تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

السوس

دود يقع في الصوف والطعام. قاله الجوهري وغيره يقال طعام مسوس ومدود بكسر الواو فيهما قال الراجز:

قد أطعمتني دقلا حوليامسوسا مدودا حجريا

وقال قتادة ومجاهد، في قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ

هو سوس الثياب، ودود الفاكهة.

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «عن يمين العرش نهر من نور، مثل السموات السبع والأرضين السبع سبعين مرة، يدخله جبريل ﵇ كل سحر فيغتسل فيه فيزداد نورا إلى نوره، وجمالا إلى جماله، وعظما إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله تعالى من كل ريشة سبعين ألف قطرة، فيخلق من كل قطرة سبعين ألف ملك، يدخل منهم كل يوم إلى البيت المعمور سبعون ألف ملك، وإلى الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إلى يوم القيامة». وقال الطبري: ما لا تعلمون ما أعد الله تعالى في الجنة لأهلها، مما لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر.

روينا في بعض الأخبار، عن الحارث بن الحكم، قال: أنزل الله تعالى في بعض الكتب:

أنا الله لا إله إلا أنا لولا أني قضيت بالنتن على الميت، لحبسه أهله في البيوت، وأنا الله لا إله إلا أنا مرخص الأسعار والبلاد مجدبة، وأنا الله لا إله إلا أنا مغلي الأسعار والأهراء ملأى، وأنا الله لا إله إلا أنا لولا أني قضيت بالسوس على الطعام، لخزنته الملوك، وأنا الله لا إله إلا أنا لولا أني أسكنت الأمل في القلوب، لأهلكها التفكر. ولما حرم عمرو بن هند على المتلمس حب العراق قال:

آليت حبّ العراق الدهر أطعمهوالحبّ يأكله في القرية السوس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

روى البيهقي، في شعبه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يناله اللصوص ولا يأكله السوس فليفعل فإن قلب كل امرىء عند كنزه.

وحكى عن الشيخ العارف أبي العباس المرسي أن امرأة قالت له: كان عندنا قمح مسوس فطحناه فطحن السوس معه. وكان عندنا فول مسوس فدششناه فخرج السوس حيا فقال لها:

صحبة الأكابر تورث السلامة. قلت: ويقرب من هذا، ما حكاه ابن عطية في تفسير سورة الكهف، أن والده حدثه عن أبي الفضل الجوهري الواعظ بمصر، أنه قال في مجلس وعظه: من صحب أهل الخير عادت عليه بركتهم، هذا كلب صحب قوما صالحين فكان من بركتهم عليه أن ذكره الله تعالى في القرآن ولا يزال يتلى على الألسنة أبدا. ولذلك قيل: من جالس الذاكرين انتبه من غفلته، ومن خدم الصالحين ارتفع بخدمته.

ومن الفوائد المستغربة ، ما أخبرني به بعض أهل الخير أن أسماء الفقهاء السبعة، الذين كانوا بالمدينة الشريفة، إذا كتبت في رقعة وجعلت في القمح فإنه لا يسوس، ما دامت الرقعة فيه، وهم مجموعون في قول الأول:

ألا كلّ من لا يقتدي بأيمةفقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجه

وأفادني بعض أهل التحقيق، أن أسماءهم إذا كتبت وعلقت على الرأس، أو ذكرت عليه

أزالت الصداع العارض له وقد تقدم في باب الجيم في الجراد ذكر الآيات التي تنفع للصداع.

وأفادني بعض أهل العلم، أن هذه الأسماء إذا كتبت في رقعة وعلقت على الرأس، أذهبت الصداع والشقيقة. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم اهدأ عليه يا رأس، بحق من خلق فيك الأسنان والأضراس، وكتبه الكتبة بلا قلم ولا قرطاس، قر بقرار الله، اسكن واهدأ بهدء الله، بحرمة محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً

أسكن أيها الوجع والصداع والشقيقة والضربان، عن حامل هذه الأسماء، كما سكن عرش الرحمن، وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ

وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم.

ومما جرب : لإذهاب السوس والفراش ما أفادنيه بعض أئمة الإمامية أن يكتب على خشب الغار هذه الأسماء في الظل بحيث لا تراه الشمس أبدا لا وقت الكتابة ولا وقت الذهاب بها ثم تدفن الخشبة في القمح أو الشعير، فإنه لا يسوس ولا يفرش. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: موتوا فماتوا كذلك يموت الفراش والسوس ويرحل بإذن الله تعالى، اخرج أيها السوس والفراش بإذن الله تعالى عاجلا، وإلا خرجت من ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويشهد عليك أنك سرقت لجام بغلة نبي الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام. وهو عجيب مجرب.

الحكم : يحرم أكله منفردا لأنه نوع من الدود.

الأمثال : قالوا: «العيال سوس المال» وقالوا: «آكل من سوسة». وقيل لخالد بن صفوان بن الأهيم: كيف ابنك؟ قال: سيد فتيان قومه ظرفا وأدبا. فقيل له: كم ترزقه كل يوم؟ فقال:

درهما. فقيل له: وأين يقع منه ثلاثون درهما في كل شهر وأنت تستغل ثلاثين ألفا؟ فقال:

الثلاثون درهما أسرع في هلاك المال من السوس في الصوف بالصيف. فحكى كلامه للحسن البصري فقال: أشهد أن خالدا تميمي وإنما قال الحسن ذلك لأن بني تميم مشهورون بالبخل والنهم. وهو في الرؤيا كالدود فليراجع هناك.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.