تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الأروية

: بضم الهمزة وإسكان الراء وكسر الواو وتشديد الياء: الأنثى من الوعول.

والجمع أراوي وبها سميت المرأة، وهي أفعولة في الأصل إلا أنهم قلبوا الواو الثانية ياء وأدغموها في التي بعدها وكسروا الأولى لتسلم الياء، وثلاث أراوي على أفاعيل. فإذا كثرت فهي الأروي بفتح الهمزة على أفعل بغير قياس وقيل الأروي غنم الجبل. وفي الحديث «أنه ﷺ، أهدي له أروي وهو محرم»، وفيه أن عبد الله بن عمر ﵄، لما كان يوم أحد قال: كنت أتوقل كما تتوقل الأروية فانتهيت إلى رسول الله ﷺ، وهو في نفر من أصحابه، وهو يوحى إليه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ

وفي جامع الترمذي في الإيمان، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن الدين ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى حجرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا، فطوبى للغرباء، الذي يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي ». قوله: «ليعقلن أي ليمتنعن كما تمتنع الأروية من رؤوس الجبال.

وفي تفسير ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «طرح يونس بن متى ﵇ بالعراء، فأنبت الله تعالى عليه اليقطينة، وهيأله أروية وحشية ترعى في البرية، وتأتيه فتنفشخ عليه، فترويه من لبنها كل بكرة وعشية، حتى نبت لحمه». وقال ابن عطية أنعشه الله تعالى في ظل اليقطينة، بأروية تراوحه وتغاديه، وقيل: بل كان يتغذى من اليقطينة ويجد منها ألوان الطعام، وأنواع شهواته وهذا من لطف الله تعالى به ونعمته عليه وإحسانه إليه وحكى ابن الجوزي عن الحسن في قوله تعالى: وفديناه بذبح عظيم أنه ذكر من الأروي، أهبط عليه من ثبير. وفي حديث عوف أنه سمع رجلا تكلم فأسقط، فقال: «جمع بين الأروى والنعام». يريد أنه

جمع بين كلمتين متناقضتين لأن الأروى تسكن شعف الجبال، والنعام يسكن في السهولة من الأرض، وفي طبعها الحنوّ على أولادها، فإذا صيد منها شيء تبعته، ورضيت أن تكون معه في الشرك وفي طبعه البر بأبويه وذلك أنه يختلف إليهما بما يأكلانه، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما وأطعمهما ويقال: إن في قرنيه ثقبين يتنفس منهما فمتى سدا هلك سريعا.

وحكمها الحل كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الوعل.

الأمثال قالوا: «إنما فلان كبارح الأروى». وذلك أن مأواها الجبال، فلا يكاد الناس يرونها سانحة ولا بارحة إلا في الدهر مرة، يضرب لمن يرى منه الاحسان في بعض الأحايين.

وقالو: «تكلم فلان فجمع بين الأروى والنعام»، كما تقدم. وقالوا: «ما يجمع بين الأروى والنعام»، يضرب في الشيئين المختلفين جدا أي كيف يتألف الخير والشر.

تنبيه روى مسلم أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃، خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان بن الحكم وهو والي المدينة في أرض في الحيرة، وقالت: إنه قد أخذ حقي واقتطع قطعة من أرضي. فقال سعيد ﵁: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اقتطع شبرا من أرض ظلما، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين».

ثم ترك لها الأرض. وقال: دعوها وإياها اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واجعل قبرها في بئرها.

فعميت أروى، وجاء سيل فأظهر حدود أرضها. ثم لما أعمى الله تعالى أروى، فكانت تلتمس الجدران، وتقول أصابتني دعوة سعيد بن زيد. فبينما هي تمشي إذ وقعت في البئر فماتت.

وروي أنها سألت سعيدا أن يدعو لها، فقال: لا أرد على الله شيئا اعطانيه قال: وكان أهل المدينة إذا دعا بعضهم على بعض، يقولون: أعماه الله كما أعمى أروى، يريدونها. ثم صار أهل الجهل يقولون أعماه الله كما أعمى الأروى يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى والصواب الأوّل.

الخواص إذا أخذ قرنه وظلفه وخلطا في دهن، ومسح به الساعي الذي يمشي كثيرا بدنه وساقيه أزال عنه ضرر التعب حتى كأنه لم يمش شيئا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.