تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)

حن حنين الثكلى

تقدم معنى الحنين: التي فقدت ولدها وتقدم أيضاً. وحنين الثكلى شديد، كما تقدم في قولهم: أحر من دمع المقلات. وقالت أسماء المرية:

فإن بأكناف الرغام غريبهمولهة ثكلى طويلا نئيمها

وقال الخنساء في الثكلى من الإبل وحنينها:

فما عجول على من تحن لهلها حنينان: إعلان وإسرار
ترتع ما غفلت إذا أذكرتفإنما هي إقبال وإدبار
يوما بأوجع مني يوم فارقنيصخر وللدهر إحلاءٌ وإمرار

ونحوه قول عبد الله بن الزبير الأسدي:

رمى الحدثان نسوة آل زيدٍبمقدارٍ سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضاًورد وجوههن البيض سودا
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
فإنك لو سمعت دعاء باكيةٍ حزينٍأبان الهر وأحدها الفقيدا

حنَّ قدحٌ ليس منها هذا المثل يضرب للرجل يدخل نفسه في القوم وليس منهم أو يمتدح بالشيء ليس من أهله. يروى أنَّ عقبة بن أبي معيط لمّا أمر رسول الله ﷺ بقتله قال: أأقتل من بين قريش؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁: حن قدح ليس منها! فقال رسول الله ﷺ: وهل أنت إلاّ يهودي من صفورية؟ وذلك أنهم ذكروا أنَّ أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام وأقام بها عشر سنين. فوقع على أمة يهودية للخم من صفورية يقال لها ترنى فولدت له ذكرا فاستلحقه أمية وكناه أبا عمرو وهو أبو أبي معيط.

حنت ولا تهنت هذا المثل لمازن بم مالك بن عمرو بن تميم وذلك أنَّ الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم بن مر كان عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها. فنهاه قومها عن ذلك فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها. فأغار عليهم عبد شمس في جيشه فعلمت به الهيلمانة فأخبرت أباها. وكانوا يعرفون إعجاب الهيلمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها قال مازن بن مالك: حنت ولا تهنت! وأنى لها مقروع؟ ومقروع عبد شمس كان يلقب به، لأن القريع والمقروع في كلام العرب هو المختار

فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني! كذلك هو؟ فانه لا رأي لمكذوب. فقالت: ثكلتك إن أكن صدقتك فانج لا أخالك ناجيا! فذهبت كلمة مازن وكلمته وكلومتها أمثالا. فقال مازن: حنت ولا تهنت أراد أنها إنما كان غرضها أن تذكر عبد شمس ليجري اسمه على لسانها حبينا إليه وشوقا لا شفقة على قومها ولا نصحا لأبيها ولا تحذيرا. وقوله: ولا تهنت دعاء عليها أي: لا هناها الله بذلك! وأراد: لا تهنأت بالهمز من الهناء ثم خفف الهمزة وقلبها ألفاً ثم حذف الألف لملاقاة التاء الساكنة كما في نظائره.

قيل: ويحتمل أن يريد: ولات هنا أي ليس هذا الوقت أو: أنَّ ذلك ولا حينه كما قال الأعشى:

لات هنا ذكرى جبيرة أم منجاء منها بطائف الأهوال!

أي ليس هذا حين ذكرها يأسا منها. وكما قال الراعي:

أفي أثر الأظعان عينك تطمح؟نعم! لات هنا إنَّ قلبك متيح!

وكما قال جحل بن نضلة الباهلي:

حنت نوار ولات هنا حنتوبدا الذي كانت نوار أحنت
للشاعر شبيب بن جعل التغلبي، اقرأ القصيدة
لمّا رأت ماء السلى شربا لهاوالفرث يعصر في الإناء أرنت

وفي إعرابه كلام مبين في علم النحو. والتاء في لات لتأنيث الكلمة كما قيل في رب وثم ربت وثمت. وقيل إنها بدل من الألف لأن التاء تبدل من الألف عند الوقف وعند السجع كما قيل:

من بعدما وبعدما وبعدمتصارت نفوس القوم عند الغلصمت

النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الأمثال وما يلتحق بها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.