تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الببغاء

: بثلاث باآت موحدات أولاهنّ وثالثتهنّ مفتوحتان والثانية ساكنة وبالغين المعجمة وهي هذا الطائر الأخضر المسمي بالدرة، بدال مهملة مضمومة، قاله في العباب وضبطها ابن السمعاني في الأنساب بباءين بفتح الأولى وبإسكان الثانية. وقال: لقب بها أبو الفرج الشاعر لفصاحته، وقال القضاعي: للثغة كانت في لسانه، وهي في قدر الحمام يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، كما يتخذون الطاووس للانتفاع بصوته ولونه. ومن الببغاء، نوع أبيض وقد أهدي لمعز الدولة بن بويه درة بيضاء اللون، سوداء المنقار والرجلين على رأسها ذؤابة فستقية، وجميع أنواعها معدوم سوى الأخضر فهو الموجود الآن.

وهو حيوان دمث الخلق، ثاقب الفهم، له قوة على حكاية الأصوات وقبول التلقين، يتخذه الملوك والأكابر لينم بما يسمع من الأخبار، ويتناول مأكوله برجله، كما يتناول الإنسان الشيء بيده. والناس يحتالون في تعليمه بطرق عدة: قال أرسطاطاليس: إذا أردت تعليم الببغاء الكلام، فخذ مرآة واجعلها أمامها، فترى صورتها أي صورة نفسها، ثم تكلم من ظاهر المرآة وتعاودها،

فإنها تعيد الكلام. وقال ابن الفقيه: رأيت بجزيرة رانج حيوانات غريبة الأشكال ورأيت فيها صنفا من الببغاء أحمر وأبيض وأصفر، يعيد الكلام بأي لغة كانت قال أبو إسحاق الصابي في وصفها:

أنعتها صبيحة مليحةناطقة باللغة الفصيحة
عدت من الأطيار واللسانيوهمني بأنها إنسان
تنهي إلى صاحبها الاخباراوتكشف الاسرار والاستارا
بكماء إلا أنها سميعهتعيد ما تسمعه طبيعة
زارتك من بلادها البعيدةواستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوز والارزوالضيف في اتيانه يعز
تراه في منقارها الخلوقيكلؤلؤ يلقط بالعقيق
تنظر من عينين كالفصينفي النور والظلمة بصاصين
تميس في حلتها الخضراءمثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدورها الأقفاصليس لها من حبسها خلاص
نحبسها وما لها من ذنبوإنما ذاك لفرط الحب
تلك التي قلبي بها مشغوفكنيت عنها واسمها معروف
يشرك فيها شاعر الزمانالكاتب المعروف بالبيان
ذلك عبد الواحد بن نصرتقيه نفسي حادثات الدهر

فأجابه أبو الفرج بقوله:

من منصفي من محكم الكتابشمس العلوم قمر الآداب
للشاعر الببغاء، من قصيدة «من منصفي من محكم الكتاب»
أمسى لأصناف العلوم محرزاوسام أن يلحق لما برزا
وهل يجارى السابق المقصرأو هل يبارى المدرك المغرر

إلى أن قال في وصفها:

ذات شغا تحسبه ياقوتالا ترتضي غير الأرزقوتا
كأنما الحبة في منقارهاحبابة تطفو على عقارها
للشاعر الببغاء، من قصيدة «من منصفي من محكم الكتاب»

وقال القاضي ابن خلكان في ترجمة الفضل بن الربيع: إن أحمد بن يوسف الكاتب كتب إلى بعض إخوانه وقد ماتت له ببغاء، وله أخ كثير التخلف يسمى عبد الحميد:

أنت تبقى ونحن طرا فداكاأحسن الله ذو الجلال عزاكا
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أنت تبقى ونحن طرا فداكا»
فلقد جل خطب دهر أتاكابمقادير أتلفت ببغاكا
عجبا للمنون كيف أتتهاوتخطت عبد الحميد أخاكا
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أنت تبقى ونحن طرا فداكا»
كان عبد الحميد أجمل للموت من الببغا وأولى بذاكا
شملتنا المصيبتان جميعافقدنا هذه ورؤية ذاكا
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «أنت تبقى ونحن طرا فداكا»

قال الزمخشري: إن الببغاء تقول: ويل لمن كانت الدنيا همه.

الحكم يحرم أكلها على الأصح في الرافعي، ونقله في البحر عن الصيمري، وأقره وعلل ذلك بخبث لحمها، وقيل: حلال لأنها تأكل من الطيبات، وليست من ذوات السموم ولا من ذوات المخلب، ولا أمر بقتلها ولا نهي عنه. وقطع المتولي بجواز استئجارها للأنس بصوتها.

وحكى البغوي في ذلك وجهين. وكذا كل ما يستأنس بصوته كالعندليب وغيره.

الخواص من أكل لسان الببغاء، صار فصيحا جريئا في الكلام. ومرارتها تثقل اللسان أكلا. ودمها يجفف ويسحق وينثر بين الصديقين، تظهر بينهما العداوة. وذرقها بخلط بماء الحصرم، ينفع من الظلمة والرمد اكتحالا.

التعبير الببغاء في المنام رجل نحس كذاب. وقيل رجل فيلسوف، وفرخه ولد فيلسوف وقيل: وهي جارية أو غلام يتيم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.