تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

العقرب

دويبة من الهوام تكون للذكر والأنثى بلفظ واحدة، واحدة العقارب. وقد يقال للأنثى: عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، ويصغر على عقيرب، كما تصغر زينب على زيينب والذكر عقربان بضم العين والراء، وهو دابة له أرجل طوال وليس ذنبه كذنب العقارب قال الشاعر:

كأن مرعى أمكم إذ غدتعقربة يكومها عقربان

أي ينزو عليها. ومكان معقرب بكسر الراء، ذو عقارب، وصدغ معقرب بفتح الراء، أي معطوف. وكنيتها أم عريط وأم ساهرة، واسمها بالفارسية الرشك كما تقدم. ومنها السود والخضر والصفر، وهن قواتل وأشدها بلاء الخضر. وهي مائية الطباع، كثيرة الولد، تشبه السمك والضب. وعامة هذا النوع، إذا حملت الأنثى منه، يكون حتفها في ولادتها، لأن أولادها إذا استوى خلقها، تأكل بطنها وتخرج، فتموت الأم. وأنشدوا قول الشاعر:

وحاملة لا يحمل الدهر حملهاتموت وينمى حملها حين تعطب

والجاحظ لا يعجبه هذه القول، ويقول: قد أخبرني من أثق به، أنه رأى العقرب تلد من فيها وتحمل أولادها على ظهرها، وهي على قدر القمل كثيرة العدد. قلت: والذي ذهب إليه الجاحظ هو الصواب. والعقرب أشد ما تكون، إذا كانت حاملا، ولها ثمانية أرجل، وعيناها في ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم، حتى يتحرك شيء من بدنه، فإنها عند ذلك تضربه. وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، وربما لسعت الأفعى فتموت، وهي يلسع بعضها بعضا فتموت، قاله الجاحظ. وفي كتاب القزويني، أن العقرب إذا لسعت الحية فإن أدركتها

وأكلتها برئت، وإلا ماتت. وقد أشار إلى ذلك الفقيه عمارة اليمني في أبياته بقوله:

إذا لم يسالمك الزمان فحاربوباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيد الضعيف فربماتموت الأفاعي من سموم العقارب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
فقد هدم عرش بلقيس هدهدوخرب فأر قبل ذا سدّ مأرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترزعليه من الانفاق في غير واجب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»
فبين اختلاف الليل والصبح معركيكر علينا جيشه بالعجائب
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «إذا لم يسألك الزمان فحارب»

وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة الفقيه عمارة بن علي بن زيدان اليمني، أن قاسم بن هاشم، صاحب مكة، وجهه رسولا إلى الديار المصرية، فدخلها في ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز، والوزير الصالح بن رزيك، فأنشدهما قصيدته الميمية التي أولها:

الحمد للعيس بعد العزم والهمم

وفي آخرها:

ليت الكواكب تدنو لي فأنظمهاعقود مدح فما أرضى لكم كلمي
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
خليفة ووزير مدّ عدلهماظلا على مفرق الاسلام والأمم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»
زيادة النيل نقص عند فيضهمافما عسى يتعاطى منة الديم
للشاعر عمارة اليمني، من قصيدة «الحمد للعيس بعد العزم والهمم»

فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته، وعاد إلى مكة، ثم إلى زبيدة ثم أعاده صاحب مكة رسولا إلى مصر أيضا، فاستوطنها وأحسن الصالح وبنوه إليه. فلما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، مدحه ومدح جماعة من أهل بيته، ثم إنه شرع في الاتفاق، مع جماعة من الرؤساء، على إعادة دولة المصريين ووافقهم جماعة من أمراء الملك الناصر، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية ومن سواحل الشام إلى ديار مصر، على شيء يبذلونه لهم، من المال والبلاد، فعلم صلاح الدين بذلك فقبض عليهم وسألهم عن ذلك، فأقروا. فصلبهم في رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وهذا التاريخ مناقض لما تقدم، من أنه كان رسولا لصاحب مكة في سنة خمسين وخمسمائة.

قلت: والصواب أن صلبهم كان في سنة تسع وستين يوم السبت الثاني من شهر رمضان، وكان القبض عليهم في يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة المذكورة. وكان عمارة شافعيا، وينسب إليه بيت قاله، أو وضع عليه والله أعلم بذلك:

قد كان أول هذا الدين من رجلسعى إلى أن دعوه سيّد الأمم

فأفتى فقهاء مصر بقتله، ولم يتعرض السلطان صلاح الدين إلى من نافق عليه من أجناده، ولا أظهر لهم أنه علم بشيء من أمرهم. ومن العجيب أن الفقيه عمارة قال قبل صلبه بأيام قلائل في مصلوب:

ورأت يداه عظيم ما جنتاففررن ذي شرقا وذي غربا
للشاعر أبو محسن الباكري، اقرأ القصيدة
وأمال نحو الصدر منه فماليلوم في أفعاله القلبا
للشاعر أبو محسن الباكري، اقرأ القصيدة

فكأنه كان لسان حاله.

ومن شأنها، أنها إذا لسعت الإنسان، فرت فرار مسيء يخشى العقاب. قال الجاحظ: ومن عجيب أمرها أنها لا تسبح ولا تتحرك، إذا ألقيت في الماء سواء كان الماء ساكنا، أو جاريا، قال:

والعقارب تخرج من بيوتها للجراد، لأنها حريصة على أكله، وطريق صيدها أن تشبك الجرادة في عود، ثم تدخل في جحرها، فإذا عاينتها العقرب تعلقت فيها. ومتى أدخل الكراث في جحرها وأخرج، فإنها تتبعه أيضا. وربما ضربت الحجر والمدر، ومن أحسن ما قيل في ذلك:

رأيت على صخرة عقرباوقد جعلت ضربها ديدنا
للشاعر أحمد شوقي، من قصيدة «رأيت على صخرة عقربا»
فقلت لها: إنها صخرةوطبعك من طبعها ألينا
للشاعر أحمد شوقي، من قصيدة «رأيت على صخرة عقربا»
فقالت: صدقت ولكننيأريد أعرفها من أنا
للشاعر أحمد شوقي، من قصيدة «رأيت على صخرة عقربا»

والعقارب القاتلة تكون في موضعين بشهرزور وبعسكر مكرم، وهي جرارات تلسع فتقتل كما تقدم. وربما تناثر لحم من لسعته أو عفن لحمه واسترخى، حتى إنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه. ومن لطيف أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعها.

ومن نوع العقارب الطيارة، قال القزويني والجاحظ: وهذا النوع يقتل غالبا. قال الرافعي: وحكى العبادي وجها أنه يصح بيع النمل بنصيبين، لأنه يعالج به العقارب الطيارة، التي بها. وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذا أيضا في باب النون، في حكم النمل ولعل مراده أن النمل يعمل مع أدوية، ويعالج بها لدغتها.

وبنصيبين عقارب قتالة، يقال إن أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين، فأتى بالعقارب منها وجعلها في كيزان الفقاع، ورمى بها في المجانيق. قال الجاحظ: وكان في دار نصر بن حجاج السلمي عقارب، إذا لسعت قتلت، فدب ضيف لهم، إلى بعض أهل الدار فضربته عقرب في مذاكيره فقال نصر يعرض به:

وداري إذا نام سكانهاأقام الحدود بها العقرب
إذا غفل الناس عن دينهمفإن عقاربها تضرب
فلا تأمنن سرى عقرببليل إذا أذنب المذنب

فدخل حوالي الدار وقال: هذه عقارب تسقى من أسود سالخ، ونظر إلى موضع في الدار، وقال:

احفروا ههنا، فحفروا فوجدوا أسودين: ذكرا وأنثى.

وروى الطبراني وأبو يعلى الموصلي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فقام إلى جنبه فصلى بصلاته، فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ ثم تركته، وذهبت نحو علي فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير رسول الله ﷺ بقتلها بأسا. في إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف.

وروى ابن ماجه، عن أبي رافع، أن النبي ﷺ «قتل عقربا وهو يصلي». وفيه أيضا، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: لدغت النبي ﷺ عقرب، وهو في الصلاة، فقال: «لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غير مصل اقتلوها في الحل والحرم».

وروى الحافظ أبو نعيم، في تاريخ أصبهان، والمستغفري في الدعوات، والبيهقي في الشعب، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لدغت النبي ﷺ عقرب، وهو في الصلاة فلما فرغ من صلاته، قال: «لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غيره، ولا نبيا ولا غيره، إلا لدغته».

وتناول نعله فقتلها به، ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها، ويقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين.

وفي تاريخ نيسابور، عن الضحاك بن قيس الفهري، قال: قام رسول الله ﷺ من الليل يتهجد، فلدغته عقرب في أصبعه فقال رسول الله ﷺ: «لعن الله العقرب ما تكاد تدع أحدا»، ثم دعا بماء في قدح، وقرأ عليه قل هو الله أحد الله الصمد ثلاث مرات، ثم صبه على أصبعه، ثم رؤي ﷺ، بعد ذلك على المنبر عاصبا أصبعه من لدغة العقرب.

وفي عوارف المعارف، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «لدغت رسول الله ﷺ عقرب في إبهامه، من رجله اليسرى فقال: «علي بذاك الأبيض الذي يكون في العجين»، فجئنا بملح فوضعه ﷺ في كفه، ثم لعق منه ثلاث لعقاب، ثم وضع بقيته على اللدغة فسكنت عنه.

وروى ابن أبي شيبة، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ خطب الناس، وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب فقال: «إنكم تقولون لا عدوى، ولا تزالون تقاتلون عدوا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون وكأن وجوههم المجان المطرقة».

غريبة : في تاريخ شيخنا اليافعي رحمه الله تعالى، في حوادث سنة تسع وخمسمائة ذكر أن بعض الملوك قال له منجموه: إنه يموت في الساعة الفلانية في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني من سنة كذا من عقرب تلدغه، فلما كانت الساعة المذكورة تجرد من جميع ثيابه سوى ما يستر عورته، وركب فرسا بعد أن غلسه ونظفه وسرح شعره، ودخل به البحر حذارا مما ذكر له منجموه، فبينما هو كذلك عطست الفرس فخرج من أنفه عقرب فلدغته، فمات. فما أغناه الحذر عن القدر.

وعن معروف الكرخي قال: بلغنا أن ذا النون المصري، خرج ذات يوم يريد غسل ثيابه، فإذا هو بعقرب قد أقبل عليه، كأعظم ما يكون من الأشياء، قال: ففزع منها فزعا شديدا،

واستعاذ بالله منها فكفي شرها. فأقبلت حتى وافت النيل، فإذا هي بضفدع قد خرج من الماء فاحتملها على ظهره، وعبر بها إلى الجانب الآخر.

فقال ذو النون: فاتزرت بمئزري ونزلت في الماء، ولم أزل أرقبها إلى أن أتت إلى الجانب الآخر، فصعدت ثم سعت وأنا أتبعها إلى أن أتت شجرة كثيرة الأغصان، كثيرة الظل، وإذا بغلام أمرد أبيض نائم تحتها، وهو مخمور، فقلت: لا قوة إلا بالله، أتت العقرب من ذلك الجانب للدغ هذا الفتى، فإذا أنا بتنين قد أقبل يريد قتل الفتى، فظفرت العقرب به ولزمت دماغه، حتى قتلته ورجعت إلى الماء. وعبرت على ظهر الضفدع إلى الجانب الآخر فأنشد ذو النون يقول:

يا راقدا والجليل يحفظهمن كل سوء يكون في الظّلم
كيف تنام العيون عن ملكتأتيك منه فوائد النعم
للشاعر ذو النون المصري، اقرأ القصيدة

قال: فانتبه الفتى على كلام ذي النون، فأخبره الخبر فتاب ونزع لباس اللهو، ولبس أثواب السياحة وساح ومات على تلك الحالة رحمه الله تعالى.

واسم ذي النون ثوبان بن ابراهيم، وقيل: الفيض بن ابراهيم. ومن كلامه رحمه الله تعالى: حقيقة المحبة أن تحب ما أحبه الله، وتبغض ما أبغضه الله، وتطلب رضاه وترفض جميع ما يشغلك عنه، وأن لا تخاف فيه لومة لائم، وأن تعزل نفسك عن رؤيتها وتدبيرها. فإن أشد الحجاب رؤية النفس وتدبيرها. وقال ﵀: لا يزال العارف مادام في الدنيا، بين الفخر والفقر، فإذا ذكر الله افتخر، وإذا ذكر نفسه افتقر. وقال: ليس بذي لب من جد في أمر دنياه وتهاون في أمر آخرته، ولا من سفه في مواطن حلمه، ولا من تكبر في مواطن تواضعه، ولا من فقدت منه التقوى في مواطن طمعه، ولا من غضب من حق إن قيل له، ولا من زهد فيما يرغب العقلاء فيه، ولا من رغب فيما يزهد العقلاء فيه، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه، ولا من نسى الله تعالى في مواطن طاعته، وذكر الله في مواطن الحاجة إليه، ولا من جمع العلم ليعرف به ثم أثر عليه هواه بعد تعلمه، ولا من قل منه الحياء من الله تعالى، على جميل ستره، ولا من أغفل الشكر على اظهار نعمه، ولا من عجز عن مجاهدة عدوه، ولا من جعل مروأته لباسه، ولم يجعل أدبه درعه وتقواه لباسه، ولا من جعل علمه ومعرفته تظرفا وتزينا في مجلسه، ثم قال:

استغفر الله العظيم، إن الكلام كثير وإن لم تقطعه لم ينقطع.

وحكى لي بعض أشياخي عن ذي النون أنه قال لبعض الرهبان: ما معنى المحبة؟ فقال: لا يطيق العبد حمل محبتين: من أحب الله لا يحب الأغيار، ومن أحب الأغيار لا يحب الله خالصا، فتفكر في حالك من أي القبيلين أنت؟ قال: قلت: صف لي المحبة. فقال: المحبة عقل ذاهب، ودمع ساكب، ونوم طريد، وشوق شديد، والحبيب يفعل ما يريد. قال ذو النون: فعمل هذا الكلام معي، فعلمت أنه خرج من المعدن وأن الراهب مسلم. ثم فارقته فبينما أنا أطوف بالكعبة، وإذا بالراهب يطوف وقد نحل، فقال لي: يا أبا الفيض، تم الصلح وانفتح باب المؤانسة، ومن الله علي بالاسلام وحملني ما عجزت عنه السموات والأرض. قال ذو النون: حمل نفسه محبة الله تعالى التي عجزت عنها السموات والأرض، وصم الجبال، وحملها أجلاد الرجال

بلطائف الأحوال. وأنشد يقول:

حبّك يا سؤلي ويا منيتيقد أنحل الجسم وقد كدّه
لو أنّ ما في القلب من حبّكمبالجندل الصّلد لقد هدّه

ثم قال ذو النون: لا أحياء ولا أموات، ولا صحاة ولا سكرى، ولا مقيمون ولا ظاعنون، ولا مفيقون ولا صرعى، ولا أصحاء ولا مرضى، ولا منتبهون ولا نيام، فهم كأصحاب الكهف، في فجوة الكهف لا يدرون ما يفعل بهم، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي: ذو النون رحمه الله تعالى، أصله من النوبة وكان من أهل اخميم، فنزل مصر وسكنها، ويقال اسمه الفيض وذو النون لقب.

وقال الإمام أبو القاسم القشيري، في رسالته: كان ذو النون قد فاق أهل هذا الشأن، وصار واحد وقته علما وورعا وأدبا وحالا، وكانت وفاته بالجيزة لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ست وأربعين ومائتين. قال ابن خلكان: ودفن بالقرافة الصغرى.

وأما معروف فهو ابن قيس الكرخي، كان مشهورا بإجابة الدعوة، وأهل بغداد يستسقون بقبره، ويقولون: قبر معروف ترياق مجرب. وكان سري السقطي تلميذه، وقيل لمعروف في مرض موته: أوص، فقال: إذا مت، فتصدقوا بقميصي فإني أريد أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا. ومر معروف رحمه الله تعالى يوما بسقاء، وهو يقول: يرحم الله من يشرب، وكان صائما فتقدم وشرب، فقيل له: ألم تكن صائما؟ قال: بلى. ولكن رجوت دعاءه. توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثمائة.

وقال الزمخشري، في ربيع الأبرار: زعموا أن أرض حمص لا تعيش فيها العقارب، وزعم أهلها أن ذلك لطلسم هناك، قالوا: وإن طرحت فيها عقرب غريبة، ماتت من ساعتها. وحمص مدينة معروفة من مشارق الشأم، لا تنصرف للعلمية والعجمة والتأنيث، وهي من المدن الفاضلة. وفي حديث ضعيف أنها من مدن الجنة. وكانت في أول الأمر أشهر بالفضل من دمشق.

وذكر الثعلبي أنه نزلها سبعمائة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

فائدة : رقية العقرب جائزة، لما روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال: لدغت رجلا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله ارقيه؟

قال ﷺ: «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل». وفي رواية فجاء آل عمر بن حزم إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، فقال ﷺ: «اعرضوا علي رقاكم»، فعرضوها عليه، فقال ﷺ: «ما أرى بها بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه». وفي رواية: «اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شيء». فالرقى جائزة بكتاب الله أو بذكره، ومنهي عنها إذا كانت بالفارسية أو بالعجمية، أو بما لا

يدري معناه، لجواز أن يكون فيه كفر. واختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوزها أبو حنيفة، وكرهها مالك خوفا أن تكون مما بدلوا.

فمن الرقى النافعة المجربة، أن يسأل الراقي الملدوغ إلى أين انتهى الوجع من العضو؟ ثم يضع على أعلاه حديدة، ويقرأ العزيمة ويكررها، وهو يجرد موضع الألم بالحديدة من فوق حتى ينتهي في جرد السم إلى أسفل الوجع، فإذا اجتمع في أسفله، جعل يمص ذلك الموضع حتى يذهب جميع الألم، ولا اعتبار بفتور العضو بعد ذلك. وهي هذه: سلام على نوح في العالمين، وعلى محمد في المرسلين، من حاملات السم أجمعين، لا دابة بين السماء والأرض إلا ربي آخذ بناصيتها أجمعين، كذلك يجزي عباده المحسنين، إن ربي على صراط مستقيم، نوح نوح قال لكم نوح: من ذكرني لا تأكلوه، إن ربي بكل شيء عليم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ورأيت بخط ابن الصلاح، في رحلته رقية للعقرب، قال: ذكر أن الإنسان يرقى بها فلا تلدغه عقرب، وإن أخذها بيده لا تلدغه، وإن لدغته لا تضره. وهي بسم الله وبالله وبسم جبريل وميكائيل كازم كازم ويزازم فتيز إلى مرن إلى مرن يشتامر ايشتامر اهوذا هوذا هى لمظا أنا الراقي والله الشافي.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.