تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الشاة

الواحدة من الغنم، تقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، وأصلها شاهة، لأن تصغيرها شويهة، والجمع شياه بالهاء في أدنى العدد. تقول ثلاث شياء إلى العشر، فإذا جاوزت العشرة فبالتاء، فإذا كثرت قلت: هذه شاء كثيرة. والشاة أيضا الثور الوحشي والنسبة إلى الشاء شاوي قال الشاعر:

لا ينفع الشاوي فيها شاتهولا حماراه ولا غلاته

وفي الكامل لابن عدي في ترجمة خارجة بن عبد الله بن سليمان، عن عبد الرحمن بن عائذ قال:

قال رسول الله ﷺ: «من كانت له شاة ولا يصيب جاره من لبنها أو مسكين فليذبحها أو ليبعها». ومما تواتر من حكمة لقمان وهو لقمان بن عنقاء بن بيرون وكان نوبيا من أهل ايلة، أن سيده أعطاه شاة وأمره أن يذبحها، ويأتيه بأطيب ما فيها، فذبحها وأتاه بقلبها ولسانها. ثم أعطاه في يوم آخر شاة أخرى وأمره أن يذبحها ويأتيه بأخبث ما فيها فذبحها وأتاه بقلبها ولسانها. فسأله عن ذلك. فقال: هما أطيب ما فيها إن طابا، وأخبث ما فيها إن خبثا. وهذا معنى قوله ﷺ: «إن في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». ويقال إن سيده دخل الخلاء يوما، فأطال الجلوس فناداه: لا تطل الجلوس على الخلاء، فإنه ينخع الكبد، ويورث البواسير، ويميت القلب.

ومن وصيته لابنه، واسمه ثاران، وقيل غير ذلك: يا بني كن على حذر من اللئيم إذا أكرمته، ومن الكريم إذا أهنته، ومن العاقل إذا هجوته، ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الجاهل إذا صاحبته، ومن الفاجر إذا خاصمته، وتمام المعروف تعجيله. يا بني ثلاثة أشياء تحسن بالإنسان: حسن المحضر، واحتمال الإخوان، وقلة الملل للصديق. وأول الغضب جنون وآخره ندم. يا بني ثلاثة فيهم الرشد: مشاورة الناصح، ومداراة العدو والحاسد، والتحبب لكل أحد. يا بني المغرور من وثق بثلاثة أشياء: الذي يصدق ما لا يراه، ويركن إلى من لا يثق به،

ويطمع فيما لا يناله. يا بني احذر الحسد، فإنه يفسد الدين، ويضعف النفس، ويعقب الندم. يا بني إذا خدمت واليا فلا تنم إليه بأحد، فإنه لا يزيده ذلك منك إلا نفورا، فإنه إذا سمع منك في غيرك فإنه لا بد أن يسمع من غيرك فيك، ويكون قلبه خائفا منك أن تنم عليه كما نميت إليه بغيره، ولا يزال محترسا منك. وكن يا بني أقرب الناس إليه عند فرحه، وأبعدهم منه عند غضبه، وإن ائتمنك فلا تخنه، وإن أنالك يسيرا، فخذه واقبله فتبلغ به أن تنال كثيرا. وأكرم خدمه والطف بأصحابه، وغض طرفك عن محارمه، وأصم أذنك عن مجاوبته، وأقصر لسانك عن حديثه واكتم في المجالس سره، واتبع باللطف هواه، وناصح في خدمته، واجمع عقلك في مخاطبته، ولا تأمن الدهر من غضبه، فإنه ليس بينك وبينه نسب. والغضب يسرع إليه في كل وقت، ووثبته كوثبة الأسد. يا بني كتمان السر صيانة للعرض. يا بني إن ردت أن تقوى على الحكمة فلا تملك نفسك للنساء، فإن المرأة حرب ليس فيها صلح، وهي إن أحبتك أكلتك، وإن أبغضتك أهلتك.

وفي كتاب ربيع الأبرار للزمخشري، ورحلة ابن الصلاح، التي بخطه، قال الحسن البصري: لو وجدت رغيفا من حلال، لأحرقته ثم دققته ثم داويت به المرضى. ثم قال:

اختلطت غنم البادية بغنم أهل الكوفة. فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة؟ قالوا: سبع سنين، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين. وأنشد المبرد:

ما إن دعاني الهوى لفاحشةإلا عصاه الحياء والكرم
فلا إلى حرمة مددت يديولا مشت بي لريبة قدم

وفي تاريخ ابن خلكان، أن هشام بن عبد الملك بعث إلى الأعمش، أن اكتب إلي بمناقب عثمان ومساوي علي رضي الله تعالى عنهما، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخله في فم شاة، فلاكته وقال للرسول: قل له هذا جوابه. فذهب الرسول ثم عاد، وقال: إنه آلى أن يقتلني إن لم آته بالجواب، وتحيل عليه بإخوته، فقالوا له: افده من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب: أما بعد فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض، ما نفعتك، ولو كان لعلي مساوي أهل الأرض، ما ضرتك، فعليك بخوصية نفسك والسلام.

والأعمش اسمه سليمان بن مهران من أعلام التابعين، رأى أنس بن مالك وأبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه فقال له: يا بني، إنما أكرمت ربك. وكان لطيف الخلق مزاحا ولم تفته التكبيرة الأولى سبعين سنة، وله نوادر، منها أنه كان له زوجة وكانت من أجمل نساء الكوفة، فجرى بينهما كلام، وكان الأعمش قبيح المنظر، فجاءه رجل يقال له أبو البلاد يطلب الحديث منه، فقال له:

إن امرأتي نشزت عليّ، فادخل عليها وأخبرها بمكاني من الناس، فدخل عليها وقال: إن الله تبارك

وتعالى قد أحسن قسمتك، هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا، وحلالنا وحرامنا، فلا يغرنك عموشة عينيه ولا خموشة ساقيه. فغضب الأعمش وقال له: يا خبيث أعمى الله قلبك، قد أخبرتها بعيوبي ثم أخرجه من بيته. ومنها أن إبراهيم النخعي أراد أن يماشيه فقال له الأعمش: إن رآنا الناس معا قالوا: أعور وأعمش! فقال النخعي: وما عليك أن يأثموا ونؤجر! فقال له الأعمش:

وما عليك أن يسلموا ونسلم. ومنها أنه جلس يوما في موضع فيه خليج من ماء المطر، وعليه فروة خلقة، فجاءه رجل وقال: قم عدني هذا الخليج وجذب بيده، فأقامه وركبه، وقال:

سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ

، فمضى به الأعمش حتى توسط الخليج ورمى به، وقال: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ

، ثم خرج وتركه يتخبط في الماء. ومنها أن رجلا جاء إلى الأعمش يطلبه، فقيل له: خرج مع امرأة إلى المسجد، فجاءه فوجدهما في الطريق، فقال أيكما: الأعمش؟ فقال الأعمش: هذه وأشار إلى المرأة. ومنه أنه عاده أقوام في مرضه، فأطالوا الجلوس عنده، فأخذ وسادته وقام ثم قال: شفى الله مريضكم فانصرفوا. ومنها أنه ذكر عنده يوما قوله ﷺ: «من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه». فقال: ما عمشت عيناي إلا من بول الشيطان في أذني. وكتب إلى بعض إخوانه يعزيه:

إنا نعزيك لا أنا على ثقةمن البقاء ولكن سنة الدين
فلا المعزّى بباق بعد ميتهولا المعزّي وإن عاشا إلى حين

توفي ﵀ سنة سبع وقيل ثمان وقبل تسع وأربعين ومائة.

وفيه أيضا أنه لما ولي عبد الله بن الزبير الخلافة بمكة، ولى أخاه مصعب بن الزبير المدينة، وأخرج منها مروان بن الحكم وابنه، فصار إلى الشام ولم يزل يقيم للناس الحج من سنة أربع وستين إلى سنة اثنتين وسبعين، فلما ولي عبد الملك بن مروان منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزبير، لأنه كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجوا، فضج الناس لما منعوا من الحج، فبنى عبد الملك قبة الصخرة فكان الناس يقفون عندها يوم عرفة. ويقال: إن ذلك كان سبب التعريف في بيت المقدس ومساجد الأمصار. وقيل: إن أول من سن التعريف بالبصرة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وبمصر عبد العزيز بن مروان، وببيت المقدس عبد الملك بن مروان.

ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير، وأراد الرجوع، قام إليه الحجاج فقال: إني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فولني قتاله. فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، فحصر ابن الزبير، ورمى الكعبة بالمنجنيق. فلما رمى به أرعدت السماء وأبرقت فخاف أهل الشام، فصاح الحجاج هذه صواعق تهامة، وأنا ابنها، ثم قام ورمى بنفسه فزاد ذلك وجاءت صاعقة تتبعها أخرى فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، وزاد خوف أهل الشام، فلما أصبحوا صعقت السماء فقتلت بعض أصحاب ابن الزبير، فقال الحجاج لأصحابه: اثبتوا فإنه مصيبهم ما

أصابكم، ولم يزل يرميها بالمنجنيق حتى هدمها. ورموها بكيزان النفط فاحترقت الستائر حتى صارت رمادا، وأن ابن الزبير قال لأمه: إني لا آمن إن قتلت أن يمثل بي وأصلب، فقالت له: يا ولدي إن الشاة، إذا ذبحت لم تتألم بالسلخ، فودعها وخرج من عندها. فحمل عليهم حتى ردهم على أعقابهم. فرمي بآجرة فأدمت وجهه فلما وجد سخونة الدم على وجهه أنشد قائلا:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا تقطر الدما

وصاحت مولاة لآل الزبير مجنونة، وكانت رأته حينها: وا أمير المؤمنيناه! وأشارت إليه. وقتل رضي الله تعالى عنه في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين. وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وجاء هو وطارق، فوقفا عليه فقال طارق: ما ولدت النساء اذكر من هذا فقال الحجاج: أتمدح من خالف طاعة أمير المؤمنين؟ قال: نعم هو أعذر لنا ولولا هذا ما كان لنا عذر، وإنا لمحاصروه وهو في غير حصن ولا منعة منذ ثمانية أشهر ينتصف منا، بل يفضل علينا كلما التقينا. فبلغ كلامهما عبد الملك، فصوب رأي طارق. ثم بعث الحجاج برأس ابن الزبير وجماعة إلى عبد الملك، فبعث عبد الملك برأس ابن الزبير إلى عبد الله بن حازم الأسلمي، وهو وال بخراسان من جهة ابن الزبير ودعاه إلى طاعته، على أن يجعل له خراسان طعمة سبع سنين فقال ابن حازم للرسول: لولا أن الرسل لا تقتل لأمرت بضرب عنقك، ولكن كل كتاب صاحبك فأكله. ثم أخذ الرأس فغسله وطيبه وكفنه ودفنه. وقيل: إنه بعث به إلى آل الزبير بالمدينة فدفنوه مع جثته بالمدينة. وماتت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃ بالمدينة بعده بخمسة أيام ولها مائة سنة.

وذكر الحافظ ابن عبد البر أن الكعبة رميت بالمنجنيق مرة أخرى، حين حصرها مسلم بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، في أيام يزيد بن معاوية، في وقعة الحرة فمات يزيد ورجع مسلم إلى الشام.

غريبة : قال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي: دخلت على أمي، يوم عيد الأضحى، فرأيت عندها امرأة في أثواب دنسة، فقالت لي أمي: أتعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عتابة أم جعفر بن يحيى البرمكي فسلمت عليها، وقلت لها: حدثيني ببعض أمركم، فقالت: أذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر، لقد هجم عليّ مثل هذا اليوم، يوم العيد، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي، وقد أتيتكم اليوم أسألكم جلدي شاتين، أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا. قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، ولم تزل تتردد إلينا حتى فرق الموت بيننا. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ذكر قتل جعفر في باب العين المهملة في العقاب.

وفي سنن ابن ماجه وكامل بن عدي، في ترجمة أبي زر بن عبد الله، من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «الشاة من دواب الجنة».

وفي الاستيعاب، للحافظ أبي عمر بن عبد البر، في ترجمة أبي رجاء العطاردي، أن العرب

كانوا يأتون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيأخذها، فيأخذون أخرى مكانها. وفي سنن البيهقي وغيره أن النبي ﷺ «كان يكره من الشاة، إذا ذبحت، سبعا: الذكر والأنثيين والدم والمرارة والحياء والعذرة والمثانة ». قال: «وكان أحب الشاة إلى رسول الله ﷺ مقدمها». وقالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: كان عندي رسول الله ﷺ، فدخلت شاة فأخذت قرصا تحت دن لنا، فقمت إليها، فأخذته من بين لحييها، فقال رسول الله ﷺ: «ما كان ينبغي لك أن تعنقيها»، أي تأخذي بعنقها وتعصريها. وروى مسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال:

كان بين مصلى رسول الله ﷺ، وبين الحائط ممر الشاة. قلت: وهذا يدل على استحباب القرب من السترة كما جاء عنه أيضا ﷺ: «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته». رواه أبو داود، ولا يعارض حديث ممر الشاة بحديث «صلاة النبي ﷺ في الكعبة بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع». وهو الذي يمكن المصلي أن يدرأ من يمر به، إذ حمل بعضهم حديث ممر الشاة، على ما إذا كان قائما، وحديث الثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد.

ولم يذكر مالك في ذلك حدا، وقدر بعضهم ممر الشاة بقدر شبر. وقد تقدم، في البهيمة والجدي، شيء من هذا.

فائدة : في سنن أبي داود، وغيرها أن النبي ﷺ، أهدت له يهودية بخيبر، شاة مصلية سمتها، فأكل منها وأكل معه رهط من أصحابه، فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» قالت: قلت إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه. «فأمر ﷺ بها فقتلت». كذا رواه وهو مرسل، فإن الزهري لم يسمع من جابر شيئا.

والمحفوظ، أنه ﷺ قيل له: ألا تقتلها؟ فقال: «لا». كذا رواه البخاري ومسلم، وجمع البيهقي بينهما، بأنه لم يقتلها في الابتداء، فلما مات بشر أمر بقتلها، وهي زينب بنت الحارث ابن سلام. وقال ابن اسحاق: إنها أخت مرحب اليهودي. وروى معمر بن راشد عن الزهري أنها أسلمت.

وروى الترمذي عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «بعثه ليشتري له أضحية بدينار، فاشترى أضحية فأربح فيها دينارا، فاشترى أخرى مكانها وجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ، فضحى بالشاة وتصدق بالدينار». وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ، أعطى عروة بن الجعد، وقيل: ابن أبي الجعد البارقي دينارا ليشتري به شاة، فاشترى شاتين، فباع احداهما بدينار، وجاء بشاة ودينار. وذكر ما كان من أمره. فقال: «بارك الله لك في صفقة يمينك». فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة البصرة فيربح الربح العظيم حتى صار من أكثر أهل الكوفة مالا. قال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة البارقي سبعين فرسا مربوطة للجهاد في سبيل الله تعالى. وروى عروة بن أبي الجعد، عن

رسول الله ﷺ ثلاثة عشر حديثا وهو أول من قضى بالكوفة، استعمله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على قضائها قبل شريح.

عجيبة : روى ابن عدي، عن حسن بن واقد القصاب، أن أبا جعفر البصري، وكان من أهل الخير والصلاح، قال: اضجعت شاة لأذبحها فمر أيوب السختياني فألقيت الشفرة، وقمت معه أتحدث، فوثبت الشاة فحفرت في أصل الحائط، ودحرجت الشفرة فألقتها في الحفرة، وألقت عليها التراب. فقال لي أيوب: أما ترى أما ترى؟ فجعلت على نفسي أن لا أذبح شيئا بعد ذلك اليوم.

فائدة أخرى : كان أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أبي الهيثم المصعبي، من أصحاب الشافعي، إماما صالحا عالما من أهل اليمن، من أقران صاحب البيان. ومن تصانيفه: احترازات المذهب والتعريف في الفقه، روى أن ناسا ضربوه بالسيوف، فلم تقطع سيوفهم فيه، فسئل عن ذلك فقال: كنت أقرأ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ

وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً

إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ

فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ

لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ

وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ

وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً

وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ

وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ

اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ

وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ

إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ

ثم قال: كنت خرجت يوما في جماعة، فرأينا ذئبا يلاعب شاة عجفاء ولا يضرها شيئا، فلما دنونا منهما نفر منا الذئب، فتقدمنا إلى الشاة، فوجدنا في عنقها كتابا مربوطا فيه هذه الآيات.

توفي المصعبي سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.

وقال الحافظ أبو زرعة الرازي: وقعت النار بجرجان فاحترق فيها تسعة آلاف بيت، وجدوا فيها تسعة آلاف مصحف قد احترقت، إلا هذه الآيات لم تحترق، في كل مصحف، وهي: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها

وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ

تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى، الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى

يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ

وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ

وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ

قال: فما وضعت هذه الآيات في متاع أو بيت أو حانوت أو غير ذلك إلا حفظه الله تعالى.

قلت: وهي نافعة مجربة.

وروى الثعلبي وابن عطية والقرطبي وغيرهم، عن سالم بن أبي الجعد، قال: احترق لنا مصحف فلم يبق فيه إلا قوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ

. وغرق لنا مصحف فانمحى كل شيء فيه إلا هذه الآية.

وحدثنا شيخنا الإمام العارف بالله عبد الله بن أسعد اليافعي رحمه الله تعالى قال: بلغني عن سيدنا العارف الإمام أبي عبد الله محمد القرشي عن شيخه أبي الربيع المالقي أنه قال له: ألا أعلمك كنزا تنفق منه ولا ينفد؟ قلت: بلى. قال: قل يا الله يا أحد يا واحد يا موجود يا جواد يا باسط يا كريم يا وهاب يا ذا الطّول يا غني يا مغني يا فتاح يا رزاق يا عليم يا حكيم يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والاكرام يا حنان يا منان، انفحني منك بنفحة خير تغنيني بها عمن سواك إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ

إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً

نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ

اللهم يا غني يا حميد، يا مبدىء يا معيد، يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعالا لما يريد، اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك، واحفظني بما حفظت به الذكر، وانصرني بما نصرت به الرسل، إنك على كل شيء قدير. قال:

فمن داوم على قراءته بعد كل صلاة، خصوصا صلاة الجمعة، حفظه الله من كل مخوف، ونصره

على أعدائه وأغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، ويسر عليه معيشته، وقضى عنه دينه ولو كان عليه مثل الجبال دينا، أداه الله تعالى عنه بمنه وكرمه.

وروى ابن عدي عن عبد الرحمن القرشي، قال: حدثنا محمد بن زياد بن معروف حدثنا جعفر بن حسن عن أبيه قال: حدثنا ثابت البناني عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «سألت الله تعالى الإسم الأعظم فجاءني جبريل ﵇ به مخزونا مختوما، وهو: اللهم إني أسألك باسمك الأعظم المكنون الطهر الطاهر المطهر المقدس المبارك الحي القيوم». فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: بأبي أنت وأمي يا نبي الله علمنيه. فقال ﷺ: يا عائشة نهينا عن تعليمه النساء والصبيان والسفهاء.

فائدة أخرى : روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: بينما عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉، سائران إذ رأيا شاة وحشية ماخضا، فقال عيسى ليحيى: قل تلك الكلمات: حنة ولدت يحيى، ومريم ولدت عيسى، الأرض تدعوك يا ولد، أخرج يا ولد. قال حماد بن زيد: فما يكون في الحي امرأة ماخض، فيقال هذا عندها فلا تبرح حتى تضع بإذن الله تعالى. ويحيى أول من آمن بعيسى وصدقه وكانا ابني خالة، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى ﵇.

وعن يونس بن عبيد أنه قال: ما قال العبد: اللهم أنت عدتي في كربتي، وأنت صاحبي في غربتي، وأنت حفيظي عند شدتي، وأنت ولي نعمتي، عند النفساء أو البهيمة الماخض، إلا يسر الله عليها وضع الولد.

قال بعض

الحكم اء: من خصائص الزبد البحري، أنه إذا علق على ذات طلق، سهل الله عليها الولادة. وكذلك قشر البيض إذا سحق ناعما، وشرب بماء فإنه يسهل الولادة، وقد جرب مرارا عديدة فصح. وقد ورد في الحديث «مثل المؤمن كالشاة المأبورة»، أي التي أكلت الإبرة في علفها فنشبت في جوفها، فهي لا تأكل شيئا وإن أكلت لم ينجع فيها. وفيه أيضا «مثل المنافق كالشاة الرابضة بين غنمين» أراد أنها مذبذبة بين قطيعين من الغنم، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.

والرابضة أيضا ملائكة أهبطوا مع آدم ﵊ يهدون الضال ولعله من الإقامة وقال الجوهري: الرابضة حملة الحجة لا تخلو منهم الأرض.

الحكم

: يحل أكلها بالإجماع، وإن أوصى بشاة تناول صغيرة الجثة وكبيرتها، سليمة ومعيبة، ضأنا ومعزا، لصدق الاسم على الجميع.

فرع : ومن أحكامها في الأضحية، أن الأضحية سنة غير واجبة ولا تصح إلا من النعم، ولا يجزىء من الضأن إلا الجذعة وهي ما لها سنة تامة وشرعت في الثانية على الأصح عند أصحابنا كما تقدم، في باب الجيم، في الجذعة. ومن المعز إلا الثنية، وهي التي شرعت في السنة الثالثة. ويشترط أن تكون سليمة من كل عيب يضر باللحم، فلا تجزىء العجفاء، ولا العوراء،

ولا المريضة، ولا العرجاء، ولا الجرباء، ولا مكسورة القرن، ولا مقطوعة الأذن، ولا التي لم يخلق لها أذن، وفي مشقوقة الأذن وجهان: قاله في العباب، وإذا لم تجزىء العوراء، فالعمياء أولى. وأما العمش وضعف البصر، من إحدى العينين، أو كلتيهما، فلا يمنع الإجزاء وقال الروياني: إن غطى على الناظر بياض وأذهب بعضه دون بعض، فإن ذهب الأكثر لم تجز التضحية بها، وإن ذهب الأقل، جازت. وفي العشواء، وهي التي تبصر نهارا لا ليلا، وجهان: الأصح الإجزاء. وقد ورد النهي عن التولاء، وهي المجنونة، وهي التي تستدبر المرعى ولا ترعى إلا قليلا. فتهزل. وأما مقطوعة الأذن فينظر فإن لم يبن منها شيء بل بقي طرفها متدليا، لم يمنع على الأصح. وقال القفال: إنها لا تجزىء. وإن أبين فإن كان كثيرا بالإضافة إلى الأذن فإنها لا تجزىء قطعا، وإن كان يسيرا فلا تجزىء على الأصح، لفوات جزء مأكول. قال الإمام: وأقرب ضبط بين القليل والكثير، أنه إن لاح النقص من البعد فكثير، وإلا فقليل.

وقال أبو حنيفة: إن كان المقطوع دون الثلث، لا يمنع الإجزاء ولا يضر الكي وقيل:

وجهان. وتجزىء صغيرة الأذن، ولا تجزىء التي أخذ الذئب مقدارا بينا من فخذها. والمقطوعة الألية لا تجزىء على المذهب وتجزىء الشاة التي خلقت بلا ضرع، أو بلا ألية على الأصح. وقطع بعض الألية والضرع، كقطع كليهما. ولا تجزىء مقطوعة اللسان، والأصح إجزاء المجبوب والخصي، وشذ ابن كج، فحكى في الخصي قولين: وجعل الجديد عدم الإجزاء. وتجزىء التي لا قرن لها، والمكسورة القرن سواء اندمل أم لا على الأصح وجزم المحاملي، في اللباب، بعدم الإجزاء كما تقدم. قال القفال: إلا أن يؤثر ألم الانكسار في اللحم، فيكون كالجرب وذات القرن أفضل. وتجزىء التي ذهب بعض أسنانها.

فائدة : قال الجوهري: الأضحية فيها أربع لغات أضحية وأضحية بضم الهمزة وكسرها، والجمع أضاحي، وضحية والجمع ضحايا، وأضحاة كأرطاة والجمع أضحى كأرطى، بها سمي يوم الأضحى.

فرع : النية شرط في الأضحية ويجوز تقديمها على الذبح في الأصح، ولو قال: جعلت هذه الشاة أضحية، فهل يكفي التعيين والقصد دون نية الذبح؟ وجهان أصحهما لا، لأن الأضحية سنة كما تقدم، وهي قربة في نفسها فوجبت النية فيها. واختار الإمام والغزالي الاكتفاء، وإذا قلنا بالاكتفاء فالمستحب تجديد النية.

فرع

: يستحب للمضحي أن يذبح بيده، ويجوز أن يفوض ذبحها إلى غيره، وكل من حلت ذبيحته جاز التفويض إليه. والأولى أن يكون مسلما، وأن يكون فقيها، ليكون عارفا بوقتها وشرائطها، ويجوز استنابة الكتابي، وقال مالك: لا يجوز ويكون ما ذبحه شاة لحم. وحكى الموفق بن طاهر الحنبلي، عن أحمد مثله. ويستحب أن يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث. وفي قول أن يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، فإن أكل الكل معا، فالمذهب أنه يضمن القدر الذي يجزىء فيه، وهو أدنى جزء. وقيل لا يضمن، وقيل يضمن القدر المستحب، وهو الثلث أو النصف، ولا يجوز بيع شيء منها، ولا أن يعطي الجزار منها شيئا أجرة، بل مؤنة الذبح على المضحي كمؤنة الحصاد.

فرع : اعلم أن العلماء رضي الله تعالى عنهم قالوا: ادخار الأضحية فوق ثلاث منهي عنه.

وهل يجوز أكل الجميع؟ وجهان: أحدهما نعم، وبه قال ابن سريج والأصطخري وابن القاص واختاره ابن الوكيل لأنه يجوز أكل أكثرها، فيجوز أكل جميعها، وحيازة الثواب تحصل بإراقة الدم لقصد النية، ونسب ابن القاص هذا الوجه إلى النص، وحكاه الموفق الحنبلي عن أبي حنيفة، وأصح الوجهين أنه لا بد من التصدق بقدر ما يطلق عليه الاسم.

فرع

: لو قال جعلت هذه الشاة أضحية أو نذر أن يضحي بشاة بعينها، زال ملكه عنها ولا ينفذ تصرفه فيها ببيع ولا هبة ولا إبدال، ولو بجزء منها وعن الشيخ أبي علي وجه أنه لا يزول الملك عنها حتى تذبح ويتصدق بلحمها، كما لو قال: لله عليّ أن أعتق هذا العبد لا يزول ملكه عنه إلا بإعتاقه وعند أبي حنيفة، أنه لا يزول الملك عنها ولا يجوز بيعها، ولا إبدالها ولو نذر العتق في عبد بعينه لا يجوز بيعه وإبداله، وإن لم يزل الملك عنه. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز بيعه وإبداله، فلو باعها فإنها تسترد إذا كانت العين باقية، فإن أتلفها المشتري أو تلفت عنده فعليه القيمة من يوم القبض إلى يوم التلف. فلو ذبح رجلان، كل واحد منهما أضحية الآخر، بغير إذنه، ضمن كل واحد منهما ما بين القيمتين، أو أجزأت عن الأضحية.

فرع

: قال المحاملي: وتنحر الإبل وتذبح الغنم فإن نحر كلها، أو ذبح كلها جاز، وموضع النحر في السنة والاختيار اللبة، وموضع الذبح أسفل مجامع اللحيين، وكمال الذبح أن يقطع الحلقوم والمريء والودجين، وأقل ما يجزىء في الذكاة، أن يبين الحلقوم والمريء انتهى.

فرع

: لو ولدت الأضحية الواجبة، ذبح ولدها معها، سواء كانت معينة أو في الذمة بعد ما عين، وله أن يشرب من لبنها ما يفضل عن ولدها، قاله القاضي أبو سعيد الهروي.

الأمثال : قالوا: «كل شاة برجلها معلقة». أول من قال ذلك: وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد، وكان قد ولي أمر البيت، بعد جرهم، فبنى صرحا بأسفل مكة، وجعل فيه أمة يقال لها حزورة وبه سميت الحزورة التي بمكة. وجعل في الصرح سلّما، وكان يزعم أنه يرقاه فيناجي فيه ربه تعالى. وكان ينطق بكثير من الخير، وكان علماء العرب يقولون: إنه من الصديقين، فلما حضرته الوفاة جمع أولاده وقال لهم اسمعوا وصيتي: من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة برجلها معلقة. فأرسل مثلا أي كل أحد يجزى بعمله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى

الخواص : جلد الشاة، إذا أخذ حين يسلخ، وألبس للمضروب بالسياط، نفعه وسكن ألمه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.