تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

العقعق

كثعلب ويسمى كندشا بالشين المعجمة، وصوته العقعقة وهو طائر على قدر الحمامة، وهو على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة، وهو ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب، ويقال له القعقع أيضا. وهو لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به بل يهيء وكره في المواضع المشرفة، وفي طبعه الزنا والخيانة، ويوصف بالسرقة والخبث والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك، وإذا باضت الأنثى أخفت بيضها بورق الدلب خوفا من الخفاش، فإنه متى قرب من البيض مذر وفسد وتغير من ساعته.

حكى الزمخشري وغيره في تفسير قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها

عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شيء من الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان والنمل والفأر والعقعق. وعن بعضهم أنه قال: رأيت البلبل يحتكر، ويقال إن للعقعق مخابىء، إلا أنه ينساها.

وفي طبعه شدة الاختطاف لما يراه من الحلي. فكم من عقد ثمين اختطفه من شمال ويمين قال الشاعر:

إذا بارك الله في طائرفلا بارك الله في العقعق
قصير الذنابي طويل الجناحمتى ما يجد غفلة يسرق
يقلب عينيه في رأسهكأنهما قطرتا زئبق

فائدة : اختلفوا في سبب تسميته عقعقا فقال الجاحظ: لأنه يعق فراخه فيتركهم بلا طعام،

وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، لأن جميعها يفعل ذلك. وقيل: اشتق له هذا الاسم من صوته.

الحكم : في حله وجهان: أحدهما يؤكل كغراب الزرع، والثاني يحرم وهو الأصح في الروضة تبعا للبغوي والبوسنجي. وسئل الإمام أحمد عنه فقال: إن لم يأكل الجيف فلا بأس به.

وقال بعض الصحابة: إنه يأكلها فيكون على قوله محرما.

فائدة : حكى الجوهري أن العرب تتشاءم به وبصياحه، لأنهم كانوا يشتقون في الطيرة مما يسمعون ويشاهدون، فكانوا إذا سمعوا العقعق اشتقوا منه العقوق، وإذا سمعوا العقاب اشتقوا منه العقوبة، وإذا رأوا شجر الخلاف، وهو الصفصاف، اشتقوا منه الخلاف. والخلاف بتخفيف اللام ضد الوفاق، وكذلك الخلاف الذي هو الصفصاف، بتخفيف اللام أيضا. وحكى الرافعي الخلاف عن الحنفية، فيمن خرج لسفر فسمع صوت عقعق فرجع، هل يكفر أم لا؟ قيل: إنه يكفر، وكذلك رأيته في فتاوى قاضي خان. قال النووي: الصحيح أنه لا يكفر عندنا بمجرد ذلك.

الأمثال : قالوا: «ألص من عقعق» و «أحمق من عقعق» لأنه كالنعامة التي تضيع بيضها وأفراخها وتشتغل ببيض غيرها وإياها عنى هدبة بقوله:

كتاركة بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

الخواص : إذا جعل دماغه على قطنة، وألصق على موضع النصل، أو الشوكة الغائصين في البدن، أخرجهما بسهولة. ولحمه حار يابس رديء الكيموس.

التعبير : العقعق في الرؤيا رجل لا أمان له ولا وفاء، ومن رأى أنه كلمه عقعق جاءه خبر من غائب، والعقعق رجل حكار يطلب الغلاء والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.