تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

السخلة

ولد الشاة من الضأن أو المعز ذكرا كان أو أنثى والجمع سخل وسخلة وسخال قال الشاعر:

فللموت تغدو الوالدات سخالهاكما لخراب الدور تبنى المساكن

وهذه لام العاقبة كقول الآخر:

أموالنا لذوي الميراث نجمعهاودورنا لخراب الدهر نبنيها
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «النفس تبكي على الدنيا وقد علمت»

ولم يبنوها للخراب ولكن إليها مآلها كقول الآخر:

فإن يكن الموت أفناهمفللموت ما تلد الوالده
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

وقال تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً

وقال تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا

الآية.

فائدة : قال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة وضعها من الضأن والمعز جميعا ذكرا كانت أو أنثى سخلة، ثم هي بهمة بفتح الباء الموحدة للذكر والأنثى جميعا وجمعها بهم، فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فهو جفار واحدها جفر، والأنثى جفرة فإذا رعى وقوي فهو عريض وعتود وجمعهما عرضان وعتدان، وهو في ذلك كله جدي والأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول وجمعها عنوق. الذكر تيس إذا أتى عليه الحول، والأنثى عنز ثم تجزع في السنة الثانية، فالذكر جذع والأنثى جذعة. روى مالك عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «اعتد عليهم في الزكاة بالسخلة». وبه استدل الشافعي وغيره على أن ما نتج من النصاب يزكى بحول الأصل، لأن الحول إنما اعتبر للنماء والسخال في نفسها نماء، حتى لو نتجت قبل الحول بلحظة تزكى بحول النصاب، وإن ماتت الأمهات كلها قبل انقضاء حولها، على الأصح. وقيل: يشترط بقاء نصاب من الأمهات، وقيل: يشترط بقاء شيء منها ولو واحدة. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي، من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ مر بسخلة جرباء قد أخرجها

أهلها فقال: «والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله تعالى من هذه على أهلها». وروى البزار في مسنده عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ مر بدمنة قوم، فيها سخلة ميتة، فقال ﷺ: «أما لأهلها فيها حاجة» ؟ فقالوا: يا نبي الله لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها! قال ﷺ «فو الله للدنيا أهون على الله من هذه السخلة على أهلها فلا ألفينها أهلكت أحدكم». وفي سيرة ابن هشام أن النبي ﷺ، لما خرج هو وأصحابه إلى غزوة بدر،.. لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله ﷺ، فقال: أو فيكم رسول الله؟ قالوا: نعم فسلم عليه. ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه؟

فقال له سلمة بن سلامة بن وقش، وكان غلاما حدثا: لا تسأل رسول الله وأقبل علي فأنا أخبرك بذلك! ففي بطنها منك سخلة. فقال له رسول الله ﷺ: «مه» .. فخشيت على الرجل ثم أعرض عن سلمة. ورواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة بزيادة وهو أنه قال لقي رسول الله ﷺ رجلا من أهل البادية وهو متوجه إلى بدر، لقيه بالروحاء فسأله القوم عن خبر الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقالوا له: سلم على رسول الله ﷺ فقال: أو فيكم رسول الله؟ قالوا: نعم فسلم عليه ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه؟

فقال له سلمة بن سلامة بن وقش، وكان غلاما حدثا: لا تسأل رسول الله وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك! نزوت عليها ففي بطنها سخلة منك فقال رسول الله ﷺ: «مه». فخشيت على الرجل ثم أعرض عنه رسول الله ﷺ فلم يكلمه كلمة واحدة حتى قفلوا واستقبلهم المسلمون بالروحاء يهنونهم فقال سلمة: يا رسول الله ما الذي يهنئونك والله إن رأينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعتقلة فنحرناها فقال رسول الله ﷺ: «إن لكل قوم فراسة، وإنما يعرفها الأشراف». ثم قال: هذا صحيح مرسل.

ويتصل بذكر الفراسة ما رواه الحاكم عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه. والمرأة التي رأت موسى ﵇، فقالت لأبيها: يا أبت استأجره. وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما. قال الحاكم: فرضي الله تعالى عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم بهذا الإسناذ الصحيح.

فرع : السخلة المرباة بلبن كلبة، لها حكم الجلالة، يكره أكلها كراهة تنزيه على الأصح في الشرح الكبير، والروضة والمنهاج. وبه جزم الروياني والعراقيون. وقال أبو اسحاق المروزي والقفال: كراهة تحريم، ورجحه الإمام والغزالي والبغوي والرافعي في المحرر. والجلالة هي التي تأكل العذرة والنجاسات سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو الدجاج أو الأرز أو السمك، أو غير ذلك من المأكول.

وقد تقدم في باب الدال المهملة، في الدجاج، أن النبي ﷺ «كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك». وروى الدارقطني والحاكم والبيهقي، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ «نهى عن أكل الجلالة وشرب ألبانها حتى تحبس».

قال الحاكم: صحيح الإسناد وقال البيهقي: ليس بالقوي. ثم إن لم يظهر بسبب ذلك تغير في لحمها، فلا تحريم ولا كراهة. واختلفوا فيما يناط به الحرمة والكراهة، فنقل الرافعي عن تتمة التتمة، أنه إن كان أكثر أكلها الطاهرات فليست بجلالة، والأصح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة فإن كان يوجد في عرقها أو فيها أدنى ريح النجاسة وإن قل فالموضع موضع النهي، وإلا فلا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن موضع النهي، ما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو كانت تقرب من الرائحة فأما إذا كانت الرائحة توجد يسيرة، فلا اعتبار بها. والصحيح الأول إلحاقا لها بالتغير اليسير بالنجاسة في المياه فإن علفت الجلالة علفا طاهرا مدة حتى طاب لحمها، وزالت النجاسة زالت الكراهة. ولا تقدر مدة العلف عندنا بزمن بل المعتبر زوال الرائحة بأي وجه كان. قال الرافعي، ﵀: وعن بعض العلماء تقدير العلف في الإبل والبقر بأربعين يوما، وفي الغنم بسبعة أيام وفي الدجاج بثلاثة أيام. قال: وهو محمول عندنا على الغالب اهـ. فإن لم تعلف لم يزل المنع بغسل اللحم بعد الذبح ولا بطبخه وشيه وتجفيفه في الهواء، وإن زالت الرائحة وكذا إن زالت الرائحة، بمرور الزمان عند صاحب التهذيب. وقيل: بخلافه وكما يمنع لحمها يمنع لبنها وبيضها ويكره الركوب عليها من غير حائل بين الراكب وبينها ويطهر جلدها بالدباغ والأصح أنه كاللحم ولا يطهر بالذكاة عند القائل بالتنجيس.

وسئل: سحنون عن خروف أرضعته خنزيرة، فقال: لا بأس بأكله. قال الطبري: العلماء مجمعون على أن الجدي إذا اغتذى بلبن كلبة أو خنزيرة، لا يكون حراما، ولا خلاف في أن ألبان الخنازير نجسة كالعذرة. وقال غيره: المعنى فيه أن لبن الخنزيرة لا يدرك في الخروف إذا ذبح بذوق ولا شم رائحة فقد نقله الله تعالى وأحاله كما يحيل الغذاء، وإنما حرّم الله تعالى أكل أعيان النجاسات المدركات بالحواس. كذا قاله أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي في شرح البخاري. ووفاته سنة تسع وأربعين وأربعمائة وهو أحد شيوخ أبي عمر بن عبد البر رحمة الله تعالى عليه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.