تجاوز إلى المحتوى

من «نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان» لصديق حسن خان (ت ١٣٠٧هـ)

الخاتمة

أمليت في وصف المهاة قصيدةحسنية تحوي أدق معان
في سبعة فوق الثمانين التيمئة وألف بعدها حسباني
سميت "مرآة الجمال" قصيدتيطابت برؤيتها قلوب حسان
ما إن سمعنا مثلا عن شاعرآزاد للطرز المنشط بان
صلى الله على النبي وآلهما غنت الأطيار بالألحان

ولصاحب القصيدة شرح موجز عليها، أثبت تحت كل عضو أشعاراً رائقة للشعراء، وأبياتاً فائقة للفصحاء، من تعريفات الحبائب، وتوصيفات الكواعب، وجملة أشعار في الدواوين العربية آلاف، وكانت ولادته في الخامس والعشرين من صفر يوم الأحد سنة ست عشرة ومئة ألف بمحروسة بلكرام، وهي متصلة بقنوج من

بلاد الهند المذكورة في "القاموس" وقنوج موطن هذا العبد المؤلف، وكان رحمه الله تعالى فاضلاً فقيهاً محدثاُ أديباً، بارعاً في العلوم العقلية والنقلية، جامعاً للفضائل والكمالات الصورية والمعنوية، وجملة أشعاره في "السبعة السيارة" وغيرها أحد عشر ألفاً، وما سمع قط من أهل الهند من يكون له ديوان عربي ومن يكون له شعر عربي على هذه الحالة، وهو حسان الهند، مدح النبي ﵌ في الدواوين، وأوجد في مدحه معاني كثيرة نادرة لم يتيسر مثلها لأحد من الشعراء المفلقين، وأبدع في قصائده المدحية مخالص لم يبلغ مداها فرد من الفصحاء المتشدقين، وله في التغزل طور خاص قلما يوجد في كلام غيره، يعرفه أصحاب الفن، وله تصانيف نفيسة حسنة جداً، وغالبها حاضر عندي، وكان يرجع نسبه إلى علي العراقي بن حسين بن محمد بن عيسى موتم الأشبال بن زيد الشهيد ابن الإمام علي زين العابدين ﵃. توفي ﵀ في سنة مئتين وألف هجرية، ودفن بالروضة من أرض الدكن. وأما أنا، فيرجع نسبي إلى علي بن الحسين السبط أيضاً، لكن بواسطة أئمة الهدى من أهل البيت، وعشيرتي معروفة بسادة بخارى، ولي أيضاً يد صالحة وجارحة عاملة في اللسان العربي والفارسي والهندي، وتصانيف كثيرة فيها، لكن غالبها في علم التفسير والحديث وفقه السنة وعلم العقائد وعلم التاريخ وعلم الأدب واللغة والبديع وغير ذلك، وولدت ببلدة بريلي موطن جدي القريب من جهة الأم،

ونشأت في حجر الوالدة الكريمة بقنوج، على زنة سنور، واكتسبت العلوم المتداولة، وتأدبت على عصابة العلوم الفاضلة، وسافرت إلى الحرمين المكرمين، وعدت إلى بلدة بهو بال المحمية عن الرين والشين، ومن الله علي بالمال والحلال، والأولاد الصالحة، والقضاء النافذ، والحكم الماضي على الرئاسة العلية المذكورة، وخوطبت من جهة مليكة البرطانية بخطاب فائق ولقب رائق، لفظه بالفارسية: نواب عليجاه الملك سيد محمد صديق حسن خان بهادر، والآن أنا نزيلها، وزوج الرئيسة ودخيلها، جعل الله خاتمتي بالخير، وصانني عن شرور الأعادي وكل ضير. هذا وقد أورد الأنطاكي في "تزيين الأسواق" مقاطيع وأغزالاً وأبياتاً وأشعاراً كثيرة، ختم بها كتابه المذكور، وما ذكرت منها ههنا إلا اليسير المسطور، لأن الغزال المطلقة التنصيص، العامة من غير تخصيص، كثيرة لا تحصى، وغزيرة لا تستقصى. أورد منها في "تزيين الأسواق" ما حسن وقعه في الأسماع، وجلب القلوب السليمة الأذواق عند السماع، وذكر شيئا من لطائف الغزل الخاصة والعامة، في الذاتيات والأعراض اللازمة، وقد تغزل العشاق في الأعراض المفارقة، نحو الزينة والوضائف، ببديع النكت واللطائف، ومما يلحق بذلك التلميح، وهو نوع لطيف جليل المقدار في البديع، عظيم الفائدة في الإيصال إلى المطلوب، من نحو نكاية الخصم، وبلوغ الأرب من ذوي الفهم، ولم تدر الأغبياء وجل

علماء المعاني على أن التلميع يراد فه، والصحيح أنه أخص، ومما ينسج في هذا النمط ما سمته العرب باللاحن، قال ابن دريد: إنه مشتق من اللحن، يعني: الفطنة، وإن فائدتها التخلص من أنشوطة التعسف مع الأمن من المؤاخذة عند الإلجاء. وأمثلة التلميح والملاحن مذكورة في كتاب الأنطاكي. ومنها المجون، وما نقش على الخواتم والتكك، وغيرهما من نحو إكليل وعود وميل وكأس وأترجة، ومما ينخرط في هذا المسلك ما يكتب على الكتب، ونظائر ذلك كثيرة لا مطمع في استقصائها، ولا قدرة على إحصائها، وبعضها مذكور في "تزيين الأسواق" فإن شئت الإطلاع عليه فراجعه. ولنختم الكلام الذي اقتطفناه من هذه الأزهار وارتضيناه، ومن هذه الأصمار جنيناه، بغزل منا في بعض أيام الشباب نظمناه:

لله غانية في مهجتي نزلتمالت إلى الوصل شوقا ثم ما وصلت
طحت بقلبي وضامتني بلا سببيا أيها القوم قولوا كيف ما فعلت
أتحف جوهر قلبي نحو حضرتهاألقت إلي فما شامت وما قبلت
قد أمنتني وألقتني إلى أسفبالله يا صاح ما هذا وما فعلت
قامت تودعني والحزن يرهقهاوقمت عانقتها والعين انهملت
جاءت وولت فلا شكوى من دعدهي الحبيبة إن عادت وإن عدلت
حور الجنان تحاكي حسن عزتنافي فكرهن ولو أبصرتها خجلت
تلوح في عارضيها صفرة عجبلعلها من جفاء الصب انفعلت
كانت تؤمل قتلي دائما أبدالله نفس مشوق بالمنى قتلت
لم أرتكب في هوى أسماء معصيةبأي ذنب رعاها الله قد قتلت
إعراض قلبي عنها أي معصيةلا أرتضيه وإن جارت وإن عدلت
ضاءت ذوائبها من نور وجنتهالله بارقة في ظلمة حصلت
أتلك طرتها طالت إلى قدمأم آية هذه في شأنها نزلت
أهذه يدها البيضاء زاهيةمن نور طلعتها شمس الضحى خجلت
أم غرة في جبين الدهر فائقةأم درة من نحور الحور انتقلت
هي التي ترتضي مني وتمقتنيباليت يوم من التلوين انفعلت
حب المليحة يوم الدين مكرمةهناك منه موازين الهوى ثقلت
سفاكة قطعت رأسي بلا قودتجاوز الله عنها أي ما فعلت
فتانة أجرت الأنهار من دمنالا يفعل الظالم المغرور ما فعلت
هوى العذول رجوعي عن صبابتهاولست أرجع إن حييت وإن قتلت
ألصب يشكر منه موعدا حسناوإن أخلت بإيفائها وإن ختلت
ما إن بخلت بروحي مذ شغفت بهافكيف عزتنا بالوصل لي بخلت
ليست لها غاية في قتل عاشقهاإلا الثواب جزاها الله ما عملت
نصح العواذل لا يأتي بفائدةتلك المواعظ منهم هفوة بطلت
شهادة الصب منها أي مرحمةأمنية كان لي من مدة حصلت
وأين تحصل للعشاق خلوتهاترى المحبين صرعى حين احتفلت
لن تنظرن إلى صب بعين رضافيا لمنتظر من نظرة فضلت
هيج الغرام وموت الهجر مخمصةما ضر عزة لو عن صبها سألت
موت المحب على دين الهوى حسنأفتى به زمرة آثارهم نقلت
سقم الفتى في الهوى العذري عافيةوأي عافية ما مثلها حصلت
حكت سعاد لنا من حسنها عجبافلو رأتها ظباء المنحنى ضألت
فاضت دموعي على جيراننا بدمهذي منازل سلمى قد خوت وخلت
كانت معمرة مأهولة أبداصارت بلا قع مذ أسماؤنا رحلت
لله درك يا صديق من كلمنظمتها وهي في أوصافها كملت
صلى الإله على المختار من مضرما دام سنته للمؤمنين حلت

وقد رأينا أن نجعل هذا المقطع من الغزل كالاستغفار بعد الذنوب، والكفارة لمن عزم أن يتوب، لاشتماله على ذكر الصلاة على النبي ﵌، التي يكشف بها كل غم، وينجلي كل هم، وهذا أقصى ما أردنا تحريره، وأنهى نهاية ما ارتضينا تسطيره، مستغفرين الله مما جنيناه، إذ هو أكرم كريم، يقبل توبة

التائب، ولطيف يؤوب إليه الآيب، قائلا ما قال الأنطاكي، في لوعة الشاكي ودمعة الباكي:

كتبت وقد أيقنت أن جوارحيستبلى ويبقى كل ما أنا عامله
فإن كان خيرا سوف أحمد غبهوإن كان شرا أوبقتني غوائله
فاستغفر الله العظيم من الذيكتبت ومما قلت أو أنا قائله
فيا رب بالهادي النبي محمدنبي على كل الورى فاض نائله
وبالآل والأصحاب ترحم عاجزاكليلا من الذنب الذي هو حامله
أتى تائبا من غفلة اللهو قائلاصحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
ولم لا وجل العمر قد فات وانقضىوعري أفراس الصبا ورواحله
تفضل عليه وارحم الآن ذلهوتختم بخير كل ما هو فاعله

فالحمد لله على إتمامه، والشكر له على جزيل إنعامه، وعلى خاصته من خلقه محمد أفضل صلاته وسلامه وعلى آله الغالبين بإتمامك الحجج على الأعادي، وأصحابه المتمين لأنوار الهدى في الدآدي، ما عد التسابيح للرحمن، بسبحة الياقوت والمرجان.

النص من طبعة المطبعة الرحمانية بمصر (١٣٣٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.