من «اللؤلؤ في الأدب» لمحمد توفيق البكري (ت ١٣٥١هـ)
أسترليز وانتصاره على الروس والنمساويين
كأنّي أنظر إليه يوم أسترليز وقد خرج لقتاله القيصران، في يوم أرونان فصابت بِقَرٍّ وما يوم
حليمة بسِرّ فاصطفّ حياله الرّوس، كالسّطور في الطروس، وثبتوا في الأخاديد، كالجلاميد، وابذعروا في السّهول كالوعول، وأقبل النمساويّون في كتيبةٍ جأواء، وملمامةٍ شعلاء ينزل أُولاها وليس بنازل، ويرحل أُخراها وليس براحل، فقابلهم من جيش الفرنسيس، بالدهياء الدردبيس، دوسر بسط جناحيه على الشّعاب كما بسطت جناحها العقاب، فلا ترى ثمّة إلّا أعلاماً تخفق، وحديداً يبرق، وجنوداً في المآذي كأنّها صخور في ماء،
أو أفاعي عرماء، أو أسود والسّيوف أنياب، أو عقارب شائلات الأذناب، ثمّ صمّ
القتال، وزلزل الزلزال، واتّقد الوهج، وسطع الرهج، فكأنّما ترى جاناً من مارجٍ من نار، أو إعصاراً يدور فوق إعصار، كأنّما مدينةٌ في حريق، وسماءٌ تهطل برحيق، وكأنّما فكّت الشياطين، وانسابت الثّعابين وكأنّما في قلب الأرض وهل، وعلى خدّها من الدّماء خجل، وكأنّما في الجوّ من الدّخان والنّار، ليل وشرق، ومن الرّصاص والشفار، وبل وبروق، كأنّما كُسِرَتْ قبّة السّماء، فَهَوَتْ بما فيها من نورٍ وظلماء، وكأنّما
كلّ صفٍّ من الجنود يميل بحائطٍ من جهنّم. فيلقاه الآخر من الحديد بلجٍّ من يم. فما ينكفئ حتّى ينطفئ. وبين ذلك خيول تكدّس: وسلاح مضرّس. وجماجم تغلق، وأشلاء تفرّق. ومنا ومَنون. وطعنٌ كأنّه طاعون، وشهيق وزفير. وعير ونفير. وصرعى كأنّما غالتهم الكؤوس. ووادٍ يسيل على العلمين فقاقيعه الرؤوس، ومقلةٌ في مخلبِ طائر، وكبدٌ في رجل عاثر، وبنانٌ في نابِ وحشٍ كاسر.
كم رأسِ شخصٍ بكى من غير مقلتهدماً ونحسبه بالقاعِ مبتسما
هذا ونابليون قد أشرف على المرقب، فوق نهد سهلب،
ثُبِّتَ في المعمعان كأنّه حنذيذة من كتفيّ ثهلان.
لا تهوله كثرة البهم، ولا جموع الأمم، كأنّ جنده قليلٌ من ضرم في كثير من فحم. يقلب عينه يمنةً وشامة، ويجبر أخبار زرقاء اليمامة، فتُطوى الجنود لأمره وتُنْشَر وتُقَدَّم وتُؤَخَََّر، كأنّه في هذا الهرج والمرج، أمام رقعة من الشطرنج إلى أن يبدو له النّصر من خلل القتام، كما تلوح الشّمس من تحت الغمام.
النص من طبعته الأولى (١٣٤٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع