تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

حيدرة

إسم من أسماء الأسد. روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، قال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يوم خيبر وهو أرمد، فقال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله، قال: ويحب الله ورسوله» فأتيت عليا وجئت به أقوده وهو أرمد حتى أتيت به النبي ﷺ، فبصق في عينيه فبرأ وأعطاه الراية. قال:

فبرز مرحب وهو يقول:

قد علمت خيبر أني مرحبشاكي السلاح بطل مجرب
للشاعر مرحب الخيبري، اقرأ القصيدة

إذا الحروب أقبلت تلتهب

قال: فبرز له علي ﵁ وهو يقول:

أنا الذي سمّتني أمي حيدرهكلّيث غابات كريه المنظره

أكيلهم بالسيف كيل السندره

وضرب مرحبا ففلق رأسه وقتله، وكان الفتح. قال السهيلي: ذكر قاسم بن ثابت في تسميته حيدرة ثلاثة أقوال: الأول أن اسمه في الكتب القديمة أسد والأسد هو حيدرة. والثاني أن

أمه فاطمة بنت أسد، حين ولدته. كان أبوه غائبا، فسمته باسم أبيها أسدا، فقدم أبوه فسماه عليا. والثالث أنه كان يلقب في صغره بحيدرة لأن الحيدرة الممتلىء لحما، العظيم البطن. وكذلك كان علي رضي الله تعالى عنه، ولذلك قال بعض اللصوص حين فر من سجنه الذي سماه نافعا وقيل يافعا بالياء:

ولو اني مكثت لهم قليلالجروني لحيدرة البطين

وكان مرحب قد رأى في المنام كأن أسدا افترسه، فأراد علي ﵁ أن يذكره أنه هو الأسد الذي يقتله، فكاشفه بذلك، فلما سمع مرحب قوله، تذكر المنام فأرعد فقتله علي رضي الله تعالى عنه، وبهذا يستدل على جواز المبارزة في الحرب بشرط أن لا يتضرر المسلمون بقتل المبارز.

فإن طلبها كافر، استحب الخروج إليه. وروى أبو داود بإسناد صحيح عن علي رضي الله تعالى عنه، أنه قال: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة بنفسه وتبعه أخوه وابنه، فنادى من يبارز؟

فانتدب إليه شبان من الأنصار فقال: من أنتم؟ فأخبروه: فقال: لا حاجة لنا فيكم إنما أردنا بني عمنا، فقال رسول الله ﷺ: «يا حمزة قم يا علي قم يا عبيدة بن الحارث، فأقبل حمزة إلى عتبة بن ربيعة، وأقبلت أنا إلى أخيه شيبة، وأقبل عبيدة إلى الوليد بن عتبة فاختلف بين عتبة والوليد ضربتان، فأثخن كل منهما صاحبه، ثم ملنا إلى الوليد فقتلناه، واحتملنا عبيدة إلى رسول الله ﷺ، ومخ ساقه يسيل، فقال: «أشهيد أنا يا رسول الله؟ قال: نعم» قال: وددت والله أن أبا طالب حيا ليعلم أننا أحق منه بقوله:

ولا نسلمه حتى نصرع حولهونذهل عن أبنائنا والحلائل

ثم أنشأ يقول:

فإن تقطعوا رجلي فإني مسلمأرجّي بها عيشا من الله عاليا
وألبسني الرحمن فضلا ومنةلباسا من الإسلام غطى المساويا

قال الشافعي ﵁: وبارز يوم الخندق عمرو بن عبدود لأنه خرج ينادي من يبارز؟ فقام له علي ﵁، وهو مقنع بالحديد، فقال: أنا له يا نبي الله. فقال: «إنه عمرو إجلس». فنادى عمرو ألا رجل يبارز؟ ثم جعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم يدخلها؟ أفلا يبرز إلي رجل منكم؟ فقام علي ﵁، وقال: أنا له يا رسول الله، فقال له: إنه عمرو اجلس. فنادى الثالثة وذكر شعرا فقام علي وقال: أنا له يا رسول الله. قال: إنه عمرو قال: وإن كان عمرا فأذن له رسول الله ﷺ، فمشى إليه حتى أتاه، فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: غيرك يا ابن أخي، أريد من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك. فقال علي ﵁: لكني والله لا أكره أن اهريق دمك! فغضب، ونزل عن فرسه وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي ﵁ مغضبا فاستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في الدرقة فقدها، وأثبت فيها السيف وأصاب رأس

علي فشجه، وضربه علي ﵁ على حبل عاتقه فسقط قتيلا، وثار العجاج. وسمع رسول الله ﷺ التكبير، فعرف ﷺ أن عليا قد قتله. اهـ وجاء في بعض الروايات أن عليا ﵁ لما بارز عمرا قال رسول الله ﷺ: «اليوم برز الإيمان كله للشرك كله» وكان سيف علي ﵁ يقال له ذو الفقار، لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، وكان لمنبه بن الحجاج، سلبه منه النبي ﷺ يوم بدر، وأعطاه عليا رضي الله تعالى عنه وكان من حديدة وجدت عند الكعبة من دفن جرهم، أو غيرهم، وكانت صمصامة عمرو بن معد يكرب من تلك الحديدة أيضا.

تتمة ينبغي لمقدم العسكر أن يتشبه بصفات من صفات الحيوان فيكون في قوة القلب كالأسد لا يجبن ولا يفر، وفي الكبر كالنمر لا يتواضع للعدو، وفي الشجاعة كالدب يقاتل بجميع جوارحه، وفي الحملة كالخنزير لا يولي دبره إذا حمل، وفي الغارة كالذئب إذا يئس من وجه أغار من وجه، وفي حمل السلاح كالنملة تحمل أضعاف وزن بدنها، وفي الثبات كالحجر لا يزول عن مكانه، وفي الوفاء كالكلب لو دخل سيده النار يتبعه، وفي الصبر كالحمار، وفي التماس الفرصة كالديك، وفي الحراسة كالكركي وفي التعب كاليعر، وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والمشقة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.