تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الحمام

قال الجوهري: هو عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت والقمارى وساق حر والقطا والوراشين، وأشباه ذلك. يقع على الذكر والأنثى لأن الهاء إنما دخلته على أنه واحد من جنس لا للتأنيث. وعند العامة إنها الدواجن فقط الواحدة حمامة وقال حميد بن ثور الهلالي من أبيات:

وما هاج هذا الشوق إلا حمامةدعت ساق حربرهة فترنما

والحمامة هنا القمرية وقال الأصمعي في قول النابغة:

واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرتإلى حمام شراع، وارد الثمد
قالت: «ألا ليتما هذا الحمام لناإلى حمامتنا أو نصفه فقد»
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «يا دار مية بالعلياء فالسند»
فحسّبوه فألفوه كما زعمتتسعا وتسعين لم ينقص ولم يزد

هذه زرقاء اليمامة، نظرت إلى قطا وارد في مضيق الجبل، فقالت: يا ليت هذا القطا لنا، ومثل نصفه معه إلى قطاة أهلنا فيكمل لنا مائة قطاة فاتبعت وعدت على الما. فإذا هي ست وستون. قال أبو عبيدة رأته من مسيرة ثلاثة أيام وأرادت بالحمام القطا فقالت ذلك انتهى. وقال الأموي: الدواجن التي تستفرخ في البيوت تسمى حماما أيضا وأنشد للعجاج:

إني وربّ البلد المحرموالقاطنات البيت عند زمزم

قواطنا مكة من ورق الحم

يريد الحمام. وجمع الحمامة حمام وحمائم وحمامات. وربما قالوا حمام للمفرد. قال جران العود:

وذكرني الصبا بعد التنائيحمامة أيكة تدعو حماما

وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب الطير الكبير أن اليمام هو الحمام البري. الواحدة

يمامة، وهو ضروب. والفرق بين الحمام الذي عندنا واليمام، أن أسفل ذنب الحمامة، مما يلي ظهرها فيه بياض، وأسفل ذنب اليمامة لا بياض فيه انتهى. ونقل النووي في التحرير عن الأصمعي أن كل ذات طوق فهي حمام. والمراد بالطوق الحمرة أو الخضرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة في طوقها. وكان الكسائي يقول: الحمام هو البري، واليمام الذي يألف البيوت والصواب ما قاله الأصمعي. ونقل الأزهري عن الشافعي أن الحمام كل ما عب وهدر، وإن تفرقت أسماؤه والعب بالعين المهملة شدة جرع الماء من غير تنفس. قال ابن سيده: يقال في الطائر عبّ ولا يقال شرب. والهدير ترجيع الصوت ومواصلته من غير تقطيع له. قال الرافعي والأشبه أن ما عب هدر. قال: فلو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم، ويدل عليه أن الإمام الشافعي قال في عيون المسائل: وما عب من الماء عبا فهو حمام وما شرب قطرة قطرة كالدجاج فليس بحمام اهـ. وفيما قاله الرافعي نظر لأنه لا يلزم من العب الهدير قال الشاعر:

على جو يضي نغر مكبإذا افترت فترة يعب

وحمرات شربهن غب

وصف النغر بالعب، مع أنه لا يهدر، وإلا كان حماما والنغر نوع من العصفور، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب النون، إذا علمت ذلك انتظم لك كلام الشافعي، وأهل اللغة أن الحمام يقع على الذي يألف البيوت ويستفرخ فيها، وعلى اليمام والقمري وساق حر وهو ذكر القمري، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين. والفواخت والدبسي والقطار والوارشين واليعاقب والشفنين والزاغ والورداني والطوراني. وسيأتي بيان ذلك كل واحد في بابه إن شاء الله تعالى. والكلام الآن في الحمام الذي يألف البيوت، وهو قسمان: أحدهما البري وهو الذي يلازم البروج وما أشبه ذلك، وهو كثير النفور، وسمي بريا لذلك والثاني الأهلي وهو أنواع مختلفة وأشكال متباينة، منها الرواعب والمراعيش والعداد والسداد والمضرب والقلاب والمنسوب. وهو بالنسبة إلى ما تقدم كالعتاق من الخيل وتلك البراذين، قال الجاحظ: الفقيع من الحمام، كالصقلاب من الناس، وهو الأبيض. روى أبو داود الطبراني وابن ماجه وابن حبان بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: «شيطان يتبع شيطانة» وفي رواية «شيطان يتبعه شيطان» قال البيهقي: وحمله بعض أهل العلم على إدمان صاحب الحمام على إطارته والاشتغال به، وارتقاء الأسطحة التي يشرف منها على بيوت الجيران وحرمهم لأجله. وسيأتي الكلام عليه في الأحكام. وروى البيهقي عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، قال: شهدت عمر بن عبد العزيز ﵀ يأمر بالحمام الطيار، فتذبح وتترك المقصصات. وروى ابن قانع والطبراني عن حبيب بن عبد الله بن أبي كبشة، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ «كان يعجبه النظر إلى الأترج والحمام الأحمر». وروى الحاكم، في تاريخ نيسابور، عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه النظر إلى الخضرة وإلى الأترج وإلى الحمام

الأحمر» قال ابن قانع والحافظ أبو موسى: قال هلال بن العلاء: الحمام الأحمر التفاح. قال أبو موسى وهذا التفسير لم أره لغيره. وكان في منزله ﷺ حمام أحمر يقال له وردان.

وفي عمل اليوم والليلة لابن السني عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل «أن عليا رضي الله تعالى عنه شكا إلى النبي ﷺ الوحشة فأمره أن يتخذ زوج حمام، وأن يذكر الله عند هديره». ورواه الحافظ ابن عساكر وقال: إنه غريب جدا وسنده ضعيف. وروى ابن عدي، في كامله، في ترجمة ميمون بن موسى، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الوحشة فقال له: «اتخذ زوجا من حمام تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها» أو «اتخذ ديكا يؤنسك ويوقظك للصلاة». وروى أيضا في ترجمة محمد بن زياد الطحان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اتخذوا الحمام المقاصيص في بيوتكم فإنها تلهي الجن عن صبيانكم». وقال عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، شكا رجل إلى رسول الله ﷺ الوحشة فقال له: «إن النبي ﷺ اتخذ زوجا من حمام» رواه الطبراني، وفيه الصلت الجراح لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح. وفي كامل ابن عدي في ترجمة سهل بن فرير، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال:

«شكت الكعبة إلى الله تعالى قلة زوارها، فأوحى الله إليها لأبعثن إليك أقواما يحنون إليك كما تحن الحمامة إلى فراخها. وفي سنن أبي داود والنسائي، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، بإسناد جيد أن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة». ومن طبعه أنه يطلب وكره ولو أرسل من ألف فرسخ. ويحمل الأخبار ويأتي بها من البلاد البعيدة في المدة القريبة، وفيه ما يقطع ثلاثة آلاف فرسخ في يوم واحد. وربما اصطيد وغاب عن وطنه عشر حجج فأكثر ثم هو على ثبات عقله، وقوة حفظه، ونزوعه إلى وطنه، حتى يجد فرصة فيطير إليه. وسباع الطير يطلبه أشد الطلب وخوفه من الشاهين أشد من خوفه من غيره، وهو أطير منه، ومن سائر الطير كله لكنه يذعر منه، ويعتريه ما يعتري الحمار إذا رأى الأسد والشاة إذا رأت الذئب، والفأر إذ رأى الهر ومن عجيب الطبيعة فيه، ما حكاه ابن قتيبة في عيون الأخبار عن المثنى بن زهير أنه قال: لم أر شيئا قط من رجل وامرأة إلا وقد رأيته في الحمام، رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، وذكرا لا يريد إلا أنثاه إلا أن يهلك أحدهما أو يفقد.

ورأيت حمامة تتزين للذكر ساعة يريدها، ورأيت حمامة لها زوج وهي تمكن آخر ما تعدوه. ورأيت حمامة تقمط حمامة، ويقال: إنها تبيض من ذلك، ولكن لا يكون لذلك البيض فراخ. ورأيت ذكرا يقمط ذكرا، ورأيت ذكرا يقمط كل ما لقي. ولا يزاوج وأنثى يقمطها كل ما رآها من الذكور ولا تزاوج. وليس من الحيوان ما يستعمل التقبيل عند السفاد إلا الإنسان والحمام. وهو عفيف في السفاد، يجر ذنبه ليعفي أثر الأنثى، كأنه قد علم ما فعلت، فيجتهد في إخفائه. وقد يسفد لتمام ستة أشهر، والأنثى تحمل أربعة عشر يوما، وتبيض بيضتين: إحداهما ذكر والثانية

أنثى، وبين الأولى والثانية يوم وليلة، والذكر يجلس على البيض ويسخنه جزءا من النهار، والأنثى بقية النهار، وكذلك في الليل. وإذا باضت الأنثى وأبت الدخول على بيضها لأمر ما ضربها الذكر، واضطرها للدخول. وإذا أراد الذكر أن يسفد الأنثى أخرج فراخه عن الوكر، وقد ألهم هذا النوع، إذا خرجت فراخه من البيض، بأن يمضغ الذكر ترابا مالحا، ويطعمها إياه، ليسهل به سبيل المطعم. فسبحان اللطيف الخبير الذي آتى كل نفس هداها.

وزعم أرسطو أن الحمام يعيش ثمان سنين. وذكر الثعلبي وغيره، عن وهب بن منبه في قوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ

وقال اختار من النعم الضأن، ومن الطير الحمام.

وذكر أهل التاريخ أن أمير المؤمنين المسترشد بالله بن المستظهر بالله لما حبس رأى في منامه كأن على يده حمامة مطوقة، فأتاه آت فقال له: خلاصك في هذا، فلما أصبح حكى ذلك لابن سكينة الإمام، فقال له: ما أولته يا أمير المؤمنين؟ قال أولته ببيت أبي تمام:

هن الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهن فإنهن حمام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

وخلاصي في حمامي فقتل بعد أيام يسيرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وأياما. وروى البيهقي في الشعب، عن معمر قال: جاء رجل إلى ابن سيرين، رحمه الله تعالى فقال: رأيت في النوم، كأن حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها أصغر مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة فخرجت منها كما دخلت سواء. فقال له ابن سيرين: أما التي خرجت أعظم مما دخلت، فذلك الحسن بن أبي الحسن البصري يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثم يصل فيه من مواعظه. وأما التي خرجت أصغر مما دخلت فذلك محمد بن سيرين يسمع الحديث فينقص منه.

وأما التي خرجت كما دخلت سواء فهو قتادة وهو أحفظ الناس. وذكر ابن خلكان في ترجمته يعني ابن سيرين، أن رجلا أتاه فقال له: رأيت كأني أخذت حمامة لجاري فكسرت جناحها، فتغير وجه ابن سيرين وقال: ثم ماذا؟ قال: ثم جاء غراب أسود فسقط على ظهر بيتي فنقبه، فقال له محمد بن سيرين: ما أسرع ما أدبك ربك! أنت رجل تخالف إلى امرأة جارك، وأسود يخالفك إلى امرأتك. قال: وكان ابن سيرين بزازا وكان من موالي أنس بن مالك خادم النبي ﷺ. وحبس بدين كان عليه. وكان يقول: إني لأعرف الذنب الذي حمل به على الدين. قيل له ما هو؟ وقال:

قلت لرجل مفلس منذ أربعين سنة: يا مفلس. قال بعضهم: قلت ذنوبهم فعلموا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبنا فليس يدري من أين نؤتى. قال: وكان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قد أوصى أن يغسله ويكفنه ويصلي عليه محمد بن سيرين، وكان محمد بن سيرين محبوسا لما مات أنس، فاستأذنوا له الأمير، فأذن له فخرج فغسله وكفنه وصلّى عليه، ثم رجع إلى السجن ولم يذهب إلى أهله. وكان ابن سيرين من أعلام التابعين وكانت له اليد الطولى في علم الرؤيا روي

أن امرأة جاءته، وهو يتغدى، فقالت له: رأيت القمر دخل في الثريا، ونادى مناد من خلقي:

ائتي ابن سيرين فقصي عليه، قال: فتغير لونه وقام. وهو آخذ على بطنه، فقالت له أخته: ما بالك؟ قال: زعمت هذه أني ميت بعد سبعة أيام. فمات بعد سبعة أيام، سنة عشر ومائة بعد الحسن البصري بمائة يوم رحمهما الله تعالى. وفي الشعب للبيهقي عن سفيان الثوري أنه قال: كان اللعب بالحمام من عمل قوم لوط. وقال إبراهيم النخعي: من لعب بالحمام الطيارة، لم يمت حتى يذوق ألم الفقر. وروى البزار في مسنده أن الله تعالى أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على فم الغار، وإن ذلك مما صد المشركين عنه ﷺ، وإن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين. وروى ابن وهب «أن حمام مكة أظلت النبي ﷺ يوم فتحها فدعا لها بالبركة». وروى الطبراني بإسناد صحيح عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتلو هذه الآية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ

فجعل يعيدها علي حتى نعست عنه، ثم قال: «يا أبا ذر كيف تصنع إذا أخرجت من المدينة؟ قلت: إلى السعة والدعة أنطلق إلى مكة فأكون حمامة من حمام الحرم، فقال ﷺ: فيكيف تصنع إذا أخرجت من مكة؟ قلت إلى السعة والدعة أنطلق إلى الشأم والأرض المقدسة. قال: فكيف تصنع إذا أخرجت من الشأم؟ فقلت: والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي. قال ﷺ: وخير من ذلك تسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا» وفي الصحيح طرف منه وفي ابن ماجه طرف من أوله.

وذكر أن هارون الرشيد كان يعجبه الحمام واللعب به، فأهدي له حمام وعنده أبو البختري وهب القاضي، فروى له بسنده عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: لا سبق إلا في خف أو حافرا وجناح».. فراد أو جناح. وهي لفظة وضعها للرشيد، فأعطاه جائزة سنية، فلما خرج قال الرشيد: بالله لقد علمت أنه كذب على رسول الله ﷺ. وأمر بالحمام فذبح فقيل له:

وما ذنب الحمام؟ قال: من أجله كذب على رسول الله ﷺ. فترك العلماء حديث أبي البختري لذلك وغيره من موضوعاته. فلم يكتبوا حديثه. وكان أبو البختري المذكور قاضي مدينة النبي ﷺ بعد بكار بن عبد الله الزبيري، ثم ولي قضاء بغداد، بعد أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ﵀. وتوفي أبو البختري سنة مائتين في خلافة المأمون. والبختري مأخوذ من البخترة التي هي الخيلاء، وهو يتصحف على كثير من الناس بالبحتري الشاعر المشهور، والأول بالخاء المعجمة والثاني بالحاء المهملة. قال ابن أبي خيثمة: والشيخ تقي الدين القشيري، في الاقتراح واضع حديث الحمام غياث بن إبراهيم، وضعه للمهدي لا للرشيد. وقال ابن قتيبة: وأبو البختري هو

وهب بن وهب بن وهب ثلاثة أسماء على نسق واحد، ومثله في ملوك الفرس بهرام بن بهرام بن بهرام، ومثله في الطالبين حسن بن حسن بن حسن، ومثله في غسان الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر انتهى. قلت: ومثله في المتأخر بن الغزالي محمد بن محمد بن محمد أحد أصحاب الوجوه في المذهب.

ومما حكي لنا واشتهر ورويناه بالسند الصحيح. عن الشيخ العارف بالله تعالى أبي الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى، أنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام وقد باهى موسى وعيسى صلّى الله عليهما وسلم بالإمام الغزالي فقال لهما: في أمتكما حبر كهذا؟ وأشار إلى الغزالي، فقالا: لا.

وقال الشيخ الإمام العارف بالله الأستاذ ركن الشريعة والحقيقة أبو العباس المرسي، وقد ذكر الغزالي فشهد له بالصديقية العظمى. وحسبك من باهى به النبي ﷺ موسى وعيسى وشهد له الصديقون بالصديقية العظمى. وقد ذكر له شيخنا جمال الدين الأسنوي في المهمات ترجمة حسنة، منها: هو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود، وورح خلاصة أهل الإيمان، والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن، يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق، ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق، قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان، كما انفرد في هذا الباب فلا يترجم معه فيه إنسان. انتهى. وكان حجة الإسلام زين الدين محمد الغزالي قد ولي تدريس النظامية بمدينة بغداد، ثم تركها وسلك طريق الزهد وقصد الحج، فلما رجع توجه إلى الشأم، فأقام بدمشق بزاوية الجامع، وانتقل إلى القدس ثم قصد مصر، وأقام بالإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس، ثم ألزم بالعود إلى نيسابور والتدريس بها في النظامية، ثم تركها وعاد إلى وطنه واتخذ خانقاه للصوفية وصرف وقته إلى وظائف الخيرات، من تلاوة القرآن، ومجالسة الصالحين، وكثرة العبادة، والتخلي عن الدنيا، والإقبال على الله تعالى بكنه الهمة، والتبحر في علوم الحقيقة. وكتبه نافعة مفيدة، لا سيما إحياء علوم الدين فإنه كتاب لا يستغنى عنه طالب الآخرة. توفي الإمام حجة الإسلام في جمادى الآخرة سنة خمس وخمسمائة بطوس رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه.

وذكر ابن خلكان أن شرف الدين بن عنين حضر درس فخر الدين الرازي بخوارزم، فسقطت بالقرب منه حمامة، وقد طردها بعض الجوارح فلما وقعت رجع عنها، ولم تقدر الحمامة على الطيران من خوفها وشدة البرد، فلما قام الإمام فخر الدين من الدرس وقف عليها ورق لها وأخذها بيده، فأنشده ابن عنين بديها أبياتا منها:

من نبأ الورقاء أن محلكمحرم وأنك ملجأ للخائف
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا»
وفدت عليك وقد تدانى حتفهافحبوتها ببقائها المستأنف
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا»
ولو أنها تحبى بمال لانثنتمن راحتيك بنائل متضاعف
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا»

وكان بين شرف الدين بن عنين والملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق مؤانسة ومصاحبة، وكان يجري بينهما أمور تدل على حسن إدراك الملك المعظم منها أن ابن عنين حصل له توعك فكتب إليه:

انظر إلي بعين مولى لم يزليولي الندى وتلاف قبل تلافي
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «انظر إلي بعين مولى لم يزل»
أنا كالذي أحتاج ما يحتاجهفاغنم ثنائي والثواب الوافي

فجاء إليه بنفسه ومعه ثلاثمائة دينار، فقال: هذه الصلة وأنا العائد، وهذه لو وقعت من أكابر النحاة لاستعظمت منه، فضلا عن ملك. قوله هذه الصلة أنا العائد، لأن الذي اسم موصول يحتاج إلى صلة وعائد فالصلة ما وصله به من المال، والعائد يحتمل معنيين: أحدهما: وأنا العائد لك بالصلة مرة بعد أخرى فطب نفسا، والآخر من عاد يعود عيادة وهي عيادة المريض.

وكان الملك المعظم فاضلا حازما شجاعا حنفي المذهب وكانت له رغبة في فن الأدب حتى إنه شرط لكل من حفظ مفصل الزمخشري مائة دينار وخلعة. فحفظه خلق كثير لهذا السبب. توفي سنة أربع وعشرين وستمائة وتوفي الإمام فخر الدين الرازي المتقدم ذكره يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة بهراة رحمهما الله تعالى.

فائدة قال بعض

الحكم اء: كل إنسان مع شكله كما أن كل طير مع جنسه، وكان مالك بن دينار يقول: لا يتفق إثنان في عشرة إلا وفي أحدهما وصف من الآخر، فإن أشكال الناس كأجناس الطير، ولا يتفق نوعان منه في طيران إلا لمناسبة بينهما، فرأى يوما حمامة مع غراب، فعجب من اتفاقهما وليسا من شكل واحد فلما مشيا إذا هما أعرجان، فقال: من ههنا اتفقا. وكل إنسان يأنس إلى شكله، كما أن كل طير يأنس إلى جنسه، فإذا اصطحب اثنان برهة من الزمان وليس بينهما مناسبة ما، فلا بد أن يتفرقا كما قال بعض الشعراء:

وقائل كيف تفرقتمافقلت قولا فيه إنصاف
لم يك من شكلي ففارقتهوالناس أشكال وألاف

وسيأتي عنه في الصعوة شيء من هذا. روى أحمد في الزهد عن يزيد بن ميسرة أن المسيح ﵊ كان يقول لأصحابه: إن استطعتم أن تكونوا بلها في الله تعالى مثل الحمام فافعلوا قال: وكان يقال إنه ليس شيء أبله من الحمام وذلك أنك تأخذ فراخه من تحته فتذبحها، ثم يعود إلى مكانه ذلك فيفرخ فيه.

الحكم:

يحل أكله بالإجماع بجميع أنواعه لأنه من الطيبات، ولأن الشارع أوجب فيه على المحرم، إذا قتله، شاة. وفي مستند ذلك وجهان: أحدهما أن ذلك لما بينهما من الشبه، فإن كلا

منهما يألف البيوت ويأنس بالناس، والثاني: وهو الأصح، أن مستنده توقيف بلغهم فيه. ونقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد الخلاف، فيما لو قتل طائرا أكبر من الحمام، أو مثله هلى ينبني على هذا؟ إن قلنا المستند التوقيف أوجبنا الشاة. وإن قلنا المستند المشابهة أوجبنا القيمة. وقد أسقط الإمام النووي. ﵀، هذه المسألة من الروضة، وكأنه ظن أن الخلاف فيها لفظي لا فائدة فيه. وبيض الحمام وكل طائر يحرم على المحرم، صيده حرام عليه فإن أتلفه ضمنه بقيمته، هذا مذهبنا وبه قال الإمام أحمد وآخرون. وقال المزني وبعض أصحاب داود: لا جزاء في البيض. وقال مالك: يضمنه بعشر ثمن أصله. قال ابن المنذر: واختلفوا في بيض الحمام، فقال علي وعطاء: في كل بيضتين درهم، وقال الزهري والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور: فيه قيمته وسيأتي في بيض النعام حكمه إن شاء الله تعالى. ومن أحكامه في الصيد أنه إذا اختلطت حمامة مملوكة أو حمامات بحمامات مباحة محصورة لم يجز الإصطياد منها. ولو اختلطت بحمام ناحية جاز الإصطياد في الناحية. ولو اختلط حمام أبراج مملوكة لا تكاد تحصر بحمام بلدة أخرى مباحة ففي جواز الاصطياد منها وجهان: أصحهما الجواز. وبيع الحمام في البرج على تفصيل بيع السمك في البركة. وسيأتي في باب السين المهملة إن شاء الله تعالى لو باعها وهي طائرة اعتمادا على عادة عودها فوجهان:

أصحهما عند الإمام الجواز كالعبد المبعوث في شغل وعند الجمهور المنع إذ لا وثوق بعودها لعدم عقلها. ومن أحكامه في الربا أنه جنس واحد بجميع أنواعه. كذا قاله المراوزة. وقال العراقيون: إن كل نوع منه جنس واحد بجميع جنس، والقماري جنس، والفواخت جنس. وأما اتخاذه للبيض والفارخ وللأنس وحمل الكتب فجائز بلا كراهة. وأما اللعب به والتطير والمسابعة، فقيل:

يجوز لأنه لا يحتاج إليها في الحرب لنقل الأخبار والأصح كراهته، لما تقدم في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، الذي قال فيه: «شيطان يتبع شيطانة». قال ابن حبان بعد رواية هذا الحديث: إنما قال له شيطان، لأن اللاعب بالحمام، لا يكاد يخلو من لغو وعصيان، والعاصي يقال له شيطان قال الله تعالى شياطين الإنس والجن، وأطلق على الحمامة شيطانة للمجاورة، ولا ترد الشهادة بمجرد اللعب بالحمام، خلافا لمالك وأبي حنيفة فإن انضم إليه قمار أو نحوه ردت به الشهادة.

وروى أبو محمد الرامهرمزي في كتابه «المحدث الفاضل بين الراوي والواعي» عن مصعب الزبيري، قال: سمعت مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه وقد قال لابني أخته أبي بكر محمد وإسماعيل ابني أبي أويس. أراكما تحبان هذا الشأن وتطلبانه، يعني الحديث، قالا: نعم. قال:

فإن أحببتما أن تنتفعا، وينفع الله بكما فأقلا منه وفقها. ونزل ابن مالك من فوق سطح، ومعه حمام قد غطاه، فعلم مالك أنه قد فهمه الناس فقال مالك: الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات. وروي عنه أيضا، أنه قال: كان يحيى بن مالك بن أنس، يدخل ويخرج ولا يجلس معنا عند أبيه، فكان إذا نظر إليه أبوه قال: هاه إن ما تطيب به نفسي أن

هذا الشأن لا يورّث، وإن أحدا لم يخلف أباه في مجلسه إلا عبد الرحمن ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وكان أفضل أهل زمانه، وكان أبوه أفضل أهل زمانه. وقال البخاري في المناسك، من صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، وكان أفضل أهل زمانه، أنه سمع أباه، وكان أفضل أهل زمانه، يقول:

سمعت عائشة ﵂ تقول: «طببت رسول الله ﷺ بيدي هاتين». الحديث وأم عبد الرحمن قريبة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، واتفق الناس على جلالته وإمامته وثقته وورعه وكثرة علمه، ولد في حياة عائشة رضي الله تعالى عنها، وتوفي سنة ست وعشرين ومائة. روى له الجماعة. وروي أن المنصور أمير المؤمنين، قال له يوما:

عظني بما رأيت، قال: مات عمر بن عبد العزيز وخلف أحد عشر ابنا، فبلغت تركته سبعة عشر دينارا، كفن منها بخمسة دنانير، واشتري له موضع القبر بدينارين، وأصاب كل واحد من أولاده تسعة عشر درهما. ومات هشام بن عبد الملك، وخلف أحد عشر ابنا، فورث كل واحد منهم ألف ألف درهم، ثم إني رأيت رجلا من أولاد عمر بن عبد العزيز حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله تعالى. ورأيت رجلا من أولاد هشام يسأل أن يتصدق عليه انتهى. قلت: وهذا أمر غير عجيب فإن عمر وكلهم إلى ربه فكفاهم وأغناهم، وهشام وكلهم إلى دنياهم فأفقرهم مولاهم.

وأما بيع زرق الحمام، وسرجين البهائم المأكولة وغيرها، فباطل وثمنه حرام، هذا مذهبنا. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السرجين لإتفاق أهل الأعصار، في جميع الأمصار، على بيعه من غير إنكار، ولأنه يجوز الانتفاع به فجاز بيعه كسائر الأشياء. واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى إذا حرم على قوم شيئا، حرم عليهم ثمنه». وهو حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح. وهو عام إلا ما خرج بدليل، كالحمار وبأنه نجس العين فلم يجز بيعه. كالعذرة فإنهم وافقونا على بطلان بيعها، مع أنه ينتفع بها. وأما الجواب عما احتجوا به، فهو ما أجاب به الماوردي وغيره، أن بيعه إنما يفعله الجهلة والأراذل فلا يكون ذلك حجة في دين الإسلام. وأما قولهم: إنه ينتفع به فأشبه غيره، فالفرق أن هذا نجس بخلاف غيره.

الأمثال قالوا: «آمن من حمام الحرم، وآلف من حمام مكة». وقالوا: «تقلدها طوق الحمامة»، كناية عن الخصلة القبيحة، أي تقلدها كطوق الحمامة، لأنه لا يزايلها ولا يفارقها، كما لا يفارق الطوق الحمامة، ومثله قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ

. أي إن عمله لازم له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم ذكر حسيبا؟

قلت: لأنه بمنزلة الشاهد والقاضي والأمين، لأن هذه الأمور الغالب أن يتولاها الرجال، فكأنه

قيل له: كفى بنفسك رجلا حسيبا. وكان الحسن البصري إذا قرأها قال: يا ابن آدم أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك. وقيل في قوله تعالى: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ

أي يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق. يقال: طوق فلان الحمامة، أي ألزم جزاء عمله. روى الإمام أحمد في الزهد عن مطرف أنه قال: إذا أنامت، فلا تحبسوني لكي يجتمع الناس، فأطوقهم طوق الحمامة. ومن هذا المعنى. قول عبد الله بن جحش لأبي سفيان:

أبلغ أبا سفيان عنأمر عواقبه ندامه
دار ابن عمك بعتهاتقضي بها عنك الغرامه
وحليفكم بالله رب الناس مجتهد القسامه
اذهب بها اذهب بهاطوّقتها طوق الحمامه

أي لزمه عارها. قال الإمام عبد الرحمن السهيلي: هذا المثل منتزع من قول رسول الله ﷺ «من غصب شبرا من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين». وقوله: طوق الحمامة لأن طوقها لا يفارقها ولا تلقيه عن نفسها أبدا، كما يفعل من لبس طوقا من الآدميين. وفي هذا البيت، من حلاوة الإشارة، وملاحة الاستعارة مالا مزيد عليه. وفي قوله: طوق الحمامة ردّ على من تأوّل قوله ﷺ: «طوّقه من سبع أرضين» أنه من الطاقة، لا من الطوق في العنق. وقاله الخطابي في أحد قوليه، مع أن البخاري قد قال في بعض رواياته: خسف به إلى سبع أرضين.

وفي مصنف ابن أبي شيبة «من غصب شبرا من أرض جاء به اسطاما في عنقه». والاسطام كالحلق من الحديد وقالوا: «أخرق من حمامة» لأنها لا تحكم عشها وذلك لأنها ربما جاءت إلى الغصن من الشجرة فتبني عليه عشها في الموضع الذي تذهب به الريح فينكسر من بيضها أكثر مما يسلم قال عبيد بن الأبرص:

عيوا بأمرهم كماعييت بيضتها الحمامة
للشاعر يزيد بن مفرغ الحميري، اقرأ القصيدة
جعلت لها عودين منبشم وآخر من ثمامه
للشاعر عبيد بن الأبرص، من قصيدة «يا عين فابكي ما بني»

الخواص إذا سكن المخدور بقربها أو في بيت يجاورها أو في بيت هي فيه برىء. وفي مجاورتها أمان من الخدر والفالج والسكتة والسبات. وهذه خاصية عظيمة بديعة ودمها إذا اكتحل به حارا نفع من الجراحات العارضة للعين والغشاوة. ودمها خاصة يقطع الرعاف الذي من حجب الدماغ، وإذا خلط بالزيت ابرأ من حرق النار وزبل الحمام حار، وأشده حرارة زبل

البري، الذي لا يأوي البيوت، وأعجب ما في زبله أنه إذا سخن في الماء وجلس فيه من به عسر البول، ابرأه ومما جرب لعسر البول: أن يكتب له في إناء نظيف، ثم يذاب بماء ويسقى لمن به ذلك فإنه يبول من وقته وساعته، قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ

وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ

رمص نفح وشفوا بفضل الله ﷿. وإذا طلي بالخل وضمد به من به وجع الاستسقاء، نفعه نفعا بينا. وزبل الحمام الأحمر إذا شرب منه قدر درهمين، مع ثلاثة دراهم دارصيني نفع من الحصاة. ولحم الحمام جيد للكلى ويزيد في المني والدم، وإذا شقت وهي حية ووضعت وهي حارة في موضع لسع العقرب نفعت نفعا بينا، وزبل الحمام إذا بخر به المطلقة أسرع بنزول الولد والمشيمة.

التعبير الحمام في المنام رسول أمين، أو صديق صدوق، أو حبيب أنيس، وربما دلت رؤية الحمام على النوح والتعديد. قال الشاعر:

صب ينوح إذا الحمام ينوح

وربما دلت الحمامة في الرؤيا على امرأة مباركة حسناء عربية لا تبتغي ببعلها بدلا. والحمام على رأس المريض هو حمام الموت قال الشاعر:

هن الحمام فإن كسرت عيافةمن حائهن فإنهن حمام
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دمن ألم بها فقال سلام»

وبروجها مجمع النساء، وفراخها بنون فمن رأى أنه يعلف الحمام، ويدعوهن إليه فإنه يقود. وإن حشر الحمام والغربان في مكان واحد، فإنه يقود أيضا، لأن الغربان فسّاق وكل شيء يحشر مع غير جنسه كالنعاج والكلاب وأشباه ذلك فإنه قيادة. وهدير الحمام كلام باطل، ومن سمع حمامة تهدر فإنه يدل على امرأة تعاتب زوجها. ومن رأى حمامة قدمت عليه وتلقاها فإنه يرد عليه كتاب. ومن نفرت منه حمامته ولم تعد إليه فإنه يطلق زوجته أو تموت. ومن رأى كأن له حماما، فإنه يشتري الجواري. ومن قص جناح حمامة في المنام، فقد حلف على زوجته أن لا تخرج من بيته، أو تلد أو تحمل، لأن النفاس والحمل يمنعان من الخروج، والحمام الذي يهدي إلى الطريق فإنه خبر يأتي الرائي من مكان بعيد. والحمام في المنام دليل خير لمن يصادق أو يشارك لاجتماع بعضه مع بعض في الطيران والمزاوجة. وقال جاماسب: من اصطاد الحمام في منامه، أكل مال أعدائه. ومن رأى بعين حمامته نقصا، فهو نقص في دين زوجته وخلقها. وقال ابن المقري:

رؤية المنسوب من الحمام إلى من دونه شريف القدر أو النسب. ورؤيته دال على الإفراج والنصر على الأعداء، واللهو واللعب وربما دل الحمام على الأزواج الصينات، وذوات الحفظ للأسرار، والكد على العيال، وربما دل على الحمام الذي هو الموت، وربما دل المرأة ذات الأولاد، والرجل الكثير النسل، المنعكف على أهل بيته والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.