من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
العفريت
القوي المارد من الشياطين، والتاء فيه زائدة قال تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ
قرأ أبو رجاء العطاردي وعيسى الثقفي عفرية ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وقرأت فرقة عفر، وكل ذلك لغات. وقال وهب: اسم هذا العفريت كوذا، وقيل ذكوان، وقال ابن عباس: هو صخر الجني.
واختلفوا في غرض سليمان ﵊ في استدعاء عرش بلقيس، فقال قتادة وغيره: لأنه أعجبه وصفه، لما وصفه الهدهد بالعظم فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام.
وقال الأكثرون: إن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها، فأراد أن يأخذ عرشها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال ابن زيد: استدعاه ليريها القدرة، التي هي من عند الله، وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها. وروي أن عرشها كان من فضة وذهب، مرصعا بالياقوت والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات، عليه سبعة أغلاق. وفي الكشف والبيان للثعلبي، أن عرشها كان سريرا ضخما حسنا، وكان مقدمه من ذهب، منضدا بالياقوت الأحمر، والزمرد الأخضر، ومؤخره من فضة مكللا بأنواع الجواهر، وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أصفر، وقائمة من زبرجد أخضر، وقائمة من در أبيض، وصفائح السرير من ذهب. وكانت قد أمرت به، فجعل في آخر سبعة أبيات، بعضها في بعض في آخر قصر من قصورها، على كل بيت باب مغلق.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا،
وارتفاعه في الهواء ثلاثين ذراعا. وقال مقاتل: كان ثمانين في ثمانين. وقيل: كان طوله ثمانين ذراعا، وعرضه أربعين ذراعا وارتفاعه ثلاثين ذراعا.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان سليمان ﵇ مهيبا، لا يبدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فرأى ذات يوم وهجا قريبا منه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا عرش بلقيس. فقال: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال عفريت من الجن:
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
وكان سليمان يجلس في مجلس الحكم من الصباح إلى الظهر، وإني عليه أي على الإتيان به لقوي على حمله، أمين لا أختلس منه شيئا. قال الذي عنده علم من الكتاب، قال البغوي وغيره والأكثرون: على أنه آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
. قال سعيد بن جبير:
يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من تراه ومعناه أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك.
وقال قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وقال مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وقال وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك. وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب اسمه اسطوم، وقيل هو جبريل، وقيل هو سليمان نفسه. قال له عالم من بني إسرائيل، قيل اسمه اسطوم، آتاه الله معرفة وفهما: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. قال سليمان: هات. قال: أنت النبي وابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك. فإن دعوت الله وطلبت منه كان عندك. قال:
صدقت.
والعلم الذي أوتيه، قيل هو الاسم الأعظم. وفي الكلام حذف تقديره فدعا باسم الله الأعظم، وهو يا حي يا قيوم، يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وقيل: يا ذا الجلال والإكرام. قيل: شقت الأرض بالعرش فغار في الأرض، حتى نبع بين يدي سليمان. قاله الكلبي. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فبعث الله الملائكة، فحملوا السرير من تحت الأرض، يخدون الأرض خدّا، حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان، وقيل: جيء به في الهواء، وكان بين سليمان والعرش مسيرة شهرين للمجد، فلما رآه مستقرا عنده، جعل يشكر نعمة الله تعالى، بعبارة فيها تعليم للناس، وعرضة للاقتباس، ثم قال: نكروا لها عرشها. أراد بالتنكير تجربة تمييزها ونظرها، وليزيد في الإغراب عليها.
وروت فرقة أن الجن، لما أحست من سليمان، أنه ربما يتزوج بلقيس، فتفشي له أخبار الجن، لأن أمها كانت جنية، وأنها ربما تلد ولدا، فينقل الملك إليه، فلا ينفكون من تسخير سليمان وولده من بعده، فأساؤوا الثناء عليها وظلموها عنده، ليزهدوه فيها، فقالوا: إنها غير عاقلة ولا مميزة وإن رجليها كحافر فرس، وقيل: كحافر حمار، وإنها شعراء الساقين. فجرب
عقلها بتنكير العرش، واختبر أمر رجليها بالصرح لتكشف عن ساقيها، وتنكيره بأن يزيد فيه وينقص منه. والقصة في ذلك مشهورة في كتب التفسير، ولما أسلمت وأذعنت وأقرت على نفسها بالظلم، روي أنه تزوجها وردها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها على الريح في كل شهر مرة، فولدت له غلاما فسماه داود ومات في حياته. وقيل: إنه جعل يعني لما زاد في العرش ونقص منه، مكان الجوهر الأخضر أحمر ومكان الأحمر أخضر، فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. وقيل: عرفته. ولكنها شبهت عليهم، كما شبهوا عليها، قاله مقاتل.
وقال عكرمة: كانت بلقيس حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن تكذب، ولم تقل لا خوفا من التنكيت عليها، بل قالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر. وقيل: إنه اشتبه عليها أمر العرش، لأنها لما أرادت الشخوص إلى سليمان، دعت قومها وقالت لهم: والله ما هذا ملك، وما لنا به من طاقة، ثم أرسلت إلى سليمان: إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك، وما الذي تدعو إليه من دينك. ثم أمرت بعرشها وكان من ذهب وفضة، مرصعا بالياقوت والجوهر، فجعلته في جوف سبعة أبيات، عليه سبعة أغلاق كما تقدم، ووكلت به حراسا يحفظونه، ثم قالت لمن خلفته على سلطانها: احتفظ بما قبلك لا يخلص إليه أحد، ولا ترينه أحدا حتى آتيك. وشخصت إلى سليمان باثني عشر ألف قيل من أقيال اليمن، تحت كل قيل ألوف كثيرة، فلما جاءت، قيل: أهكذا عرشك؟ فاشتبه عليها أمر العرش، فقالت: كأنه هو. ثم قيل لها: ادخلي الصرح.
قيل: إنه قصر من زجاج كأنه الماء بياضا، وقيل: الصرح الصحن في الدار، وأجرى تحته الماء، وألقى فيه شيئا كثيرا من دواب البحر، كالسمك والضفادع وغيرها، ثم وضع سرير سليمان في صدره، فكان الصرح إذا رآه أحد حسبه لجة ماء. قيل: إنه إنما بنى الصرح، لأنه أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها، من غير أن يسألها كشفها. وقيل: أراد أن يختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف، وقد تقدم ذكر ذلك في باب الدال المهملة، في الدود. فجلس سليمان ﵇ على السرير، ودعا بلقيس، فلما جاءت، قيل لها: ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجة، وهي معظم الماء، وكشفت عن ساقيها لتخوضها إلى سليمان، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلا شعر الساقين، فلما رأى سليمان ذلك، صرف بصره عنها وناداها: إنه صرح ممرد من قوارير وليس بماء، ثم دعاها إلى الإسلام. وكانت قد رأت حال العرش والصرح. فأجابت.
وقيل: إنها لما بلغت الصرح وحسبته لجة، قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني، وكان القتل أهون علي من هذا، فقولها ظلمت نفسي يعني بذلك الظن.
وقيل: إنه ﵇ لما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الإنس ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى. قالت: لا تمسني حديدة قط. وكره سليمان الموسى، وقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن، فقالوا: لا ندري، فسأل الشياطين، فقالوا: إنا نحتال لك حتى يكونا كالفضة البيضاء، فاتخذوا النورة والحمام ومن يومئذ ظهرت النورة والحمامات، ولم تكن قبل ذلك.
فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض
اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وهي سليجين وبينون وغمدان. ثم كان سليمان ﵇ يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام يبتكر من الشأم إلى اليمن، ومن اليمن إلى الشأم على الريح، وولدت له غلاما سماه داود فمات في حياته.
وبلقيس هي بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولده أربعون ملكا هو آخرهم، وكان ملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي وأبي أن يتزوج منهم، وأنه تزوج امرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس. ولم يكن له ولد غيرها. وقد جاء في الحديث ما يؤيد هذا، وهو قوله إن أحد أبوي بلقيس كان جنيا، فلما مات أبوها، طمعت في الملك، وطلبت من قومها أن يبايعوها، فأطاعها قوم وعصاها آخرون، وملكوا عليهم رجلا، وافترقوا فرقتين: كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته، حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته، ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه، فلم يقدروا على ذلك، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه فأجابها وقال: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك، فقال: لا أرغب عنك وأنت كفء كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم، فجمعهم فخطبها إليهم، فذكروا لها ذلك فقالت: أجبت، فزوجوها به، فلما زفت إليه ودخلت عليه، سقته الخمر حتى سكر وغلب على نفسه، ثم حزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، وأمرت بنصب رأسه على باب دارها، فلما رأى الناس ذلك علموا أن تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وملكوها عليهم.
وفي الحديث عن أبي بكرة قال: إن النبي ﷺ لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري.
تذنيب اعلم أن الحكماء قد ذكروا أن للحمام والنورة منافع ومضار، فمن منافعه أنه يوسع المسام، ويستفرغ الفضول، ويحلل الرياح، ويحبس الطبيعة، من هيضة ورطوبة، وينظف البدن من الوسخ والعرق، ويذهب الحكة والجرب والاعياء، ويلين الجسد، ويجيد الهضم، ويعد البدن لاستعداد الغذاء، وينشط الأعضاء المتشنجة، وينضج النزلات والزكام، وينفع من حميات يوم والدق والربع والبلغمية بعد نضجها. قلت: إذا دبر ذلك طبيب حاذق.
ومن مضاره تسهيل صب الفضول إلى الأعضاء الضعيفة، ويرخي البدن ويضعف الحرارة الغريزية، والأعضاء العصبية ويضعف الباه، ووقته بعد الرياضة، وقبل الغذاء إلا المتخلخلي الأبدان الكثيري المرار، وإياك أن تدخل الحمام وتخرج منه بحميتك، وإذا أردت الخروج، فاخرج إلى المسلخ متدرجا، وأفرغ عليك ثوبا نظيفا مبخرا، واجتنب النساء يوما وليلة. وتكره المجامعة في الحمام لأنها تورث الاستسقاء وأمراضا رديئة. ويكره للانسان شرب الماء البارد عقب الطعام الحار والحلو والتعب والمجامعة والحمام والأكل، فإن ذلك مضر جدا، وأجود الحمامات القديمة الشاهقة العذبة.
وأما النورة فهي حارة يابسة، قال الغزالي في الإحياء: إن النورة بعد الحمام أمان من الجذام، وغسل الرجلين بالماء البارد في الصيف، أمان من النقرس، وبولة في الحمام من قيام في الشتاء أنفع من شربة دواء. قال: ويكره إلصاق الظهر إلى حائط الحمام انتهى. ومعناه أن يطلي جسده بالنورة أولا، قبل أن يسكب على جسده الماء، ثم يستحم بعد ذلك. وينبغي أن يستعمل قبل النورة الخطمي ليأمن من حرقها، ثم يغتسل بالماء البارد، وينشف البدن منه. وإن أحب استعمال النورة أولا ليأمن من الجذام، كما قاله الغزالي وغيره فليأخذ على أصبعه شيئا من النورة، ويشمها ويقل صلى الله على سليمان بن داود، ويكتب ذلك على فخذه الأيمن، فإنه يعرق قبل النورة، فيمسح العرق ويطلي، ويكون ذلك في البيت الحار، ليعرق سريعا. ويستعمل بعد هذا العصفر وبزر البطيخ ودقيق الأرز، ويعجن ذلك بماء الآس والتفاح وماء الورد ويسخن في إناء ويطلى به الجسد مع العسل، فإن ذلك ينقي البدن وينفي عنه ثلاثين داء كالجذام والبرص والبهق والبثر والنفاطات ونحوها.
قال القزويني: إذا طرح في النورة زرنيخ ورماد الكرم وطلي به الجسد ثم غسل بعدها بدقيق الشعير والباقلاء وبزر البطيخ مرارا، فإن الشعر يضعف حتى لا يكاد أن يعود. وقال الإمام العلامة فخر الدين الرازي رحمة الله تعالى عليه: النورة التي قبل الزرنيخ ربما أحدثت كلفا ويدفع ضررها بالأرز والعصفر طلاء، وأن تعجن للمحرورين بماء الشعير والأرز والبطيخ والبيض وللمبرودين بماء المرزنجوش أو النمام، وينبغي أن يخلط مع النورة الصبر والمر والحنظل من كل واحد درهم ليأمن من الحكة والبثر والله أعلم.
خاتمة : روى مالك في الموطأ، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت، ليلة أسري بي، عفريتا من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفت رأيته» فقال جبريل: ألا أعلمك كلمات تقولهن فتنطفىء شعلته ويخر لفيه؟ فقال رسول الله ﷺ: «بلى» فقال جبريل: قل أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير، يا رحمن. وقد تقدم في باب الجيم في الجن حديث
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع