تجاوز إلى المحتوى

من «شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ت ٥٤٠هـ)

مهلك مال ومفيد مال (٣)

يخرج من البئر حين تحفر قال الشاعر:

فإنك كالقريحة عام تمهىشروب الماء ثم تعود ماجا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «ندمت فلم أطق ردا لشعري»

والاقتراح أول الشيء وقروح كل شيء أوله. ويؤيد قوله والكثير مع غيرهما مقصر ما أخبرني أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن أبي أحمد الفرضي عن الصولي قال حدثنا جبلة بن محمد قال حدثنا أبي قال جاء رجل إلى ابن شبرمة فسأله عن مسألة ففسرها له فقال له لم أفهم فأعاد فقال لم أفهم فقال إن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم فستفهم بالإعادة وان كنت لم تفهم لأنك لا تفهم فهذا داء لا دواء له.

وقوله " ونحن نستحب لمن قبل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه وبصون مروءته عن دناءة الغيبة وصناعته عن شين الكذب ويجانب قبل مجانبة اللحن وخطل القول شنيع الكلام ورفث المزح " ائتم اقتدي وهو افتعل من الأمام وهو القدوة وقدم القوم أي تقدمهم اخذ الإمام وكذلك قولهم فلان إمام القوم معناه هو المتقدم لهم فيكون الإمام رئيسا كقولك إمام المسلمين والتهذيب التصفية والتنقية ورجل مهذب أي مطهر الأخلاق ويصون مروءته أي يقيها مما يفسدها والصوان الشيء الذي تصون به أو فيه شيئاً أو ثوبا والفرس يصون عدوه جريه إذا ذخر منه ذخيرة لحاجته وقيل للأحنف ما المروءة قال العفة والحرفة وقيل لآخر ذلك فقال أن لاتفعل في سريرتك شيئا تستحي منه في علانيتك وقال عمر ﵁ حسب المرء دينه وأصله عقله ومروءته وخلقه والدناءة الخسة وهي مصدر قولك دنؤ الرجل فهو دنيء إذا كان خسيسا وهو الذي لا يبالي ما قال وما قيل له وقد دنوت من فلان أدنو دنواً وأنا دان إذا قربت منه ودخل أبو ز يد الأنصاري على أمير الكوفة قبل أن يتعلم النحو فقال ادن يا أبا زيد فقال أنادني

أيها الأمير فضحكوا منه أراد أنا دان فخجل فتعلم النحو فصار رئيسا فأما دنأ يدنأ بالهمز فمعناه سفل في فعله ومجن. والغيبة فعلة من الغيب وهو أن يقال في الرجل من خلفه ما فيه من السوء فإذا استقبل به فتلك المجاهرة فإذا قيل ما ليس فيه فذلك البهت وهي الاسم من اغتاب يغتاب وقال ابن الأعرابي عاب إذا اغتاب وغاب إذا ذكر إنساناً بخير أو شر والغيبة فعلة منه تكون حسنة وتكون قبيحة وقد غلط فيه قالوا

لأنه لو كانت الغيبة تحتمل شيئين لأبانه الله ﷿ ولم يقع النهي عنها مجرداً فقال تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضا " بشر ألا ترى البشارة تكون مطلقة في الخير فإذا كانت في الشر قرنت به. والشين ضد الزين وهو القبح. والكذب في اللغة ضعف الخبر يقال حمل فلان على فلان فما كذب أي فما ضعف ولا يذكب الرجل الا من مهانة نفسه. ومجانبة اللحن مباعدته وقد جانبه أي باعده والجار الجنب الغريب وسمى الجنب جنباً لتباعده عن الطهارة واللحن الخطأ من الأكم وأصله من الميل والعدول فإذا قيل لحن فلان فتأويله أنه قد أخذ في ناحية غير الصواب وعدل عنه إليها قال الشاعر:

منطق صائب وتلحن أحياناً وخير الحديث ما كان لحنا
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

تأويله خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد أنما يعرف أمرها من أنحاء قولها وقال بعضهم يريد أنها تخطىء في الأعراب وذلك أنه يستملح من الجواري ذاك إذا كان خفيفا ويستثقل منهن لزوم حلق الأعراب واللحن أيضا اللغة لحن الرجل بلحنه إذا تكلم بلغته ولحن القول معناه قال الله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " واللحن واحد الالحان وهي الضروب من الأصوات الموضوعة المصوغة ولحن القدح صوته إذا نقرته فلم يكن صافيا ولحن القوس صوتها عند الانباض وكذلك السهم إذا لم يكن حنانا عن الادامة على الاصبع واللحن بفتح الحاء الفطنة يقال منه لحن يلحن ومنه قوله النبي ﷺ " لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته " أي أفطن لها وأغوص عليها. وخطل القول اضطرابه وفساده يقال للاحمق العجل خطل ورمح خطل إذا كان مضطربا وقال أبو عبيد الهراء المنطق الفاسد ويقال الكثير والخطل مثله يقال خطل الرجل في كلامه وأخطل. وشنيع الكلام قبيحه وقد شنع شناعة فهو والاسم الشنعة وقد شنع فلان على فلان أي شهره بفعلة قبيحة. والرفث قبح الكلام يقال رفث الرجل يرفث رفثا وهو الذي جاء فيه النهي في التنزيل وحدا ابن عباس فقال:

وهن يمشين بنا هميساان تصدق الطيرننا لميسا

فقيل له أتقول الرفث وأنت محرم فقال أنه ليس بين الرجال رفث كأن الرفث عنده حديث النساء بالجماع ونحوه. والمزح الدعابة وهو المزاحة والمزاح يقال مزح يمزح فهو مازح والجمع مزح قال ابن الاعرابي هم الخارجون من طبع الثقلاء

المتميزون من طبع البغضاء ومما ورد في ذم المزاح قول أكثم بن صيفي المزاحة تذهب المهابة وقال خالد بن صفوان المزاح سباب النوكي وقال عمر بن عبد العزيز اياي والمزاح فأنه يجر القبيحة ويورث الضغينة ويروي عن سعيد بن العاصي أنه قال لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فيجتريء عليك وقال الشاعر: أما المزاحة والمراء فدعهما خلقان لا أرضاهما لصديق وقوله " كان رسول الله ﷺ ولنا فيه أسوة حسنة يمزح ولا يقول الا حقا ومازح عجوزاً فقال " أن الجنة لا يدخلها العجز " وكانت في علي رضوان الله عليه دعابة وكان ابن سيرين يضحك ويمزح حتى يسيل لعابه وسئل عن رجل فقال توفي البارحة فلما رأى جزع السائل قرأ " الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها "

أسوة قدوة والعجز جمع عجوز مثل رسول ورسل وهي المرأة الشيخة الطاعنة في السن والفعل منه عجزت تعجز تعجيزا ًوامرأة معجزة ضخمة العجيزة وللعجوز في اللغة مواضع فمنها العجوز المسمار الذي في قائم السيف يكون معه آخر يسمى الكلب والعجوز البقرة والعجوز الخمر ويقال للرجل عجوز وللمرأة عجوز وعجوزة بالتاء أيضاً فلما قال أن الجنة لا يدخلها العجز فبكت المرأة قال " تدخلينها وأنت شابة " وذلك أن أهل الجنة جرد مرد مكحلون جعاد أبناء ثلاث وثلاثين سنة على خلق آدم سبعون باعا في سبع أذرع ومثله قول علي ﵇ لا يدخل الجنة أعجمي يقول تقلب ألسنتهم فيكونون عربا. والدعابة المزاح ومنه قوله النبي ﵇ لجابر " فهلا بكرا تداعبها وتداعبك " والفعل منه دعب يدعب دعبا مثل مزح يمزح مزحا إذا قال قولاً يستملحٍ ورجل دعابة. وأبن سيرين هو محمد بن سيرين ويكنى أبا بكر وكان سيرين عبداً لأنس بن مالك كاتبه على عشرين ألفا وأدى المكاتبة فكان من سبي ميسان ويكنى أبا عمرو واللعاب الريق والفعل منه لعب الرجل لعبا إذا سال لعابه بفتح العين ويقال لعب بكسرها قال لبيد:

لعبت على أكتافهم وحجورهموليدا وسموني مفيداً وعاصما
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «لما دعاني عامر لأسبهم»

مفيد من الفائدة وعاصم من الشر ويروى لعبت وألعب الصبي إذا صار ذا لعاب يسيل منم فيه وأراد أبن سيرين بقوله توفي أي نام لأن الرجل إذا نام توفي الله تعالى نفسه لأن في الإنسان نفساً وروحاً فالروح هو الذي يكون به الغطيط والنفس

والحركة والنفس هي التي يكون بها التمييز والمخاطبة فإذا نام الرجل خرجت نفسه وبقي روحه وإذا مات خرج النفس والروح جميعاً. والبارحة الليلة الماضية ولا تكون بارحة حتى يمضي نصف يومها يقال فعلت البارحة كذا وكذا من نصف النهار وفعلت الليلة من غدوة إلى نصف النهار والعامة تخطئ فتقول من أول النهار أو ضحوة فعلت البارحة كذا وكذا وهذا خطأ ويقال من نصف الليل إلى نصف النهار كيف أصبحت ومن نصف النهار إلى نصف الليل كيف أمسيت. والرجل الذي سئل عنه ابن سيرين هشام بن حسان.

وقوله " ومازح معاوية الأحنف بن قيس فما رئي مازحان أو قر منهما قال له معاوية يا أحنف ما الشيء الملفف في البجاد قال له السخينة يا أمير المؤمنين أراد معاوية قول الشاعر:

إذا ما مات ميت من تميمفسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمنأو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصاًليأكل رأس لقمان بن عاد

والملفف في البجاد وطب اللبن وأراد الأحنف أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر وعجف المال وكلب الزمان والأحنف لقب وقد مر شرح الحنف ولقب به لأنه كان أحنف الرجل قالت مرقصته:

والله لولا حنف برجلهما كان في فتيانكم من مثله

وأسمه صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن عباد بن مرة بن عتبة بن تميم وأسمه الضحاك ويكنى أبا بحر وكان سيد بني تميم وحكيمهم وحليمهم ومن كلامه الخلق ليس لكذوب مروءة ولا لحسود راحة ولا لبخيل خلة ولا لملولٍ وفاء ولا لسيء الخلق سؤدد وخاطر رجل علىى ألف درهم أن يغضب الأحنف فجاء فلطمه فقال له يا ابن أخي ما أردت إلى ذلك فقال بايعت على أن ألطم سيد بني تميم فقال ويحك لست بسيدهم ولكن سيدهم جارية بن قدامة فذهب الرجل فلطمه فقطع يده. وأوقر أفعل من الوقار وهو السكينة والوداعة وقر الرجل يقر وقار فهو وقور ووقر أيضاً

بضم القاف يوقر قال العجاج: ثبت إذا ما صيح بالقوم وقر والبجاد الكساء المخطط وجمعه بجد. والسخينة دقيق يلقى على ماء أو على لبن فيطبخ ويؤكل أو يحسى وهي السخونة أيضاً وقال ابن السكيت هي التي ارتفعت عن الحساء ونقلت أن تحسى وهي دون العصيدة قال وإنما يأكلون السخينة في شدة الدهر وقال غيره السخينة تعمل من دقيق وسمن وبها سميت قريش سخينة قال كعب بن مالك:

زعمت سخينة أن ستغلب ربهاوليغلبن مغالب الغلاب
للشاعر كعب بن مالك الأنصاري، من قصيدة «زعمت سخينت أن تغالب ربها»

أراد معاوية أن تميما كانت تعير النهم وهو أفراط الشهوة للطعام والحرص عليه وأن لا تشبع عينه وإن شبع بطنه وسبب هجائهم به أن رجلاً من البراجم وهم بنو حنظلة بن زيد موناة بن تميم وسموا بذلك لأنهم تبرجموا على سائر أخوتهم بني يربوع بن حنظلة وربيعة بن حنظلة ومالك بن حنظلة وقالوا نجتمع فنصير كبراجم الكف وهي رؤوس الأشاجع والأشاجع عروق ظاهر الكف مر بنا عمر وبن هند وقد ألقى فيها بني دارم وسبب ذلك أن المنذر بن ماء السماء وضع ابنا له صغيراً يقال له مالك عند زرارة بن عدس أي استرضعه فبلغ حتى صار رجلاً وأنه خرج ذات يوم يتصيد فأخفق فمر بابل لسويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم وكانت عنده بنت زرارة قد ولدت له سبعة غلمة فأمر مالك ببكرة منها سنمة فنحرها ثم أشتوى وسويد نائم فلما أنتبه سويد شد على مالك بعضا فضربه ولم فأمه ومات الغلام فخرج سويد هارباً حتى لحق بمكة وعلم أنه لا يأمن فحالف بني نوفل فغزا عمرو بن هند دارم وأخد أمرأة سويد فبقر بطنها وقتل سبعة بنين له بعضهم فوق بعض وآلى عمرو ليحرقن من بني دارم مائة فأخذ ثمانية وتسعين رجلاً بأسفل أوارة من ناحية البحرين وأمر بأخدود فخدلهم ثم أضرم ناراً فلما تلظى وأحتدم قذف بهم فيه فاحترقوا وأقبل راكب عند المساء من بني كلفة بن حنظلة من البراجم لا يعلم بشيء مما كان فوضع بعيره فأناخ وأقبل يعدو فقال له عمرو ما جاء بك قال حب الطعام فأني قد أقويت ثلاثاً لم أذق طعاماً فلما سطع الدخان ظننته دخان طعام فقال عمرو إن الشقي راكب البراجم فذهبت مثلاً ورمى به في النار فاحترق فهجت

العرب بذلك تميما فقال ابن الصعق من هوازن:

ألا أبلغ لديك بني تميمبآية ما يحبون الطعاما

وقال أبو مهوش الأسدي ثم الفقعسي:

إذا ما مات ميت من تميم

الأبيات. وخص لقمان بن عاد لعظمه. ويطوف يكثر التطواف. والآفاق النواحي وقوله بأكل السخينة مما أخذ عليه والصواب تعير أكل السخينة بغير باء وقد نهى عن استعماله بالباء فيما تلحن فيه العامة من هذا الكتاب وأنشد بيت النابغة:

وعيرتني بنو دبيان رهبته

وبيت المتلمس:

تعيرني أمي رجال

وبيت الأخيلية

وعيرتني داء

ولكنه خالف إلى ما نهى عنه. والعار العيب والسبة يقال عاره إذا عابه والمعاير المعايب وتعاير القوم تعايبوا وغلاء السعر ارتفاعه عن حدود الثمن وأصله غلا والغلو الارتفاع عن الشيء ومجاوزة الحد ومنه الغلو بالسهم وهو أن ترمي به حيث ما بلغ وكل شيء ارتفع فقد تغالى وعجف المال هزاله يكون للناس والماشية يقال عجف يعجف عجفا والعجف أيضاً غلظ العظام وعراؤها من اللحم والمال الإبل والبقر والغنم يقال رجل مال أي ذو مال وكذلك الإثنان والجمع. وكلب الزمان شدته يقال كلب الشتاء إذا اشتد وكذلك كلبته يقال أصابتهم كلبة من الزمان أي شدة وقحط وكذلك هلبه والكلبة شدة البرد قال:

أنجمت قرة الشتاء وكانتقد أقامت بكلبة وقطار

وقال ابن الإعرابي الكلب القيادة والكلب الأكل الكثير بلا شبع والكلب القد والكلب وقوع الحبل بين القعو والبكرة وهو المرس والكلب أنف الشتاء وحده والكلب صياح الذي قد عضه الكلب الكلب قال وقال المفضل أصل هذا إن داء

يقع على الزرع فلا ينحل حتى تطلع عليه الشمس فيذوب فإن أكل منه المال قبل ذلك مات ومنه روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن سوم الليل أي رعيه وربما ند بعير فأكل ذلك الزرع قبل طلوع الشمس فإذا أكله مات فيأتي كلب فيأكل من لحمه فيكلب فإن عض إنسانا كلب المعضوض فإذا سمع نباح كلب أجابه ويقال دواؤه أن يسقى دم ملك.

وقوله " فهذا وما أشبه مزح الأشراف وذوي المروءات فأما السباب وشتم السلف وذكر الأعراض بكبير الفواحش فما لا نرضاه لخساس العبيد وصغار الولدان " السباب مصدر سابه مسابة وسباباً وأصل السب القطع ثم صار السب شتماً قال الشاعر:

فما كان ذنب بني مالكبأن سب منهم غلام فسب

سب أي شتم فسب أي قطع يريد معاقرة غالب أبي الفرزدق وسحيم ابن وثيل الرياحي لما تعاقرا بصوأر فعقر سحيم خمسا ثم بدا له وعقر غالب مائة ولم يكن يملك غيرها. والسلف المتقدمون من آباء الرجل وأقاربه الذين هم فوقه في السن والفضل وأحدهم سالف قال طفيل الغنوي يرثى قومه:

مضوا سلفاً قصد السبيل عليهموصرف المنايا بالرجال يقلب
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «تأوبني هم مع الليل منصب»

وأصله من التقدم يقال سلف إليه مني كلام أي تقدم وسبق وسلافة الخمر أول ما يخرج من عصيرها والسلفة الطعام الذي يتعلل به قبل الغذاء والسلف السلم. والأعراض جمع عرض وقد اختلف الناس في عرض الرجل فقال قوم جسمه ومنه قولهم هو طيب العرض أي طيب ريح الجسد ومنه قول رسول الله ﷺ في أهل الجنة " لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يخرج من أعراضهم مثل ريح المسك " أي من أبدانهم وقال قوم عرض الرجل نفسه واحتجوا بقول حسان:

فإن أبي ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «عفت ذات الأصابع فالجواء»

وقال قوم عرض الرجل خليقته المحمودة وقال آخرون عرضه ما يمدح به ويذم وقال آخرون عرضه حسبه وقيل عرضه أسلافه ومنه قول عمر للحطيئة كأني بك عند بعض الملوك تغنيه بأعراض الناس معناه تثلب أسلافهم والعرض أيضاً الرجل يعترض الناس بالباطل وهو العرضن أيضاً والمرأة عرضة وعرضنة والعرض وادي

اليمامة والعرض كل واد فيه قرى ومياه يقال أخصب ذلك العرض وأخصبت أعراض المدينة وهي قراها التي في أوديتها. والخساس جمع الخسيس وهو الذي لا يبالي ما قال وما قيل له والعبيد اسم لجماعة عبد وهو خلاف الحر يقال عبد وأعبد وعبيد وعباد وعبدان وعبدان بتشديد الدال وعبدي بالقصر وعبداء بالمد وعبد ومعبدة ومعبوداء وأصل العبودية الخضوع والذل والتعبيد التذليل يقال طريق معبد أي مذلل والولدان جمع وليد مثل ظليم وظلمان: وقوله " ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتقعيب كقول يحيى بن يعمر لرجل خاصمته امرأته أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها " يدع يترك تقول دع ذا وهو يدعه ولا يقال في الأكثر ودع ولا وداع ولكن تارك وقد جاء ودع وهو قليل قرأ عروة بن الزبير " ما ودعك ربك " بالتخفيف وسائر القراء بالتشديد وأنشد الأصمعي لأنس بن زنيم الليثي:

ليت شعري عن أميري ما الذيغاله في الحب حتى ودعه

وقال آخر: وكان ما قدموا لأنفسهم أكثر نفعاً من الذي ودعوا والتقعير تفعيل من قعر الشيء إذا انتهى إلى قعره قال الكسائي قعرت الإناء إذا شربت ما فيه حتى ينتهي إلى قعره وقعرت البئر إذا نزلت فيها حتى تنتهي إلى قعرها وقعر الرجل قعرت الإناء إذا شربت ما فيه حتى ينتهي إلى قعره وقعرت البئر إذا نزلت فيها حتى تنتهي إلى قعرها وقعر الرجل إذا روى فنظر فيما يغمض من الرأي حتى يستخرجه كأنه إذا تكلم بكلام غريب عويص أحتيج إلى إخراج معانيه كما يحتاج إلى إخراج ما في القعر وقال ابن الإعرابي القعر العقل التام يقال هو يتقعر في كلامه إذا كان يتبحر. والتقعيب مثل التقعير ومعناه التعمق وهو تفعيل من القعب وهو القدح من الخشب قال ابن الأعرابي هو قدر ري الرجل وقال الليث هو قدح غليظ جاف وكلام له قعر أي غور وقال الأصمعي كان ابن جريج يعقب في كلامه إذا تكلم يجمع فاه كأنه قعب وهذا على جهة التشبيه والاستعارة. وقوله ثمن شكرها الشكر الفرج قال الهذلي:

صناع بأشفاها حصان بشكرهاجواد بقوت البطن والعرق زاخر

قوله والعرق زاخر أي حسبها كريم. والشبر النكاح وكانت خاصمته في مهرها

والشبر العطية قال العجاج الحمد لله الذي أعطى الشبر. أنشأت ابتدأت. تطلها تبطل حقها طل بنو فلان فلانا حقه يطلونه إذا منعوه إياه أو مطلوه من قولهم طل دمه وأطل وطل وأطله الله إذا ذهب هدراً والدم مطلول وطليل. وقوله تضهلها تعطيها قليلاً قليلاً من حقها وأصله من قولهم بئر ضهول إذا كانت قليلة الماء وشاة ضهول إذا كانت قليلة الدر والضهل والضحل الماء القليل.

وقوله " وكقول عيسى بن عمر وابن هبيرة يضربه بالسياط والله إن كانت ألا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك فهذا وأشباهه كان يستثقل والأدب غض والزمان زمان وأهلوه يتحلون فيه بالفصاحة ويتنافسون في العلم ويرونه تلو المقدار في درك ما يطلبون وبلوغ ما يؤملون فكيف به اليوم مع انقلاب الحال وقد قال رسول الله ﷺ " إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون المتشدقون ".

عيسى بن عمر هذا ثقفي من أهل البصرة ومن متقدمي النحويين بها وعنه أخذ الخليل بن أحمد وكان صاحب تقعير في كلامه واستعمال للغريب فيه وفي قراءته وضربه يوسف بن عمر بن هبيرة الثقفي وكان يوسف ابن عم الحجاج ويكنى أبا عبد الله ولي اليمن لهشام ثم ولاه العراق ومحاسبة خالد بن عبد الله القسري وكان بعض أصحاب خالد استودع عيسى بن عمر وديعةفكتب يوسف بن عمر إلى واليه بالبصرة أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيداً فدعا به ودعا بالحداد فأمره بتقييده وقال له لا بأس عليك إنما أرادك الأمير لتؤدب ولده قال فما بال القيد إذاً فذهبت مثلاً بالبصرة فلما أتى به يوسف بن عمر سأله عن الوديعة فأنكر فأمر به فضرب فلما أخذته السياط جزع فقال أيها الأمير إنما كانت أثيابا في أسيفاط فرفع الضرب عنه. وأثياب تصغير أثواب وكان الأصل أثيوابا فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وأشيفاط تصغير أسفاط وإنما يحقر من الجموع جمع القلة دون جمع الكثرة وخص بالتصغير جمع القلة لأن التحقير تقليل في الحقيقة كما أن التكسير تكثير فكرهوا أن يأتمع علم القلة وصيغة الكثرة. والعشارون جمع عشر وهو الذي يأخذ من القوم عشر أموالهم وهو العاشر أيضاً تقول منه عشرت القوم أعشرهم بالضم وإذا كنت لهم عاشر أقلت أعشرهم أقلت أعشرهم بالكسر. والأدب غض أي طري ناضر تتوق إليه النفوس لحسنه ونضارته والغض الناضر الطري من كل شيء والفعل منه غضضت تغض وبعضهم يقول غضضت تغض والزمان زمان أي والزمان لم يتغير ولم يفسد

وهو على طبعه الأول كما تقول إذا الناس ناس أي هم على طباعهم التي خلقوا عليها لم يتغيروا إلى الفساد. ويتحلون يتزينون بالعلم كما يتزين بالحلى. والفصاحة الإبانة والبلاغة ورجل فيصبح وقد فصح فصاحة وأصله من الخلوص يقال أفصح اللبن إذا ذهب عنه اللباء وخلص وفصح إذا ذهبت رغوته قال:

ولم يخشوا معالته عليهموتحت الرغوة اللبن الفصيح

وافصح الصبح إذا بدا ضوؤه. ويتنافسون في العلم أي يرغبون فيه ويتحاسدون وقوله تعالى " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " أي فليرغب الراغبون وشيء نفيس يرغب فيه وقد نفست عليك بالشيء أنفس نفاسة إذا ضنت به ولم تحب أن يصل إليه ورجل نفوس أي حسود. وقوله تلو المقدار معناه تابع للمقدار والتلو الذي يتبع يقال تلوت الشيء أتلوه إذا تبعته والجحش يتلو أمه أي يتبعها والمقدار مفعال من القدر وهو قضاء الله تعالى ومعنى ذلك أنهم يرون أن ما يطلبون ويؤملون لا يدركونه ويبلغونه إلا بقدر الله تعالى ثم بالبلاغة والعلم وهما من أقوى أسباب النجح وأدعى الوصل إلى بلوغ المطلب. والثرثار الكثير الكلام وأصله من الكثرة يقال عين ثرة غزيرة الدمع وطعنة ثرة كثيرة الدم تشبيها بالعين قال الشاعر:

يا من لعين ثرة المدامع

والمتفيهق الذي يتوسع في كلامه ويملأ به فمه وأصل الفهق الامتلاء والاتساع يقال انفهقت الطعنة وانفهقت العين وأرض فيهق واسعة قال رؤية:

وإن علوا من فيف خرق فيهقا

وقال الأعشى:

تروح على آل المحلق جفنةكجابية الشيخ العراقي تفهق

ويروى السيح فمن رواه بالشين والخاء المعجمتين أراد كسرى باد ومن رواه بالسين والحاء المهملتين أراد به النهر الذي يسيح على جانبيه وفي الحديث قيل يا رسول الله وما المتفيهقون قال " المتكبرون " قال أبو عبيد وهو يؤول إلى المعنى الأول لأن ذلك إنما يكون من الكبر وقال الليث المتفيهق الذي ينفتح

بالبذخ يقال هو يتفيهق علينا بما غيره. والمتشدق الذي يتوسع في منطقة ويملأ به شدقيه وهو مفتعل من الشدق يقال شدق وأشدق لغتان.

وقوله " ونستحب له إن استطاع أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الأعراب ليسلم من اللحن وقباحة التقعير فقد كان واصل ابن عطاء سام نفسه للثغة إخراج الراء من كلامه ولم يزل يروضها حتى إنقاد له طباعه وأطاعه لسانه وكان لا يتكلم في مجالس التناظر بكلمة فيها راء وهذا أشد وأعسر مطلبا مما أردناه "

استطاع استفعل من الطوع وهو نقيض الكرة يقال ما أستطيع وما أسطيع وما أسطيع وما استيع فمن قال أسطيع بضم الهمزة فإنه زاد السين عوضا من حركة الواو التي هي عين الفعل لأن الأصل أطوع وقيل زيدت عوضا من تحويل حركة الواو إلى الطاء في إطاع ومن قال أسطيع حذف التاء تخفيفا لقربها من الطاء ومن قال أستيع حذف الطاء للتخفيف أيضاً وطاع له إنقاد له فإذا مضى لأمره فقد أطاعه فإذا وافقه فقد طاوعه. ويعدل يميل يقال عدل عن الطريق إذا مال عنه وعدلته أنا ومصدره والعدول قال المراد:

فلما أن صرمت كان أمريقويما لا يميل به العدول

وعدل في الحكم عدلاً ومعدلة ومعدلة وهو خلاف الجور والعادل المنصف والعادل الجائر عن الشيء المائل عنه وعدلت الشيء بالشيء عدلاً إذا سويته به ومنه كذب العدلون بالله والعامة تقوله بالذال معجمة وهو خطأ. والجهة أصلها وجهة وفيها قولان أحدهما أنه مصدر منقول إلى الاسم ومصدر فعل المعتل إذا جاء على فعلة أعل نحو العدة والزنة حملاً على يعد ويزن وأصله وعدة ووزنة فاستثقلوا كسرة الواو مع كونها مصدر فعل معتل قد كانت هذه الواو محذوفة فيه فالقوا حركتها على الساكن الذي بعدها وحذفوها فقالوا جهة وعدة وزنة فأما الاسم فإن الواو تثبت فيه ولا تحذف تقول وعدة ووزنه ووجهة قال تعالى " ولكل جهة " والقول الآخر إنه حذفت الواو في جهة على غير قياس وشبه بالمصدر. والسوم أن تجشم إنسانا مشقة أو سواء أو ظلما قال الله تعالى " يسومونكم سوء العذاب " واللثغ واللثغة قال المبرد هو أن يعدل بحرف إلى حرف وقال الليث الألثغ الذي يتحول لسانه من السين إلى الفاء وقال أبو

زيد الألثغ الذي لا يتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل وفي النوادر ما أشد لثغته وما أقبح لثغته فاللثغة الفم واللثغة ثقل اللسان للكلام ألثغ بين اللثغة ولا يقال بين اللثغة. وقوله حتى إنقاد له طباعه ويروى إنقادت له طباعه السجية وهو عند الفراء والكوفيين واحد مؤنث لا جمع وربما ذكر مثل النجار إلا أن النجار مذكر عند البصريين أنه جمع طبع فيؤنثه تأنيث الجمع. ويروضها يذللها وأصله من رياضة الدابة قال امرؤ القيس:

ورضت فذلت صعبة أي إذلال

والتناظر مصدر قولك تناظر الخصمان إذا تحاجا ويقال فلان يناظر فلانا أي يحاجه وإشتقاق ذلك من النظير وهو المثل فمعنى المناظرة أن تقطع الحجة بنظيرها وقيل للمثلين نظيران لأن الناظر إذا رآهما قال هما سواء والتأنيث النظيرة والجميع النظائر في الكلام والأشياء. وكان واصل يكنى أبا حذيفة ويلقب الغزال وكان معتزليا بصريا ولم يكن غزالاً ولكنه لقب بذلك لأنه كان يلزم الغزالين ليتعرف المتعففات من النساء فيجعل لهن صدقته ومن كلام واصل بن عطاء لبشار بن برد حين هجاه بقوله:

مال أشايع غزالاً له عنقكنقنق الدو إن ولى وإن مثلا

وكان واصل طويل العنق وكان بشار يلقب بالمرعث فقال واصل أما لهذا الأعمى الملحد أما لهذا المشنف المكتني بأبي معاذ من يقتله فجعل الأعمى موضع الضرير والملحد موضع الكافر والمشنف مكان المقرط والكنية مكان بشار بن برد.

وقوله " وليس حكم الكتاب في هذا الباب حكم الكلام لأن الأعراب لا يقبح منه شيء في الكتاب ولا يثقل وإنما يكره فيه وحشي الغريب وتعقيد الكلام كقول بعض الكتاب في كتابه إلى العامل فوقه وأنا محتاج إلى أن تنفذ إلي جيشاً لجبا عرمرماً ".

وحشي الغريب الذي ينفر عن الطباع وكل ما نفر عن الناس ولم يستأنس بهم فهو وحشي والغريب من الكلام البعيد من العرف والأستعمال وتعقيده تصعيبه يقال عقد فلان كلامه تعقيداً إذا أعماه وأعوصه ويقال لئيم أعقد ليس بسهل الجلق ورجل أعقد إذا كان في اسانه رتج وكبش أعقد ملتوي الذنب.

والجيش الجند يسيرون لحرب أو غيرها وكأن أصله من جاشت القدر جيشاً وجيشانا وكل شيء يغلي فهو يجيش. واللجب ذو اللجب وهو صوت العسكر يقال عسكر لجب وسحاب لجب بالرعد ولجب الأمواج كذلك وكل صوت عال مختلط فهو لجب قالت صفية بنت عبد المطلب وضربت الزبير فرآها نوفل بن خويلد فقال إنك تضربينه ضرب مبغضة فقالت:

من قال أبغضه فقد كذبوإنما أضربه لكي يلب
للشاعر صفية بنت عبد المطلب، اقرأ القصيدة

ويهزم الجيش ويأتي بالسلب

يقال لب الرجل إذا صار له لب وهو العقل والعرمرم الكثير وهو فعلعل من العرام وعرام الجيش حدهم وشرتهم وكثرتهم قال أوس بن حجر:

ترى الأرض منا بالفضاء مريضةمعضلة منا بجمع عرمرم
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «تنكرت منا بعد معرفة لمي»

يقال عضلت المرأة إذا نشب ولدها في رحمها.

وقوله " وكقول آخر في كتابه عضب عارض ألم ألم فأنهيته عذراً وكان هذا الرجل قد أدرك صدراً من الزمان وأعطى بسطة في العلم واللسان وكان لا يشان في كتابته الا بتركه سهل الألفاظ ومستعمل المعاني وبلغني أن الحسن بن سهل أيام دولته رآه يكتب وقد رد عن هاء الله خطاً من آخر السطر إلى أوله فقال ماهذا فقال طغيان في القلم وكان هذا الرجل صاحب جد وأخا ورع ودين لم يمزح بهذا القول ولا كان الجيش أيضاً عنده ممن يمازح " هذا الكاتب اسمه شريح من أهل مرو عضب قطع والعضب القطع ومنه سمى السيف القاطع عضبا ورجل عضب اللسان إذا كان خطيبا. وعارض ألم أي حادث وجع والعارض في غير هذا جانب عراق القربة وهو السير في أسفل القربة والعارض السحاب المطل والعارض واحد العوارض وهي ما بين الثنايا والأضراس والعارض الخد يقال أخذ الشعر من عارضيه والعارض الجراد يملأ الأرض يقال مر بنا عارض من جراد وألم نزل والألمام الزيارة الخفيفة وأن يأتي الشيء لوقت ولا يقيم عليه والألمام مقاربة الشيء. وأنهيته أبلغته والأنهاء

الأبلاغ أنهيت إليه السهم أي أوصلته إليه وأنهيت إليه الكتاب والرسالة قال الكسائي إليك أنهي المثل وأنهى المثل وانتهى المثل ونهي ونهى ونهي بالتخفيف. وقوله كان هذا الرجل يعني أحمد بن شريح. والبسطة الزيادة والفضيلة واصلها من الانبساط والاتساع والطغيان مجاوزة الحد والطغوان لغة فيه والفعل طغوت وطغيت والاسم الطغوي وكل شيء جاوز القلم قلما بالقلم وهو البري ولا يسمى قلما إلا إذا برى وإلا فهو أنبوبة وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته ومنه قلمت أظفاري والقلم أيضاً واحد الأقلام وهي القداح والقلم طول أيمة المرأة وامرأة مقلمة أي أيم والقلمة العزاب من الرجال الواحد قالم والنساء مقلمات والقلم كالجلم وقول الفرزدق:

رأت قريش أبا العاصي أحقهمباثنين بالخاتم الميمون والقلم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «إني لينفعني بأسي فيصرفني»

قيل أراد بالقلم القضيب الذي يختصر به لأنه يقلم أي يقطع وقيل أراد بالقلم الخلافة. والجد ضد الهزل تقول منه جد فلان في الأمر بالكسر جدا والجد الأجتهاد في الأمر تقول منه جد فلان في أمره وأجد والجد في دعاء الوتر إن عذابك الجد بالكفار ملحق أي عذابك الحق. والورع التحرج والفعل منه ورع يرع رعة فهو ورع بكسر الراء فيهن والورع بفتح الراء الجبان والفعل منه ورع يورع وقال إبن السكيت الورع هو الضعيف يقال إنما مال فلان أوراع فكان المتورع يجبن ويضعف عن الأقدام على الأشياء خوفاً من تبعته. وقد عيب عليه قوله ولا كان الحسن عنده ممن يمازح لأنه ذكر قبل أن النبي ﷺ كان يمزح.

وقوله " ونستحب له أيضاً أن ينزل ألفاظه في كتبه فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب إليه وألا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام ولا رفيع الناس وضيع الكلام فإني رأيت الكتاب قد تركوا تفقد هذا من أنفسهم وخلطوا فيه فليس يفرقون بين من يكتب إليه فرأيك في كذا وبين من يكتب إليه فأن رأيت كذا ورأيك إنما يكتب بها إلى الأكفاء والمساوين ولا يجوز أن يكتب بها إلى الرؤساء والأستاذين لأن فيهما معنى الأمر ولذلك نصبت "

خلطوا فيه أي أفسدوا ويقال خلط بالتشديد في الشر وخلط بالتخفيف في الخير. ويفرقون يميزون يقال فيما كان تمييزاً فرق بالتخفيف فرقت بين

الحق والباطل وما كان من جمع ففرق بالتشديد فرقت بين زيد وعمرو ونصب رأيك على معنى قر رأيك لأنه مصدر والعامل فيه الفعل الذي صدر عنه ورأى يكون بمعنى نظر وبمعنى علم وإضمار الفعل جائز في كل المصادر المأمور بها لأن الأمر لا يكون إلا بالفعل فإذا أضمرته دل المصدر عليه ولو كان خبراً لم يجز فيه الإضمار لأن الخبر يكون بالفعل وغيره وإن كتب فرأيك موفقاً ثنى موفقا وجمعه فقال فرأيكما موفقين ورأيكم موفقين ولا يجوز الأفراد على هذا الوجه فأن جعل التوفيق للرأي لم يثن ولم يجمع فكتب فرأيكما موفق ورأيكم موفق. والأكفاء الأمثال وأحدهم كفؤ قال الله تعالى " ولم يكن له كفؤاً أحد " والرؤساء جمع رئيس يقال رأس الرجل القول يرأسهم رأساً ورياسة وفلان رأس القوم ورئيسهم وقد ترأس عليهم والرئيس أيضاً الذي رأسه البرسام أي أصاب رأسه والرئيس أيضاً الذي ضرب رأسه قال:

كأن سحيله شكوى رئيسيحاذر من سرايا واغتيال
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «ألم تلمم على الدمن الخوالي»

فيقال الرئيس ههنا الذي شج وهو رأس الكلاب وهو فيها بمنزلة الرئيس في الناس. والأستاذين الواحد أستاذ وهو الماهر بصنعته وهذه الكلمة ليست بالعربية ولا توجد في الشعر الجاهلي ولو كانت عربية لوجب أن يكون أشتقاقها من الستذ وليس ذلك بمعروف وربما خاطبوا الخصى بالأستاذ إذا عظموه وإنما أخذ ذلك من الأستاذ الذي هو الصانع لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم فكأنه أستاذ في حسن الأدب.

وقوله " ولا يفرقون بين من يكتب إليه وأنا فعلت ذلك وبين من يكتب إليه ونحن فعلنا ذلك ونحن لا يكتب بها عن نفسه إلا آمر أوناهٍ لأنه من كلام الملوك والعظماء قال الله ﷿ " أنا نحن نزلنا الذكر " وقال " أنا كل شيء خلقناه بقدر " وعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب فقال حكاية عمن حضره الموت " رب أرجعون " ولم يقل رب ارجعن.

إنما جاز الأخبار عن الواحد بلفظ الجماعة لأن الملوك والعلماء والعظماء يستغنى برأي الواحد منهم وفهمه عن الجماعة فالملك يلي أمر جماعة من يسوسهم من أهل مملكته فهم له منقادون وعلى طاعته مجتمعون فحسن منه لفظ الجمع في الأخبار عن نفسه لذلك والعالم يحتاج إليه الجميع ممن يضطر

إلى علمه فقد حصل فيه ما يجتمع في الكثير المقصرين عنه ولذلك سمى عالما لحاجة الأمة إليه. ونحن جمع أنا من غير لفظها وحرك آخره بالضم لألتقاء الساكنين لأن الضمة من جنس الواو التي هي علامة الجمع ونحن كناية عنهم.

وقوله " وربما صدر الكاتب كتابه بأكرمك الله وأبقاك فإذا توسط كتابه وعدد على المكتوب إليه ذنوبا له قال فلعنك الله وأخزاك فكيف يكرمه الله ويلعنه ويخزيه في حال وكيف يجمع بين هذين في كتاب " صدر أي كتب صدره والصدر أعلى مقدم الشيء وصدر القناة أعلاها وصدر الأمر أوله والصدرة من الأنسان ما أشرف من أعلى صدره ويقال صدر الفرس إذا جاء وقد سبق بصدره. ولعنه الله أبعده واللعن في اللغة معناه الطرد والأبعاد قال الشماخ:

ذعرت به القطا ونفيت عنهمقام الذئب كالرجل اللعين
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «كلا يومي طوالة وصل أروى»

أراد مقام الذئب اللعين كالرجل ويقال أراد مقام الذئب الذي هو كالرجل اللعين وهو المنفي والرجل اللعين لا يزال منتبذاً عن الناس شبه الذئب به. وأخزاه الله أي أهانه والخزي الهوان وقد خزى الرجل يخزي خزياً وخزاه يخزوه إذا ساسه قال لبيد:

غير أن لا تكذبنها في التقىوأخزها بالبر لله الأجل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وقوله " وقال أبرويز لكاتبه في تنزيل الكلام إنما الكلام أربعة سؤالك الشيء وسؤالك عن الشيء وأمرك بالشيء وخبرك عن الشيء فهذه دعائم المقالات إن التمس إليها خامس لم يوجد وإن نقص منها رابع لم تتم فإذا طلبت فأسجح وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فاحكم وإذا أخبرت فحقق " أسجح أي أحسن وأرفق وسهل وقالت عائشة ﵂ لعلي يوم الجمل ملكت فأسجح وقال عبد يغوث بن وقاص الحارثي:

أقول وقد شدوا لساني بنسعةٍأمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة
أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوافإن أخاكم لم يكن من بوائيا
للشاعر عبد يغوث الحارثي، اقرأ القصيدة

ويقال وجه أسجح أي مستقيم الصورة. وأوضح أي بين وأظهر يقال وضح

الشيء إذا بان وظهر وأوضحته أنا. وأحكم أي شدد وأوثق وأصله من المنع وحقق قال أبو زيد حققت الأمر أحققته إذا كنت على يقين منه.

وقوله " وقال له أيضاً وأجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول يريد الإيجاز وهذا ليس بمحمود في كل موضع ولا بمختار في كل كتاب بل لكل مقام مقال ولو كان الإيجاز محموداً في كل الأحوال لجرده الله في القرآن ولم يفعل الله ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد وحذف تارة للإيجاز وكرر تارة للأفهام وعلل هذا مستقصاة في كتابنا المؤلف في تأويل مشكل القرآن " الأيجاز ضد الأطالة يقال أوجز الكلام والعطية ونحوها والأكثر في الكلام أوجز وفي الوعد أنجز وأمر وجيز وكلام وجيز ووجز وموجز وموجز يقال وجز في كلامه وأوجز وقد توجزت الشيء مثل تنجزت والأيجاز يستحسن إذا صح به المعنى وكان في الكلام دليل على ما أختصر نحو قوله تعالى " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " ففي هذا حذف وذلك أن المرأة لا تكون معتدة بالشهور وهي مرتابة بإنها تحيض أو لا تحيض وإنما تكون العدة بالشهور إذا يئس يأسا لا ريب فيه والمعنى والله أعلم واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم في يأسهن فزال الريب فعدتهن وفي قوله " واللائي لم يحضن " حذف أيضاً تقديره واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذف لدلالة ما قبله عليه. ومثله قوله " يبين الله لكم أن تضلوا " لأن البيان لم يوضع للضلال إنما وضع لإزالته فكان المعنى والله أعلم لئلا تضلوا ومنه قوله تعالى " حتى توارت بالحجاب " يريد الشمس فاضمرها ولم يجرد لها ذكر ومثل ذلك في القرآن والكلام كثير. والأطالة والتكرير يقعان لتأكيد وتعظيم كقوله تعالى " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " وكقوله سبحانه " كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين " وكقول ابن الخرع:

فكادت فزارة تصلى بناأولى فزارة أولى فزارا
للشاعر عوف بن عطية بن الخرع، اقرأ القصيدة

وكقول عبيد.

هلا سألت جموع كن دة يوم ولوا أين أينا

فهذا وشبهه إنما كرر لتأكيد ما يشتمل عليه من معنى التوعد والأعذار ومما جاء منه في معنى التعظيم قوله النابغة:

إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتهاسواقط من حر وقد كان أظهرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «تذكرت والذكرى تهيج للفتى»

وكقول سوادة بن عدي:

لا أرى الموت يسبق الموت شيءنفض الموت ذا الغنى والفقيرا
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «إِن للدهرِ صولة فاحذرنها»

والمشكل المشتبه واشتقاقه في قول بعضهم من الشكلة وهي الحمرة تختلط بالبياض وهذا شيء أشكل وقال الرياشي أشكل على الأمر إذا اختلط وكان أشكل الأمر صار له أشكال أي أشباه وأمثال. ومعنى القرآن الضم والجمع من قولهم ما قرأت الناقة سلاقط أي لم تضم رحمها على ولد وقال قطرب لم تقرأ جنينا لم تلقه قال ويجوز أن يكون معنى قرأت القرآن أي لفظت به مجموعا والقول الأول هو المعروف.

وقوله " وليس يجوز لمن قام مقاما في تخضيض على حرب أو حمالة لدم أو صلح بين عشائر أن يقلل الكلام ويختصر ولا لمن كتب إلى عامة كتابا في فتح أو استصلاح أن يوجز ولو كتب كاتب إلى اهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير للمعصية كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان حين بلغه عنه تلكؤ في بيعته أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى فاعتمد على أيتهما شئت لم يعمل هذا الكلام في أنفسها عمله في نفس مروان " أعم مذاهب العرب وفصحاء الكتاب الإشارة إلى المعاني باللفظ الوجيز ويرون ذلك من أحسن الصناعة ولكل من الإيجاز والإطالة موضع يخصه وقيل إنما سمي البليغ بليغا لأنه يبلغ من أدبه بإيجازه مالا يبلغه المتكلف بإكثاره وقيل لحكيم الفرس ما البلاغة فقال تصحيح الأقسام واختصار الكلام وقيل لحكيم الروم ما البلاغة فقال الاختصار عند البديهة والغزارة عند الحاجة وقيل لبليغ الهند ما البلاغة قال البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة وقيل إذا كفاك الإيجاز فالإكثار عي. وأخبرني أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن الفرضي عن الصولي عن محمد بن عروس عن أبيه قال كان جعفر بن

يحيى يقول البلاغة تناسب المعاني وعذوبة الألفاظ وأن يكون للكلام حد يحجزه عن الخروج إلى غيره وعن دخول غيره عليه كقول علي ﵁ أين من سعى واجتهد وأعد واحتشدو جمع وعدد وبنى وشيد وفرش

ومهد فاتبع كل لفظة لفظة تناسبها ولو قلب بعض الألفاظ إلى بعض لكان كلاما مستويا ولكن أين سماء من أرض وقيل لبعض البلغاء ما البلاغة فقال سد الكلام معانيه وإن قصر وحسن التأليف وإن طال وقال معاوية لعمرو بن العاص من أبلغ الناس قال من اقتصر على الإيجاز وتنكب الفضول قال فمن أصبر الناس قال أردهم لجهله بحلمه وقيل لأعرابي من أبلغ الناس قال أحسنهم لفظا وأمثلهم بديهة يعني أحسنهم انتزاعاً للمثل على البديهة وقعد أعرابي إلى ربيعة الرأي فأكثر ربيعة ثم قال يا أعرابي ما البلاغة فقال الإقلال في الإيجاز قال فما العي قال ما كنت فيه منذ اليوم وقيل للمفضل ما الإيجاز فقال تقليل الكثير وتقصير الطويل. والتحضيض مصدر قولك حضضته على الشيء إذا حرضته عليه وحثثته والحض الحث على الخير. والحمالة تحمل الدية عن القوم ويقال أيضا حمال بلا هاء قال الأعشى:

النص من طبعة دار الكتاب العربي ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فاتحة الكتاب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.