من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الثعبان
الكبير من الحيات ذكرا كان أو أنثى. والجمع الثعابين والثعبة ضرب من الوزغ وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الواو. وقال الجاحظ، في كتاب الأمصار: وتفاضل البلدان والثعابين بمصر وليست هي في بلد غيرها، وإليها حول الله عصا موسى ﷺ، قال الله تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ
يعني أنه حولها ثعبانا عظيما ومما يتعلق بخبر الثعبان: أن عبد الله بن جدعان، كان في ابتداء أمره صعلوكا ترب اليدين، وكان مع ذلك شريرا فاتكا لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه وحلف لا يؤويه أبدا. فخرج في شعاب مكة حائرا ثائرا، يتمنى الموت أن ينزل به، فرأى شقا في جبل، فظن أن فيه حية فتعرض للشق يريد أن يكون فيه ما يقتله فيستريح، فلم ير شيئا فدخل فيه فإذا فيه ثعبان عظيم له عينان تقدان كالسراجين، فحمل عليه الثعبان. فأفرج له فانساب عنه مستديرا بدارة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى، فصفر به الثعبان، فأقبل إليه كالسهم فأفرج له فانساب عنه، فوقف ينظر إليه يفكر في أمره، فوقع في نفسه أنه مصنوع فأمسكه بيديه فإذا هو مصنوع من ذهب، وعيناه ياقوتتان فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت، فإذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولا وعظما، وعند رؤوسهم لوح من فضة فيه تاريخهم، وإذا هم رجال من ملوك جرهم،
وآخرهم موتا الحارث بن مضاض صاحب العذبة الطويلة، وإذا عليهم ثياب من وشي لا يمس منها شيء إلا انتثر كالهباء من طول الزمان مكتوب في اللوح عظات. قال ابن هشام: كان اللوح من رخام وكان فيه أنا نفيلة بن عبد المدان بن خشرم بن عبديا ليل بن جرهم بن قحطان ابن نبي الله هود ﵇ عشت من العمر خمسمائة عام وقطعت غور الأرض ظاهرها وباطنها في طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك ينجيني من الموت وتحته مكتوب:
قد قطعت البلاد في طلب الثروة والمجد قالص الأثواب
وسريت البلاد قفر القفربقناة وقوة واكتساب
فأصاب الردى بنات فؤاديبسهام من المنايا صياب
فانقضت مدتي وأقصر جهليواستراحت عواذلي من عتابي
ودفعت السفاه بالحلم لمانزل الشيب في محل الشباب
صاح هل ريت أو سمعت براعرد في الضرع ما قرى في الحلاب
وإذا في وسط البيت كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ما أخذ، ثم علم على الشق بعلامة. وأغلق بابه بالحجارة، وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به منه يسترضيه ويستعطفه، ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز، ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت جفنته، يأكل منها الراكب على البعير وسقط فيها صبي فغرق ومات وفي غريب الحديث لابن قتيبة أن رسول الله ﷺ قال: «كنت أستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان صكة عمي». يعني في الهاجرة. وسميت الهاجرة صكة عمي لخبر ذكره أبو حنيفة في الأنوار، وهو أن عميا رجل من عدوان، وقيل: من إياد وكان فقيه العرب في الجاهلية فقدم في قومه، معتمرا أو حاجا، فلما كان على مرحلتين من مكة، قال لقومه، وهم في وسط الظهيرة: من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين! فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغداة.
وعمي تصير أعمى على الترخيم فسميت الظهيرة صكة عمي. وعبد الله بن جدعان تيمي يكنى أبا زهير، وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها. ولذلك قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم العطام ويقري الضيف ويفعل المعروف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال ﷺ: «لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ». كذا قاله السهيلي في الروض الأنف. وفي كتاب ري العاطش وأنس الواحش، لأحمد بن عمار أن ابن جدعان ممن حرم الخمر في الجاهلية، بعد أن كان بها مغرى، وذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يديه ويقبض على ضوء القمر ليأخذه فضحك منه جلساؤه، فأخبر بذلك حين صحا. فحلف أن لا يشربها أبدا. فلما كبر وهرم، أراد بنو تيم أن
يمنعون من تبذير ماله، ولاموه في العطاء، فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل ذلك أعطته بنو تيم من مال ابن جدعان.
ولقد أجاد أبو الفتح علي بن محمد البستي، صاحب النظم والنثر، في هذه القصيدة، وهي قصيدة طويلة طنانة تشتمل على مواعظ وحكم فلنأت بها بتمامها وبما ذيل عليها أهل الفضل. ويقال: إنها لأمير المؤمنين الراضي بالله وهي هذه:
زيادة المرء في دنياه نقصانوربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لاثبات لهفإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامرا لخراب الدهر مجتهدابالله هل لخراب العمر عمران
ويا حريصا على الأموال يجمعهاأنسيت أن سرور المال أحزان
زع الفؤاد عن الدنيا وزخرفهافصفوها كدر والوصل هجران
وأوع سمعك أمثالا أفصلهاكما يفصل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمفطالما استعبد الإنسان، إحسان
وكن على الدهر معوانا لذي أمليرجو نداك فإن الحر معوان
من جاد بالمال مال الناس قاطبةإليه والمال للإنسان فتان
من كان للخير منّاعا فليس لهعند الحقيقة إخوان وأخدان
لا تخدشن بمطل وجه عارفةفالبر يخدشه مطل وليان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمتهأتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس فاستكمل فضائلهافأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
من يتق الله يحمد في عواقبهويكفه شر من عزوا ومن هانوا
حسب الفتى عقله خلا يعاشرإذا تحاماه إخوان وخلان
لا تستشر غير ندب حازم فطنقد استوى منه إسرار وإعلان
فللتدابير فرسان إذا ركضوافيها أبروا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيت مقدرةوكل أمر له حد وميزان
من رافق الرفق في كل الأمور فلميندم عليه ولم يذممه إنسان
ولا تكن عجلا في الأمر تطلبهفليس يحمد قبل النضج بحران
وذو القناعة راض في معيشتهوصاحب الحرص ان أثرى فغضبان
كفى من العيش ما قد سد من رمقففيه للحران حققت غنيان
هما رضيعا لبان حكمة وتقىوساكنا وطن مال وطغيان
من مد طرفا بفرط الجهل نحو هوىأغضى عن الحق يوما وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام لهعلى حقيقة طبع الدهر برهان
من عاشر الناس لاقى منهم نصبالأن طبعهم بغي وعدوان
ومن يفتش على الإخوان مجتهدافجل إخوان هذا الدهر خوان
من يزرع الشر يحصد في عواقبهندامة ولحصد الزرع إبان
من استنام إلى الأشرار نام وفيقميصه منهم صل وثعبان
من سالم الناس يسلم من غوائلهموعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غداوما على نفسه للحرص سلطان
وإن أساء مسيء فليكن لك فيعروض زلته صفح وغفران
إذا نبا بكريم موطن فلهوراءه في بسيط الأرض أوطان
لا تحسبن سرورا دائما أبدامن سره زمن ساءته أزمان
يا ظالما فرحا بالعز ساعدهإن كنت في سنة فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضي سيرتهأبشر فأنت بغير الماء ريان
ويا أخا الجهل لو أصبحت في لججفأنت ما بينها لا شك ظمآن
دع التكاسل في الخيرات تطلبهافليس يسعد بالخيرات كسلان
صن حر وجهك لا تهتك غلالتهفكل حر لحر الوجه صوان
لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهمغرائز لست تحصيها وألوان
ما كل ماء كصداء لواردهنعم ولا كل نبت فهو سعدان
من استعان بغير الله في طلبفإن ناصره عجز وخذلان
واشدد يديك بحبل الله معتصمافإنه الركن إن خانتك أركان
لا ظل للمرء يغني عن تقى ورضاوإن أظلته أوراق وأفنان
سحبان من غير مال باقل حصروباقل في ثراء المال سحبان
والناس إخوان من والته دولتهوهم عليه إذا عادته أعوان
يا رافلا في الشباب الرحب منتشيامن كأسه هل أصاب الرشد نشوان
لا تغترر بشباب ناعم خضلفكم تقدم قبل الشيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لميكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبهاما بال شيبك يستهويه شيطان
كل الذنوب فإن الله يغفرهاإن شيع المرء إخلاص وإيمان
وكل كسر فإن الله يجبرهوما لكسر قناة الدين جبران
أحسن إذا كان إمكان ومقدرةفلا يدوم على الإنسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمةوالحر بالعدل والإحسان يزدان
خذها سرائر أمثال مهذبةفيها لمن يبتغي التبيان تبيان
ماضر حسابها والطبع صائغهاإن لم يصغها قريع الشعر حسان
ومن هنا ذيل من ذيل عليها فقال:
وكن لسنة خير الخلق متبعافإنها لنجاة العبد عنوان
فهو الذي شملت للخلق أنعمهوعمهم منه في الدارين إحسان
جبينه قمر قد زانه خفروثغره درر غر ومرجان
والبدر يخجل من أنوار طلعتهوالشمس من حسنه الوضاح تزدان
به توسلنا في محو زلتنالربنا أنه ذو الجود منان
ومذ أتى أبصرت عمى القلوب بهسبل الهدى ووعت للحق آذان
يا رب صل عليه ما همي مطرفأينعت منه أوراق وأغصان
وابعث إليه سلاما زاكيا عطراوالآل والصحب لا تفنيه أزمان
ومن نثرة، يعني أبا القاسم البستي: من أصلح فاسده، أرغم حاسده. ومن أطاع غضبه، أضاع أدبه عادات السادات سادات العادات. من سعادة جدك، وقوفك عند حدك. الرشوة رشاء الحاجات. أجهل الناس من كان للإخوان مذلا، وعلى السلطان مدلا.
الفهم شعاع العقل. المنية تضحك من الأمنية. حد العفاف الرضا بالكفاف.
توفي البستي ﵀ سنة أربعمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع