تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

التيس

الذكر من المعز والوعول والجمع تيوس وأتياس قال الهذلي:

من فوقه أنسر سود وأغربةوتحته أعنز كلف وأتياس
للشاعر مالك الهذلي، اقرأ القصيدة

والتياس الذي يمسكه، ويقال: في فلان تيسية وناس يقولون تيوسية. قال الجوهري: ولا أعرف صحتها. ويقال للذكر من الضباء أيضا تيس ويقال نب التيس ينب نبيبا إذا صاح وهاج وقد مثل النبي ﷺ بذلك فيما روى مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: «أتي رسول الله ﷺ برجل قصير أشعث، ذي عضلات عليه إزار قد زنى فرده مرتين ثم أمر به فرجم فقال رسول الله ﷺ كلما نفرنا غازين في سبيل الله تخلف أحدكم ينب نبيب التيس يمنح إحداهن الكثبة إن الله لا يمكنني من أحد منهم إلا جعلته نكالا أو نكلته». وفي كامل ابن عدي في ترجمة إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ بعث إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه بقطيع من غنم يقسمها بين أصحابه فبقي منها تيس فضحى به. وفيه في ترجمة أبي صالح كاتب الليث بن سعد واسمه عبد الله بن صالح عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بالتيس المستعار هو المحلل». ثم قال: «لعن الله المحلل والمحلل له». والحديث المذكور رواه الدارقطني وابن ماجه عن كاتب الليث بن سعد عن مشرح بن هاعان المصري عن عقبة بن عامر بإسناد حسن. وكذلك رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. قيل: إنما لعنه النبي ﷺ مع حصول التحليل لأن التماس ذلك هتك للمروءة والملتمس ذلك هو المحلل له، وإعارة التيس للوطء. لغرض الغير أيضا رذيلة. ولذلك شبهه بالتيس المستعار وإنما يكون كالتيس المستعار إذا سبق التماس من المطلق، والعرب تعير بإعارة التيس قال الشاعر:

وشر منيحة تيس معار.

وفي آخر شفاء الصدور لابن سبع السبتي عن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى

عنهم قال: كنت مع أبي بعد ما كف بصره وهو بمكة فمررنا على قوم من أهل الشام في صفة زمزم، فسبوا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقال لسعيد بن جبير وهو يقوده: ردني إليهم فرده فقال: أيكم الساب لله ولرسوله فقالوا: سبحان الله ما فينا أحد سب الله ورسوله. فقال: أيكم الساب لعلي؟ قالوا: أما هذا فقد كان. فقال ابن عباس إني أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله تعالى على منخريه في النار». ثم ولى عنهم فقال: يا بني ما رأيتهم صنعوا فقلت يا أبت:

نظروا إليك بأعين محمرةنظر التيوس إلى شفار الجازر

فقال زدني يا بني فقلت:

شزر العيون منكسي أذقانهمنظر الذليل إلى العزيز القاهر

اه- وفي تهذيب الكمال، في ترجمة عبد العزيز بن منيب القرشي، وكان طويل اللحية أن علي بن حجر السعدي نظر إليه وقال:

ليس بطول اللحىتستوجبون القضا
للشاعر علي بن حجر السعدي، اقرأ القصيدة
إن كان هذا كذافالتيس عدل رضا
للشاعر علي بن حجر السعدي، اقرأ القصيدة

قال: ومكتوب في التوراة لا يغرنك طول اللحى فإن التيس له لحية. وسيأتي في المعز بيان حكمه. وفي تاريخ الإسلام للعلامة الذهبي أن في سنة تسع وتسعين ومائتين وردت هدايا مصر على المقتدر فيها خمسمائة ألف دينار وتيس له ضرع يحلب لبنا وضلع إنسان عرض شبر في طول أربعة عشر شبرا، وفي كتاب الترغيب والترهيب في باب ذم الحاسد من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «يأتي على أمتي زمان يحسد فيه الفقهاء بعضهم بعضا ويغار بعضهم على بعض كتغاير التيوس بعضها على بعض» وفي الحلية عن مالك بن دينار أنه قال: تجوز شهادة القراء في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض فإنهم أشد تحاسدا من التيوس في الزرب. اهـ. قال الجوهري: الزرب والزربية حظيرة الغنم من خشب. وفي مروج الذهب للمسعودي وشرح السيرة للحافظ قطب الدين وغيرهما أن أم الحجاج بن يوسف، وهي الفارعة بنت همام، كانت تحث الحارث بن كلدة الثقفي، حكيم العرب، فدخل عليها ليلة في السحر فوجدها، تتخلل فطلقها، فسألته عن سبب ذلك؟ فقال: دخلت عليك في السحر فوجدتك تتخللين، فإن كنت بادرت الغداء فأنت شرهة، وإن كنت بت والطعام بين أسنانك فأنت قذرة.

فقالت: كل ذلك لم يكن، لكني تخللت من شظايا السواك. فتزوجها بعده يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، فأولدها الحجاج وكان الحجاج مشوها لا دبر له فثقب دبره وأبى أن يقبل ثدي أمه وغيرها فأعياهم أمره فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة فقال: ما خبركم

فقالوا: لنا ولد ليوسف من الفارعة، وقد أبى أن يقبل ثدي أمه. فقال: اذبحوا له تيسا أسود وألعقوه دمه. ثم ذبحوا له أسود سالحا وأولغوه من دمه، وأطلوا به وجهه ثلاثة أيام فإنه يقبل الثدي في اليوم الرابع. ففعلوا به كذلك فقبل الثدي. وكان لا يصبر عن سفك الدماء وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء. وارتكب أمورا لا يقدر عليها غيره. وفي تاريخ ابن خلكان أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج كتابا يتهدده في آخره بهذه الأبيات:

إذا أنت لم تترك أمورا كرهتهاوتطلب رضاي بالذي أنا طالبه
وتخش الذي يخشاه مثلك هارباإليّ فها قد ضيع الدر جالبه
فإن ترمني غفلة قرشيةفيا ربما قد غصّ بالماء شاربه
وإن ترمني وثبة أمويةفهذا وهذا كله أنا صاحبه
فلا تأمنني والحوادث جمةفإنك تجزي بالذي أنت كاسبه

فأجابه الحجاج وقال في آخر جوابه: وأما ما أتاني من أمريك فألينهما غرة، وأصعبهما محنة، وقد عبأت للغرة الجلد وللمحنة الصبر، فلما قرأ عبد الملك كتابه قال: خاف أبو محمد صولتي ولن أعود إلى ما يكره. وكان الحجاج كثيرا ما يسأل القراء، فدخل عليه يوما رجل فقال له الحجاج: ما قبل قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ

؟ فقال له الآخر: قوله تعالى قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ

فما سأل أحدا بعدها. وقال الحجاج لرجل من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث: والله إني لأبغضك. فقال الرجل: أدخل الله أشدنا بغضا لصاحبه الجنة. وكان أول ما ظهر من كفاءة الحجاج أنه كان في شرطة روح بن زنباع وزير عبد الملك بن مروان، وكان عسكر عبد الملك لا يرحل برحيله ولا ينزل بنزوله. فشكا عبد الملك ذلك لروح بن زنباع فقال له: يا أمير المؤمنين في شرطتي رجل يقال له الحجاج بن يوسف، لو ولاه أمير المؤمنين أمر العسكر، لأرحل الناس برحيل أمير المؤمنين وأنزلهم بنزوله. فولاه عبد الملك أمر العسكر فأرحل الناس برحيل عبد الملك وأنزلهم بنزوله. فرحل يوما عبد الملك ورحل الناس، وتأخر أصحاب روح بن زنباع عن الرحيل، فمرّ عليهم الحجاج وهم يأكلون، فقال لهم: ما بالكم لن ترحلوا مع العسكر؟ فقالوا له: انزل وتغد ودع عنك هذا الكلام يا ابن اللخناء. فقال: هيهات ذهب ما هناك ثم أمر بهم فضربت أعناقهم، وبخيل روح فعرقبت، وبالفساطيط فأحرقت فبلغ ذلك

روحا، فدخل على عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين انظر ماذا جرى علي اليوم من الحجاج! فقال:

وما ذاك؟ قال: قتل غلماني وعرقب خيلي وأحرق فساطيطي فأمر بإحضار الحجاج، فلما حضر قال له عبد الملك: ويلك ماذا فعلت اليوم مع سيدك روح بن زنباع؟ فقال له: يا أمير المؤمنين إن يدي يدك وسوطي سوطك وما على أمير المؤمنين أن يخلف لروح عوض الغلام غلامين، والفرس فرسين، والفسطاط فسطاطين، ولا يسكرني في العسكر. فقال له: افعل، فتم للحجاج ما يريد وقوي من ذلك اليوم أمره، وعظم شره. وكان هذا أول ما عرف من كفاءته. وللحجاج أخبار كثيرة وخطب بليغة: قال المبرد في الكامل: حدثني التوزي بإسناده عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: بينما أنا في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ قيل: قدم الحجاج أميرا على العراق، فنظرت فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا متنكبا قوسا، يؤم المنبر فمال الناس نحوه، فصعد المنبر فمكث ساعة لا يتكلم فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق! فقال عمير بن ضابىء البرجمي: ألا أحصبه لكم؟ فقيل: أمهل حتى ننظر. فلما رأى الحجاج أعين الناس ترمقه، حسر اللثام عن وجهه ونهض قائما ثم حمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ﷺ ثم قال:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايامتى أضع العمامة تعرفوني
للشاعر سليمان الباروني، من قصيدة «لبست التاج تاج الفخر كيما»

ثم قال يا أهل الكوفة إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى.

هذا أوان الشر فاشتدي زيمقد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنمولا بجزار على ظهر وضم

ثم قال:

قد لفها الليل بعصلبيأروع خراج من الدوي
مهاجر ليس بأعرابيمعاود للطعن بالخطّي

ثم قال أيضا:

قد شمرت عن ساقها فشدواوجدّت الحرب بكم فجدّوا
والقوس فيها وترعردّمثل ذراع البكر أو أشد

إني والله يا أهل العراق، مما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز التنين، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة، وإن أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجم عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا، وأصلبها مكسرا، وأبعدها مرمى، فرماكم بي، لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة، واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرابيب الإبل، فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وإني والله ما أقول إلا وفيت، ولا أهم إلا أمضيت، ولا أحلف إلا بريت وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوّكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أن أخذ عطائه ثلاثة أيام، إلا ضربت عنقه. يا غلام اقرأ كتاب أمير المؤمنين فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم فلم يقل أحد شيئا فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس، فقال: أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردّوا سلامه؟ هذا أدب ابن سمية، أما والله لأودّبنكم غير هذا الأدب، أو لتستقيمن. اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله سلام عليكم لم يبق في المسجد أحد إلا قال وعلى أمير المؤمنين السلام. ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم فجعلوا يأخذون، حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار أفتقبله مني بدلا فقال له الحجاج: نفعل أيها الشيخ. فلما ولى، قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال:

لا، قال: هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي يقول أبوه:

هممت ولم أفعل وكدت وليتنيتركت على عثمان تبكي حلائله
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة

ودخل هذا الشيخ على عثمان رضي الله تعالى عنه، يوم الدار وهو مقتول، فوطىء بطنه وكسر ضلعين من أضلاعه، فقال: ردّوه، فلما ردّ قال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان بديلا يوم الدار. إن في قتلك إصلاحا للمسلمين: يا حرسي اضرب عنقه.

تفسير ما في خطبة الحجاج من الكلام: قوله: أنا ابن جلا إنما أراد المنكشف الأمر، ولم يصرف جلا لأنه أراد الفعل فحكى. والفعل إذا كان فيه فاعله مضمرا أو مظهرا لم يكن إلا حكاية. كقولك قرأت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ

لأنك حكيت وكذلك الابتداء والخبر تقول قرأت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ

قال الشاعر:

والله ما زيد بنام صاحبه.

وهذه الكلمة لسحيم بن وثيل الرياحي، وإنما قالها الحجاج متمثلا وقوله طلاع الثنايا جمع ثنية والثنية الطريق في الجبل والطريق في الرمل، يقال لها: الجلد وإنما أراد جلد يطلع الثنايا في

ارتفاعها وصعوبتها. كما قال دريد بن الصمة يرثي أخاه عبد الله:

كميش الإزار خارج نصف ساقهبعيد من السوآت طلاع أنجد

والنجد ما ارتفع من الأرض وقوله: إني لأرى رؤوسا، قد أينعت، يريد أدركت يقال أينعت الثمرة إيناعا وينعت ينعا وينعا ويقرأ انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه وينعه، وكلاهما جائز قال أبو عبيدة وهذا الشعر مختلف فيه فبعضهم ينسبه إلى الأحوص وبعضهم إلى يزيد بن معاوية وهو:

ولها بالماطرون إذاأكل النمل الذي جمعا
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «آب هذا الهم فاكتنعا»
حرقة حتى إذا ارتفعتسكنت من جلق نبعا
في قباب عند دسكرةحولها الزيتون قد ينعا

وقوله: هذا أوان الشر فاشتدي زيم، يعني فرسا أو ناقة، والشعر للحطيم القيسي. وقوله:

قد لفها الليل بسواق حطم. الحطم الذي لا يبقي من الخبز شيئا، يقال: رجل حطم إذا كان يأتي على الزاد لشدة أكله. ويقال للنار التي لا تبقي على شيء حطمة. وقوله: على ظهر وضم الوضم كل ما قطع عليه اللحم قال الشاعر:

وفتيان صدق حسان الوجوهلا يجدون لشيء ألم
من آل المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وفتيان صدق حسان الوجو»

وقوله قد لفها الليل بعصلبي: أي شديد أروع أي ذكي. وقوله خراج من الدوي: يقول خراج عن كل غماء وشدة، ويقال للصحراء دوية وهي التي تنسب للدو، والدو صحراء ملساء لا علم بها ولا إمارة قال الحطيئة:

وأني اهتدت والدو بيني وبينهاوما خلت ساري الدو بالليل يهتدي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «آثرت إدلاجي على ليل حرة»

والداوية الفلاة المتسعة التي يسمع لها دوي بالليل، وإنما ذلك الدوي من أخفاف الإبل تنفسخ أصواتها فيها وجهلة الأعراب تقول: إن ذلك عزيف الجن. وقوله: والقوس فيها وترعردّ أي شديد ويقال عرند. وقوله: إني والله ما يقعقع لي بالشنان واحدها شن. وهي الجلد اليابس فإذا

قعقع به نفرت الإبل منه فضرب ذلك مثلا لنفسه، قال النابغة الذبياني:

كأنك من جمال بني أقيشيقعقع بين رجليه بشن

وقوله: ولقد فررت عن ذكاء يعني عن تمام سن. والذكاء على ضربين: أحدهما تمام السن والآخر حدّة القلب، فما جاء في تمام السن قول قيس بن زهير العبسي جرى المذكيات غلاب وقول زهير:

يفضله إذا اجتهدا عليهتمام السن منه والذكاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

وقوله: فعجم عيدانها عودا عودا: أي مضغها لينظر أيها أصلب. يقال: عجمت العود إذا مضغته وعضضته والمصدر العجم. يقال: عجمه عجما، ويقال لنوى كل شيء عجم بفتح الجيم ومن سكن فقد أخطأ قال الأعشى:

وجذعانها كلقيط العجم وقوله: طالما أوضعتم في الفتنة: الإيضاع ضرب من السير وله أخبار كثيرة تركناها كراهية التطويل. قال ابن خلكان: ولما حضرته الوفاة أحضر منجما وقال: هل ترى في علمك أن ملكا يموت؟ قال: نعم، ولست هو. قال وكيف ذلك؟ قال: لأن الملك الذي يموت اسمه كليب. فقال الحجاج: أنا هو والله بذلك الاسم سمتني أمي فأوصى عند ذلك وكان ينشد في مرضه:

يا رب قد حلف الأعداء واجتهدواأيمانهم أنني من ساكني النار
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة
أيحلفون على عمياء ويحهمما ظنهم بعظيم العفو غفار
للشاعر عبيد بن أيوب العنبري، اقرأ القصيدة

وتوفي الحجاج سنة خمس وتسعين في خلافة الوليد بواسط، ودفن بها، وعفا قبره وأجري عليه الماء ولما مات لم يعلم بموته، حتى خرجت جارية من قصره وهي تقول:

اليوم يرحمنا من كان يغبطناواليوم نتبع من كانوا لنا تبعا

فعلم بموته. وقال الحافظ الذهبي وابن خلكان وغيرهما: أحصي من قتله الحجاج صبرا، سوى من قتل في حروبه، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا. وكذا رواه الترمذي في جامعه. ومات في حبسه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، منهن ستة عشر ألفا مجردات. وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد. وعرضت سجونه بعده، فوجد فيها ثلاثة وثلاثون ألفا لم يجب على أحد منهم لا قطع ولا صلب. وقال الحافظ ابن عساكر: إن سليمان بن عبد الملك، أخرج من كان في سجن الحجاج من المظلومين. ويقال: إنه أخرج في يوم واحد ثمانين ألفا. ويقال: إنه

أخرج من سجونه ثلاثمائة ألف. وقال ابن خلكان: ولم يكن لحبسه سقف يستر الناس من الشمس في الصيف، ولا من المطر في الشتاء، بل كان حوشا مبنيا بالرخام. وكان له غير ذلك من أنواع العذاب. وقيل: إنه سأل كاتبه يوما فقال: كم عدة من قتلنا في التهمة؟ فقال ثمانون ألفا.

وكانت مدة ولايته على العراق عشرين سنة، ومات وله ثلاث وخمسون سنة. روي أنه ركب يوم جمعة، فسمع ضجة، فقال: ما هذا؟ فقيل: المحبوسون يضجون ويشكون مما هم فيه، من الجوع والعذاب. فالتفت إلى ناحيتهم وقال: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ

. فما صلى جمعة بعدها. ورأيت على حاشية تاريخ ابن خلكان بخط بعض المشايخ أن بعض العلماء كفره بهذا الكلام وغيره مما وقع منه. وفي الكامل للمبرد: ومما كفر به الفقهاء الحجاج أنه رأى الناس يطوفون حول حجرة رسول الله ﷺ فقال: إنما تطوفون بأعواد ورمة. قلت: وإنما كفروه بهذا لأن في هذا الكلام تكذيبا لرسول الله ﷺ نعوذ بالله من اعتقاد ذلك. فإنه صح عنه ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» أخرجه أبو داود وذكر أبو جعفر الداودي هذا الحديث بزيادة ذكر الشهداء والعلماء والمؤذنين. وهي زيادة غريبة. قال السهيلي:

الداودي من أهل الفقه والعلم. ولكن روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀، أنه رأى الحجاج في المنام بعد موته وهو جيفة منتنة، فقال له: ما فعل الله بك قال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير فإنه قتلني به سبعين قتلة. فقال له: ما أنت منتظر؟ فقال ما ينتظره الموحدون فهذا مما ينفي عنه الكفر. ويثبت أنه مات على التوحيد وعند الله علم حاله وهو أعلم بحقيقة أمره.

تنبيه فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى قتل الحجاج بكل قتيل قتله قتلة واحدة إلا سعيد بن جبير رحمه الله تعالى؟ وهو قد قتل عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي وسعيد بن جبير تابعي؟ والصحابي أفضل من التابعيّ فالجواب أن الحكمة في ذلك، أن الحجاج لما قتل عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما كان له نظراء في العلم كثيرون كابن عمر وأنس بن مالك وغيرهما من الصحابة، ولما قتل سعيد بن جبير لم يكن له نظير في العلم في وقته.

وذكر غير واحد من المصنفين أن الحسن البصري ﵀ لما بلغه قتل سعيد بن جبير، قال: والله لقد مات سعيد بن جبير يوم مات وأهل الأرض من مشرقها إلى مغربها محتاجون لعلمه. فمن هذا المعنى ضوعف العذاب على الحجاج بقتله. والله أعلم. وسيأتي حديث قتل سعيد بن جبير في باب اللام في اللبوة. وقتل عبد الله بن الزبير تقدم في باب الهمزة في الأوز.

الأمثال قالوا: «أغلم من تيس بني حمان» بكسر الحاء المهملة، وذلك أن بني حمان تزعم أن تيسهم سفد سبعين عنزا بعد ما فريت أوداجه، ففخروا بذلك والله أعلم. ويقال للتيس قفط وسفد. وفي الأذكياء لابن الجوزي أن مزينة أسرت أبا حسان الأنصاري، وقالوا لا نأخذ فداءه إلا تيسا، فغضب قومه، وقالوا: لا نفعل هذا فأرسل إليهم: أعطوهم ما طلبوا فلما جاؤوا بالتيس، قال أعطوهم أخاهم وخذوا أخاكم فسموا مزينة التيس، وصار لهم لقبا وعيبا.

الخواص جميع بدنه منتن كالإبط، ولحيته تشد على صاحب حمى الربع، وعلى من به صداع فيزولان. وطحاله يقطعه صاحب الطحال بيده، ويعلقه في بيت هو فيه، فإذا جف الطحال زال ألم المطحول. ورطوبة كبده حال شقها تقطر في الأذن الوجيعة يزول وجعها. وكعبه إذا سحق وشرب هيج الباه وبوله يغلى حتى يغلظ ويخلط بمثله سكرا ويطلى به الجرب في الحمام فإنه يذهب. وبعره إذا وضع تحت رأس صبي يبكي كثيرا يزول عنه. وسيأتي له منافع أخرى في خواص المعز والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.