تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الخطاف

بضم الخاء المعجمة جمعه خطاطيف ويسمى زوار الهند وهو من الطيور القواطع إلى الناس، تقطع البلاد البعيدة إليهم رغبة في القرب منهم ثم إنها تبني بيوتها في أبعد المواضع عن الوصول إليها، وهذا الطائر يعرف عند الناس بعصفور الجنة، لأنه زهد ما في أيديهم من الأقوات فأحبوه لأنه إنما يتقو بالذباب والبعوض. وفي الحديث الحسن، الذي رواه ابن ماجه وغيره، عن سهل بن سعد الساعدي، أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس فقال: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ». فأما كون الزهد في الدنيا سببا لمحبة الله تعالى فلأنه تعالى يحب من أطاعه ويبغض من عصاه، وطاعة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا، وأما كونه سببا لمحبة الناس فلأنهم يتهافتون على محبة الدنيا، وهي جيفة منتنة وهم كلابها، فمن زاحمهم عليها أبغضوه، ومن زهد فيها أحبوه كما قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:

وما هي إلا جيفة مستحيلةعليها كلاب همهن اجتذابها
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «خبتْ نارُ نفسي بِاشْتِعالِ مَفَارِقي»
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلهاوإن تجتذبها نازعتك كلابها
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «خبت نار نفسي باشتعال مفارقي»

وقد أحسن القائل في وصف الخطاف:

كن زاهدا فيما حوته يد الورىتضحي إلى كل الأنام حبيبا؟
أو ما ترى الخطاف حرم زادهمأضحى مقيما في البيوت ربيبا

سماه ربيبا لأنه يألف البيوت العامرة دون الخربة، وهو قريب من الناس ومن عجيب أمره أن عينه تقلع ثم ترجع ولا يزى واقفا على شيء يأكله أبدا ولا مجتمعا بأنثاه، والخفاش يعاديه فلذلك

إذا فرخ يجعل في عشه قضبان الكرفس فلا يؤذيه إذا شم رائحته ولا يفرخ في عش عتيق حتى يطينه بطين جديد ويبني عشه بناء عجيبا. وذلك أنه يهيىء الطين مع التبن فإذا لم يجد طينا مهيئا ألقى نفسه في الماء ثم يتمرغ في التراب حتى يمتلىء جناحاه، ويصير شبيها بالطين، فإذا هيأ عشه جعله على القدر الذي يحتاج إليه هو وأفراخه ولا يلقي في عشه زبلا بل يلقيه إلى خارج، فإذا كبرت فراخه علمها ذلك. وأصحاب اليرقان يلطخون فراخ الخطاف بالزعفران فإذا رآها صفراء ظن أن اليرقان أصابها من شدة الحر فيذهب فيأتي بحجر اليرقان من أرض الهند، فيطرحه على فراخه، وهو حجر صغير فيه خطوط بين الحمرة والسواد يعرف بحجر السنونو فيأخذه المحتال فيعلقه عليه أو يحكه ويشرب من مائه يسيرا فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. والخطاف متى سمع صوت الرعد يكاد أن يموت، وقال ارسطو في كتاب النعوت: الخطاطيف إذا عميت أكلت من شجرة يقال لها عين شمس فيرد بصرها لما في تلك الشجرة من المنفعة للعين وفي رسالة القشيري في آخر باب المحبة أن خطافا راود خطافة على قبة سليمان ﵊ فامتنعت منه، فقال لها: أتمتنعين علي ولو شئت لقلبت القبة على سليمان، فسمعه سليمان فدعاه وقال له ما حملك على ما قلت؟ فقال:

يا نبي الله العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم قال: صدقت.

فائدة ذكر الثعلبي وغيره في تفسير سورة النمل أن آدم ﵊، لما أخرج من الجنة اشتكى إلى الله تعالى الوحشة، فآنسه الله تعالى بالخطاف، وألزمها البيوت فهي لا تفارق بني آدم أنسالهم. قال: ومعها أربع آيات من كتاب الله ﷿ وهي لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً

إلى آخر السورة، وتمد صوتها بقوله العزيز الحكيم. والخطاطيف أنواع:

منها نوع يألف سواحل البحر يحفر بيته هناك، ويعشش فيه، وهو صغير الجثة دون عصفور الجنة، ولونه رمادي والناس يسمونه سنونو بضم السين المهملة ونونين. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب السين المهملة، ومنها نوع أخضر على ظهره بعض حمرة أصغر من الذرة يسميه أهل مصر الخضيري، لخضرته يقتات الفراش والذباب ونحو ذلك، ومنها نوع طويل الأجنحة رقيقها يألف الجبال، ويأكل النمل، وهذا النوع يقال له السمائم مفرده سمامه، ومنهم من يسمي هذا النوع السنونو الواحدة سنونوة، وهو كثير في المسجد الحرام يعشش في سقفه في باب إبراهيم وباب بني شيبة. وبعض الناس يزعم أن ذلك هو الطير الأبابيل الذي عذب الله تعالى به أصحاب الفيل. روى نعيم بن حماد عن الحسن ﵁، قال: دخلنا على ابن مسعود ﵁، وعنده غلمان كأنهم الدنانير، أو الأقمار حسنا فجعلنا نتعجب من حسنهم، فقال عبد الله كأنكم تغبطوني بهم؟! فقلنا: والله إن مثل هؤلاء يغبط بهم الرجل المسلم، فرفع رأسه إلى سقف بيت له قصير، قد عشش فيه الخطاف وباض، فقال: والذي نفسي بيده لأن أكون قد نفضت يدي من تراب قبورهم، أحب إلي من أن يخرج عش هذا الطائر فينكسر بيضه. قال ابن المبارك: إنما قال ذلك خوفا عليهم من العين. قال أبو إسحاق الصابي يصف الخطاف:

وهندية الأوطان زنجية الخلقمسوّدة الألوان محمرة الحدق
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
إذا صرصرت صرت بآخر صوتهاحداد فأذرت من مدامعها العلق
كأن بها حزنا وقد لبست لهكما صر ملوي العود بالوتر الحزق
تصيف لدينا ثم تشتو بأرضهاففي كل عام نلتقي ثم نفترق
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

الحكم يحرم أكل لحم الخطاطيف لما روى أبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية وهو من التابعين عن النبي ﷺ أنه نهى عن قتل الخطاطيف وقال: «لا تقتلوا هذه العوذ إنها تعوذ بكم من غيركم». ورواه البيهقي وقال: إنه منقطع. قال: ورواه إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبيه، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الخطاطيف عوذ البيوت». ومن هذه الطريق رواه أبو داود في مراسيله، قال البيهقي: وهو منقطع أيضا. لكن صح عن عبد الله بن عمر ﵄ موقوفا عليه، أنه قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح. ولا تقتلوا الخطاف فإنه لما خرب بيت المقدس، قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم». قال البيهقي: اسناده صحيح. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الضاد المعجمة في الحديث «إن النبي ﷺ نهى عن الجلالة والمجثمة والخطفة». بإسكان الطاء وفيها تأويلان أحدهما أن الخطفة ما اختطفه السبع من الحيوانات فأكله حرام. قاله ابن قتيبة: الثاني إن النهي عما يختطف بسرعة ومنها سمي الخطاف لسرعة اختطافه. قاله ابن جرير الطبري ونقله عنه في الحاوي. فعلى هذا يحرم كل ما كان يتقوت بما يختطفه، ولأنه يتقوت من الخبائث قال الماوردي: كل ما كان مستخبثا كالخطاطيف والخفافيش فأكله حرام لخبث لحمه. وقال محمد بن الحسن ﵁: إنه حلال لأنه يتقوت بالحلال غالبا قال أبو عاصم العبادي: وهذا محتمل على أصلنا. وإليه مال أكثر أصحابنا. وحكاه في شرح المهذب قولا عن حكاية البندنيجي.

الخواص قال ارسطو: إن أخذت عين الخطاف وجعلت في خرقة، وشدت على سرير فمن صعد على ذلك السرير لم ينم. وإن أخذت وجففت وسحقت بدهن طيب، فأي امرأة شربت منه أحبت الساقي. وإن أخذت وسحقت بدهن زنبق ومسحت به سرة امرأة نفساء نفعتها. وقلبه إذا سحق بعد تجفيفه وشرب هيج الباه. ودمه إذا سقيت منه امرأة، وهي لا تعلم، سكن عنها شهوة الجماع. وإن ضمد به اليافوخ سكن الصداع الحادث من الأخلاط. وزبله يسحق ويطلى به على الدبيلة تبرأ. ومرارته تسود الشعر الأبيض شربا، وينبغي أن يملأ الشارب فمه حليبا لئلا تسود أسنانه. ولحمه يورث السهر لآكله وفي رأس الخطاف حصاة فيها منافع شتى، وكل خطاف يبلع تلك الحصاة فمن ظفر بها وحملها معه وقته السوء، وكانت له وسيلة إلى من يحب حتى لا يقدر على رده. قال الاسكندر: يوجد عند أول بطن من بطون الخطاطيف في أعشاشها، أول ما يبرزن ويظهرن في العش، حجران أبيضان أو أبيض وأحمر، إن وضع الأبيض على المصروع أفاق، وإن وضع على المعقود حله، والأحمر إن علق على من به عسر البول أبرأه، وربما وجد هذان الحجران مختلفي. الأحوال أحدهما طويل والآخر ململم إن جعلا في جلد عجل وعلقا على من به وسواس وتخيل أبرأه. ولا يوجدان إلا في العش الذي يكون في ناحية المشرق

دون غيره، وهو عجيب مجرب وقال ابن الدقاق: إن أخذ الطين من عشه، وأديف بالماء وشرب أدر البول، مجرب نافع.

التعبير

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.