تجاوز إلى المحتوى

من «نخبة عقد الأجياد في الصافنات الجياد» لمحمد بن عبد القادر الجزائري (ت ١٣٣١هـ)

الفصل الثالث في خدمتها والإنفاق عليها

قال ابن عباس ﵄: إن قوله تعالى: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية" نزل في علف الدواب. وعن شرخبيل بن سلمة: "أن روح بن زنباع زار تميماً الداري فوجده ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه، وحوله أهله، فقال له روح: أما كان من هؤلاء من يكفيك؟ قال: بلى ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من امرئ مسلم ينقي لفرسه شعيراً ثم يعلفه عليه إلاّ كتب له بكل حبة حسنة". وعلف الخيل لم يرد في تقديره شيء عن العرب، وإنما هو بحسب العادة لاختلافها باختلاف البلاد، ولا يجوز زيادتها عما اعتادته أو نقصها عنه، وكانوا يمرنونها على أكل قديد اللحم، فإذا أجدبوا وقل الحليب أطعموها منه: قال النمر بن تولب حين وفد على النبيّ ﷺ:

إنا أتيناك قد طال السفرنقود خيلاً ضمراً فيها عسر
نطعمها اللحم إذا عز الشجروالخيل في إطعامها الشحم ضرر
للشاعر الطرماح، من قصيدة «نطعمها اللحم إذا عز الشجر»

ويسقونها قبل العلف وبعده، قال الحطيئة:

وكل أجرد كالسرحان أترزهمسح الأكف وسقي بعد إطعام
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «هل تعرف الدار مذ عامين أو عاما»

أترزه: أس شدده وصلبه، ويسقونها كبريت الغنم المحلول بالماء في أيام الصيف والماء الحار أيام الشتاء، ولا يعدون على الذكر إلاّ إذا كان بين الممتلئ والطاوي لأنه إذا خلا بطنه ذهب نشاطه بخلاف الأنثى، وللشعير نفع كبير لكل ذي ظلف.

وينبغي تنقيته ونقعه في الماء حتى يلين ووضع قليل من الملح عليه، وأن تعلف صباحاً نصف ما تعلفه مساء. وأن لا تعلف حال التعب بل لا تسقى إلاّ أن تكون ملجمة، وأن يقلل لها من التبن، وتسقى وسط النهار مرة، فإن ذلك يوسع كفلها ويقوي لحمها ويرطب بدنها، وفي المثل: _لأضربنك غب الحمار وظاهرة الفرس)، فغب الحمار أن يرعى يوماً ويشرب يوماً، وظاهرة الفرس أن يشرب كل يوم مرة نصف النهار، وأن يكون الإصطبل مفروشاً بالخشب أو الرمل الناعم، لأن الرطوبة تلين الحوافر فإن لم يكن مفروشاً ينشف تحتها بالروث الجاف كل يوم، وأن يحافظ عليه من دخول الدجاج لئلا يقع شيء من فضلاته فيمغلها، وأن يجعل فيه خنزيراً برياً لأن رائحته تزيدها صحة، وإذا كانت الخيل متعددة فيه، ينبغي أن تعطى علفها في آن واحد لأن التي يتأخر علفها عن الثانية ربما تحصل لها المغلة.

وأن يكون المعلف عالياً، وأسفله كهيئة الغربال، لأن الغبار إذا دخل في متأخرها أضرها، والأحسن غربلة التبن قبل وضعه في المعلف، وأن تمسح أبدانها صباحاً في كل يوم. ويضعون على وجهها سيوراً أيام الصيف حالة الركوب وعلى بطنها بطاناً لئلا يؤذيها البعوض والذباب، وإذا كانت في الإصطبل يضعون على وجهها براقع واسعة الأعين كيلا يدخل طرف البرقع في عينها، وينبغي أن تكون المراغة واسعة خالية من التراب والرطوبة، وأن لا تكثر اللعب فيها لئلا تنقلب أمعاؤها.

وأجود الربيع لها: البرسيم، لأنه يغسل بطونها، وهو ربيع خيل مصر. وفي الشام: القصيل والفصة والبيقية. وأجود القصيل: الطويل الذي لم يبد ثمره، لأن المثمر يخشن الحلق ويورثها السعال، وأقل ما يكون الربيع أسبوعين، وأكثره أربعون يوماً، فإن حصل لها إسهال يتحفظ من البرد، أو جفاف يخفف غطاؤها ويرش على الفصيل شيء من الحناء، وروث المسهلة يبريء الحكة والجرب طلاء. وينبغي أن لا تركب مدة أكلها الربيع وبعد انتهاء مدة الربيع تعلف الشعير المنقوع أسبوعاً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السادس في تقفيزها وأطوارها وخدمتها والإنفاق عليها وتأديبها وكيفية تضميرها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.