تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الحمار الوحشي

ويسمى الفراء ويقال حمار وحش وحمار وحشي، وهو العير وربما أطلق العير على الأهلي أيضا والحمار الوحشي شديد الغيرة، فلذلك يحمي عانته الدهر كله ومن عجيب أمره أن الأنثى من هذا النوع إذا ولدت ذكرا كدم الفحل خصيتيه، فالأنثى تعمل الحيلة في الهرب منه حتى يسلم. وربما كسرت رجل التولب كي لا يسعى ولا تزال ترضعه إلى أن يكبر فيسلم من أبيه وأشار إلى ذلك الحريري بقوله في المقامة الثالثة عشرة:

يا رازق النعاب في عشهوجابر العظم الكثير المهيض
أتح لنا اللهم من عرضهمن دنس الذم نقى رحيض

وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في باب النون في النعاب ويقال: إن الحمار الوحشي يعمر مائتي سنة وأكثر.

وذكر ابن خلكان في ترجمة يزيد بن زياد أن بعض الجند حدث أنهم نزلوا على جرود، فاصطادوا من حمر الوحش شيئا كثيرا، وذبحوا منها حمارا وطبخوا لحمه الطبخ المعتاد، فلم ينضج فزيد في الإيقاد عليه يوما كاملا فلم ينضج، فقام بعض الجند وأخذ رأسه، وجعل يقلبه فرأى على أنذه وسما، فقرأه فإذا هو بهرام جور وموضع الوسم ظاهر أبيض، وهو بالقلم الكوفي. قال ابن خلكان: وأحضروا الأذن عندي فوجدت الاسم ظاهرا وبهرام جور كان من ملوك الفرس قبل مبعث النبي ﷺ بزمان طويل، وكان من عادته إذا أخذ الصيد وسمه وأطلقه، والله تعالى يعلم كم كان عمر الحمار قبل الوسم. وهذا الحمار لعله عاش أكثر من مائتي سنة. وجرود قرية من قرى دمشق، وبأرضها من حمر الوحش شيء كثير، يجاوز الحصر وفي أرض جرود الجبل المدخن وإنما سمي هذا الجبل بالمدخن لأنه لا يزال عليه مثل الدخان من الضباب وقيل: إن الحمار يعيش أكثر من ثمانمائة سنة وألوان حمر الوحش مختلفة، والأخدرية أطولها عمرا وأحسنها شكلا. وهي منسوبة إلى أخدر، فحل كان لكسرى أردشير فتوحش، واجتمع بعانات فضرب فيها فالمتولد منها يقال له

أخدري. وقال الجاحظ: أعمار حمر الوحش تزيد على أعمار الحمر الأهلية، ولا نعرف حمارا أهليا عاش أكثر من حمار أبي سيارة، وهو عميلة بن خالد العدواني، كان له حمار أسود أجاز الناس عليه من المزدلفة إلى منى أربعين سنة وكان يقول:

لا هم مالي في الحمار الأسودأصبحت بين العالمين أحسد
هلا يكاد ذو الحمار الجلعدفق أبا سيارة المحسد
من شر كل حاسد إذا حسدومن أذاة النافثات في العقد
اللهم حبب بين نسائناوبغض بين رعائنا

واجعل المال في سمحائنا

وفيه يقول الشاعر:

خلوا الطريق عن أبي سيارةوعن مواليه بني فزاره
حتى يجيز سالما حمارهمستقبل يدعو جاره

فقد أجار الله من أجاره

ولذلك قيل: «أصح من حمار أبي سيارة» وروى ابن أبي شيبة وابن عبد البر من طريقه، من حديث أبي فاطمة الليثي، ويقال الأزدي، ويقال الدوسي، أنه قال: كنا جالسين عند رسول الله ﷺ فقال: «من أحب أن يصح فلا يسقم؟ فابتدرناها فقلنا نحن يا رسول الله. فقال:

أتحبون أن تكونوا كالحمر الصالة؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات فو الذي نفس أبي القاسم بيده أن الله ليبتلي المؤمن بالبلاء فما يبتليه إلا لكرامته عليه، لأن الله قد أنزل عبده منزلة لم يبلغها بشيء من عمله دون أن ينزل به من البلاء ما لا يبلغ تلك المنزلة إلا به». وكذا رواه البيهقي أيضا في الشعب وقال: سألت عنه بعض أهل الأدب، فزعم أنه أراد به حمر الوحش. وقال ابن الأثير في نهاية الغريب: قوله: أتحبون أن تكونوا كالحمر الصالة» قال أبو أحمد العسكري: هو بالصاد غير المعجمة ورواه أيضا بالضاد المعجمة.

وهو خطأ يقال للحمار الوحشي الحاد الصوت: صال وصلصال كأنه يريد الصحيحة الأجساد والشديدة الأصوات، لقوّتها ونشاطها.

الحكم يحل أكله بالإجماع، وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «إنا لم نرده عليك إلا إننا حرم». قال الشافعي: ولو توحش الحمار الأهلي حرم أكله. ولو استأهل الوحشي لم يحرم. ولا نعلم في حل الوحشي خلافا إلا ما روي عن مطرف أنه قال: إذا أنس واعتلف صار كالأهلي. وأهل العلم قاطبة على خلاف قوله ولا يحل الحمار المتولد بين الأهلي والوحشي، لأن الولد يتبع خير الأبوين في الأطعمة حتى يقرض أحدهما غير مأكول. كما يتبع أخسهما في النجاسة،

حتى يجب الغسل من ولوغه وسائر أجزائه سبعا إذا تولد بين كلب وذئب. وكما يتبع الأخس في الأنكحة حتى إذا تولد بين كتابي ووثني لم تحل مناكحته، وقد خالفوا هذا الأصل في باب الجزية، فقالوا: يعقد للمتولد بين كتابي ووثني، وفي الديات ألحقوه بأكثرهما دية، وهو الأصح المنصوص.

وقيل: يتبع أقلهما دية. وقيل يعتبر بالأب. وهذه الأقوال حكاها الرافعي في باب الغرة وفي الحج جعلوه تابعا للأغلظ تكليفا، حتى لو قتل متولدا بين ظبي وشاة وجب عليه الجزاء، وعكسوا ذلك في الزكاة، فلم يوجبوها في المتولد بين الأهلي والوحشي، وفي إيجابها في المتولد بين انسيين كبقرة وجاموس نظر. وجعلوه تابعا لأشرفهما دينا، حتى لو كان أحد الأبوين مسلما عند العلوق، أو أسلم قبل بلوغه حكم بإسلام الصغير تبعا وجعلوه تابعا للأم في الرق والحرية، أعني ما دام حملا، إلا في المستولدة والمغرور بحريتها. وجعلوه تابعا للأب في النسب مطلقا، لأن النسب يعتبر بالآباء دون الأمهات. واستثنوا من ذلك أولاد بنات رسول الله ﷺ، فإنهم ينسبون إليه، دون أولاد بنات غيره، وهذا من خصائصه ﷺ. وجعلوا ولد الزنا مقطوع النسب عن أبيه. والمنفي ليس كذلك لأنه لو استحلفه لحقه ولم يتعرضوا للتبعية في بابي الأضحية والعقيقة والاحتياط اعتبار أكثر السنين فيه، حتى لو تولد بين ضأن ومعز اشترط لإجزائه في الأضحية طعنه في السنة الثالثة اعتبارا بأكثر الأبوين سنا، وهو المعز ولم يتعرضوا أيضا له في الربويات وفائدته أنه هل يجعل جنسا برأسه، حتى يباع لحمه بلحم أي الأبوين كان مفاضلة، أو يجعل كالجنس الواحد احتياطا فيحرم التفاضل؟

وهذا هو الأقرب اعتبار الضيق باب الربا. ولم يتعرضوا له أيضا في السلم والقرض حتى لو أقرضه حيوانا متولدا بين حيوانين، أو أسلم إليه في لحمه أو لحم ضأن أو معز، فأتاه بلحم متولد بين ضأن ومعز فالمتجه عدم جواز قبوله، لأنه نوع آخر والاستبدال عن النوع، بنوع آخر لا يجوز على الصحيح. ولم يتعرضوا له أيضا في الشركة والوكالة والقراض، كل ذلك لندوره والمتجه المنع في الجميع لأن هذه العقود إنما تصح فيما يعم وجوده ولو أوصى لرجل بشاة فأعطاه الوارث متولدا بين ضأن ومعز لم يجبر على القبول، لأن الوصية إنما تحمل على المتعارف والله تعالى أعلم.

الأمثال قالوا: «فلان أكفر من حمار» وهو رجل من عاد كان يقال له حمار بن مويلع، وقيل هو حمار بن مالك بن نصر الأزدي كان مسلما، وكان له واد طوله مسيرة يوم في عرض أربعة فراسخ، لم يكن ببلاد العرب أخصب منه، وفيه من كل الثمار فخرج بنوه يوما يتصيدون، فأصابتهم صاعقة فهلكوا فكفر وقال: لا أعبد من فعل هذا ببني. ودعا قومه إلى الكفر، فمن عصاه قتله، فأهلكه الله وأخرب واديه فضربت العرب به المثل في الكفر. قال الشاعر:

ألم تر أن حارثة بن بدريصلي وهو أكفر من حمار

الخواص قال ابن وحشية وابن السويدي وغيرهما: النظر إلى أعين الحمر الوحشية يديم صحة العين، ويمنع نزول الماء إليها بخاصة عجيبة أودعها الله فيها، والاكتحال بمرارتها يحد البصر ويزيل ظلمته ويمنع من ابتداء نزول الماء في العين. وأكل سمين لحمها ينفع من مرض المفاصل ويزيله، ولحمها أيضا ينفع من النقرس نفعا بينا وشحمها إذا طلي به الكلف أزاله ومرارتها تنفع

من داء الثعلب طلاء، وتنفع من البول على الفراش أكلا ومخها يسخن بدهن الزنبق ويدهن به البهق يزول بإذن الله تعالى.

التعبير الحمار الوحشي في المنام يدل على الزوجة أو الولد من ذي الجفاء والقسوة أو من أرباب البوادي، فاعتبر ذلك واعط الرائي حقه. ومن رأى أنه ركب حمارا وحشيا فإنه يدل على معصية، ومن رأى أنه ركبه وسقط عنه فليحذر من درك يناله في معصية. ومن شرب من لبن حمارة وحش نال نسكا في دينه. ومن رأى أنه حوى شيئا من لحوم حمر الوحش أو ملكها نال عزا وغنيمة ومالا والحمار الأهلي إذا استوحش في المنام فهو ضر وشر. والحمار الوحشي في المنام إذا أنس فهو نفع وخير.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.