تجاوز إلى المحتوى

من «اللؤلؤ في الأدب» لمحمد توفيق البكري (ت ١٣٥١هـ)

دور ومقاصير هذا القصر

قد ارتفعت قبابَهُ في الأجواءِ، فكأنّ أبراجَهُ أبراج السّماءِ، وكأنّ كلّ ردهةٍ بطحاء، وكلّ روضةٍ صنعاء، بلاط وخندق، ودارات وديسق، وأبهاء وجوسق وكهرباء تضيء الأرجاء، كأنّها بدر، أو فجر.

وصلتُ إلى ذلك القصر ففُتِحَ الباب. وكُشِفَ الحجاب. فإذا جنةٌ وحرير. وملكٌ كبير. ودنيا في دار. وليل ونهار، ووجوه تشرق وحليٌّ يَبرق. وقبابٌ وشراعات. ومقاصيرٌ وسرادقات. وحنى كعطوف القسى. وصحون. في فسحة الظّنون. تقدَّر بالأفكار. لا بالأبصار وسقوفٍ من مرمر وأرضٍ من عرعر وكأنّ كلّ سقفٍ لوحٌ مصور. وكلّ أرضٍ روضٌ منوّر.

وإذا نظرت إلى غرائب سقفهأبصرت روضاً في السّماء نضيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وَضَعَتْ به صُنّاعُها أقلامَهافَأَرَتْكَ كلّ طريدةٍ تصويرا

وأبواب. كأنّها في حُسْنِها أبوابٌ من كتاب. في مصراعين كعاشقين. فتلاقٍ وافتراق.

فأبوابُها أثوابُها من نقوشِهافلا ظلمٌ إلاّ حين تُرْخى ستورها

وإذا الحجراتُ قد فُرِشَتْ بأراضٍ. كأنّه قطع الرّياض

بسطٌ أجادَ الرّسمُ صانِعُهاوَزَها عليها النَّقشِ والشَّكل
فيكادُ يقطفُ من أزاهِرهاويكادُ يسقطُ فوقها النَّحل

ورُصفت في جوانبها أرائِك وحجل وطوارق وكلل وشوار وإنماط. وزرابي. ورياط ومطارح من ديباج ونضائد من عاج. عليها قطوع من سمّور وسنجاب. وعروش من إستبرق وزرياب في ألوان الحيقطان. وأجنحة الفواخت والورشان.

حتّى اتّكأْنَ على فرشٍ يُزَيِّنُهامن جَيِّدِ الرقم أزواج تهاويل
فيها الطّيور وفيها الأُسْدُ مُخدرةمن كل شيءٍ ترى فيها تماثيل

وقد رُكِّزتْ في الحيطان صفوف من مشاجب ورفوف عليها آنية عادية.

وعساس صينية وصحاف وسكرجات. وأجفان وطرجهارات. وبين ذلك مرايا تتقابل فتجمع الآحاد. وتعدّد الأفراد. إنْ وقفَتْ أمامها الحسناء. رأيت بدر السّماء في عين

ماء حسنٌ لا نظير له في البريّة. إلّا صورته على الماويّة فإن انصرَفَتْ عنها تركتها كربع خلاء أو صحيفة بيضاء. أو قلب ذي ملالة لا يثبت فيه إلّا ما كان حياله. وقام في الأركان تماثيلَ وتصاويرَ وأنصابَ وقواريرَ ممّا صنع (أوفرباخ) و (مليسونيا) و (ولمباخ) فكأنّما الدّار زون. أو معرض فنون وقد وُضِعَ في الأبهاء موقدٌ للاصطلاءِ كأنّ الجمر فيها نظر محنّق أو نار المحلّق وكأنّ الرّماد عليه عثير وأحاط بالدّار نوافذ وطاق. تطلُّ على الآفاق وتنظر الرّوضَ. والحوضَ. والمدينةَ والزّينةَ.

فمِنْ شُهبٍ تمتدُّ في الجوِّ مصعداوتلوي على جنبيه مثل الأراقم
وتمطر فيه لؤلؤاً وزبرجداشآبيبُ منها ساجمٌ بعد ساجمِ
فطوراً ترى أنّ السّماء حديقةتَفَتَّحَ فيها النّور بين الكمائم
وحيناً ترى أنّ الحديقةّ في الدُّجىسماء تهاوي بالنّجومِ الرَّواجم

أمّا الأضواء والأنوار. فالشّمس في ضحوة النّهار. قد عُلِّقَتْ بالسّقوف.

وتألّقت في الرُّفوف. وتلوَّنت كالأزهارِ وتشكَّلت كالأثمارِ وتدلَّت بينها الثُّريات كأنّها أشجارٌ مفتَّحة النوَّار وكأنّ أقياسها آذان جيادٍ أو عيون جرادٍ أو قطع أفلاذٍ أو صفائح فولاذٍ أو ذبالٍ على أسلِّ أو مرآةٍ في كفِّ الأشلِّ.

فيا لكَ من ليلٍ كأنَّ نجومهبكل مغار الفتل شدَّت بيذبل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

النص من طبعته الأولى (١٣٤٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفنزج أي البالو

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.