تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

السلحفاة البرية

بفتح اللام، واحدة السلاحف. قاله أبو عبيدة وحكى الرواسي:

سلحفية مثل بلهنية، وهي بالهاء عند الكافة وعند ابن عبدوس: السلحفا، بغير هاء. وذكرها يقال له غيلم، وهذا الحيوان يبيض في البر فما نزل منه في البحر كان لجأة، وما استمر في البركان سلحفاة، ويعظم الصنفان جدا إلى أن يصير كل واحد منهما حمل جمل. وإذا أراد الذكر السفاد، والأنثى لا تطيعه، يأتي الذكر بحشيشة في فيه، من خاصيتها أن صاحبها يكون مقبولا، فعند ذلك تطاوعه وهذه الحشيشة لا يعرفها إلا القليل من الناس. وهي إذا باضت صرفت همتها إلى بيضها بالنظر إليه ولا تزال كذلك حتى يخلق الله تعالى الولد منها، إذ ليس لها أن تحضنه حتى يكمل بحرارتها، لأن أسفلها صلب لا حرارة فيه وربما تقبض السلحفاة على ذنب الحية فتقطع رأسها وتمضغ من ذنبها والحية تضرب بنفسها على ظهر السلحفاة وعلى الأرض حتى تموت. ولها حيلة عجيبة في التوصل إلى صيدها، وذلك أنها تصعد من الماء فتتمرغ في التراب، وتأتي موضعا قد سقط الطير عليه لشرب الماء فتختفي عليه لكدورة لونها، التي اكتسبتها من الماء والتراب، فتصيد منها ما يكون لها قوتا وتدخل به الماء ليموت فتأكله. ولذكرها ذكران وللأنثى فرجان، والذكر يطيل

المكث في السفاد، والسلحفاة مولعة بأكل الحيات، فإذا أكلتها بعدها سعترا. والترس الذي على ظهرها وقاية لها وقد أجاد الشاعر حيث قال في وصفها:

لحا الله ذات فم أخرستطيل من السعي وسواسها
تكبّ على ظهرها ترسهاوتظهر من جلدها رأسها
إذ الحذر أقلق احشاءهاوضيّق بالخوف أنفاسها
تضمّ إلى نحرها كفّهاوتدخل في جلدها رأسها

الحكم : حكى البغوي في حلها وجهين: وصحح الرافعي التحريم لاستخباثها، لأن غالب أكلها الحيات. وقال ابن حزم: البرية والبحرية حلال، وكذلك بيضها لقوله تعالى:

كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً

مع قوله: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ

ولم يفصل لنا تحريم السلحفاة فهي حلال. قال: وكذلك يحل اليربوع والسرطان والجراذين وأم حبين والورل والطير كله. قال: وقد روينا عن عطاء، أنه قال بإباحة أكل السلحفاة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه نهى المحرم عن قتل الرخمة وجعل فيها الجزاء وقد قال أبو زيد المروزي من أصحابنا، بعدم تحريم المخاط والبزاق والمني ونحوها وكأنه استغنى بنفرة الطباع عنها فلم يزجر عنها.

وفي الأمثال : قالوا: «أبلد من سلحفاة».

الخواص : ذكر صاحب الفلاحة والقزويني أن البرد، إذا كثر وقوعه على الأرض، وأضر بذلك المكان، تؤخذ سلحفاة وتقلب فيه على ظهرها بحيث تبقى قوائمها شائلة نحو السماء، فإن البرد لا يضر ذلك المكان وإذا لطخت الأيدي والأقدام بدمها، نفع من وجه المفاصل، وإذا أديم التمسح بدمها نفع من الكزاز والتشنج، وأكل لحمها يفعل ذلك. وإذا جفف دمها وسحق وطلي به على مسرجة فمن أسرجها ضرط وهو سر عجيب مجرب. وأي عضو من الإنسان حصل له وجع، يعلق عليه نظيره من أعضائها فإن الوجع يسكن بإذن الله تعالى. وطرف ذنب الذكر منها وقت هيجانه من علقه عليه هيج الباه، وإذا اتخذ من ظهرها مكبة وغطى بها رأس قدر، لم يغل مادامت عليه.

التعبير : السلحفاة في المنام امرأة تتزين وتتعطر وتعرض نفسها على الرجل. وقيل: إنها تعبر بقاضي القضاة، لأنها أعلم ما في البحر. وقيل: السلحفاة رجل عالم فمن رأى سلحفاة تكرم في مكان فإن العلماء يكرمون هناك. ومن رأى أنه أكل لحم سلحفاة استفاد علما، وقالت النصارى:

إنه ينال مالا وعلما والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.