تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الحوت

السمك والجمع أحوات وحوتة وحيتان. قال الله تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ

الآية. وهذا يمكن أن يقع من الحيتان بإرسال من الله تعالى، كإرسال السحاب أو بوحي الهام كالوحي إلى النحل، أو بإشعار في ذلك اليوم، نحو ما يشعر الله الدواب يوم الجمعة، بأمر الساعة حسبما يقتضيه قول رسول الله ﷺ: «ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقا من قيام الساعة» ويحتمل أن يكون ذلك من الحيتان شعورا بالسلامة في ذلك اليوم، على نحو شعور حمام الحرم بالسلامة. قال أصحاب القصص: كان الحوت يقرب ويكثر حتى يمكن أخذه باليد، فإذا كان يوم الأحد، غاب بجملته، وقيل: يغيب أكثره ولا يبقى منه إلا القليل وستأتي القصة في ذلك في باب القاف في لفظ القرد. وروينا بالسند الصحيح عن سعيد بن جبير أنه قال: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض، لم يكن فيها غير النسر في البر، والحوت في البحر، وكان النسر يأوي إلى الحوت فيبيت عنده، فلما رأى النسر آدم ﵇، أتى الحوت وقال: يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض من يمشي على رجليه ويبطش بيديه، فقال الحوت: لئن كنت صادقا فمالي منجى منه في البحر ومالك مخلص منه في البر.

الأمثال قال الشاعر:

كالحوت لا يلهيه شيء يلهمهيصبح ظمآن وفي البحر فمه

اللهم الابتلاع يضرب لمن عاش بخيلا شرها.

روى الطبراني: في معجمه الأوسط عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ، قال: «علماء هذه الأمة رجلان: رجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طعما، ولم يشتر به ثمنا قليلا، فلذلك يصلي عليه طير السماء، وحيتان الماء، ودواب الأرض، والكرام الكاتبون، يقدم على الله سيدا شريفا، حتى يرافق المرسلين. ورجل آتاه الله علما في الدنيا، فضن به على

عباد الله وأخذ عليه طعما، واشترى به ثمنا قليلا، فذاك يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار، وينادي مناد على رؤوس الأشهاد هذا فلان ابن فلان، آتاه الله علما في الدنيا فضن به على عباد الله، وأخذ عليه طعما واشترى به ثمنا قليلا، ثم يعذب حتى يفرغ من الحساب ويكفي الحوت شرفا أنه كان وعاء ومسكنا لنبي الله يونس ﵊، وذلك أن الله تعالى أوحى إليه إني لم أجعل لك يونس رزقا، وإنما جعلت بطنك له حرزا وسجنا، ثم استنقذه الله تعالى من بطنه، واختلف في مدة لبثه في بطن الحوت فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام، وقال عطاء: سبعة أيام، وقال الضحاك: عشرين يوما، وقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما، وقال الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية. وأما قوله تعالى: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ

فالمراد باليقطين هنا القرع على قول جميع المفسرين. فكل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ليس له ساق ولا يبقى على الشتاء نحو القرع والقثاء والبطيخ فهو يقطين.

فائدة سئل إمام الحرمين هل الباري تعالى في جهة؟ فقال: هو متعال عن ذلك. فقيل له: ما الدليل على ذلك؟ فقال: قوله ﷺ: «لا تفضلوني على يونس بن متى». فقيل له:

ما وجه ذلك؟ فقال: لا أقول حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينه. فقام بها رجلان، فقال: إن يونس بن متى رمى نفسه في البحر فالتقمه الحوت وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث ونادى أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

ولم يكن النبي ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر، وانتهى إلى أن سمع صريف الأقلام وناجاه ربه بما ناجاه، وأوحى إليه ما أوحى، بأقرب إلى الله تعالى من يونس بن متى في بطن الحوت في ظلمة البحر انتهى. وسيأتي في باب النون إن شاء الله تعالى جواب ابن عباس ﵄ عن رسالة ملك الروم، التي سأل فيها معاوية عن القبر الذي سار بصاحبه وروى الحاكم في المستدرك بإسناد فيه يزيد بن البلوي، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فإذا في الوادي رجل يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، قال: فأشرفت عليه فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع، فقال: من أنت؟ قلت: أنا أنس بن مالك خادم النبي ﷺ، فقال: وأين هو؟ قلت: هو ذا يسمع منك كلامك. قال: فأته واقرئه مني السلام، وقل له: أخوك الياس يقرئك السلام. قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فجاء حتى عانقه وقعدا يتحدثان. فقال: يا رسول الله إني إنما آكل في السنة يوما واحدا، وهذا يوم فطري، فآكل أنا وأنت فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني، وصليا العصر ثم ودعه ثم رأيته مر في السحاب نحو السماء. قال الحاكم صحيح الإسناد. قال شيخ الإسلام العلامة شمس الدين الذهبي ﵀ في الميزان: أما استحيا الحاكم

من الله تعالى في تصحيح مثل هذا؟ وقال في تلخيص المستدرك، بعد قول الحاكم «هذا صحيح» قلت: بل هو موضوع قبح الله من وضعه، وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم إلى تصحيح هذا اهـ.

فائدة قال القشيري: يقال: إن سليمان ﵊ سأل ربه، ﷾، أن يأذن له أن يضيف يوما، جميع الحيوانات، فأذن الله تعالى له، فأذن الله تعالى له، فأخذ سليمان في جمع الطعام مدة طويلة، فأرسل الله تعالى له حوتا واحدا من البحر، فأكل كل ما جمعه سليمان، في تلك المدة الطويلة، ثم استزاده فقال سليمان: لم يبق عندي شيء، ثم قال له: وأنت تأكل كل يوم مثل هذا؟ فقال: رزقي كل يوم ثلاثة أضعاف هذا، ولكن الله لم يطعمني اليوم إلا ما أطعمتني أنت، فليتك لم تضيفني فإني بقيت اليوم جائعا حيث كنت ضيفك! انتهى. وفي هذا إشارة إلى كمال قدرة الله تعالى، وعظيم سلطانه، وسعة خزائنه، إذ مثل سليمان مع سعة ملكه وقوة سلطانه الذي آتاه الله تعالى، عجز أن يشبع مخلوقا واحدا من مخلوقات الله تعالى. فسبحانه المتكفل بأرزاق خلقه. وهنا دقيقة يجب أن ينتبه لها: وهي أن الشبع والري ليس هو من فعل الطعام والماء، وإنما أجرى الله العادة بخلق الشبع عند أكل الطعام، وخلق الري عند شرب الماء، فالشبع والري خلق الله تعالى. هذا مذهب أهل الحق ولا التفات لمن قال غير ذلك.

وحكمه وخواصه وتعبيره

: كالسمك وسيأتي في باب السين المهملة إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.