من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
العصفور
بضم العين وحكى ابن رشيق في كتاب الغرائب: والشذوذ عصفور بالفتح، والأنثى عصفورة قال الشاعر:
كعصفورة في كفّ طفل يسومهاحياض الردى والطفل يلهو ويلعب
وكنيته أبو الصعو وأبو محرز وأبو مزاحم وأبو يعقوب. قال حمزة: سمي عصفورا لأنه عصى وفر. وهو أنواع: منها ما يطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه وسيأتي إن شاء الله تعالى.
والعصفور الصرار، وهو الذي يجيب إذا دعى، من الصيرورة. وعصفور الجنة وهو الخطاف، وقد تقدم ذكرهما في بابيهما. وأما العصفور الدوري البيوتي، فإن في طباعه اختلافا، وذلك أن فيه من طبائع السباع، وهو أكل اللحم، ولا يزق فراخه ومن البهائم أنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وإذا سقط على عود قدم أصابعه الثلاث وأخر الدابرة، وسائر أنواع الطير تقدم أصبعين وتؤخر أصبعين، ويأكل الحب والبقول. ويتميز الذكر منها بلحية سوداء كما للرجل والتيس والديك.
وليس في الأرض طائر من سبع ولا بهيمة أحنى من العصفور على ولده، ولا أشد له عشقا، وذلك مشاهد عند أخذ فراخها. ووكره في العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح، وإذا خلت مدينة من أهلها ذهبت العصافير منها، فإذا عادوا إليها عادت العصافير. والعصفور لا يعرف المشي، إنما يثب وثبا. وهو كثير السفاد، فربما سفد في الساعة الواحدة مائة مرة، ولذلك قصر عمره فإنه لا يعيش في الغالب أكثر من سنة. ولفرخه تدرب على الطيران، حتى إنه يدعى فيجيب. قال الجاحظ: بلغني أنه رجع من فرسخ.
ومن أنواعه عصفور الشوك، وأكثر مأواه السياج. وزعم أرسطو أن بينه وبين الحمار عداوة، لأن الحمار إذا كان به دبر، حكه في الشوك الذي يأوي إليه هذا العصفور فيقتله. وربما نهق الحمار، فتسقط فراخه أو بيضه من جوف وكره، فلذلك هذا العصفور، إذا رأى الحمار رفرف فوق رأسه، وعلى عينيه وآذاه بطيرانه وصياحه.
ومن أنواعه: القبرة وستأتي إن شاء الله تعالى، في باب القاف. ومن أنواعه حسون، وقد تقدم في باب الحاء، والبلبل والصعو والحمرة والعندليب والمكاكي والصافر والتنوط والوصع والبراقش والقبعة، وكلها في أماكنها مذكورة.
وفي الأذكياء لابن الجوزي، أن رجلا رمى عصفورا فأخطأه، فقال له رجل: أحسنت فغضب وقال: أتهزأ بي؟ قال: لا، ولكن أحسنت إلى العصفور إذا لم تصبه. ورأيت في بعض التعاليق، أن المتوكل رمى عصفورا فلم يصبه وطار، فقال له ابن حمدان: أحسنت، فقال له
المتوكل: كيف أحسنت؟ قال: أحسنت إلى العصفور، ويروى عن الجنيد، أنه قال: أخبرني محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنه حج مع أيوب الجمال قال: فلما دخلنا البادية، وسرنا منازل، إذ بعصفور يحوم حولنا، فرفع أيوب رأسه إليه وقال له: قد جئت إلى هنا! فأخذ كسرة خبز ففتها في كفه فانحط العصفور وقعد على كفه، فأكل منها ثم صب له ماء فشربه، ثم قال له: اذهب الآن فطار العصفور، فلما كان من الغد، رجع العصفور، ففعل أيوب مثل فعله في اليوم الأول، فلم يزل كل يوم يفعل به مثل ذلك، إلى آخر السفر. ثم قال أيوب: أتدري ما قصة هذا العصفور؟
قال: لا. قال: إنه كان يجيئني في منزلي كل يوم، فكنت أفعل به في ما رأيت، فلما خرجنا تبعنا يطلب منا ما كنت أفعل به في المنزل.
روى البيهقي وابن عساكر، بسندهما إلى أبي مالك، قال: مر سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطبها لنفسه، ويقول: تزوجيني أسكنك أي قصور دمشق شئت. قال سليمان: وإنه عرف أن قصور دمشق مبنية بالصخر، لا يقدر أن يسكنها، لكن كل خاطب كذاب. وسيأتي إن شاء الله تعالى له نظير، في باب الفاء، في الفاختة، وكان سليمان ﵇ يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها، ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها كما تقدم في باب الطاء المهملة، في الطيطوي. قال الله تعالى حكاية عنه: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
وكذلك كان يعرف لغات ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات.
فائدة : روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت، حين توفي صبي من الأنصار، بين أبوين مسلمين: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال النبي ﷺ: «أو غير ذلك أن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» ومن الناس من قدح في هذا الحديث بأنه من رواية طلحة بن يحيى وهو متكلم فيه. والصواب صحته وهو في صحيح مسلم ولكنه ﷺ نهانا عن المسارعة إلى القطع، أو أنه قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة كذا. قال بعضهم: وليس بصحيح لأن سورة الطور مكية ودلت على تبعيتهم، أو أن قطع عائشة بذلك قطع بايمان أبويه، ويحتمل أن يكونا منافقين، فيكون الصبي ابن كافرين. وروى ابن قانع، في ترجمة الشريد بن سويد الثقفي، أن النبي ﷺ قال: «من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة، فقال: يا رب عبدك قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة». وروى في حديث آخر أن رجلا من أهل الصفة استشهد، فقالت له أمه:
هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة، هاجرت إلى رسول الله ﷺ، وقتلت في سبيل الله. فقال النبي ﷺ: «وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره».
وروى البيهقي في الشعب، عن مالك بن دينار، قال: مثل قراء هذا الزمان، مثل رجل نصب فخا، فجاء عصفور فوقع في فخه فقال: ما لي أراك مغيبا في التراب؟ قال: للتواضع،
قال: فمم حنيت؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه الحبة في فيك؟ قال: أعددتها للصائمين. فلما أمسى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فخنقه. فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العباد اليوم. وفيه أيضا عن الحسن، أن لقمان قال لابنه: يا بني حملت الجندل والحديد، وكل حمل ثقيل فلا أجد شيئا أثقل من الجار السوء، وذقت المرار كله فلم أذق شيئا أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولا جاهلا فإن لم تجد حكيما، فكن رسول نفسك. يا بني إياك والكذب، فإنه شهي كلحم العصفور، وعما قليل يقلي صاحبه. يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا. يا بني لا تأكل شبعا على شبع، فإنك إن تلقيه إلى الكلب خير لك من أن تأكله. يا بني لا تكن حلوا فتبلع، ولا مرا فتلفظ.
ورأيت في بعض المجاميع عن الحسن، أن لقمان قال لابنه: يا بني اعلم أنه لا يطأ بساطك إلا راغب فيك، أو راهب منك، فأما الراهب منك الخائف فأدن مجلسه وتهلل في وجهه، وإياك والغمز من ورائه، وأما الراغب فيك فاظهر له البشاشة مع صفاء الباطن له، وأبدأه بالنوال قبل السؤال، فإنك إن تلجئه إلى السؤال منك تأخذ من حر وجهه ضعفي ما تعطيه. وأنشدوا على هذا:
إذا أعطيتني بسؤال وجهيفقد أعطيتني وأخذت مني
يا بني ابسط حملك للقريب والبعيد، وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم، وصل أقاربك، وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك، لم تعبهم ولم يعيبوك اهـ.
وقد أذكرني هذا، ما حكاه بعض أشياخي أن الاسكندر وجه رسولا إلى بعض ملوك الشرق فعاد رسوله برسالة، شك الاسكندر في حرف منها، فقال له الاسكندر: ويحك إن الملوك لا يخاف عليها إلا إذا مالت بطانتها، وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ، بينة العبارة، غير أن فيها حرفا ينقصها، فعلى يقين أنت منه أم شاك فيه؟ فقال الرسول: على يقين. فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظها حرفا حرفا، وتعاد إلى الملك مع رسول آخر، فتقرأ عليه وتترجم له. فلما قرىء الكتاب على الملك، مر بذلك الحرف فأنكره، فقال للمترجم: ضع يدك على هذا الحرف، فوضعها وأمر أن يقطع ذلك الحرف، فقطع من الكتاب، وكتب إلى الاسكندر رأس المملكة صحة فطنة الملك، ورأس الملك صدق لهجة رسوله، إذا كان عن لسانه ينطق، وإلى اذنه يؤدي وقد قطعت ما لم يكن من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلا. فلما جاء الرسول بهذا إلى الاسكندر، دعا الرسول الأول، وقال له: ما حملك على كلمة أردت بها الفساد بين ملكين؟
فأقر الرسول أن ذلك لتقصير رآه من الموجه إليه، فقال له الاسكندر: ما أراك سعيت إلا لنفسك لا لنا، فلما فاتك ما أملت، جعلت لك ثأرا في الأنفس الخطيرة الرفيعة. ثم أمر بلسانه فنزع من قفاه. وقال يحيى بن خالد بن برمك: ثلاثة أشياء تدل على عقول الرجال: الهدية والرسول والكتاب.
وسمع أبو الأسود الدؤلي رجلا ينشد:
إذا كنت في حاجة مرسلافأرسل حكيما ولا توصه
فقال: قد أساء قائل هذا أيعلم الغيب إذا لم يوصه كيف يعلم ما في نفسه؟ هلا قال:
إذا أرسلت في أمر رسولافأفهمه وأرسله أديبا
ولا تترك وصيته بشيءوإن هو كان ذا عقل أريبا
فإن ضيعت ذاك فلا تلمهعلى أن لم يكن علم الغيوبا
وفي تاريخ ابن خلكان وغيره من التواريخ، أن الزمخشري كان مقطوع الرجل، فسئل عن ذلك. فقال: دعاء الوالدة، وذلك أني كنت في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي وأدركته وقد دخل في خرق من الجدار، فجذبته فانقطعت رجله بالخيط، فتألمت والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله! فلما وصلت إلى سن الطلب، رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي، وعملت عملا أوجب قطعها.
وفي الحلية للحافظ أبي نعيم، في ترجمة زين العابدين، قال أبو حمزة اليماني: كنت عند علي بن الحسين، فإذا عصافير يطرن حوله ويصرخن، فقال: يا أبا حمزة هل تدري ما تقول هذه العصافير؟ قلت: لا. قال: إنها تقدس ربها جل وعلا، وتسأله قوت يومها.
وفي الصحيحين وسنن النسائي وجامع الترمذي، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أبي بن كعب وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «قام موسى خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم فقال: أنا أعلم، فعتب الله تعالى عليه إذا لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إلى موسى، أن عبدا من عبادي، بمجمع البحرين هو أعلم منك».
وفي الرواية الأخرى أنه قيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا فأوحى الله تعالى إلى موسى، بل عبدنا خضر. فقال: يا رب وكيف به؟ فقال له: احمل حوتا في مكتلك، فإذا فقدته فهو، ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، وحملا حوتا في مكتل، حتى إذا كانا عند الصخرة، وضعا رؤوسهما، فناما وانسل الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وكان لموسى ولفتاه عجبا، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما حتى أصبحا، فقال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. ولم يجد موسى شيئا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا، فلما انتهيا إلى الصخرة، إذا رجل مسجى بثوب أو قال: تسجى بثوبه فسلم موسى.
وفي الرواية الأخرى وكان يتبع أثر الحوت في البحر، فقال الخضر: وأني بأرضك السلام فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. ثم قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما
علمت رشدا؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت! وإنك على علم علمكه الله لا أعلمه. قال: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فقال: فرأيا سفينة فكلموهما أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا كنقرة هذا العصفور. وفي الرواية الأخرى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. وعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه فقال موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها! قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسبت ولا ترهقني من أمري عسرا. فكانت الأولى من موسى نسيانا، فانطلقا فإذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلع رأسه بيده، فقال موسى: أقتلت نفسا زكية بغير حق لقد جئت شيئا نكرا. قال:
ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال ابن عيينة: وهذا أوكد. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه الخضر بيده، فقال موسى: لو شئت لا تخذت عليه أجرا، قال: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا.
قال النبي ﷺ: «يرحم الله أخي موسى لوددنا أن لو صبر حتى يقص الله علينا من أنبائهما» وفي الرواية الأخرى «يرحم الله موسى لو كان صبر، لقص علينا من أمرهما». وعن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر. قال: كذب عدو الله. حدثني أبي بن كعب، وذكر الحديث، وذكر قصة موسى والخضر بطولها، قال: وجاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة، ثم نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. قال العلماء: لفظ النقص ليس هنا على ظاهره، وإنما معناه إنما علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. قلت: وهذا على التقريب للإفهام، وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر.
وحكمه : حل الأكل، قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من إنسان يقتل عصفورة فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها». قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: «أن يذبحها فيأكلها، وأن لا يقطع رأسها فيرمي به». رواه النسائي.
وروى الحاكم عن خالد بن معدان عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: إن النبي ﷺ قال: «إن قلب ابن آدم مثل العصفور يقلب في اليوم سبع مرات». ومن أحكام العصافير أنها على اختلاف أنواعها جنس واحد في باب الربا، والبطوط جنس والكركي جنس والحبارى جنس والأوز جنس والدجاج جنس والحمام جنس، وتقدم في بابه.
ومن أحكامها أنه لا يجوز عتقها على الأصح، وقيل: يجوز لما روى الحافظ أبو نعيم عن أبي الدرداء، أنه كان يشتري العصافير من الصبيان، ويرسلها. قال ابن الصلاح: والخلاف فيما يملك بالاصطياد، أما البهائم الأنسية فإن أعناقها من قبيل سوائب الجاهلية وذلك باطل قطعا وقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي، في كتاب عيون المسائل، أن ذرق العصافير غير معفو عنه والمشهور أن فيه الخلاف الذي في بول يؤكل لحمه.
الأمثال : قالوا: «أخف حلما من عصفور». قال حسان رضي الله تعالى عنه:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظمجسم البغال وأحلام العصافير
وقال قعنب:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحامني وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلاما ومقدرةلو يوزنون برقّ الريش ما وزنوا
وقالوا: «صاحت عصافير بطنه» إذا جاع. قال الأصمعي: العصافير هنا الأمعاء. قال الجوهري:
والمصير المعي وهو فعيل، والجمع المصران، مثل رغيف ورغفان، ثم المصارين جمع الجمع. ونقله في المحكم، عن سيبويه، سميت مصارين لصيرورة الطعام فيها. وقالوا: «أسفد من عصفور».
الخواص : لحم العصافير حار يابس، أصلب من لحم الدجاج، وأجودها الشتوية السمان، وأكلها يزيد في المني والباه، لكنه يضر أصحاب الرطوبات الأصلية، ويدفع ضررها دهن اللوز، وهي تولد خلطا صفراويا، يوافق من الإنسان الشيوخ. ومن الأمزجة الباردة ومن الأزمان الشتاء.
قال المختار بن عبدون: يكره أكل لحم العصافير لأن اليسير من عظامها إذا سبق في أكل شيء منها أحدث شحما في المريء والمعي، وإذا اتخذ من فراخها عجة بالبيض والبصل، زادت في الباه وأمراقها تحل الطبع، ولحومها تعقله، ولا سيما إذا كانت مهزولة هزالا فاضحا. وأضر العصافير ما سمن في البيوت وقال غيره: إذا أخذ دماغ العصفور، وأضيف إلى ماء السذاب، وشيء من عسل، وشرب على الريق، فإنه نافع لأوجاع البواسير. وإذا خلط ذرق العصافير بلعاب الإنسان، وطلي به على الثآليل قلعها، مجرب. وإذا أخذ عصفور وذوب دماغه بشيرج، وسقي لمن يحب شرب النبيذ، فإنه يبغضه وهو عجيب مجرب. وإذا أكل عصفور الشوك مشويا ومملوحا فتت الحصى الذي في المثانة والكلى. وقال مهراريش: إذا ذبح العصفور، وقطر دمه على دقيق العدس، وجعل بنادق وجفف، فإنه يهيج الباه وإذا أخذت منه بندقة، وخلطت بزيت وطلي بها الا حليل، ولا يطأ على الأرض فإنه يطأ ما شاء.
فائدة : قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أربعة أشياء تزيد في الجماع: أكل العصافير،
وأكل الإطريفل الأكبر، وأكل الفستق، وأكل الجوز. وأربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، واستعمال السواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم. وأربعة أشياء تقوي البدن:
أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان. وأربعة أشياء توهن البدن وتسقمه: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحموضة.
فائدة أخرى : من أكثر من الجماع وجعله دأبه، أورثه حكة في بدنه، وضعفا في قوته وبصره، وعدم لذة المجامعة، وشاب عاجلا. ومن دافع البول والغائط، ولم يقم إذا دعياه، ضعفت مثانته، وغلظ جلده، وأورثه حرق البول، والرمل والحصا، وضعف البصر. ومن أكثر من حك رجليه بالنخالة والملح، أحد بصره وعوفي من ضعفه. ومن بصق في بوله، وأدمن على ذلك، أمن من وجع الصلب. قاله القزويني نقلا عن أبقراط وغيره، وذكر أنه امتحنه وجربه.
التعبير : العصفور في المنام رجل قاص، صاحب لهو وحكايات، يضحك الناس. وقيل:
إنه ولد ذكر فمن رأى أنه ذبح عصفورا، وله ولد مريض خشي عليه من الموت. وربما دل على رجل شيخ ضخم، كثير المال يحتال في الأمور، كامل في رياسته مدبر. وربما دل على امرأة حسناء شفيقة، وأصوات العصافير كلام حسن أو دراسة في العلم. والعصافير الكثيرة، أموال لمن حواها في المنام، وتعبر العصافير بالأولاد والصبيان.
ومن الرؤيا المعبرة أن رجلا أتى ابن سيرين، فقال له: رأيت كأني آخذ العصافير فأدق أجنحتها وأجعلها في حجري فقال ابن سيرين: أتعلم كتاب الله أنت؟ قال: نعم. فقال: اتق الله في أولاد المسلمين. وأتاه رجل فقال: رأيت كأن في يدي عصفورا وقد هممت بذبحه. فقال: لا يحل لك أن تأكلني! فقال له ابن سيرين: أنت رجل تتناول الصدقة ولست مستحقها، فقال له الرجل: تقول لي ذلك؟ فقال: نعم، ولو شئت قلت لك كم هي درهم. فقال: كم هي؟ فقال ابن سيرين: ستة دراهم. فقال الرجل: ها هي في كفي، وأنا تائب لا أعود إلى تناول الصدقة.
فقيل له: من أين أخذت ذلك؟ فقال: العصفور ينطق في الرؤيا بالحق، وهو ستة أعضاء، فبقوله:
لا يحل لك أن تأكلني، علمت بذلك أنه يتناول ما لا يستحق. ومن الرؤيا المعبرة أيضا، عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه، أنه أتاه رجل، فقال: رأيت كأن في يدي عصفورا، فقال له جعفر: تنال عشرة دنانير، فمر الرجل فوقع في يده تسعة دنانير، فأتى إلى جعفر وأخبره بذلك، فقال: اقصص عليّ الرؤيا ثانيا، فقال: رأيت كأن بيدي عصفورا، وأنا أقلبه فلم أر له ذنبا، فقال له جعفر: لو كان له ذنب، لكانت الدنانير عشرة والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع