من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الحمار الأهلي (٢)
فقال: أهل البصرة يقولون بتفضيل عثمان وأهل الكوفة يقولون بتفضيل علي. فقيل له: فما تقول أنت؟ قال أنا رجل كوفي. يعني أنه يقول بتفضيل علي.
وفي كتاب ابتلاء الأخيار أن عيسى ﵊ لقي إبليس وهو يسوق خمسة أحمرة عليها أحمال، فسأله عن الأحمال فقال: تجارة أطلب لها مشترين. قال: وما هي التجارة؟ قال:
أحدها الجور. قال: ومن يشتريه؟ قال السلاطين. والثاني الكبر. قال: ومن يشتريه؟ قال:
الدهاقين: والثالث الحسد. قال: ومن يشتريه؟ قال: العلماء. والرابع الخيانة. قال: ومن يشتريها؟ قال: عمال التجار. والخامس الكيد. قال: ومن يشتريه؟ قال: النساء.
ومما يحكى: من كيد النساء ومكرهن ما روي في بعض التفاسير، عن جعفر الصادق بن محمد الباقر، أنه قال: كان في بني إسرائيل رجل، وكان له مع الله معاملة حسنة، وكان له زوجة وكان ضنينا بها، وكانت من أجمل أهل زمانها مفرطة في الجمال والحسن، وكان يقفل عليها الباب، فنظرت يوما شابا فهويته وهويها، فعمل له مفتاحا على باب دارها، وكان يدخل ويخرج ليلا ونهارا متى شاء، وزوجها لم يشعر بذلك فبقيا على ذلك زمانا طويلا. فقال لها زوجها يوما، وكان أعبد بني إسرائيل وأزهدهم إنك قد تغيرت علي ولم أعلم ما سببه، وقد توسوس قلبي وقد كان أخذها بكرا، ثم قال لها: واشتهي منك أن تحلفي لي أنك لم تعرفي رجلا غيري، وكان لبني إسرائيل جبل يقسمون به ويتحاكمون عنده، وكان الجبل خارج المدينة، وكان عنده نهر يجري، وكان لا يحلف أحد عنده كاذبا إلا هلك. فقالت له: ويطيب قلبك إذا حلفت لك عند الجبل؟ قال: نعم، قالت متى شئت فعلت. فلما خرج العابد لقضاء حاجته، دخل عليها الشاب، فأخبرته بما جرى لها مع زوجها، وأنها تريد أن تحلف له عند الجبل، وقالت: ما يمكنني أن أحلف كاذبة، ولا أقول لزوجي ما أحلف فبهت الشاب وتحير، وقال: فما تصنعين؟ فقالت له: بكر غدا، وألبس ثوب مكار وخذ حمارا واجلس على باب المدينة، فإذا خرجنا فأنا آمره يكتري منك الحمار، فإذا اكتراه منك بادر واحملني وارفعني فوق الحمار، حتى أحلف له وأنا صادقة أني ما مسني أحد غيرك وغير هذا المكاري. فقال: حبا وكرامة. فلما جاء زوجها قال قومي بنا إلى الجبل لتحلفي به. فقالت ما لي طاقة بالمشي فقال: اخرجي فإن وجدت مكاريا اكتريت لك. فقامت ولم تلبس لباسها، فلما خرج العابد وزوجته، رأت الشاب ينتظرها فصاحت به يا مكاري أتكري حمارك إلى الجبل بنصف درهم؟ قال: نعم، ثم تقدم ورفعها على الحمار فساروا حتى وصلوا إلى الجبل. فقالت
للشاب: انزلني عن الحمار حتى أصعد على الجبل، فلما تقدم الشاب إليها ألقت بنفسها إلى الأرض، فانكشفت عورتها فشتمت الشاب، فقال: والله ما لي ذنب، ثم مدت يدها إلى الجبل فأمسكته وحلفت له أنه لم يمسسها أحد، ولا نظر إنسان مثل نظرك إلي، مذ عرفتك، غيرك وغير هذا المكاري. فاضطرب الجبل اضطرابا شديدا وزال عن مكانه، وأنكرت بنو إسرائيل ذلك.
فذلك قوله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
ويقرب من هذا ما روي عن وهب بن منبه أنه كان في زمن بني إسرائيل في زمن عيسى ﵊، رجل اسمه شمشون، وكان من أهل قرية من قرى الروم، كان قد هداه الله لرشده وصار من الحواريين، وكان أهله أصحاب أوثان يعبدونها وكان منزله من القرية على أميال، وكان يغزوهم وحده، ويجاهدهم في الله حق جهاده فيقتل ويسبي ويصيب المال، وكان ربما لقيهم بغير زاد فإذا قاتلهم وعطش انفجر له من الحجر الذي في القرية ماء فيشرب منه حتى يروى، وكان قد أعطي قوة في البطش وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، وكانوا لا يقدرون منه على شيء، فتآمروا فيه فقال بعضهم لبعض: إنكم لن تقدروا على أذاه إلا من قبل زوجته، فدخلوا عليها وجعلوا لها جعلا إن أوثقته، فقالت: نعم أنا أوثقه لكم، فأعطوها حبلا وثيقا وقالوا لها: إذا نام فأوثقي يديه إلى عنقه ثم ذهبوا فجاء شمشون ونام، فقامت إليه فأوثقته كتافا فجعلت يديه إلى عنقه، فلما هب من نومه، جذب يديه فوقع الحبل من عنقه، فقال لها لم فعلت هذا؟ قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك قط. ثم أرسلت إليهم إني قد ربطته بالحبل فلم يغن شيئا فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، وقالوا لها إذا نام فاجعليها في عنقه، فلما نام جعلتها في عنقه، فلما هب من نومه جذبها فتقطعت، فقال لها: لم فعلت هذا؟ قالت لأجرب قوتك ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمشون! أما في الأرض شيء يغلبك؟ قال: الله ﷿ يغلبني. ثم شيء واحد. قالت: ما هو؟ قال: ما أنا بمخبرك به.
فلم تزل تخدعه وتمكر به وتتلطف له في السؤال، وكان ذا شعر كثير جدا فقال: ويحك إن أمي كانت جعلتني نذيرا فلا يغلبني شيء أبدا ولا يوثقني إلا شعري. فتركته حتى نام، ثم قامت إليه فأوثقت يديه إلى عنقه بشعره فأوثقه ذلك. وبعثت إلى القوم فجاؤوا وأخذوه فجدعوا أنفه، وفقؤوا عينيه وأوقفوه للناس، بين ظهراني المدينة، وكانت المدينة ذات أساطين، وأشرف الملك لينظر ماذا يفعل به، فدعا الله شمشون، حين مثلوا به وأوقفوه، أن يسلطه عليهم، فرد الله عليه بصره، وما أصابوا من جسده، وأمره أن يأخذ بعمود من عمد المدينة الذي عليه الملك والناس ففعل، فوقعت المدينة وهلك من فيها وأرسل الله على زوجته صاعقة فأحرقتها، ونجى الله تعالى شمشون بمنه وفضله انتهى. وحكاياتهن في المكر والكيد لا تحصى وحسبك أن الله تعالى استضعف كيد الشيطان فقال: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
واستعظم كيد النساء فقال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
وفي كتاب نزهة الأبصار في أخبار ملوك الأمصار، وهو كتاب عظيم المقدار، ولا أعلم مصنفه أن بعض الملوك، مر بغلام وهو يسوق حمارا غير منبعث، وقد عنف عليه في السوق، فقال: يا غلام ارفق به فقال الغلام: أيها الملك في الرفق به مضرة عليه، قال: وكيف ذلك؟ قال:
يطول طريقه ويشتد جوعه، وفي العنف به إحسان إليه. قال: وكيف ذلك؟ قال: يخف حمله ويطول أكله فأعجب الملك بكلامه، وقال: قد أمرت لك بألف درهم. فقال: رزق مقدور وواهب مشكور. قال الملك: وقد أمرت بإثبات اسمك في حشمي قال: كفيت مؤونة ورزقت معونة. فقال له الملك: عظني فإني أراك حكيما. فقال: أيها الملك إذا استوت بك السلامة فجدد ذكر العطب، وإذا هنأتك العافية، فحدث نفسك بالبلاء، وإذا اطمأن بك الأمن فاستشعر الخوف، وإذا بلغت نهاية العمل فاذكر الموت، وإذا أحببت نفسك فلا تجعلن لها في الإساءة نصيبا. فأعجب الملك بكلامه، وقال: لولا أنك حديث السن لاستوزرتك. فقال: لن يعدم الفضل من رزق العقل. قال: فهل تصلح لذلك؟ قال: إنما يكون المدح والذم بعد التجربة ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها. فاستوزره فوجده ذا رأي صائب، وفهم ثاقب، ومشورة تقع موقع التوفيق.
وفي هذا الكتاب دعابات فمنها أن الرشيد خرج إلى الصيد، فانفرد عن عسكره والفضل بن الربيع خلفه، فإذا هو بشيخ كبير راكب على حمار، فنظر إليه، فإذا هو رطب العينين فغمز الفضل عليه، فقال له الفضل: أين تريد؟ قال: حائطا لي. قال: هل لك أن أدلك على شيء تداوي به عينيك فتذهب تلك الرطوبة؟ فقال: ما أحوجني إلى ذلك فقال له: خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكماة، فصره في قشرة جوزة، واكتحل به فإنه يذهب رطوبة عينيك.
فاتكأ الشيخ على قربوس سرجه، وضرط ضرطة طويلة، ثم قال: هذه أجرة لوصفك، وإن نفعنا الكحل زدناك. فضحك الرشيد حتى كاد يسقط عن دابته. ومنها أنه حضر خياط لبعض الأمراء ليفصل له قباء، فأخذ يفصل والأمير ينظر إليه، فلم يتهيأ له أن يسرق شيئا فضرط فضحك الأمير حتى استلقى فأخرج الخياط من القباء ما أراد فجلس الأمير وقال: يا خياط ضرطة أخرى، فقال الخياط لا لئلا يضيق القباء. وفي كتاب نشوان المحاضرة قال ذو النون بن موسى:
كنت غلاما، والمعتضد إذ ذاك بكور الأهواز، فخرجت يوما من قرية يقال لها سانطف أريد عسكر مكرم. ومعي حماران واحد راكبه والآخر عليه حمل البطيخ، فمررت بعسكر المعتضد، وأنا لا أعلم من هو، فأسرع إلي جماعة منهم فأخذ واحد منهم من الحمل ثلاث بطيخات أو أربع، فخفت أن ينقص عن عدده فأتهم به، فبكيت وصحت، والحمار يسير على المحجة، والعسكر مجتاز وإذا بكبكبة عظيمة يقدمها رجل منفرد، فوقف وقال: يا مالك يا غلام تبكي وتصيح؟ فعرفته الخبر، فوقف ثم التفت إلى القوم وقال: أيه علي بالرجل الساعة. قال: فجيء به في أسرع من طبق البصر، حتى كأنه كان وراء ظهره، فقال: هو هذا يا غلام؟ قلت: نعم فأمر به فضرب بالمقارع، وهو واقف وأنا راكب على حماري، والعسكر واقف وجعل يقول له: وهو يضرب يا كلب أما كان معك ثمن هذا البطيخ؟ أما قدرت أن تمنع نفسك منه؟ أهو مالك أو مال أبيك؟
أليس صاحبه أتعب نفسه وأجهد في زرعه وسقيه وأداء خراجه؟ والمقارع تأخذه حتى ضرب مائة مقرعة. ثم أمر لي بأربعة دنانير وسار. وأخذ الجيش يشتموني ويقولون: ضرب القائد الفلاني بسبب هذا مائة مقرعة فسألت بعضهم فقال: هذا أمير المؤمنين المعتضد.
وفي كتاب الأذكياء لابن الجوزي، عن الجاحظ أنه قال: قال ثمامة بن أشرس: دخلت على صديق لي أعوده، وتركت حماري على الباب، ولم يكن معي غلام يحفظه، فلما خرجت إذا فوقه صبي يحفظه، فقلت: أركبت حماري بغير أذني؟ فقال: خفت أن يذهب فحفظته لك. لو ذهب لكان أعجب إلي من بقائه! فقال: إن كان هذا رأيك في الحمار فقدر أنه ذهب وهبه لي واربح شكري! فلم أدر ما أقول. وأحسن من هذا الذكاء ما رواه ابن الجوزي أيضا، قال: ركب المعتصم إلى خاقان يعوده، والفتح بن خاقان صبي يومئذ، فقال له المعتصم: أيهما أحسن غار أمير المؤمنين أم دار أبيك؟ قال: إذا كان أمير المؤمنين في دار أبي فدار أبي أحسن. فأراه المعتصم، فصافى يده، وقال: يا فتح هل رأيت أحسن من هذا القص؟ قال: نعم اليد التي هو فيها.
ويقرب من هذا وهو من الجواب المسكت، ما ذكره الإمام ابن الجوزي قال: دخل شاب على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه، فقال: مات، ﵀، يوم كذا وكذا، وكان مرضه، ﵀، يوم كذا، خلف، ﵀، كذا. فانتهره الربيع وقال أما تستحي بين يدي أمير المؤمنين تقول هذا؟ فقال الشاب: لا ألومك على انتهاري لأنك لم تعرف حلاوة الآباء! وكان الربيع لقيطا فما أعلم المنصور ضحك كضحكه يومئذ انتهى. وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة الحاكم العبيدي، أن الحاكم بأمر الله كان له حمار أشهب يدعى بقمر يركبه، وكان يحب الانفراد والركوب وحده، فخرج راكبا حماره ليلة الإثنين سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة إلى ظاهر مصر، وطاف ليلته كلها وأصبح متوجها إلى شرقي حلوان ومعه راكبان، فأعاد أحدهما ثم أعاد الآخر وبقي الناس يخرجون يلتمسون رجوعه ومعهم دواب الموكب إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور. ثم خرج ثاني القعدة جماعة من الموالي والأتراك فأمعنوا في طلبه وفي الدخول في الجبل فرأوا حماره الأشهب الذي كان راكبا عليه، وهو على قرنة الجبل وقد ضربت يداه ورجلاه بسيف، وعليه سرجه ولجامه فتبعوا الأثر فإذا أثر حمار وأثر راجل خلفه وراجل قدامه، فقصوا الأثر إلى البركة التي في شرقي حلوان، فنزل فيها رجل فوجد فيها ثيابه وهي سبع جباب ووجدت مزرورة لم تحل أزرارها، وفيها آثار السكاكين فحملت إلى القصر، ولم يشكوا في قتله. غير أن جماعة من المتغالين في حبهم له السخيفي العقل يدعون حياته وأنه سيظهر ويحلفون بغيبة الحاكم. ويقال إن أخته دست عليه من قتله وكان الحاكم جوادا بالمال سفاكا للدماء. وكانت سيرته عجبا يخترع كل يوم حكما يحمل الناس عليه فمن ذلك أنه أمر الناس سنة خمس وتسعين وثلاثمائة بكتب سب الصحابة رضي الله تعالى عنهم في حيطان المساجد والقياسر والشوارع، وكتب إلى سائر الديار المصرية يأمرهم بالسب ثم أمر بقطع ذلك سنة سبع وتسعين. وأمر بضرب من يسب الصحابة وتأديبه وأمر بقتل الكلاب فلم ير كلب في الأسواق والأزقة إلا قتل ونهى عن بيع الفقاع والملوخيا، ثم نهى عن بيع الزبيب قليله وكثيره، وجمع جملة كثيرة وأحرقت وأنفقوا على إحراقها خمسمائة دينار، ثم نهى عن بيع العنب أصلا وألزم اليهود
والنصارى أن يتميزوا في لباسهم عن المسلمين في الحمامات، وخارجها، ثم أفرد حماما لليهود وحماما للنصارى وألزمهم أن لا يركبوا شيئا من المراكب المحلاة، وأن تكون ركبهم من الخشب وأن لا يستخدموا أحدا من المسلمين ولا يركبوا حمار المكاري المسلم ولا سفينة نواتيها مسلمون.
وأمر بهدم القمامة في سنة ثمان وأربعمائة وجميع الكنائس بالديار المصرية. ووهب جميع ما فيها من الآلات وجميع ما لها من الأحباس لجماعة من المسلمين وأمر أن لا يتكلم أحد في صناعة النجوم، وأن ينفى المنجمون من البلاد، وكذلك أصحاب الغناء ومنع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، ومنع الأساكفة من عمل الأخفاف للنساء، ولم تزل النساء ممنوعات من الخروج إلى أيام ولده الظاهر مدة سبع سنين. ثم أمر ببناء ما كان هدم من الكنائس، ورد ما كان قد أخذ من أحباسها.
وحلوان مدينة كثيرة النزه فوق مصر بخمسة أميال كان يسكنها عبد العزيز بن مروان، وبها توفي وبها ولد ولده عمر بن عبد العزيز انتهى. قلت: وفي قوله ليلة الإثنين سابع عشر، وقوله إلى يوم الخميس سلخ الشهر المذكور نظر ظاهر والله أعلم. وفي رسالة القشيري، في باب كرامات الأولياء، سمعت أبا حاتم السجستاني يقول سمعت أبا نصر السراج يقول: سمعت الحسين بن أحمد الرازي يقول: سمعت أبا سليمان الخواص يقول: كنت راكبا حمارا يوما، وكان الذاب يؤذيه فيطأطىء رأسه، وكنت أضرب رأسه بخشبة في يدي، فرفع الحمار رأسه إليّ وقال: اضرب فإنك هكذا على رأسك تضرب. قال الحسين: فقلت لأبي سليمان لك وقع هذا قال: نعم، كما تسمعني.
تذنيب روى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبون الحمر، ويلبسون الصوف، ويحلبون الشاة، وكان للنبي ﷺ حمار اسمه عفير بضم العين المهملة، وضبطه القاضي عياض بالغين المعجمة. وقد اتفقوا على تغليطه، أهداه له المقوقس وكان فروة بن عمرو الجذامي أهدى له حمارا يقال له يعفور، مأخوذان من العفرة وهو لون التراب، فنفق يعفور في منصرف النبي ﷺ من حجة الوداع. وذكر السهيلي أن يعفور طرح نفسه في بئر يوم موت النبي ﷺ. وذكر ابن عساكر في تاريخه بسنده إلى أبي منصور قال: لما فتح النبي ﷺ خيبر أصاب حمارا أسود، فكلم رسول الله ﷺ الحمار فقال له: ما اسمك؟ قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا لا يركبها إلا نبي وقد كنت أتوقعك لتركبني ولم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت قبلك عند رجل يهودي وكنت أتعثر به عمدا، كان يجيع بطني ويركب ظهري. فقال له النبي ﷺ: «فأنت يعفور يا يعفور تشتهي الإناث. قال: لا، فكان ﷺ يركبه في حاجته، وكان يبعثه خلف من شاء من أصحابه، فيأتي الباب فيقرعه برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه فيعلم أن رسول الله ﷺ أرسله إليه، فيأتي النبي ﷺ فلما قبض رسول الله جاء إلى بئر كانت
لأبي الهيثم بن التيهان فتردى فيها جزعا على رسول الله ﷺ. فكانت قبره. قال الإمام الحافظ أبو موسى: هذا حديث منكر جدا إسنادا ومتنا لا يحل لأجد أن يرويه إلا مع كلامي عليه. وقد ذكره السهيلي في التعريف والأعلام في الكلام على قوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
وفي كامل ابن عدي، في ترجمة أحمد بن بشير، وفي شعب الإيمان للبيهقي، عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «تعبد رجل في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حمارا له يرعى، فقال: يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبيا من أنبياء بني إسرائيل، فأراد أن يدعو عليه، فأوحى الله إليه إنما أجازي عبادي على قدر عقولهم» !. وهو كذلك في الحلية لأبي نعيم في ترجمة زيد بن أسلم. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه والإمام أحمد في الزهد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قيل لعيسى بن مريم ﵉: يا رسول الله لو اتخذت لك حمارا تركبه لحاجتك؟
فقال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئا يشغلني عنه.
الحكم يحرم أكله عند أكثر أهل العلم، وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس رواه عنه أبو داود في سننه وقال الإمام أحمد: كره أكله خمسة عشر رجلا من أصحاب النبي ﷺ. وادعى ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمه. قال: وقد روي عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سنة فشكونا ذلك لرسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله لم يكن عندي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية «فقال: اطعم أهلك من سمن حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية». ولم يرو عن غالب بن أبجر سوى هذا الحديث. ولنا ما روى جابر وغيره أن النبي ﷺ «نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل». متفق عليه. وحديث غالب رواه أبو داود واتفق الحفاظ على تضعيفه، ولو بلغ ابن عباس أحاديث النهي الصحيحة الصريحة في تحريمه لم يصر إلى غيره. ولو صح حديث غالب لحمل على الأكل منها، حال الاضطرار وأيضا هي قضية عين لا عموم لها ولا حجة فيها. واختلف أصحابنا في علة تحريمها، هل هو لاستخباث العرب لها؟ أو للنص على وجهين! حكاهما الروياني وغيره وأفاد الحافظ المنذري أن تحريم لحوم الحمر نسخ مرتين، ونسخت القبلة مرتين، ونسخ نكاح المتعة مرتين. واختلف السلف في لبنها فحرمه أكثر العلماء، ورخص فيه عطاء وطاوس والزهري، والأول أصح لأن حكم اللحم ويحرم ضربه وضرب غيره من الحيوانات المحترمة بالإجماع. روى البخاري أن النبي ﷺ مر بحمار قد وسم وجهه، فقال: «لعن الله من فعل هذا» وفي رواية «لعن الله الذي وسم هذا».
الأمثال قالوا: «عشر تعشير الحمار»، قال الجوهري: تعشير الحمار نهيقه عشرة أصوات في طلق واحد قال الشاعر:
لعمري لئن عشرت من خيفة الردىنهاق حمار أنني لجزوع
وذلك أنهم كانوا إذا خافوا وباء بلد عشروا كتعشير الحمار قبل أن يدخلوه، وكانوا يزعمون أن ذلك ينفعهم. وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
أي يثقله حملها ولا ينفعه علمها وكل من يعلم ولم يعمل بعلمه فهذا مثله. وفي الحديث «يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور كما يدور الحمار في الرحا فيطيف به أهل النار، فيقولون: ما لك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه، وأنهى عن الشر وآتيه» والإقتاب الأمعاء واحدها قتب بالكسر. وقالت العرب: هم يتهارجون تهارج الحمر.
أي يتسافدون. والهرج كثرة النكاح. يقال: بات يهرجها ليله جميعا. وروى الحافظ أبو نعيم عن أبي الزاهرية، عن كعب الأحبار قال: يمكث الناس بعد يأجوج ومأجوج في الرخاء والخصب والدعة عشر سنين حتى إن الرجلين ليحملان الرمانة الواحدة بينهما، ويحملان العنقود الواحد من العنب، فيمكثون على ذلك عشر سنين، ثم يبعث الله ريحا طيبة فلا تدع مؤمنة ولا مؤمنا إلا قبضت روحه، ثم يبقى الناس بعد ذلك يتهارجون تهارج الحمر في المروج، حتى يأتي أمر الله والساعة، وهم على ذلك. وقالوا «بال الحمار فاستبال أحمرة». أي حملهن على البول، يضرب في تعاون القوم على ما يكره. وقالوا: «اتخذ فلان حمار الحاجات». يضرب للذي يمتهن في الأمور. وقالوا: «تركته جوف حمار» أي لا خير فيه. وقالوا: «أصبر من حمار». وقالوا:
«شر المال مالا يذكى ولا يزكى» أشاروا بذلك إليه. وقالوا «ما بقي منه إلا قدر ظمء حمار». لأنه أقصر الحيوان ظمأ. الجوهري في مادة عشا قال الشاعر:
غدونا غدوة سحرا بليلعشاء بعد ما انتصف النهار
قصدناها حمارا ذا قرونأكلنا اللحم وانفلت الحمار
وفي معنى هذا البيت وجهان أحدهما أنّا أتعبناه حتى أكلنا لحمه لشدة الإضرار به من العدو ثم انفلت. والثاني إنا ذبحناه فأكلناه أكلا لم يبق منه شيء فكأنه انفلت. وقوله: ذا قرون أي مسنا قد أتت عليه قرون من الدهر. وقالوا: «أذل من حمار مقيد». قال الشاعر:
وما يقيم بدار الذل يعرفهاإلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمتهوذا يشج فلا يرثي له أحد
الخواص من سقي من وسخ أذنه في شراب أو غيره سبت ونام، ولم يعقل أصلا. ومن نزع شعرة من ذنبه عند نزوه وربطها على فخذه أنعظ وهيج الباه. وإذا ربط حجر في ذنبه لم ينهق.
وكذا إذا طليت استه بدهن. وقال الإمام الفخر الرازي وصاحب الحاوي: إذا طبخ لحم الحمار الأهلي وقعد في مائه من به كزاز نفعه. وإذا اتخذ من حافره خاتم، ولبسه المصروع لم يصرع.
وسرجينه وسرجين الخيل، إذا أحرقا أو لم يحرقا وخلطا بخل قطعا سيلان الدم. وإذا علق جلد جبهته على الصبيان منعهم من الفزع وإذا رش على زبله خل وشم قطع الرعاف. وقال صاحب الفلاحة: إذا ركب الملسوع بالعقرب حمارا، وجعل وجهه إلى ذنبه صار الوجع إلى الحمار، وبرىء الراكب. وكذلك إن تقدّم الملدوغ إلى أذن الحمار وقال: إني لدغت بعقرب في المكان الفلاني ذهب الوجع. وإن ركبه مقلوبا كما تقدم كان أقوى فعلا. ومخه إذا طلي به الرأس مع الزيت، طول الشعر. وكبده إذا أكلت مشوية على الريق، منقوعة في الخل، نفعت من الصرع وأمن آكلها من الصرع. ولبن الحمارة إذا صمد به الذكر أنعظ. ونهيق الحمار يضر بالكلب حتى إنه ربما عوى من كثرة ما يؤلمه.
التعبير الحمار في المنام جد الإنسان وسعده، وربما دل على غلام أو ولد أو خير، وربما دل على السفر أو العلم، لقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
وربما على المعيشة لقوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ
وربما دل الحمار على العالم المحصل. أو اليهود، لقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها
الآية وربما دلّ الحمار على ما يوطأ فيه كالوطاء والزربول وما أشبه ذلك. وظهور حمار عزير في المنام ظهور آية. وربما دلت رؤيته على الخلاص من الشدائد، وعلى الرجوع إلى المناصب السنية، أو المنازعة في الدين. والحمير والبغال ملكها في المنام، أو ركوبها دليل على الزينة بالمال أو الولد، لقوله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً
وربما دل ركوب الحمار على النجاة من الهم. وموت الحمار وهزاله فقر صاحبه. وقيل موته موت صاحبه. والنزول عن ظهره بلا نية نزول فقر وبيعه فقر أيضا، ومن ذبح حماره ليأكل لحمه نال سعة في رزقه، وإن ذبحه لغير الأكل فإنه يفسد معاشه بالولد والعز، فمن رأى أنه لا يحسن ركوب حماره، فإنه يتحلى بما ليس من أهله، والمهازيل والضعاف من الحمر، مال في زيادة، والسمان منها مال قد انتهى. والحمار المصري وكيل وهو نعم الوكيل. والحمارة امرأة معينة على المعيشة كثيرة الخير ذات نسل وربح متواتر، فمن ركب حمارة في منامه، وخلفها جحش فإنه يتزوج امرأة لها ولد. ومن رأى حمارة لا تمشي إلا بالصوت فإنه لا يطعم إلا بالدعاء. ولفظ الأتان من الإتيان. وربما دل صياحها على الشر والإنكاد، لقوله
تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
أو ظهور عارض من الجان، فإن نهيق الحمار يدل على رؤية الشيطان لأن السنة وردت بالتعوذ من الشيطان الرجيم عند سماع صوته، وقيل سماع صوته دعاء على الظلمة. ومن رأى حمارا موقورا دخل منزله، فإنه خير يسوقه الله إليه على قدر جوهر ذلك الحمل. ولبن الحمارة خصب في تلك السنة وربما دل الشرب منه على مرض شاربه ثم ينجو منه. ولحم الحمار مال لمن أكله. وحمار المرأة زوجها فإن مات طلقها أو مات زوجها. ومن صارع حمارا مات بعض أقاربه ومن رأى حماره صار فرسا نال خيرا من السلطان، وإن صار بغلا نال خيرا من سفر. ومن حمل حماره في المنام نال خيرا وقوّة في السعادة، حتى يتعجب منه. ومن رأى له حافرا فذلك قوة في المال والتصرف وكذلك الخف ومن سمع صوت الحوافر من غير أن يرى شيئا من البهائم. فإنها أمطار ويعبر الحمار برجل جاهل. وربما دلت رؤيته على الولد من الزنا.
ومن رأى حمارا نزل من السماء فدس ذكره في دبره نال مالا عظيما يستغني به. لا سيما إذا كان الرائي ملكا، والحمار أسود أو أدهم والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع