تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الأنوق

على فعول الرخمة أو طائر أسود له شيء كالعرف أو أصلع الرأس أصفر المنقار قيل: إن في أخلاقها أربع خصال: تحضن بيضها، وتحمي فرخها، وتألف ولدها، ولا تمكن من نفسها غير زوجها.

وفي المثل: «أعز من بيض الأنوق » و «أبعد من بيض الأنوق». فلا يكاد يظفر به، لأن أوكارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة وهي تحمق مع ذلك قال الشاعر:

وذات اسمين والألوان شتىوتحمق وهي كيسة الحويل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «يفوت ذوي المفاقر أسهلاه»

وقال غيره:

وكنت إذا استودعت سرا كتمتهكبيض أنوق لا ينال لها وكر

وقال رجل لمعاوية: زوجني هندا، يعني أمه، فقال: إنها قعدت عن الولد فلا حاجة لها إلى الزواج. قال فولى ناحية كذا. فأنشد معاوية رضي الله تعالى عنه:

طلب الأبلق العقوق فلماأعجزته أراد بيض الأنوق

ومعناه أنه طلب ما لا يكون، فلما لم يجده، طلب ما يطمع في الوصول إليه، وهو مع ذلك بعيد. كذا قاله جماعة ممن تكلم على الأمثال. وهو غلط لأن أم معاوية ماتت في المحرم سنة أربع عشرة. في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة والد أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما والصواب الذي في نهاية ابن الأثير وغيرها أن رجلا قال لمعاوية رضي الله تعالى عنه: افرض لي قال: نعم قال:

ولولدي: قال: لا، قال: ولعشيرتي، قال: لا. ثم تمثل معاوية رضي الله تعالى عنه بقول الشاعر طلب الأبلق العقوق إلى آخره. والعقوق الخامل من الفوق والأبلق من صفات الذكور، والذكر لا يحمل. فكأنه قال طلب الذكر الحامل وبيض الأنوق، مثل يضرب للذي يطلب المحال الممتنع.

وقال السهيلي في أوائل الروض: الأنوق الأنثى من الرخم يقال في المثل أراد بيض الأنوق إذا طلب ما لا يوجد لأنها تبيض حيث لا يدرك بيضها في شواهق الجبال. وهذا قول المبرد في الكامل ولم يوافق عليه. فقد قال الخليل: الأنوق الذكر نت الرخم. وهذا أشبه بالمعنى لأن الذكر لا يبيض، فمن أراد بيض الأنوق فقد أراد المحال، كمن أراد الأبلق العقوق. وقال القالي في الأمالي: الأنوق يقع على الذكر والأنثى من الرخم.

وحكم الأنوق يأتي إن شاء الله تعالى في باب الراء في الرخمة.

تتمة السهيلي اسمه عبد الرحمن بن محمد السهيلي الخثعمي الإمام المشهور قال أبو الخطاب بن دحية: أنشدني السهيلي أبياتا وقال ما سأل الله تعالى بها أحد حاجة إلا قضاها، وفي رواية إلا أعطاه الله إياها وكذلك من استعمل إنشادها وهي:

يا من يرى ما في الضمير ويسمعأنت المعدّ لكل ما يتوقع
للشاعر أحمد بن فهد الحلي، اقرأ القصيدة
يا من يرجى للشدائد كلهايا من إليه المشتكى والمفزع
للشاعر أحمد بن فهد الحلي، اقرأ القصيدة
يا من خزائن رزقه في قول كنامنن فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلةفبالافتقار إليك فقري أدفع
للشاعر معروف النودهي، من قصيدة «يا من يجود بما يشاء ويمنع»
ما لي سوى قرعي لبابك حيلةفلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمهإن كان فضلك عن فقيرك يمنع
للشاعر أحمد بن فهد الحلي، اقرأ القصيدة
حاشا لجودك أن تقنط عاصيافالفضل أجزل والمواهب أوسع

وكان السهيلي مكفوف البصر توفي سنة إحدى وثمانين وخمسمائة رحمه الله تعالى والله الموفق للصواب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.