانة فيه أي الهجنة وجمعه كوادن والكودن والكودني البغل قال:

خليلي عوجا من صدور الكوادنإلى قصعة فيها عيون الضياون

شبه الثريدة الزريقاء بعيون السنانير لما فيها من الزيت. والمضمار مفعال من

الضمر وهو موضع تضمير الخيل والضمر الهزال ولحوق البطن وتضمير الخيل أن تعلف قوتا بعد سمنها ويكون المضمار وقتا للأيام التي تضمر فيها الخيل للسباق أو للركض إلى العدو وتضميرها أن تشد عليها سروجها وتجلل بأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها ويحمل عليها غلمان خفاف يجرونها ويعنفون بها فإذا فعل ذلك بها امن عليها البهر الشديد عند حضرها ولم يقطعها الشد ويسمى ذلك التضمير والإضمار وروي عن حذيفة ﵀ أنه خطب فقال اليوم مضمار وغدا السباق والسابق من سبق إلى الجنة أراد اليوم العمل في الدنيا للاستباق غدا إلى الجنة كالفرس الذي يضمر قبل أن يسابق عليه والمضمار أيضا الغاية جرى الفرس في مضماره أي في غايته والفعل منه ضمر وضمر يضمر ضمورا واضمرته أنا. والعتاق جمع عتيق من الخيل سمى بذلك لتقدمه في سيره يقال عتق الفرس بفتح التاء إذا تقدم الخيل فنجا وعتقت من يمين أي تقدمت قال أوس:

على ألية عتقت قديمافليس لها وإن طلبت مرام
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «علي ألية عتقت قديماً»

والذكر والأنثى فيه سواء والفعل منه عتق بضم التاء عتاقة صار عتيقا ويقال للجميل ما أعتقه وأبين العتق فيه وبه سمى أبو بكر رضوان الله عليه عتيقا وقيل بل دخل على النبي ﷺ فقال " يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار " فسمى يومئذ عتيقا واسمه عبد الله بن عثمان.

وقوله " وليست كتبنا هذه لمن يتعلق من الإنسانية إلا بالجسم ومن الكتابة إلا بالاسم ولم يتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة ولكنها لمن شدا شيئا من الإعراب فعرف الصدر والمصدر والحال والظرف وشيئاً من التصاريف والأبنية وانقلاب الياء عن الواو والألف عن الياء وأشباه ذلك ".

الإنسانية جبلة الإنسان وفطرته مثل البشرية والعبودية وإذا وصف الإنسان بها فالمراد أنه على الأوصاف التي يجب أن يكون الإنسان عليها وقوله ولم يتقدم من الأداة بالقلم والدواة يقول ليست كتبنا التي ألفناها لمن لم يتوجه في شيء من آلة الكتابة إلا في الخط. والإعراب في اللغة البيان ومنه الحديث " الثيب يعرب عنها لسانها " أي يبين وسمى النحويون اعتقاب الحركات على أواخر الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة اعرابا لأنه يكون الإعراب أي البيان للمعاني المختلفة وقيل الإعراب منقول من قولهم عربت معدته أي فسدت فكان المعنى في الأعراب إزالة

الفساد ورفع الأبهام لأنك إذا خالفت بين الحركات وجعلت كل واحدة على معنى إتضح المراد وزال اللبس فأعربت على هذا الوجه مثل أعجمت الكتاب أي أزلت عجمته وهذه الهمزة تسمى همزة السلب. والصدر الفعل والمصدر اسم الحدث والفعل عبارة عنه وسمى مصدر عند البصريين لأن الفعل صدر عنه وأخذ منه أصل له وقال الكوفيون سمى مصدر لأنه صدر عن الفعل وأخذ منه ولكل واحد من القولين حجج ليس هذا موضعها وهو منصوب أبدا إذا ذكر بعد فعله فضله وذكره بعد فعله لأحد ثلاثة أشياء توكيد الفعل كضربت ضربا وبيان النوع كقمت قياما طويلا وعدد المرات كضربت ضربات وهو موحد أبدا لأنه اسم الجنس فإن اختلفت أنواعه أو دخلته الهاء جاز تثنيته وجمعه. والحال قال ابن السراج هي هيئة الفاعل أو المفعول في وقت ذلك الفعل وهي اسم نكرة تأتي بعد تمام الكلام ويكون منصوبا أما بفعل أو بمعنى فعل وتعتبرها بإدخال كيف على الفعل والفاعل تقول كيف جاء عبد الله فكيف الجواب راكبا والأحوال ثلاث منتقلة كجاء زيد راكبا ومؤكذة كقوله " وهو الحق مصدقا " ومقدرة كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدراً الصيد به غدا والحال تذكر وتؤنث وتجمع على الأحوال. والظرف على ضربين ظرف زمان وظرف مكان وسمي ظرفا لتضمنه الأشياء كما تتضمنها الأوعية والكوفيون يسمونه المحل لحلول الأشياء فيه وهو منصوب أبدا ويزاد فيه معنى في وليست في لفظه فإن ظهرت إلى اللفظ لم يكن ظرفا وصار اسما صريحا وجعل التضمن لفى فظرف الزمان نحو السنة والشهر واليوم وغدوة وعشية وما أشبه ذلك وهو يتضمن الأحداث دون الجثث تقول القتال اليوم ولا تقول زيد اليوم لأنه لا فائدة فيه وظرف المكان نحو خلف وقدام وفرسخ وميل وما أشبه ذلك وهو يتضمن الأحداث والجثث تقول القتال أمامك وزيد وراءك والتصاريف جمع تصريف وهو تنقل الاسم والفعل في وجوه من الأمثلة نحو ضرب يضرب ضربا فهو ضارب ومضروب ولا يكون في الحرف لأنه جامد. والأبنية أمثلة الأسماء والأفعال وهي على ضربين أصول وذوات زوائد فأما الأصول فأقل أصول الأسماء عند البصريين ثلاثة أحرف وعند الفراء ومن تابعه حرفان وتكون رباعية وخماسية وأقل أصول الأفعال ثلاثة وأكثرها أربعة أحرف وعدة أمثلة الأسماء الأصول تسعة عشر بناء في قول سيبويه واثنان وعشرون بناء في قول غيره وأمثلة الأفعال الأصول أربعة ثلاثة ثلاثية وواحد رباعي وينتهي بالزيادة إلى تسعة عشر بناء وأما أبنية الأسماء ذوات

الزوائد فكثيرة وانقلاب الياء عن الواو يكون إذا اجتمعا وسبقت إحداهما بالسكون كطويت الثوب طيا ولويته ليا ويكون أيضا بأن تسكن الواو وينكسر ما قبلها فتنقلب ياء نحو ميقات وميعاد أصلهما موقات وموعاد لأنهما من الوقت والوعد وأما انقلاب الياء واو فإذا سكنت وانضم ما قبلها نحو موقن وموسر وهما من اليقين واليسر وأصلهما ميقن وميسر وانقلاب الألف عن الياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما نحو قضى ودعا والأصل قضى ودعو وكذلك إذا كانتا في موضع العين مثل قال وباع أصلهما مقول وبيع لأنه من القول والبيع. وقوله واشباه ذلك كإبدال الهمزة من الياء والواو إذا كانتا لا مين وقبلهما ألف زائدة في مثل قضاء وعطاء ورداء وكساء وتبدل من الألف المنقلبة من الياء والواو إذا كانتا عينين كقائم وبائع ونحوه وإذا كان الفعل معتل اللام كقضى يقضي وغزا يغزو اعتل اسم الفاعل منه والمفعول نحو قاض وغاز ومقضى ومغزو.

وقوله " ولابد له مع كتبنا هذه من النظر في الأشكال لمساحة الأرضين حتى يعرف المثلث القائم الزاوية والمثلث الحاد والمثلث المنفرج ومساقط الأحجار والمربعات المختلفات والقسي والمدورات والعمودين ويمتحن معرفته بالعمل في الأرضين لا في الدفاتر لأن المخبر ليس كالمعاين " معنى لا بد لا فراق يقال لابد اليوم من قضاء حاجتي أي لا فراق ومنه قول ام سلمة ابد يهم ثمرة ثمرة أي فرقي فيهم وأبدهم حقوقهم إذا فرقها فيهم وبد الرجل رجليه إذا باعد بينهما قال أبو ذؤيب:

فأبّدهّن حتوفهن فهاربٌبدمائه أو باركٌ متجعجع
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «أمن المنون وريبها تتوجع»

يصف صياداً فرق سهامه في حمر الوحش. والأشكال جمع شكل بفتح الشين وهو المثل ويعني به ههنا المساحات فإنها وان اختلفت صيغتها فصورها متماثلة. والمساحة ذرع الأرضين والأرضون جمع أرض يقال أرض وأرضون وأراض وأروض وإنما فتحت الراء في جمع السلامة ليفرق بين ما جمع بالواو والنون من الحيوان وبين ما حمل عليه من غير الحيوان قالوا والأشكال التي تقع عليها المساحة ستة أجناس المربعات والمثلثات والمدورات والمقوسات والمطبلات وذوات الأضلاع الكثيرة فالمربعات خمسة أجناس أو لها المربع المطلق وهو كل شكل أحاطت به أربعة خطوط متساوية وكانت زواياه الأربعة قوائم. والثاني

المختلف الأضلاع القائم الزوايا والثالث المعين وهو الذي استوت أضلاعه واختلفت زواياه والرابع الشبيه بالمعين وهو الذي طولاه متساويان وعرضاه متساويان إلا أن عرضه مخالف لطوله وزواياه مختلفة والخامس المختلف الأضلاع والزوايا والزاوية انحراف خطين كل واحد عن نقطة في بسيط على غير استقامة وهو شكل يحيط به خطان خط مستقيم فتصير الزاويتان اللتان عن جنبيه متساويتين فذلك الخط عمود على الحظ الواقع عليه وكل واحدة من الزاويتين قائمة وسمى عمودا لأنه مستوٍ فإن صير إحدى الزاويتين اللتين عن جنبيه أعظم من الأخرى فليس بعمود والكبرى من الزاويتين منفرجة والصغرى حادة. والخطوط ثلاثة خط مستقيم وخط مدور فالخط المستقيم هو الموضوع على مقابلة أي النقط كانت عليه بعضها ببعض يعني أنك إذا وصلت بين نقطتين متقابلتين بخط فذلك الخط هو الخط المستقيم وقيل الخط المستقيم هو أقصر خط وصل بين نقطتين وقيل هو كل خط وجد فيه ثلاث نقط على سمت واحد غير المستقيم يدخل تحته المقوس والدائرة فإذا انحرف الخط عن الاستقامة فهو غير المستقيم فإن تقوس فلم يلتق طرفاه فهو المقوس فإن التقى طرفاه وكان له مركز تتساوى الخطوط الخارجة منه إلى المحيط فذاكم الدائرة. والمثلثات ثلاثة أجناس مثلث حاد الزوايا وهو أن تكون زواياه الثلاث حواد ومثلث قائم الزاوية وهو أن تكون فيه زاوية واحدة قائمة وزاويتان حادتين فيقال له قائم الزاوية ولا يجوز أن يقع في مثل زاويتان قائمتان لأن كل مثلث فزواياه الثلاث مساويات لزاويتين قائمتين فمحال أن يقع فيه زاويتان قائمتان فإذا لم يقع فيه قائمتان فالمنفرجتان أبعد لأن المنفرجة أكبر من القائمة. ومثلث منفرج الزاوية وهو أن يقع زاوية منفرجة وزاويتان حادتان ومحال أن يقع فيه زاويتان منفرجتان أو زاوية منفرجة وزاوية قائمة والأخرى حادة. وتحديد المثلث أيضا من خطوطه يكون ثلاثة أجناس مثلث متساوي الأضلاع وهو أن تتساوى أضلاعه الثلاث ومثلث متساوي الساقين وهو أن يتساوى ضلعان منه ويخالف الثالث فالثالث هو القاعدة والمتساويان ساقاه والثالث ما اختلفت أضلاعه الثلاث. والمقوس كل شكل يحسط به شكل مقوس فلا يلتقي طرفاه وهو بعض الدائرة وهو ثلاثة أجناس مقوس هو نصف الدائرة ومقوس أكبر من نصف دائرة ومقوس هو أصغر من نصف دائرة والخط الذي يصل بين طرفيه يقال له الوتر وسهمه خط يصل بين القوس والوتر. وأما الدائرة فهو شكل يحيط به خط واحد مستدير في داخله

النص من طبعة دار الكتاب العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.