تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

السّمع

بكسر السين وإسكان الميم وبالعين المهملة في آخره، ولد الذئب من الضبع، وهو سبع مركب، فيه شدة الضبع وقوتها، وجراءة الذئب وخفته، ويزعمون أنه كالحية لا يعرف العلل ولا يموت حتف أنفه، وأنه أسرع عدوا من الريح. وقال الجوهري: السمع الأزل: الذئب الأرسح وهو القليل لحم الفخذين، وكل ذئب أرسح فإن هذه الصفة لازمة له كما يقال للضبع العرجاء انتهى.

وقد قال بعض الأعراب فيه:

تراه حديد الطّرف أبلج واضحاأغرّ طويل الباع أسمع من سمع

ويقال: إن وثبته تزيد على عشرين أو ثلاثين ذراعا وفي كتاب «خبر البشر بخير البشرى» خبر لابن ظفر عن ربيعة ابن أبي نزار، قال: أخبرني خالي قال: لما أظهر الله علينا رسول الله ﷺ بحنين، أشعبنا في كل شعب لا يلوي حميم على حميم، فبينما أنا في بعض الشعاب، إذ رأيت ثعلبا قد تحوى عليه أرقم، والثعلب يعدو عدوا شديدا، فانتحيت إليه بحجر فما أخطأه، فانتهيت إليه فإذا الثعلب قد سبقني بنفسه، وإذا الأرقم قد تقطع وهو يضطرب، فقمت أنظر إليه فهتف بي هاتف، ما سمعت أفظع من صوته، يقول: تعسا لك وبؤسا قد قتلت رئيسا ووترت بئيسا! ثم قال: يا داثر يا داثر، فأجابه مجيب من العدوة الأخرى: لبيك لبيك، فقال: بادر بادر إلى بني الغدافر، فأخبرهم بما صنع الكافر، فناديت أني لم أشعر وأنا عائد بك فأجرني. فقال: كلا والحرم الأمين لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد غير رب العالمين. قال: فناديت أني أسلم. فقال: إن أسلمت سقط عنك القصاص، وفزت بالخلاص، والإفلات حين مناص. قال: فقلت: أشهد أن لا إله

إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال: نجوت وهديت، ولولا ذلك لرديت، فارجع من حيث جيت. قال: فرجعت أقفو أدراجي فإذا هو يقول:

امتط السمع الأزليعل بك التل
فهناك أبو عامريتبع بك الفل

قال: فالتفت، فإذا سمع كالأسد النهد، فركبته فمر ينسل حتى انتهى إلى تل عظيم، فتوقل فيه إلى أن تسنمه فأشرفت منه على خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوبت في الحدور نحوهم، فلما دنوت منهم خرج إلي فارس كالفالج الهائج، فقال: ألق سلاحك لا أم لك، فألقيت سلاحي فقال لي: من أنت؟ قلت: مسلم. قال: فسلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقلت: وعليك السلام والرحمة والبركة. من أبو عامر؟ قال: أنا هو قلت: الحمد لله. فقال: لا بأس عليك، هؤلاء إخوانك المسلمين. ثم قال: إني رأيتك بأعلى التل فارسا فأين فرسك؟ قال:

فقصصت عليه القصة فأعجبه ما سمع مني، وسرت مع القوم أقفو بهم أثر هوازن، حتى بلغوا من الله ما أرادوه. قال محمد بن ظفر: قوله: تحوى عليه أرقم، أي استدار عليه، والأرقم الحية التي فيها خطوط كالرقم. وتزعم الأعراب أن الثعالب مطايا الجن، ويكرهون اصطيادها، ويقولون:

إن من صاد ثعلبا أصيب ببعض ماله. وقوله: سبقني بنفسه أي هلك قبل أن أصل إليه. وقوله:

لولا ذلك لرديت، أي هلكت. والردى الهلاك. وقوله: أقفو أدراجي أي أتبع طرقي التي جئت فيها والأدراج السبل وقوله: الفل هم المنهزمون، وقوله: النهد هو العظيم الخلق. وقوله: ينسل أي يعدو، والنسلان عدو الذئب والكلب وكل ما أشبه ذلك في العدو فهو نسلان. وقوله:

كالفالج هو البعير العظيم ذو السنامين انتهى.

الحكم : تحريم الأكل. واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم بقتله كالمتولد بين الحمار الوحشي والأهلي فقال ابن القاص: لا جزاء في ذلك. وغلط فيه والمذهب أنه يحرم على المحرم التعرض له ويجب فيه الجزاء.

الأمثال : قالوا: «أسمع من سمع ومن سمع الأزل». لأن هذه الصفة لازمة له، كما يقال للضبع: العرجاء.

وهو في الرؤيا يدل على ذي الأصل الرديء. ونقل ما سمعه من كلام جيد ورديء، وذلك مأخوذ من اسمه والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.