من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الأرنب
واحدة الأرانب، وهو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه. وهو اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى وقال الجاحظ:
فإذا قلت أرنب، فليس إلا الأنثى كما أن العقاب لا يكون إلا للأنثى؛ فتقول: هذه العقاب وهذه الأرنب. وقال المبرد في الكامل: إن العقاب يقع على الذكر والأنثى وإنما يميز باسم الإشارة كالأرنب، وذكر الأرنب يقال له الخزز بالخاء المعجمة المضمومة وبعدها زايان وجمعه خزان كصرد وصردان. ويقال للأنثى عكرشة والخرنق ولد الأرنب، فهو أولا خرنق ثم سخلة ثم أرنب.
وقضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب: أحد شطريه عظم والآخر عصب، وربما ركبت الأنثى الذكر عند السفاد، لما فيها من الشبق وتسافدو هي حبلى، وتكون عاما ذكرا، وعاما أنثى فسبحان القادر على كل شيء.
غريبة : ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث وعشرين وستمائة، أن صديقا له اصطاد أرنبا، له أنثيان وذكر وفرج أنثى. فلما شقّوا بطنه، رأوا فيه ما يدل على ذلك.
قال: وأعجب من ذلك، أنه كان لنا جار له بنت اسمها صفية، بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، ثم طلع لها ذكر، ونبت لها لحية، وصار لها فرج رجل وفرج امرأة. وسيأتي إن شاء الله في الضبع نظير ذلك.
والأرنب تنام مفتوحة العين، فربما جاءها القناص، فوجدها كذلك، فيظنها مستيقظة.
ويقال إنها إذا رأت البحر ماتت، ولذا لا توجد في السواحل. وهذا لا يصح عندي. وتزعم العرب، في أكاذيبها، أن الجن تهرب منها لموضع حيضها: قال الشاعر:
وضحك الأرانب فوق الصفاكمثل دم الحرب يوم اللقا
فائدة الذي يحيض من الحيوان أربعة: المرأة والضبع والخفاش والأرنب. ويقال: إن الكلبة أيضا كذلك.
روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن الحويرث عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في الأرنب: «إنها تحيض».
وجابر بن الحويرث، قال ابن معين: لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات ولا يعرف له إلا هذا الحديث.
وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «أن النبي ﷺ جيء له بأرنب فلم يأكلها ولم ينه عنها». وزعم أنها تحيض وهي تأكل اللحم وغيره، وتجتر وتبعر، وفي باطن أشداقها شعر، وكذلك تحت رجليها.
الحكم يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن أبي ليلى ﵃، أنهما كرها أكلها، وحجتنا ما روى الجماعة عن أنس بن مالك ﵁ قال: «أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم عليها فغلبوا فأدركتها فأخذتها وأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى النبي ﷺ بوركها وفخذها فقبله ».
وفي البخاري في كتاب الهبة: «أن النبي ﷺ قبله وأكل منه». ولفظ أبي داود: «كنت غلاما خرورا فصدت أرنبا فشويتها فبعث معي أبو طلحة ﵁، بعجزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم
والحزور بالتشديد والتخفيف: المراهق وقد سئل رسول الله ﷺ عنها فقال: هي حلال».
وروى أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان، عن محمد بن صفوان، «أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين وأتى النبي ﷺ، فأمره بأكلهما». وهو في معجم ابن قانع، عن محمد ابن صفوان أو صفوان بن محمد.
واحتج ابن أبي ليلى ومن وافقه بما روى الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة ﵁ قال: «قلت يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال ﷺ: لا آكله ولا أحرمه، قال: فقلت: ولم يا رسول الله؟ قال: إني أحسب أنها تدمي. قال: فقلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال رسول الله ﷺ: ومن يأكل الضبيع» ؟
قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي. ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وذكر فيه الثعلب والضب أيضا وفي بعض الروايات: «وسألته عن الذئب فقال: لا يأكل الذئب أحد فيه خير». وليس في شيء من الأحاديث وإن ضعفت ما يدل على تحريم الأرنب وغاية ما في هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها.
الأمثال قالت العرب: «أقطف من أرنب» «وأطعم أخاك من كلية الأرنب». وهو كقولهم «أطعم أخاك من عقنقل الضب». يضربان للمواساة. ومن أمثالهم المشهورة في ذلك قولهم: «في بيته يؤتى الحكم». وهو مما زعمته العرب على ألسنة البهائم. قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب فقالت الأرنب: يا أبا حسل قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكيما، قالت فأخرج إلينا، قال في «بيته يؤتى الحكم» قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال لنفسه: بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال «حر انتصر لنفسه» قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها أمثالا.
ومثل هذا أن عدي بن أرطاة أتى شريحا»
القاضي في مجلس حكمه فقال له: أين أنت؟
قال: بينك وبين الحائط، قال فاسمع مني. قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة،
قال: بالرفاه والبنين، قال: وشرط أهلها أن لا أخرجها من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال:
فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ الله، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت. قال فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك. قال بشهادة من؟ قال: بشهادة ابن أخت خالك.
وشريح هذا هو ابن الحارث بن قيس الكندي استقضاه عمر رضي الله تعالى عنه على الكوفة، وأقام قاضيا بها خمسا وسبعين سنة، لم يبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، وذلك أيام فتنة ابن الزبير ﵄، فاستعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتى مات رحمة الله عليه.
وكان شريح من سادات التابعين وأعلامهم، وكان من أعلم الناس بالقضاء، وكان أحد السادات الطلس، وهم أربعة: عبد الله بن الزبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس، الذي يضرب بحلمه المثل، ورابعهم شريح هذا والله أعلم.
والأطلس الذي لا شعر بوجهه وروي أن شريحا مرض له ولد، فجزع عليه جزعا شديدا فلما مات لم يجزع. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رحمة له وإشفاقا عليه، فلما وقع القضاء رضيت بالتسليم. قاله ابن خلكان وغيره.
قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى: كتب زياد بن أبيه إلى معاوية:
يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي وفرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز.
فبلغ ذلك عبد الله بن عمر ﵄، وهو بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت فأصابه الطاعون في يمينه فأجمع رأي الأطباء على قطعها، فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء، فأشار عليه بعدم القطع، وقال له: لك رزق مقسوم، وأجل معلوم، وإني أكره، إن كانت لك مدة، أن تعيش في الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟ قلت: فرارا من قضائك وبغضا في لقائك. قال: فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، ولولا أن المستشار مؤتمن، لوددت أنه قطع يوما يده ويوما رجله وسائر أعضائه يوما يوما. اهـ.
وفي هذا المعنى قال أبو الفتح البستي من قصيدة طويلة:
لا تستشر غير ندب حازم فطنقد استوت منه أسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوافيها أبروا كما للحرب فرسان
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكر هذه القصيدة في باب الثاء المثلثة في الثعبان، وفي تاريخ ابن خلكان في ترجمة شريح، أنه سئل عن الحجاج أكان مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، كافرا بالله تعالى. توفي شريح سنة تسع وسبعين وقيل ثمانين من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة رحمه الله تعالى.
الخواص قال الجاحظ: كانت العرب في الجاهلية تقول: من علق عليه كعب أرنب، لم تصبه عين ولا سحر وذلك لأن الجن تهرب منها لمكان حيضها وإذا شوي الأرنب البري وأكل دماغه، نفع من الارتعاش العارض من المرض، وإذا شرب من دماغه، وزن حبتين في أوقيتين من لبن البقر، لم يشب شاربه أبدا. ومن أعجب ما في أنفحته أنك إذا طليت بها داء السرطان رأيت العجب. وإذا شربت المرأة أنفحة الأرنب الذكر ولدت ذكرا، وإذا شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى. وإذا علق زبله على المرأة لم تحمل ما دام عليها. قال أبقراط: لحم الأرنب حار يابس، يغسل البطن ويدر البول، وأجوده صيد الكلاب. وهو ينفع من بهظة السمن، لكنه يحدث أرقا ويولد السوداء، والأبازير الرطبة تدفع ضرره، ويوافق أصحاب الأمزجة الباردة، ودماغه يؤكل مشويا بالفلفل ينفع من الرعشة، وإنما صار يابسا لرعيه الغياض لأن كل ما يرعى الغياض فهو أيبس مما يرعى في البيوت. اهـ.
وإن سقي إنسان من دماغ الأرنب دانقا مدافا، بعد أن يلقى عليه وزن حبتي كافور، لم يلقه أحد إلا أحبه ولم تنظر إليه امرأة إلا شغفت به وطلبت معاشرته. ودم الأرنب إذا شربت منه المرأة لم تحبل أبدا، وإذا طلي به البهق والكلف أزالهما. ودماغه إذا أكلت منه المرأة، وتحملت منه، وباشرها زوجها، فإنها تحبل بإذن الله تعالى. وإذا مزج به مواضع أسنان الصبي، أسرع نباتها ودم الأرنب إذا اكتحل به منع من نبات الشعر في العين قاله القزويني في عجائب المخلوقات.
وقال مهرارس: مرارة الأرنب إذا عجنت بسمن، وديفت بلبن المرأة، واكتحل به أزال البياض من العين، وأبرأ القروح وإذا طلي بدمها البهق الأسود أزاله ولحم الأرنب إذا أطعم من يبول في فراشه نفعه إذا أدامه. وقال أرسطو: إذا شربت أنفحة الأرنب بالخل نفعت من سم الأفاعي.
وإذا شرب منها قدر باقلاة أذهب حمى الربع المتناهية. وإذا شرب منها وزن درهم أسقط الأجنة وسهل الولادة، وإن خلطت أنفحة الأرنب بخطمي، ووضعت على النصل، أخرجته وتخرج الشوكة من البدن، بإذن الله تعالى بسهولة. وزبل الأرنب إذا بخر به في الحمام، وقع الضراط على من شمه ولم يتمالك أسفله. وإذا طلي به القوابي والنمش أذهبهما. وخصية الأرنب تبرىء من السم القاتل إذا طلي موضع اللسعة بها، وشحمه إذا وضع تحت وسادة امرأة، تكلمت في نومها بفعلها.
وضرس الأرنب إذا علق على من يشتكي ضرسه سكن وجعه.
التعبير الأرنب في المنام امرأة حسناء، لكنها غير آلفة، فإن ذبحها فإنها زوجة ليست بباقية. وممن رأى أنه يأكل لحم أرنب مطبوخا فإنه يأتيه رزق من حيث لا يحتسب، ومن صار أرنبا أو أهديت إليه أو ابتاعها، حصل له رزق أو تزوج إن كان عزبا، أو رزق ولدا أو ظفر بغريم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع