من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الحيوان
جنس الحي والحيوان: الحياة والحيوان ماء في الجنة قاله ابن سيده. والحيوان نهر في السماء الرابعة يدخله ملك كل يوم، فيغمس فيه ثم يخرج، فينتفض انتفاضة، يخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق الله تعالى من كل قطرة ملكا يؤمرون أن يطوفوا بالبيت المعمور، فيطوفون به ثم لا يعودون إليه أبدا، ثم يقفون بين السماء والأرض يسبحون الله تعالى إلى يوم القيامة. كذا رواه روح بن جناح مولى الوليد بن عبد الملك، الذي روى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» وحديثه هذا في كتابي الترمذي وابن ماجه. وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
أي ليس فيها إلا حياة دائمة مستمرة خالدة لا موت فيها، فكأنها في ذاتها حياة. والحيوان مصدر حيي، وقياسه حييان فقلبوا الياء الثانية واوا كما قالوا: حيوة في اسم رجل، وبه سمي ما فيه حياة حيوانا، وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة وهو ما في بناء فعلان من الحركات، ومعنى الاضطراب كالنزوان، وما أشبه ذلك. والحياة حركة كما أن الموت سكون، فمجيئه على ذلك مبالغة في معنى الحياة. وقال ابن عطية: الحيوان والحياة بمعنى واحد. وهو عند الخليل وسيبويه مصدر كالهيمان ونحوه. والمعنى لا موت فيها، قاله مجاهد وهو حسن. ويقال:
الأصل حييان بياءين، فأبدلت إحداهما واوا لاجتماع المثلثين. وقال الجاحظ: الحيوان على أربعة أقسام شيء يمشي، وشيء يطير، وشيء يعود، وشيء ينساخ في الأرض. إلا أن كل شيء يطير يمشي، وليس كل شيء يمشي يطير. فأما النوع الذي يمشي، فهو على ثلاثة أقسام: ناس وبهائم وسباع، والطير كله سبع وبهيمة وهمج. والخشاش ما لطف جرمه وصغر جسمه، وكان عديم السلاح. والهمج ليس من الطيور، ولكنه يطير وهو فيما يطير كالحشرات فيما يمشي. والسبع من الطير ما أكل اللحم خالصا، والبهيمة ما أكل الحب خالصا والمشترك كالعصفور، فإنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وهو يلتقط الحب، ومع ذلك يصيد النمل، ويصيد الجراد، ويأكل اللحم. ولا يزق فراخه كما يزق الحمام، فهو مشترك الطبيعة، وأشباه العصافير من المشترك كثيرة، وليس كل ما طار بجناحين من الطير. فقد يطير الجعلان والذباب والزنابير والجراد والنمل والفراش والبعوض والأرضة والنحل وغير ذلك، ولا تسمى طيورا، وكذلك الملائكة تطير ولها أجنحة، وليست من الطير، وكذلك جعفر بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة، وليس من الطير انتهى. وفي
الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ»
قال: «لعن الله من مثل بالحيوان». وفي رواية «لعن الله من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا». وفي رواية «نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم». قال العلماء تصبير البهائم هو أن تحبس وهي أحياء لتقتل بالرمي ونحوه، وهو معنى قوله: «لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا» أي يرمى إليه كالغرض من الجلود وغيرها. وهذا النهي للتحريم لأن النبي ﷺ لعن فاعله، ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه، وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته، إن كان مذكى، ولمنفعته إن لم يكن مذكى.
تتمة في كتاب التنوير في إسقاط التدبير، قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الإسكندري وإنما خص الله تعالى الحيوان بالافتقار إلى التغذية، دون غيره من الموجودات، لأنه تعالى وهب للحيوان من صفاته ما لو تركه من غير فاقة لا دعى الربوبية، أو ادعى فيه ذلك فأراد الحق سبحانه، وهو الحكيم الخبير، أن يحوجه إلى مأكل ومشرب وملبس وغير ذلك، من أسباب الحاجة، ليكون تكرار أسباب الحاجة منه سببا لخمود الدعوى منه أو فيه.
الحكم يصح السلم في الحيوان، لأنه يثبت في الذمة ثمنا وصداقا، وفي إبل الدية. وصح أن النبي ﷺ استسلف بكرا ومنع أبو حنيفة ﵁ ذلك. لأن ابن مسعود ﵁ كرهه، ولأنه لا ينضبط بالصفة لنا ما روى أبو داود والحاكم على شرط مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أشتري بعيرا ببعيرين إلى أجل» وروى البيهقي عن علي ﵁، أنه باع جملا له يدعى عصفور بعشرين بعيرا إلى أجل واشترى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة. رواه مالك في الموطأ في البخاري بغير إسناد. الربذة بالذال المعجمة موضع على ثلاث مراحل من المدينة وأما الحديث الذي رواه الحسن عن سمرة ﵁ «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان» فرواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح. هكذا قال علي بن المديني وغيره. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم في منع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه قال أحمد. وقد رخص بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم، في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. وهو قول الشافعي وإسحاق وقال الخطابي: النهي في حديث سمرة محمول على ما إذا كان نسيئة من الطرفين، فيكون من باب الكالىء بالكالىء بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المذكور وقال مالك: إذا اختلفت أجناس الحيوان جاز بيع بعضه ببعض نسيئة وإن تشابهت لم يجز وقال في الإحياء تكره التجارة في الحيوان لأن المشتري يكره قضاء الله فيه، وهو الموت الذي هو بصدده لا محالة. وقيل: بيع الحيوان واشتر الموتان. ويضمن سائر الحيوان إذا
أتلف بالقيمة لما في الصحيحين عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «من أعتق شركا له في عبد، فإن كان معه ما يبلغ ثمن العبد، قوم عليه وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد». وإلا فقد عتق منه ما عتق فأوجب القيمة في العبد بالإتلاف بالعتق، ولأن إيجاب مثله من جهة الخلقة لا يمكن لاختلاف الجنس الواحد في القيمة، فكانت القيمة أقرب إلى إيفاء حقه، وتضمن أعضاء الحيوان بما نقص من قيمته. وأوجب أبو حنيفة في عين الإبل والبقر والخيل ربع القيمة وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء في لفظ الفحل، أثر يشهد لذلك من حديث عروة البارقي وأوجب مالك ﵀ في قطع ذنب حمار ذي الهيئة وذنب بغلته تمام القيمة ويأخذ المتلف العين.
الخواص الخصي من الحيوان أبرد من فحله، وإذا كان سمينا كان لذيذا مرطبا ملينا للطبيعة، بطيء الانحدار، وما كان مهزولا فبالضد إلا أنه سريع الإنحدار. أجوده حولي المعز ومنفعته سرعة الانهضام، ومضرته أنه يرخي المعدة، ودفع مضرته شرب مياه الفواكه القابضة.
وهو يولد دما معتدلا يوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة من الشبان. ومن الأزمان زمان الربيع.
ويجب أن يعلم أن أفضل لحوم الحيوان ما كان معتدلا في الهزال والسمن. وأجود اللحوم لحم الضأن المتناهي الشباب والبقر التي لم تبلغ سن الشباب والخصي من المعز وأجوده على الإطلاق الضأن.
التعبير من كلمه حيوان من الدواب أو الطير وفهم كلامه، فإنه كما قال. وربما دل على وقوع أمر منه يعجب الناس له، وإن لم يفهم ما قاله فليحذر على مال يذهب منه، لأن الحيوان مأكله، وقد تكون هذه الرؤيا باطلة، فلا ينبغي أن يفتش عنها، وجلود سائر الحيوان ميراث.
وقيل: الجلود بيوت لمن ملكها لقوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً
وربما دلت جلود الحيوان كالسمور والسنجاب والوشق والقاقم والفنك والنمس والثعلب والأرنب والفهد للجلوس، وأشباه ذلك على النعمة الطائلة، والأموال والأرزاق، وعلو الشأن لمن لبسها في المنام أو رآها عنده، أو ملكها. وإذا رأى الأنسان كأن جلده سلخ، وكان مريضا، فإنه يموت وإلا افتقر وافتضح. وربما دلت الجلود على ما يعمل منها فجلود الإبل تدل على الطبول، وجلود الضأن على الكتابة والمعز على النطوع، وجلود البقر على الأوطئة والدلاء والسيور، وجلود الخيل والبغال والحمير على الأوعية والأسقية، وجلود الجاموس على الحصون. وأما الأصواف والأوبار والأشعار فكل ذلك دال على الفوائد والأرزاق والملابس، وأموال موروثة وغير موروثة أو مغتصبة. وأما القرون فتدل رؤيتها على الأعوام والسنين، أو السلاح أو ما يتجمل به من الأموال والأولاد والعز والجاه. وأما أنياب الفيل وعظمه، فإن ذلك دال على تركة من هلك من الملوك والزعماء. وأما أظلاف الحيوان فإنها تدل على الكد والسعي والاجتماع بين المرأة وزوجها، والوالدة وولدها.
والظلف في الصورة هاء مشقوقة وأما الأخفاف فقوة سفر وربما دل الخف في استدارته على العدو أو السقم أو التمهيد للأمور والتوطئة الحسنة. وأما الأذناب فإنها دالة على ما دل الحيوان عليه، ومن يساعده في مصالحه، ويذب عنه ما يخشاه. وأما أصوات الحيوان، فنذكرها هنا مفصّلة: فأما ثغاء
الشاة فلطافة من امرأة وصديق أو بر من رجل كريم. وأما ثغاء الجدي والكبش والحمل، فسرور وخصب. وأما صهيل الفرس، فهو هيبة من رجل شريف أو جندي شجاع. وأما نهيق الحمار، فسفه من رجل سفيه. وأما شحيج البغل، فصعوبة من رجل صعب المرام. وأما خوار العجل والثور والبقر فوقوع في فتنة. وأما رغاء الإبل، فسفر طويل في حج أو تجارة رابحة أو جهاد. وأما زئير الأسد، فخوف وهيبة لمن سمعه من ملك ظلوم. وأما ضغاء الهرة، فشهرة من خادم لص أو فاجر. وأما نهيز الفأرة، فضرب من رجل نقاب أو فاسق أو سرقة. وأما بغام الظبي، ففائدة من امرأة حسناء. وأما عواء الكلب، فخجل من سعى في الظلم. وأما عواء الذئب، فجور من لص غشوم. وأما صياح الثعلب، فكيد من رجل كذاب، أو امرأة كذابة. وأما وعوعة ابن آوى، فصراخ نساء أو ضجة المحبوسين اليائسين. وأما صياح الخنزير، فظفر بأعداء حمقى. وأما صوت الفهد، فتهدد من رجل مذبذب طامع ويظفر به من سمعه. وأما نقيق الضفدع، فدخول في عمل رجل عالم أو رئيس أو سلطان، وقيل: إنه كلام قبيح. وأما فحيح الحية فكلام من عدو كاتم للعداوة، ثم يظفر به من سمعه، ومن كلمته الحية بكلام لطيف فإنه عدو يخضع له ويتعجب الناس لذلك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع