من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الحمل
الخروف إذا بلغ ستة أشهر وقيل: هو ولد الضأن الجذع فما دونه، والجمع حملان وأحمال. روى ابن ماجه، من حديث أبي يزيد الأنصاري ﵁، قال: مر النبي ﷺ بدار من دور الأنصار فوجد ريح قتار فقال: «من هذا الذي ذبح» ؟ فخرج إليه رجل منا فقال: أنا يا رسول الله ذبحت قبل أن أصلي لأطعم أهلي فأمره ﷺ أن يعيد، فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما عندي إلا حمل من الضأن، فقال ﷺ: «اذبحه ولن يجزىء عن أحد بعدك». وفي كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي، في أوائل الفصل الخامس والعشرين، قال: حدثني بعض أخواني عن بعض أهل هذه الطائفة، قال: قدم علينا بعض الفقراء، فاشترينا من جار لنا حملا مشويا، ودعوناه في جماعة من أصحابنا، فلما مد يده ليأكل وأخذ لقمة وجعلها في فيه لفظها، ثم اعتزل وقال: كلوا أنتم فإنه قد عرض لي مانع منعني من الأكل، فقلنا له: لا نأكل ما لم تأكل معنا.
فقال: أما أنا فغير آكل، ثم انصرف، فكرهنا أن نأكل دونه، فقلنا لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الحمل فلعل له سببا مكروها، فدعوناه، وسألناه، ولم نزل به حتى أقر أنه كان ميتة، وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه. قال: فأطعمناه الكلاب ثم لقينا الرجل فسألناه عن العارض الذي منعه عن الأكل، فقال: ما شرهت نفسي إلى الأكل منذ عشرين سنة، فلما قدمتم إلى هذا الحمل شرهت نفسي إليه شرها ما عهدته قبل ذلك، فعلمت أن في الطعام علة. فتركت أكله لأجل شره النفس. قال: فانظر كيف اتفقا في شره النفس عن قصد واحد، واختلفاه في التوفيق والخذلان، فعصم الله العالم بالورع والمحاسبة، وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وترك المراقبة.
عجيبة في معجم ابن قانع والطبراني في ترجمة كردم بن السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في أول ما ذكر النبي ﷺ بمكة فآوانا الليل إلى راع فلما انتصف الليل، جاء الذئب فاحتمل حملا من الغنم، فوثب الراعي وقال: يا عامر الوادي أوذي جارك فنادى مناد: يا سرحان أرسله فجاء الحمل يشتد عدوا حتى دخل في الغنم. وأنزل الله تعالى على رسوله: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً
. وهو في الميزان في ترجمة إسحاق بن الحارث الكوفي، وهو ضعيف. وفي الشفاء، للقاضي عياض رحمه الله تعالى، يقال:
إن سبب ابتلاء يعقوب بيوسف صلّى الله عليهما وسلّم أنه اجتمع يوما، هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوي، وهما يضحكان وكان لهما جار يتيم، فشم رائحته واشتهاه وبكى وبكت جدة له عجوز لبكائه، وبينهما جدار، ولا علم عند يعقوب وابنه بذلك، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف، إلى أن ابيضت عيناه من الحزن، فلما علم بذلك كان بقية حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه ألا من كان مضطرا فليتغدّ عند آل يعقوب. وعوقب يوسف بالمحنة التي نصّ الله عليها انتهى. قلت: وهذا الكلام لا أعتقد له صحة وقد عجبت من القاضي عياض ﵀ كيف ذكره في كتابه والذي يجب تنزيههما عن هذه الرذيلة وإنما ذكرته لأنبه على أنه لا يعتقد صحته، وإن كان الطبراني قد روى، في معجمه الأوسط والصغير، من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ في حديث طويل، شيئا من ذلك، وأن يعقوب كان بعد ذلك إذا أراد الغداء أمر مناديا ينادي: ألا من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب، وإذا كان صائما نادى مناد: ألا من كان صائما فليفطر مع يعقوب فإنما رواه الطبراني عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري. وهو ضعيف جدا. وكذا رواه البيهقي في الشعب في الباب الثاني والعشرين وذكر الواحدي في تفسير قوله تعالى: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ
أن ريح الصبا استأذنت ربها ﷿ أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير فأذن لها فلذلك يستروح كل محزون بريح الصبا وهي من ناحية المشرق فيرتاح إلى الأوطان والأحباب وأنشد:
أيا جبلي نعمان بالله خليانسيم الصّبا يسري إلي نسيمها
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمتعلى نفس مهموم تجلت همومها
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع