تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

السّبع

بضم الباء وإسكانها الحيوان المفترس والجمع أسبع وسباع وأرض مسبعة أي كثيرة السباع قرأ الحسن وابن حيوة وما أكل السبع بإسكان الباء، وهي لغة لأهل نجد قال حسان بن

ثابت رضي الله تعالى عنه في عتيبة بن أبي لهب:

من يرجع العام إلى أهلهفما أكيل السبع بالراجع
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «سائل بني الأشعر إن جئتهم»

وقرأ ابن مسعود: وأكيلة السبع، وقرأ ابن عباس رضي تعالى عنهما: وأكيل السبع. قيل: سمي سبعا لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر، ولا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد، ولا ينزو الذكر على الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره. قال أبو عبد الله ياقوت الحموي، في كتاب المشترك، وضعا في باب الغين المعجمة والباء الموحدة: الغابة موضع، بينه وبين المدينة أربعة أميال من ناحية الشام، له ذكر في غزوات النبي ﷺ «وفدت إليه، فيه السباع تسأله أن يفرض لها ما تأكله». وفي طبقات ابن سعد عن عبد الله بن حنطب قال: بينما النبي ﷺ جالس بالمدينة، إذ أقبل ذئب، فوقف بين يديه وعوى، فقال ﷺ: «هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحرزتم منه، فما أخذ فهو رزقه». فقالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه بأصابعه الثلاث أي خالسهم فولى. وقد تقدم في باب الذال المعجمة في لفظ الذئب طرف من ذلك.

ووادي السباع بطريق الرقة مر به وائل بن قاسط على أسماء بنت رويم، فهم بها حين رآها منفردة في الخباء فقالت: والله لئن هممت بي لأدعون أسبعي! فقال: ما أرى في الوادي سواك! فصاحت ببنيها يا كلب يا ذئب يا فهد يا دب يا سرحان يا أسد يا سبع يا ضبع يا نمر فجاؤوا يتعادون بالسيوف، فقال: ما هذا إلا وادي السباع! وفي الصحيحين «نهى رسول الله ﷺ أن يفترش المصلي ذراعيه افتراش السبع». وروى الترمذي والحاكم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، يحدثه بما أحدث أهله من بعده». ثم قال:

حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفاضل، وهو ثقة عند أهل الحديث وثقه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي.

فائدة : سئل رسول الله ﷺ أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال: «وبما أفضلت السباع» خرجه الدارقطني قال السهيلي: يريد «نعم وبما أفضلت السباع» قال: ومثله قوله تعالى: «سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ»

قالوا: إنها واو الثمانية وليس كذلك بل تدل على تصديق القائلين بأنهم سبعة لأنها عاطفة على كلام مضمر مصدق تقديره نعم. وثامنهم كلبهم كما إذا قال قائل: زيد شاعر. فقلت له: وفقيه أيضا أي نعم وفقيه أيضا. وفي التنزيل «وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ»

الآية قال الزمخشري: هذه الواو آذنت بأن الذين قالوا «سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ»

قالوا ذلك عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كغيرهم انتهى. وحكى القشيري، في أوائل الرسالة، عن بنان الجمال، وكان عظيم الشأن صاحب كرامات، أنه ألقي بين يدي سبع فجعل السبع يشمه ولا

يضره، فلما خرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع؟ قال: كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر السبع.

قيل: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضي الله تعالى عنهما فعرض لهما سبع، فقال سفيان لشيبان: أما ترى هذا السبع؟ فقال: لا تخف، ثم أخذ شيبان أذنه فعركها فبصبص وحرك ذنبه، فقال سفيان: ما هذه الشهرة؟ فقال: لولا مخافة الشهرة لوضعت زادي على ظهره، حتى آتي مكة. وذكر الحافظ أبو نعيم في الحلية قال: كان شيبان الراعي إذا أجنب، وليس عنده ماء دعا ربه فتجيء سحابة فتظله، فيغتسل منها ثم تذهب، وكان إذا ذهب للجمعة، خط حول غنمه خطا فإذا جاء وجدها على حالها لم تتحرك، وذكر أبو الفرج بن الجوزي وغيره أن الإمام أحمد والشافعي مرا يوما بشيبان الراعي فقال الإمام أحمد: لأسألن هذا الراعي وأنظر جوابه، فقال له الشافعي:

لا تتعرض له، فقال: لا بد من ذلك، فقال له: يا شيبان ما تقول فيمن صلى أربع ركعات فسها في أربع سجدات ماذا يلزمه؟ قال له: على مذهبنا أم على مذهبكم؟ قال: أهما مذهبان؟ قال:

نعم، أما عندكم فيلزمه أن يصلي ركعتين ويسجد للسهو، وأما عندنا فهذا رجل مقسم القلب يجب أن يعاقب قلبه حتى لا يعود. قال: فما تقول فيمن ملك أربعين شاة وحال عليها الحول ماذا يلزمه؟ قال: يلزمه عندكم شاة وأما عندنا فالعبد لا يملك شيئا مع سيده. فغشي على الإمام أحمد فلما أفاق انصرفا انتهى. قلت: وقد ذهب جماعة من علماء الآخرة إلى من سها فسدت صلاته، أخذا بقوله ﷺ: «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقله منها فعلا ولفظا». قالوا: ولا تفسد الصلاة إلا بترك واجب، وإلا فأي معنى للركوع والسجود، والمقصود منهما التعظيم والحضور لا الغفلة والذهول؟! وهو حسن، وإنما أفتت العلماء رضي الله تعالى عنهم بصحة الصلاة بذلك لعجزهم عن الاطلاع على أسرار القلوب، وسلموها إلى أربابها ليستفتوا نفوسهم، ليدفع الفقهاء كيد الشيطان وشقشقته عمن يقول لا إله إلا الله، وليقيموا الصلاة، ولم يفتوا بأن ذلك نافع لهم في الآخرة، ما لم يطابق عليه القلب اللسان مع الإخلاص لله والإخلاص لله واجب في سائر الأعمال. والاخلاص هو ما صفا عن الكدر، وخلص من الشوائب. قال تعالى: «مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً»

فكما أن خلوص اللبن من الفرث والدم، فكذلك إخلاص الأعمال من الرياء وحظوظ النفس جميعا وقد تكلمت على ذلك كلاما طويلا في الجوهر الفريد فلينظر هناك وبالله التوفيق. ورأيت في بعض المجاميع أن الشافعي رضي الله تعالى عنه كان يجلس إلى شيبان الراعي ويسأله عن مسائل فقيل له: مثلك يسأل هذا البدوي فيقول لهم: هذا وفق لما علمناه.

وكان شيبان أميا وإذا كان محل الأمي منهم من العلم هكذا فما ظنك بأئمتهم وقد كان الأئمة المجتهدون كالشافعي وغيره رضي الله تعالى عنهم يعترفون بوفور فضل علماء الباطن وقد قال الإمامان الجليلان الشافعي وأبو حنيفة ﵄: إذا لم يكن العلماء أولياء الله تعالى، فليس لله ولي. وقد حكى غير واحد من الحفاظ أن أبا العباس بن شريح، كان إذا أعجب الحاضرين ما يبديه لهم من العلوم، يقول لهم: أتدرون من أين لي هذا؟ إنما حصل من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه. وكان من دعاء شيبان: يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد،

يا مبدىء يا معيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يزول، وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وبقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، أن تكفيني شر الظالمين أجمعين. وقد ذكر بعضهم قصيدة ذكر فيها أسماء جماعة من الأولياء قدس الله أسرارهم فمنها:

شيبان قد كان راعيوسر سره ما اختفى
فاجهد وخلّ الدعاوىإن كان لك شيء بان

وفي الرسالة، في باب كرامات الأولياء، أن سهل بن عبد الله التستري، كان في داره بيت تسميه الناس بيت السباع، كانت السباع تجيء إليه فيدخلهم ذلك البيت، ويضيفهم ويطعمهم اللحم ثم يخلي سبيلهم.

وفي كفاية المعتقد في ذكر ما زوي لهم من الأرض من غير حركة، وهو أفضل من الطيران في الهواء، والمشي على الماء، عن سهل بن عبد الله التستري، قال: توضأت يوم جمعة ومضيت إلى الجامع، وذلك في أيام البداية، فوجدته قد امتلأ بالناس، وقد هم الخطيب أن يرقى المنبر، فأسأت الأدب ولم أزل أتخطى رقاب الناس حتى وصلت إلى الصف الأول فجلست، وإذا عن يميني شاب حسن المنظر طيب الرائحة عليه أطمار الصوف، فلما نظر إلي قال: كيف نجدك يا سهل قلت: بخير أصلحك الله وبقيت مفكرا في معرفته لي وأنا لم أعرفه، فبينما أنا كذلك إذ أخذني حرقان بول فأكربني، فبقيت على وجل خوفا أن أتخطى رقاب الناس، وإن جلست لم يكن لي صلاة فالتفت إلي وقال: يا سهل أخذك حرقان بول؟ فقلت: أجل فنزع حرامه عن منكبيه فغشاني به، ثم قال: اقض حاجتك وأسرع لتلحق الصلاة. قال: فأغمي علي فلما فتحت عيني، وإذا بباب مفتوح فسمعت قائلا يقول: لج الباب يرحمك الله، فولجت فإذا أنا بقصر مشيد عالي البنيان شامخ الأركان، وإذا بنخلة قائمة وإلى جانبها مطهرة مملوءة أحلى من الشهد ومنزل لإراقة الماء، ومنشفة معلقة وسواك، فحللت لباسي وأرقت الماء ثم اغتسلت وتنشفت بالمنشفة فسمعت مناديا: يا سهل إن كنت قضيت أربك فقل: نعم، فقلت: نعم. فنزع الحرام عني فإذا أنا جالس مكاني ولم يشعر بي أحد. فبقيت مفكرا في نفسي وأنا مكذب نفسي فيما جرى فقامت الصلاة فصليت ولم يكن لي شغل إلا الفتى لأعرفه، فلما فرغت تتبعت أثره، فإذا به قد دخل إلى درب، فالتفت إلي وقال: يا سهل كأنك ما أيقنت بما رأيت؟ قلت: كلا، قال: فلج الباب يرحمك الله، فنظرت الباب بعينه فولجت القصر فنظرت المطهرة والنخلة والحال بعينه، فمسحت عيني وفتحتهما، فلم أجد الفتى ولا القصر.

وإنما ذكرت هذه الحكاية لأنها من جملة العجائب عند غير هذه الطائفة، ولا يكاد يؤمن بها كثير من الناس ولها احتمالات منها: أنه يحتمل أنه نقل من مكانه لما أغمي عليه إلى حيث شاء الله من غير شعور منه، ثم أعيد إلى مكانه لطفا من الله تعالى وكرامة لأوليائه.

قال شيخنا اليافعي ﵀: ومن المحكي عن سهل رضي الله تعالى عنه أيضا، أن أمير خراسان يعقوب بن الليث أصابته علة أعيت الأطباء، فقيل له: في ولايتك رجل صالح يقال له سهل بن عبد الله ولو استحضرته ليدعو لك رجونا لك العافية فأحضره وسأله الدعاء، فقال:

كيف يستجاب دعائي لك وأنت مقيم على الظلم؟ فنوى يعقوب التوبة والرجوع عن المظالم وحسن السيرة في الرعية وأطلق من في سجنه من المظلومين فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة وفرّج عنه، فنهض كأنما نشط من عقال وعوفي من ساعته، فعرض على سهل مالا جزيلا فأبى قبوله فلما رجع إلى تستر قيل له بأثناء الطريق: لو قبلت المال الذي عرض عليك، وفرقته على الفقراء؟ فنظر إلى الحصباء فإذا هي جواهر، فقال: خذوا ما أردتم. ثم قال:

من أعطى مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟

ونظير ذلك من قلب الأعيان ما روي عن الشيخ عيسى الهتار وهو بكسر الهاء وتخفيف التاء المثناة فوق، أنه مر على امرأة بغي فقال لها: بعد العشاء آتيك ففرحت بذلك وتزينت، فلما كان بعد العشاء دخل عليها البيت فصلى ركعتين ثم خرج. فقالت: أراك خرجت؟ قال: حصل المقصود، فورد عليها واراد أزعجها عما كانت عليه فخرجت بعد الشيخ، وتابت على يده فزوجها بعض الفقراء. وقال: اعملوا الوليمة عصيدة ولا تشتروا لها إداما ففعلوا ذلك وأحضروه، وحضر الفقراء والشيخ كالمنتظر لشيء يؤتى به فوصل الخبر إلى أمير كان رفيقا لتلك المرأة فأخرج قارورتين مملوأتين خمرا وأرسل بهما إلى الشيخ وأراد بذلك الاستهزاء، وقال للرسول:

قل للشيخ: قد سرني ما سمعت، وبلغني أن ما عندكم إدام، فخذوا هذا فائتدموا به. فلما أقبل الرسول قال له الشيخ: أبطأت. ثم تناول إحداهما فخضها ثم صب منها عسلا مصفى، ثم فعل كذلك بالأخرى وصب منها سمنا عربيا، وقال للرسول: اجلس فكل فأكل فطعم سمنا وعسلا لم ير مثلهما طعما ولونا وريحا. فرجع الرسول وأخبر الأمير بذلك فجاء الأمير فأكل وتحير مما رأى وتاب على يد الشيخ.

ويشبه هذا ما حكي عن بعضهم، أنه قال: بينما أنا أسير في فلاة من الأرض، إذا برجل يدور بشجرة شوك، ويأكل منها رطبا جنيا فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال: تقدم فكل، قال: فتقدمت إلى الشجرة، فصرت كلما أخذت منها رطبا عاد شوكا، فتبسم الرجل وقال:

هيهات لو أطعته في الخلوات أطعمك الرطب في الفلوات. وحكاياتهم في مثل هذا كثيرة، وإنما نبهت على قطرة من بحار عميقة، وعلى الجملة فالدنيا تتصور لهم في صورة عجوز تخدمهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا في هذا الباب، والرجوع في ذلك كله إلى أصل يجب الإيمان به، وهو أن الله على كل شيء قدير، وليس الخرق للعوائد بمستحيل في العقل والله التوفيق.

وحكى : عن الشيخ أبي الغيث اليمني رضي الله تعالى عنه، أنه خرج يوما يحتطب فبينما هو يجمع الحطب إذ جاء السبع وافترس حماره، فقال له: وعزة المعبود ما أحمل حطبي إلا على ظهرك، فخضع له السبع فحمل الحطب على ظهره، وساقه إلى البلد، ثم حط عنه وخلّاه. ونقل أن شعوانة رزقت ولدا فربته أحسن تربية، فلما كبر ونشأ قال لها: يا أماه سألتك بالله إلا ما وهبتني لله فقالت له: يا بني أنه لا يصلح أن يهدى للملوك إلا أهل الأدب والتقى وأنت يا ولدي غمر لا

تعرف ما يراد بك ولم يأن لك ذلك فأمسك عنها فلما كان ذات يوم، خرج إلى الجبل ليحتطب، ومعه دابة، فنزل عنها وربطها، وذهب فجمع الحطب ورجع، فوجد السبع قد افترسها، فجعل يده في رقبة السبع، وقال له: يا كلب الله تأكل دابتي وحق سيدي لأحملنك الحطب كما تعديت على دابتي، فحمل على ظهره الحطب وهو طائع لأمره حتى وصل به إلى دار أمه فقرع عليها الباب ففتحت له وقالت لما رأت ذلك: يا بني أما الآن فقد صلحت لخدمة الملك اذهب لله ﷿ فودعها وذهب.

روى صاحب مناقب الأبرار عن شاه الكرماني أنه خرج إلى الصيد وهو ملك كرمان، فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا شاب راكب على سبع وحوله سباع كثير فلما رأته السباع، ابتدرت نحوه فنحاها الشاب عنه فبينما هو كذلك، إذ أقبلت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب ودفع باقيه إلى شاه فشرب وقال: ما شربت شيئا ألذ منه ولا أعذب، ثم غابت العجوز فقال الشاب: هذه الدنيا وكلها الله تعالى بخدمتي فما احتجت إلى شيء إلا أحضرته إلى حين يخطر ببالي، فعجب شاه من ذلك، فقال له: أبلغك أن الله تعالى لما خلق الدنيا قال لها:

يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه. ثم وعظه وعظا حسنا، فكان ذلك سبب توبته.

وفي الإحياء في عجائب القلب عن ابراهيم الرقي قال: قصدت أبا الخير الديلمي التيناني مسلما عليه فصلى صلاة المغرب، ولم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي فلما أصبح الصباح خرجت إلى الطهارة فقصدني السبع فعدت إليه وقلت: إن السبع قد قصدني فخرج وصاح على الأسد وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لأضيافي؟ فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال: أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد وقد أنشدنا شيخنا الامام العلامة جمال الدين بن عبد الله بن أسد اليافعي لنفسه:

هم الأسد ما الأسد الأسود تهابهموما النمر ما أظفار فهد ونابه
وما الرمي بالنشاب ما الطعن بالقناوما الضرب بالماضي الكمي ما ذبابه
لهم همم للقاطعات قواطعلهم قلب أعيان المراد انقلابه
لهم كلّ شيء طائع ومسخّرفلا قط يعصيهم بل الطوع دابه
من الله خافوا لا سواه فخافهمسواه جمادات الورى ودوابه
لقد شمروا في نيل كلّ عزيزةومكرمة مما يطول حسابه
إلى أن جنوا ثمر الهوى بعد ما جنىعليهم وصار الحب يطول عذبا عذابه

وفي الخبر قيل: أوحى الله ﵎ إلى داود ﵇ يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري، معناه خفني لا وصفا في المخوفة من العزة والعظمة والكبرياء والجبروت والقهر وشدة البطش، ونفوذ الأمر، كما تخاف السبع الضاري لشدة بدنه وعبوسة وجهه، وشبوك أنيابه، وقوة براثنه، وجراءة قلبه، وسرعة غضبه، وبغتات وثبه، وفظيع بطشه، ودواعي ضراوته، لا أجلب عليه شرا ولا عصيت له أمرا، فيا أخي خف الله حق خوفه، واترك السوى فمن خاف الله حق

خوفه خافه كل شيء، ومن أطاع الله حق طاعته أطاعه كل شيء.

وحكمه : تقدم في باب الهمزة لكن يكره ركوب السباع لما روى ابن عدي في ترجمة اسماعيل بن عياش عن بقية عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ركوب السباع». ولا يصح بيع السباع التي لا تنفع وقيل يجوز بيعها لأجل جلودها وأما التي تنفع كالفهد والفيل والقرد فيجوز بيعه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.