من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
باب الضاد المعجمة: الضأن
ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن، والأنثى ضائنة والجمع ضوائن، وقيل: هو جمع لا واحد له، وقيل: جمعه ضئين كعبد وعبيد.
فائدة : قال الله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ
الآية وذلك أن الجاهلية كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فكنوا يحرمون بعضها على النساء، فلما جاء الإسلام وثبتت أحكامه، جادلوا النبي ﷺ، وكان الذي جادله خطيبهم مالك بن عوف بن الأحوص الجشمي، فقال: يا محمد إنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه. فقال له رسول الله ﷺ: «إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، وإنما خلق الله هذه الأزواج الخمسة للمأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم أمن قبل الذكر أمن قبل الأنثى». فسكت مالك وتحير ولم يتكلم.
فقال له النبي ﷺ: «ما لك لا تتكلم» ؟ فقال له مالك: بل تكلم وأسمع منك.
فلو قال جاء التحريم من قبل الذكورة وجب أن يحرم جميع الذكور، ولو قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، ولو قال باشتمال الرحم عليه لكان ينبغي أن يحرم الكل لأن الرحم يشتمل على الذكور والإناث. فأما تخصيص التحريم بالولد الخامس والسابع أو بالبعض دون البعض، فمن أين؟ وثمانية أزواج نصبها على البدل من الحمولة والفرش، أي وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أي أصناف: من الضأن اثنين أي الذكر والأنثى، فالذكر زوج والأنثى زوج والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخر. وسيأتي إن شاء الله تعالى، الكلام على البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، في باب النون في النعم.
وقد جعل الله تعالى البركة، في نوع الغنم فهي تلد في العام مرة ويؤكل منها ما شاء الله ويمتلىء منها وجه الأرض، بخلاف السباع فإنها تلد شتاء وصيفا، ولا يرى منها إلا واحد واحد في أطراف الأرض، ويضرب المثل بلين جلودها، لما روى البيهقي والترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب» وفي رواية: «وقلوبهم أمر من الصبر يلبسون للناس جلود الضأن من اللين يشترون الدنيا بالدين يقول الله تعالى: أبي يغترون وعلي يجترئون، فبي حلفت لأقيضن لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران». يقال: ختله يختله إذا خدعه، وختل الذئب الصيد، إذا تخفى له. وبين المعز والضأن تضاد يوجب أن لا يقع بينهما لقاح أصلا.
وعن عجيب طبعها وأمرها أنها ترى الفيل والجاموس فلا تهابهما، مع عظم أبدانهما، وترى الذئب فيعتريها خوف عظيم لمعنى خلقه الله في طباعها. ومن غريب أمرها أن الغنم تلد في ليلة واحدة عددا كثيرا ثم إن الراعي يسرح بالأمهات من الغد ويأتي بها عند العشاء، ويخلي بينها وبين
السخال، فتذهب كل واحدة إلى أمها. ويجلب من الهند نوع من الضأن، في صدره ألية وعلى كتفيه أليتان، وعلى فخذيه أليتان وعلى ذنبه ألية، وربما تكبر ألية الضأن حتى تمنعه من المشي، وإن تسافدت الغنم عند نزول المطر لا تحمل، وإن كان السفاد عند هبوب الشمال تكون الأولاد ذكورا، وإن كان عند هبوب الجنوب تكون الأولاد إناثا. وإذا رعت الضأن الزرع رجع، وإذا رعته المعز لم ينبت. وقالت العرب: «جز ضائنة وحلق معزة».
وحكمها : حل الأكل بالاجماع.
الأمثال : قالوا: «أجهل من راعي ضأن» و «أحمق من راعي ضأن ثمانين » و «أحمق من طالب ضأن ثمانين » وذلك أن الضأن تنفر من كل شيء، فيحتاج راعيها إلى أن يجمعها في كل وقت، وفي الصحاح: «أحمق من صاحب ضأن ثمانين» وذلك أن أعرابيا بشر كسرى ببشرى فسر بها، فقال: سلني ما شئت، فقال: أسألك ضأنا ثمانين.
وقال ابن خالويه: إنه رجل قضى للنبي ﷺ حاجة، فقال ﷺ: «ائتني بالمدينة»، فأتاه، فقال ﵊ له: «أيما أحب أليك، ثمانون من الضأن أو أدعو الله أن يجعلك معي في الجنة» ؟ فقال: بل ثمانون من الضأن، فقال ﵊: «أعطوه إياها». ثم قال ﷺ:
«إن صاحبة موسى كانت أعقل منك، وذلك أن عجوزا دلته على عظام يوسف ﵇، فقال لها موسى: أيما أحب إليك أسأل الله أن تكوني معي في الجنة أو مائة من الغنم؟ قالت: الجنة».
والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك مع اختلاف فيه وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وعن أبي موسى الأشعري قال: إن النبي ﷺ كان يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال: إن لي عندك موعدا يا رسول الله فقال ﷺ: «صدقت فاحتكم ما شئت» قال: إني أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. فقال ﷺ: «هي لك، ولقد احتكمت يسيرا، ولصاحبة موسى التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك حين حكمها موسى، فقالت: حكمي أن تردني شابة وأدخل معك الجنة». قال في الإحياء، في آخر الآفة الثالثة عشرة؛ من آفات اللسان: وكان الناس يضعفون ما احتكم هذا الانسان به حتى جعلوه مثلا، فقالوا: «أقنع من صاحب الثمانين والراعي».
الخواص : لحم الضأن يمنع المرة السوداء، ويزيد في المني وينفع من السموم، وهو حار رطب بالنسبة إلى المعز، وأجوده الحولي، وهو ينفع المعدة المعتدلة ويضر من يعتاده العشي، وتدفع مضرته بالأمراق القابضة، ويكره لحم النعاج لأنه يولد دما رديئا، ولحم الخرفان يغذو غذاء كثيرا حارا رطبا لكنه يولد البلغم، والحولي من الضأن أغذى من صغيرها، ولحم الضأن في الربيع أجود وأنفع منه في سائر الأزمان، ولحم الخصي منها يزيد في الباه، ودمها إذ أخذ وهو حار ساعة تذبح وطلي به الوضح غير لونه وضيعه. وكبد التيس إذا أحرقت طرية ودلك بها الأسنان بيضها،
وقرن الكبش إذا دفن تحت شجرة يكثر حملها، وإذا اكتحل بمرارة الكبش مع العسل، يمنع من نزول الماء، وعظمه يحرق بخشب الطرفاء ويخلط رماده بدهن الشمع المتخذ من دهن الورد، ويطلى به موضع الهشم يصلحه. وإذا تحملت المرأة بصوف النعجة، قطعت الحبل. وإذا غطي الإناء بصوف الضأن الأبيض، وفيه عسل، لم يقربه النمل.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع