من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
العقاب
طائر معروف، والجمع أعقب لأنها مؤنثة. وأفعل بناء يختص به جمع الإناث مثل عناق وأعنق وذراع وأذرع، والكثير عقبان وعقابين جمع الجمع. قال الشاعر:
عقابين يوم الجمع تعلو وتسفل
وكنيته أبو الأشيم وأبو الحجاج وأبو حسان وأبو الدهر وأبو الهيثم، والأنثى أم الحوار وأم
الشعو وأم طبلة وأم لوح وأم الهيثم. والعرب تسمى العقاب الكاسر، ويقال لها الخدارية للونها، وهي مؤنثة اللفظ. وقيل: العقاب يقع على الذكر والأنثى. وتمييزه باسم الإشارة. وقال في الكامل: العقاب سيد الطيور والنسر عريفها. والعقاب، قال ابن ظفر: حاد البصر، ولذلك قالت العرب «أبصر من عقاب». والأنثى منه تسمى لقوة.
قال البطليوسي، في الشرح: قال الخليل: اللّقوة واللّقوة بالفتح والكسر العقاب السريعة الطيران انتهى. وتسمى العقاب عنقاء مغرب لأنها تأتي من مكان بعيد، وليس هو العنقاء الآتي ذكرها، وبهذا فسر قول أبي العلاء المعري:
أرى العنقاء تكبر أن تصادافعاند من تطيق له عنادا
وظنّ بسائر الاخوان شراولا تأمن على سرّ فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبريلما طلعت مخافة أن تصادا
وكم عين تؤمل أن ترانيوتفقد عند رؤيتي السوادا
وله من قصيدة قد أبدع فيها:
فإن كنت تهوى العيش فابغ توسطافعند التناهي يقصر المتطاول
توافي البدور النقص وهي أهلةويدركها النقصان وهي كوامل
وفي المعنى لابن العفيف التلمساني:
أيسعدني يا طلعة البدر طالعومن شقوتي خط بخديك نازل
نعم قد تناهى في الجفاء تطاولاوعند التناهي يقصر المتطاول
وتقدم أن العقاب، إذا صاحت، تقول: في البعد عن الناس راحة. وهي نوعان عقاب، وزمج فأما العقاب فمنها السود والخوخية والسفع والأبيض والأشقر، ومنها ما يأوي الجبال وما يأوي الصحاري وما يأوي الغياض وما يأوي حول المدن، ويقال: إن ذكورها من طير لطيف الجرم لا يساوي شيئا. وقال ابن خلكان، في آخر ترجمة العماد الكاتب: ويقال إن العقاب جميعه أنثى، وأن الذي يسافده طير آخر من غير جنسه، وقيل: إن الثعلب يسافده. قال: وهذا من العجائب.
ولا بن عنين الشاعر في هجو شخص يقال له ابن سيده:
ما أنت إلا كالعقاب فأمّهمعروفة وله أب مجهول
والعقاب تبيض ثلاث بيضات في الغالب، وتحضنها ثلاثين يوما، وما عداها من الجوارح يبيض بيضتين ويحضن عشرين يوما، فإذا خرجت فراخ العقاب، ألقت واحدا منها لأنه يثقل عليها طعم الثلاث، وذلك لقلة صبرها، والفرخ الذي تلقيه، يعطف عليه طائر آخر، يسمى كاسر العظام، ويسمى المكلفة فيربيه. ومن عادة هذا الطائر أن يزق كل فرخ ضائع.
والعقاب، إذا صادت شيئا، لا تحمله على الفور إلى مكانها، بل تنقله من موضع إلى موضع، ولا تقعد إلا على الأماكن المرتفعة، وإذا صادت الأرانب تبدأ بصيد الصغار ثم الكبار.
وهي أشد الجوارح حرارة، وأقواها حركة، وأيبسها مزاجا، وهي خفيفة الجناح، سريعة الطيران، تتغدى بالعراق وتتعشى باليمن، وريشها الذي عليها فروتها في الشتاء، وحليتها في الصيف، ومتى ثقلت عن النهوض وعميت، حملتها الفراخ على ظهرها ونقلتها من مكان إلى مكان، فعند ذلك تلتمس لها عينا صافية بأرض الهند، على رأس جبل فتغمسها فيها، ثم تضعها في شعاع الشمس فيسقط ريشها، وينبت لها ريش جديد، وتذهب ظلمة بصرها، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي قد عادت شابة، كما كانت. فسبحان القادر على كل شيء، الملهم كل نفس هداها.
قال التوحيدي: ومن عجيب ما ألهمته، أنها إذا اشتكت أكبادها، أكلت أكباد الأرانب والثعالب فتبرأ. وهي تأكل الحيات إلا رؤوسها، والطيور إلا قلوبها، ويدل لهذا قول امرىء القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العناب والحشف البالي
ومنه قول طرفة بن العبد:
كأنّ قلوب الطير في عشهانوى القسب ملقى عند بعض المآدب
وقيل لبشار بن برد الأعمى الشاعر: لو خيرك الله أن تكون حيوانا ماذا كنت تختار؟ قال: العقاب لأنها تلبث حيث لا يبلغها سبع ولا ذو أربع، وتحيد عنها سباع الطير ولا تعاني الصيد إلا قليلا، بل تسلب كل ذي صيد صيده. ومن شأنها أن جناحها لا يزال يخفق قال عمرو بن حزام:
لقد تركت عفراء قلبي كأنهجناح عقاب دائم الخفقان
وفي عجائب المخلوقات، في ذكر الأحجار، أن حجر العقاب يشبه نوى التمر هندي إذا حرك يسمع منه صوت، وإذا كسر لا يوجد فيه شيء يوجد في عش العقاب. والعقاب يجلبه من أرض الهند وإذا قصد الإنسان عشه، يرمي إليه بهذا الحجر ليأخذه ويرجع، فكأنه عرف أن قصدهم إياه لخاصيته. فمن خواصه أنه إذا علق على من بها عسر الولادة، تضع سريعا. ومن جعله تحت
لسانه، فإنه يغلب الخصم في المقاولة، ويبقى مقضي الحاجة. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون نظير هذا، في لفظ النسر.
وأول من صاد بها وأدبها أهل المغرب، يحكى أن قيصر ملك الروم أهدى إلى كسرى ملك فارس عقابا، وكتب إليه علمها فإنها تعمل عملا لا يدركه أكثر الصقور، فأمر بها فعلمت وصاد بها فأعجبته ثم جوعها ليصيد بها، فوثبت على صبي من حاشيته فقتلته. فقال كسرى: غزانا قيصر في بلادنا بغير جيش. ثم أهدى كسرى إليه نمرا أو فهدا، وكتب إليه: قد بعثت إليك بما تقتل به الظباء وما قرب منها من الوحش، وكتم عليه ما صنعته العقاب، فأعجب به قيصر، إذ وافقت صفته ما وصف، فغفل عنه يوما، فافترس فتى من بعض فتيانه. فقال: صادنا كسرى فإن كنا قد صدناه فلا بأس، فلما بلغ ذلك كسرى قال: أنا أبو ساسان.
وذكر ابن خلكان، في ترجمة جعفر بن يحيى البرمكي وغيره، عن الأصمعي قال: لما قتل الرشيد جعفرا، طلبني ليلا فجئته وأنا خائف، فأومأ إليّ بالجلوس فجلست، فالتفت إليّ وقال:
أبيات أحببت أن تسمعها، قلت: إن شاء أمير المؤمنين فأنشدني:
لو أن جعفر خاف أسباب الردىلنجا به منها طمر ملجم
ولكان من حذر المنية حيث لايرجو اللحاق به العقاب القشعم
لكنه لما أتاه يومهلم يدفع الحدثان عنه منجم
فعلمت أنها له فقلت: إنها أحسن أبيات. فقال: الحق الآن بأهلك. ففكرت فلم أعرف لذلك معنى إلا أنه أراد أن يسمعني شعره وأحكيه.
وقد حكى أهل التاريخ، في سبب قتل جعفر حكايات مختلفة، منها ما روي عن أبي محمد اليزيدي، أنه قال: من قال إن الرشيد قتل جعفرا بغير سبب يحيى بن عبد الله العلوي فلا تصدقه، وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم إن جعفر بن حسن، دعا به ليلة من الليالي، وسأله عن أمره فأجابه، ثم إن يحيى قال له: اتق الله فيّ يا جعفر، ولا تتعرض إلى دمي، فيكون رسول الله ﷺ خصمك يوم القيامة، فو الله ما أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا. فرق له جعفر وأطلقه بعد أن استحلفه أن لا يحدث حدثا، وبعث معه من أوصله إلى مأمنه. فنقل ذلك إلى الرشيد، فقال لجعفر: ما فعل بيحيى بن عبد الله؟ قال: على حاله يا أمير المؤمنين في السجن، والأكبال الثقيلة، فقال: بحياتي؟ فأحجم لها جعفر. وكان من أصح الناس فكرا، فهجس في نفسه أنه قد علم شيئا من أمره. فقال: لا وحياتك يا أمير المؤمنين، بل أطلقته، لعلمي أن لا مكروه لديه، فأظهر الرشيد الاستحسان لذلك، وأسرها في نفسه، وقال: نعم ما فعلت، ما عدوت عما كان في خاطري. فلما خرج، أتبعه الرشيد بصره، وقال: قتلني الله بسيوف العدا على الضلالة إن لم أقتلك.
وفي تاريخ صاحب حماه وغيره، أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر ولا عن أخته عباسة بنت المهدي، فقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها، ولا تمسها فكانا يحضران مجلسه، ثم يقوم الرشيد من المجلس، فيمتلئان من الشراب وهما شابان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها فحملت وولدت غلاما، وخافت الرشيد فوجهت المولود مع خواص لها إلى مكة، ولم يزل الأمر مستورا، حتى وقع بين عباسة وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمر الصبي، وأخبرت بمكانه ومن معه من جواريها وما معه من الحلي. فلما حج الرشيد أرسل من أتاه بالصبي وخواصه فوجد الأمر صحيحا فأوقع بالبرامكة.
وقيل: إنما قتل الرشيد جعفرا لأنه كان قد حاز ضياع الدنيا لنفسه، وكان الرشيد إذا سافر لا يمر بضيعة ولا بستان إلا قيل: هذا لجعفر، فلم يزل كذلك حتى جنى جعفر على نفسه، بأن وجه فقطع رأس بعض الطالبين من غير أن يكون أمر بقتله، فاستحل الرشيد بذلك دمه. وقيل:
كان سبب قتله أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم يعرف رافعها وفيها هذه الأبيات:
قل لأمين الله في أرضهومن إليه الحلّ والعقد
هذا ابن يحيى قد غدا مالكامثلك ما بينكما حد
أمرك مردود إلى أمرهوأمره ليس له رد
وقد بنى الدار التي ما بنىالفرس لها مثلا ولا الهند
والدرّ والياقوت حصباؤهاوتربها العنبر والنّد
ونحن نخشى أنه وارثملكك إن غيبك اللحد
ولن يباهي العبد أربابهإلا إذا ما بطر العبد
فلما وقف الرشيد عليها أضمر له الشر وأوقع به. وقيل: بل أرادت البرامكة إظهار الزندقة وفساد الملك، فأوقع بهم وقتلهم. قلت: وهو قول بعيد لا أعتقد صحته.
وقيل: إن مسرورا قال: سمعت الرشيد سنة حج وهي سنة ست وثمانين ومائة، يقول في الطواف: اللهم إنك تعلم أن جعفرا قد وجب عليه القتل، وأنا أستخيرك في قتله فخر لي. وإن الرشيد لما عاد إلى الأنبار، بعث إليه بمسرور وحماد فوافياه، والمغني يغنيه:
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
فقال مسرور: لذلك جئت، قد والله طرقك الأمر، أجب أمير المؤمنين، فتصدق بأمواله، وأعتق عبيده، وأبرأ الناس من حقوقه. ثم أتى به إلى المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد. فقال: ائتني برأسه! فعاوده فيه مرتين، فشتمه وصاح عليه. فدخل عليه واحتز رأسه وجاء به إليه. وذلك في مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن سبع
وثلاثين سنة. ثم صلب رأسه على الجسر وصلب كل قطعة على جسر، فلم يزل كذلك حتى مر عليه الرشيد عند خروجه إلى خراسان، فقال: ينبغي أن يحرق هذا فأحرق. ولما قتله أحاط بجميع البرامكة وأتباعهم، ونودي أن لا أمان لهم إلا لمحمد بن خالد بن برمك وولده وجماعته، لما عرف من براءة محمد بن خالد وولده وجماعته.
وقيل: إن علية بنت المهدي قالت للرشيد: لأي شيء قتلت جعفر؟ فقال: لو علمت أن قميصي يعلم سبب قتل جعفر لأحرقته! ولما صلب جعفر وقف عليه يزيد الرقاشي وقال من أبيات:
أما والله لولا خوف واشوعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمناكما للناس بالحجر استلام
فما أبصرت قبلك يا ابن يحيىحساما فلّه السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعالدولة آل برمك السلام
فبلغ الرشيد مقالته فأحضره، وقال: ما حملك على ما فعلت وقد بلغك ما توعدنا به كل من يقف عليه أو يرثيه؟ قال: كان يعطيني كل سنة ألف دينار، فأمر له الرشيد بألفي دينار، وقال: هي لك منا مادمنا في قيد الحياة.
ويروى أن امرأة وقفت على جعفر ونظرت إلى رأسه معلقا، فقالت: أما والله لئن صرت اليوم آية، لقد كنت في المكارم غاية ثم أنشدت تقول:
ولما رأيت السيف خالط جعفراونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنماقصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا
وما هي إلا دولة بعد دولةتخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
إذا أنزلت هذا منازل رفعةمن الملك حطّت ذا إلى الغاية السفلى
ثم مرت كأنها الريح ولم تقف.
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر، وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القبلة، وقال:
اللهم إن جعفرا كان قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة. وكان جعفر من الكرم والعطاء على جانب عظيم، وأخباره في ذلك مشهورة، وفي الدفاتر مسطورة، ولم يبلغ أحد من الوزراء منزلة بلغها جعفر من الرشيد، وكان الرشيد يسميه أخا، ويدخله معه في ثوبه، وأن الرشيد، لما قتل جعفرا، خلد أباه يحيى في السجن. وكانت البرامكة في الغاية من الجود والكرم كما هو مشهور عنهم. وكانت مدة وزارتهم للرشيد سبع عشرة سنة.
وذكر ابن إسحاق قال: قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من شأن الحية، التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لأجلها حتى اختطفها العقاب:
عجبت لما تصويت العقابإلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيشوأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدتفهبنا للبناء وقد تهاب
فلما أن خشينا الزجر جاءتعقاب حلقت ولها انصباب
فضمتها إليها ثم خلتلنا البنيان ليس له حجاب
فقمنا حاشدين إلى بناءلنا منه القواعد والتراب
غداة نرفع التأسيس منهوليس على مساوينا ثياب
أعزّ به المليك بني لؤيفليس لأصله منه ذهاب
وقد حشدت هناك بني عديومرة قد تعهدها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزاوعند الله يلتمس الثواب
وذكر ابن عبد البر، في التمهيد عن عمرو بن دينار، أنه قال: لما أرادت قريش بناء الكعبة، خرجت منها حية، فحالت بينهم وبينها، فجاء عقاب أبيض فأخذها ورمى بها نحو أجياد. كذا في بعض نسخ التمهيد. وفي بعضها طائر أبيض.
فائدة : روى ابن عباس أن سليمان بن داوود ﵉، لما فقد الهدهد، دعا بالعقاب سيد الطير، وأحزمه وأشده بأسا، فقال: عليّ بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التصق بالهواء، فصار ينظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي الرجل، ثم التفت يمينا وشمالا فرأى الهدهد مقبلا نحو اليمن، فانقض عليه، فقال الهدهد: أسألك بحق الذي أقدرك علي وقواك إلا ما رحمتني. فقال له: الويل لك، إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك. ثم أتى به فلقيته النسور وعساكر الطيور، فخوفوه وأخبروه بتوعد سليمان، فقال الهدهد: ما قدري وما أنا أو ما أستثنى نبي الله قالوا: بلى. قال: أو ليأتيني بسلطان مبين، قال الهدهد: نجوت إذن. فلما دخل لى سليمان رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان. فقال له سليمان: أين غبت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذابا شديدا، أو لأذبحنك. فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك. فاقشعر جلد سليمان وارتعد، وعفا عنه. وسيأتي إن شاء الله تعالى، نظير هذا في باب الهاء في الهدهد.
الحكم : يحرم أكل العقاب لأنه ذو مخلب، واختلف في أنه هل يستحب قتله أم لا؟ فجزم الرافعي والنووي في الحج باستحباب قتله، وجزم في شرح المهذب بأنه من القسم الذي لا يستحب قتله ولا يكره وهو الذي فيه نفع ومضرة، قلت: وهذا الذي جزم به القاضي أبو الطيب الطبري وهو المعتمد.
الأمثال : قالوا: «أمنع من عقاب الجو». قاله عمرو بن عدي لقصير بن سعد في قصة الزباء المشهورة. وفي ذلك يقول ابن دريد في مقصورته:
واخترم الوضاح من دون التيأملها سيف الحمام المنتضى
وقد سما عمرو إلى أوتارهفاحتطّ منها كلّ عالي المنتهى
فاستنزل الزباء قسرا وهي منعقاب لوح الجوّ أعلى منتهى
جعلها لا متناعها بمنزلة لوح الجو، واللوح الهواء بين السماء والأرض. والجو أيضا ما بينهما.
والقصة في ذلك ما ذكره الأخباريون: ابن هشام وابن الجوزي وغيرهم، قالوا وقد دخل كلام بعضهم في بعض: إن جذيمة الأبرش، كان ملكا على الحيرة، وما حولها من السواد، ملك ستين سنة، وكان شديد السلطان قد خافه القريب، وهابه البعيد، وهو أول من أوقدت الشموع بين يديه، وأول من نصب المجانيق في الحرب، وأول من اجتمع له الملك بأرض العراق. فغزا مليح بن البراء، وكان ملكا على الحضر وهو الحاجز بين الروم والفرس وهو الذي ذكره عدي بن زيد بقوله:
وأخو الخضر إذ بناه وإذدجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كلسافللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون وبادالملك عنه فبابه مهجور
فقتله جذيمة وطرد بنته الزباء، فلحقت بالروم.
وكانت الزباء عاقلة أديبة عربية اللسان، حسنة البيان شديدة السلطان، كبيرة الهمة. قال ابن الكلبي: ولم يكن في نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها فارعة وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها، وإذا نشرته جللها فسميت الزباء لذلك. قال: وكان قتل أبيها قبل مبعث عيسى ابن مريم ﵉، فبلغت بها همتها أن جمعت الرجال، وبذلت الأموال، وعادت إلى ديار أبيها ومملكته، فأزالت جذيمة عنها وابتنت على عراقي الفرات مدينتين متقابلتين في شرقي الفرات وغربيه، وجعلت بينهما نفقا تحت الفرات، فكانت إذا رهقتها الأعداء أوت إليه وتحصنت. وكانت قد اعتزلت الرجال فهي عذراء بتول.
وكان بينها وبين جذيمة بعد الحرب مهادنة، فحدثته نفسه بخطبتها فجمع خاصته وشاورهم في ذلك، فسكت القوم وتكلم قصير، وكان ابن عمه، وكان عاقلا لبيبا، وكان خازنه، وصاحب أمره، وعميد دولته، فقال: أبيت اللعن أيها الملك إن الزباء امرأة حرمت الرجال فهي عذراء بتول لا ترغب في مال ولا جمال، ولها عندك ثأر، والدم لا ينام وإنما هي تاركتك رهبة وحذرا، والحقد دفين، في سويداء القلب له كمون، ككمون النار في الحجر، إذ قدحته أورى، وإن تركته توارى، وللملك في بنات الملوك الاكفا متسع، ولهن فيه منتفع، ولقد رفع الله قدرك عن الطمع،
فيمن هو دونك، وعظم الرب شأنك، فما أحد فوقك. هكذا حكاه ابن الجوزي وغيره.
وذكر ابن هشام، شارح الدريدية وغيره، أن الزباء، هي التي أرسلت إليه تخطبه، وتعرض عليه نفسها، ليتصل ملكه بملكها، فدعته نفسه إلى ذلك، فاستشار وزراءه، فكل واحد منهم رأى ذلك مصلحة، إلا قصيرا فإنه قال: أيها الملك هذه خديعة ومكر، فلم يسمع منه. قال: ولم يكن قصيرا ولكن سمي به اهـ.
قال ابن الجوزي: فقال جذيمة: يا قصير، الرأي ما رأيته وقلته، ولكن النفس تواقة، وإلى ما تحب وتهوى مشتاقة، ولكل امرىء قدر لا مفر منه ولا وزر، ثم وجه إليها خاطبا وقال له: اذكر لها ما ترغبها فيه، وتصبو إليه، فجاءها خطيبه فلما سمعت كلامه، وعرفت مراده، قالت: أنعم بك عينا وبما جئت به. وأظهرت له السرور والرغبة فيه، وأكرمت مقدمه، ورفعت موضعه، وقالت: قد كنت أضربت عن هذا، مخافة أن لا أجد كفؤا! ولكن الملك فوق قدري، وأنا دون قدره قد أجبت إلى ما سأل، ورغبت فيما قال، ولولا أن السعي في مثل هذا الأمر بالرجال أمثل، لسرت إليه، ولنزلت عليه.
وأهدت له هدية سنية، ساقت إليه فيها العبيد والإماء، والكراع والسلاح، والأموال والإبل والغنم، وغير ذلك من الثياب والأمتعة والجواهر شيئا عظيما. فلما رجع إليه خطيبه، أعجبه ما سمع من الجواب، وأبهجه ما رأى من اللطف، الذي تحير فيه عقول ذوي الألباب، وظن أن ذلك منها لحصول رغبة، فأعجبته نفسه، وسار من فوره فيمن يثق به من خاصته، وأهل مملكته، وفيهم قصير خازنه، وقد استخلف على مملكته عمرو بن عدي اللخمي، وهو أول من ملك الحيرة من لخم، وكانت مدة ملكه مائة وعشرين سنة، وهو الذي اختطفته الجن وهو صبي ثم ردته وقد شب وكبر. فألبسته أمه طوقا من ذهب وأمرته بزيارة خاله جذيمة، فلما رأى جذيمة لحيته والطوق في عنقه قال: «شب عمرو عن الطوق»، فأرسلها مثلا. وقال ابن هشام: إنه ملك مائة وثماني عشرة سنة.
قال ابن الجوزي: فاستخلفه وسار إلى الزباء فوصل إلى قرية على الفرات، يقال لها نيفة فنزل بها، وتصيد وأكل وشرب. واستعاد المشورة والرأي من أصحابه، فسكت القوم وافتتح قصير الكلام فقال: أيها الملك كل عزم لا يؤيد بحزم فإلى أين يكون كونه؟ فلا تثق بزخرف قول لا محصول له، ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد، ولا الحزم بالمنى فيبعد، والرأي عندي للملك أن يعتقب أمره بالتثبت، ويأخذ حذره بالتيقظ، ولولا أن الأمور تجري بالمقدر، لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل. فأقبل جذيمة على الجماعة، وقال: ما عندكم أنتم في هذا الأمر؟ فتكلموا بحسب ما عرفوا من رغبته في ذلك، وصوبوا رأيه وقووا عزمه، فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة، والصواب ما رأيتم. فقال قصير: «أرى القدر يسابق الحذر، فلا يطاع لقصير أمر». فأرسلها مثلا، ثم سار جذيمة، فلما قرب من ديار الزباء، أرسل إليها يعلمها بمجيئه، فأظهرت السرور به، والرغبه فيه وأمرت بحمل الميرة إليه، وقالت لجندها، ولخاصة أهل مملكتها، وعامة أهل دولتها
ورعيتها: تلقوا سيدكم وملك دولتكم فعاد الرسول إليه بالجواب، وأخبره بما رأى وسمع.
فلما أراد جذيمة أن يسير، دعا قصيرا وقال: أنت على رأيك؟ قال: نعم، وقد زادت بصيرتي فيه، أفأنت على عزمك؟ قال: نعم، وقد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: «ليس الدهر بصاحب لمن لم ينظر في العواقب» فأرسلها مثلا. ثم قال: «وقد يستدرك الأمر قبل فوته، وفي يد الملك بقية، هو بها مسلط على استدراك الصواب، فإنك إن وثقت بأنك ذو ملك وسلطان وعشيرة وأعوان، فإنك قد نزعت يدك من سلطانك، وفارقت عشيرتك وأعوانك، وألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره وغدره، فإن كنت ولا بد فاعلا، ولهواك تابعا، فإن القوم أن يلقوك غدا رزدقا واحدا، وقاموا لك صفين، حتى إذا توسطتهم أطبقوا عليك من كل جانب، وأحدقوا بك فقد ملكوك، وصرت في قبضتهم. وهذه العصا لا يسبق غبارها. (وكان لجذيمة فرس تسبق الطير وتجاري الرياح، يقال لها العصا)، فإذا رأيت الأمر كذلك فتجلل ظهرها، فهي ناجية بك إن ملكت ناصيتها»، فسمع جذيمة كلامه ولم يرد جوابه. وسار وكانت الزباء، لما رجع رسول جذيمة من عندها، قالت لجندها: «إذا أقبل جذيمة غدا فتلقوه بأجمعكم، وقوموا له صفين، عن يمينه وعن شماله، فإذا توسط جمعكم، فانقضوا عليه من كل جانب حتى تحدقوا به، وإياكم أن يفوتكم».
وسار جذيمة وقصير عن يمينه، فلما لقيه القوم رزدقا واحدا، قاموا له صفين، فلما توسطهم انقضوا عليه من كل جانب فعلم أنهم قد ملكوه، وكان قصير يسايره، فأقبل جذيمة عليه وقال:
صدقت يا قصير، فقال: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو بها، فأنف جذيمة من ذلك، وسارت به الجيوش، فلما رأى قصير أن جذيمة قد استسلم للأمر، وأيقن بالقتل، جمع نفسه ووثب على ظهر العصا، وقال ابن هشام: إن قصيرا قدم العصا إلى جذيمة، فشغل عنها جذيمة بنفسه، فركبها قصير وأعطاها عنانها، وزجرها فذهبت تهوي في هوي الريح، فنظر إليه جذيمة وهي تطاول به، وأشرفت عليه الزباء من قصرها، فقالت له: ما أحسنك من عروس تجلى علي وتزف إلي حتى دخلوا به على الزباء، ولم يكن معها في قصرها إلا جوار أبكار، وهي جالسة على سريرها وحولها ألف وصيفة، كل واحدة لا تشبه صاحبتها في خلق ولا زي، وهي بينهن كأنها قمر قد حفت به النجوم.
وقال ابن هشام: وكانت الزباء قد ربت شعر عانتها حولا، فلما دخل عليها جذيمة، تكشفت له وقالت: أمتاع عروس ترى؟ فقال: بل متاع أمة بظراء! فأمرت به فأجلس على نطع، وقيل: إنه لما أدخل عليها أمرت بالانطاع فبسطت وقالت لوصائفها: خذن بيد سيدكن، وبعل مولاتكن، فأخذن بيده وأجلسنه على الانطاع، بحيث تراه ويراها، وتسمع كلامه ويسمع كلامها، ثم أمرت الجواري فقطعن رواهشه، ووضعن الطست بين يديه، فجعلت دماؤه تشخب في الطست فقطرت قطرة على النطع، فقالت لجواريها: لا تضيعوا دم الملك، فقال جذيمة: لا يحزنك دم أراقه أهله. فقالت: والله ما وفى دمك، ولا شفى قتلك، ولكنه «غيض من
فيض»، فأرسلتها مثلا فلما قضى أمرت به فدفن.
وأما عمرو فكان يخرج كل يوم إلى ظهر الحيرة يطلب الخبر، ويقتفي من خاله الأثر، فخرج ذات يوم، فإذا فارس قد أقبل، تهوي به الفرس هوي الريح، فقال عمرو بن عدي: أما الفرس ففرس جذيمة وأما الراكب فكالبهيمة «لأمر ما جاءت العصا»، فأرسلها مثلا، فأشرف قصير فقال: ما وراءك؟ قال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على الرغم من أنفي وأنفه. ثم قال لعمرو بن عدي: أطلب بثأرك من الزباء، فقال عمرو: وأنى يطلب من الزباء وهي «أمنع من عقاب الجو» فأرسلها مثلا. فقال له قصير: قد علمت نصحي لخالك، وكأن الأجل طالبه، وأنا والله لا أنام عن الطلب بدمه، ما لاح نجم أو طلعت شمس، أو أدرك به ثأرا، أو تخترم نفسي فأعذر. ثم إنه عمد إلى أنفه فجدعه. وقال ابن هشام: إن قصيرا قال لعمرو: اجدع أنفي واقطع آذاني، واضرب ظهري حتى يؤثر فيه، ودعني وإياها، ففعل به عمرو ذلك. وذكر الاخباريون أن عمرا أبى عليه ففعل هو بنفسه ذلك، فقيل: «لأمر ما جدع قصير أنفه».
قال ابن الجوزي: ثم إن قصيرا لحق بالزباء هاربا من عمرو بن عدي، فقيل لها: هذا قصير ابن عم جذيمة، وخازنه وصاحب أمره، قد أتاك هاربا، فأذنت له وقالت: ما الذي جاء بك إلينا يا قصير، وبيننا وبينك دم عظيم الخطر؟ فقال: يا ابنة الملوك العظام، لقد أتيت فيما يأتي فيه مثلي إلى مثلك، ولقد كان دم الملك، يعني أباها، يطلب جذيمة حتى أدركه، وقد جئتك مستجيرا من عمرو بن عدي، فإنه اتهمني بخاله لمشورتي عليه في المسير، إليك فجدع أنفي، وأخذ مالي، وجلد ظهري، وقطع آذاني، وحال بيني وبين أهلي، وتهددني بالقتل، وإني خشيت على نفسي، فهربت منه إليك، وأنا مستجير بك، ومستند إلى كنف عزك. فقالت له: أهلا وسهلا، لك حق الجوار، وذمة المستجير.
وأمرت به فأنزل، وأجرت له النفقات ووصلته وكسته وأخدمته، وزادت في إكرامه. فأقام مدة لا يكلمها ولا تكلمه، وهو يطلب الحيل عليها، وموضع الفرصة منها، وكانت ممتنعة بقصر مشيد على باب النفق تعتصم به، فلا يقدر أحد عليها، فقال لها قصير يوما: إن لي في العراق مالا كثيرا، وذخائر نفيسة مما يصلح للملوك، فإذا أذنتني في الخروج إلى العراق، وأعطيتني شيئا أتعلل به في التجارة، واجعله سببا إلى الوصول إلى مالي، أتيتك بما قدرت عليه من ذلك. فأذنت له وأعطته مالا فقدم به إلى العراق، وأخذ مالا جزيلا، ثم رجع إلى الزباء، وقد استصحب من ظرائف العراق ولطائفها وزادها مالا كثيرا إلى مالها.
قال: فلما قدم عليها، أعجبها ذلك وأبهجها وعظمت منزلته عندها، ثم إنه عاد إلى العراق ثانية، وقدم عليها بأكثر من النوبة الأولى، وزادها أضعافا من الجوهر والخز والبز والقز والديباج، فازداد مكانه منها، وعظمت منزلته عندها، ورغبتها فيه ولم يزل قصير يتلطف في الحيلة، حتى عرف موضع النفق الذي تحت الفرات، والطريق إليه. ثم خرج ثالثة، فقدم بأكثر من المرتين الأوليين ظرائف ولطائف، فبلغ مكانة عظيمة منها، حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها،
واسترسلت إليه وعولت في أمورها عليه.
وكان قصير رجلا حسن العقل والوجه، أديبا لبيبا، فقالت له يوما: إني أريد أن أغزو البلد الفلانية من أرض الشأم، فاخرج إلى العراق وائتني بكذا وكذا من الدروع والكراع، والعبيد والثياب، فقال قصير: لي ببلاد عمرو بن عدي ألف بعير، وخزانة من المال، وخزانة من السلاح، فيها كذا وكذا، وما لعمرو بها من علم، ولو علم بها لأخذها، واستعان بها على حرب الملكة، وقد كنت أتربص به ريب المنون، وها أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فآتي الملكة بذلك، مع الذي سألت، فأعطته من المال ما أراد، وقالت: يا قصير الملك يحسن بمثلك، وعلى يد مثلك يصلح أمره، وقد بلغني أن جذيمة كان إيراده وإصداره إليك، وما أقصر بك عن شيء تناله يدي، ولا يقعد بك حال تنهض بي. فسمع كلامها رجل من خاصة قومها فقال: إنه أسد خادر، وليث ثائر، قد تحفز للوثبة.
ولما عرف قصير مكانه منها، وتمكنه من قلبها، قال: الآن طاب الخداع، وخرج من عندها، فأتى عمرو بن عدي فقال: قد أصبت الفرصة من الزباء، فقال له عمرو: قل أسمع ومر اقبل، فأنت طبيب هذه القرحة. فقال: الرجال والأموال. فقال عمرو: حكمك فيما عندي مسلط، فعمد إلى ألفي رجل من فتاك قومه، وصناديد أهل مملكته، فحملهم على ألف بعير، في الغرائر السود بالأسلحة، وجعل ربطها من داخل الجوالق. وكان عمرو منهم، وساق الخيل والكراع والسلاح والإبل محملة.
قال ابن هشام: فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار، وكانت الزباء قد صور لها عمرو قائما وقاعدا وراكبا، وغمي عليها أمر قصير، فسألت عنه فقيل: أخذ الغوير. فقالت: «عسى الغوير أبؤسا»، فأرسلتها مثلا. وعسى، في المثل، بمعنى صار، ولذلك أتى الخبر بغير الفعل، فلما قدم قصير دخل على الزباء وكان قد تقدم على العير، فقال لها: قفي وانظري إلى العير، فصعدت على سطح قصرها وجعلت تنظر إلى العير مثقلة بحمل الرجال فقالت: يا قصير:
ما للجمال مشيها وئيدأجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديداأم الرجال جثما قعودا
وكان قصير قد وصف لعمرو الزباء، وشأن النفق، فلما دخلت العير المدينة، وكان على باب الزباء بوابون من النبط، وفيهم رجل بيده مخصرة، فطعن جوالقا، فأصابت المخصرة رجلا منهم فضرط، فقال البواب بالنبطية: بشا بشا أي الشر الشر، فاستل قصير سيفه وضرب به البواب فقتله. وكان عمرو على فرسه فدخل الحصن عقب الإبل وحل الرجال الجوالق، فظهروا في المدينة، ووقف عمرو على باب النفق، فلما رأت الزباء عمرا، عرفته بالصفة، فمصت خاتما في يدها مسموما، وقالت: بيدي لا بيد عمرو، فماتت. ويقال: إن عمرا قتلها بالسيف، وقال ابن الجوزي: إن الزباء، لما رأت الإبل تتهادى بأحمالها، ارتابت بها، وكان قد وشى بقصير إليها،
فقدح ما رأت من كثرة الإبل وعظم أحمالها في نفسها، مع ما عندها من قول الواشي به فقالت:
أرى الجمال مشيها وئيدا
إلا أنه ذكر عوض «أم الرجال جثما قعودا» أم «الرجال في الغرار السودا». ثم قالت لجواريها: «أرى الموت الأحمر في الغرائر السود» فذهبت مثلا، وذكر القصة إلى آخرها، فاحتوى عمرو على بلادها.
والزباء اسمها نائلة في قول محمد بن جرير الطبري، ويعقوب بن السكيت واستشهد ابن جرير الطبري بقول الشاعر:
أتعرف منزلا بين النقاءوبين ممر نائلة القديم
وميسون في قول ابن دريد، وفارعة في قول ابن هشام وابن الجوزي وغيرهما كما تقدم. قلت:
وفي النهاية لابن الأثير، أن قوما من الجن تذكروا عيافة بني أسد، ووصفهم بها، فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من يعيف؟ فقالوا لغلام لهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: مالك يا غلام؟ فقال: كسرت جناحا ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراخا، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحا، وقالوا: «أطير من عقاب الجو» و «أبصر من عقاب وأحزم». فإن قيل: ما حزمه؟
قيل: إنه يخرج من بيضته على رأس جبل عال، فلا يتحرك حتى يتكامل ريشه، ولو تحرك لسقط.
ويقال أيضا: «أسمع من فرخ عقاب» «وأعز من عقاب الجو».
عجيبة : نقل ابن زهر، عن ارسطاطاليس، أن العقاب تصير حدأة والحدأة عقابا يتبادلان في كل سنة.
الخواص : قال صاحب عين الخواص: قال عطارد بن محمد: إن العقاب يهرب من الصبر، وإذا شم رائحته غشي عليه. وريش العقاب إذا دخن به البيت ماتت حياته. ومرارته تنفع من الظلمة، والماء الذي في العينين اكتحالا قاله القزويني.
التعبير : العقاب تدل رؤيته لمن هو في حرب على النصر والظفر على الأعداء، لأنها كانت راية النبي ﷺ. والعقاب تدل على العقاب لمن حل عنده. ومن رأى أنه ملك عقابا أو نسرا، وتحكم عليه، نال عزا وسلطانا ونصرة على عدوه، وعاش عمرا طويلا. فإن كان الرائي من أهل الجد والاجتهاد، انقطع عن الناس واعتزلهم، وعاش منفرا لا يأوي إلى أحد. وإن كان ملكا، اصطلح مع الأعداء، وأمن من شرهم ومكايدهم، وانتفع بما عندهم من السلاح والمال، لأن أرياشها السهام، وهي أموال أيضا، وصغارها أولاد زنا. قاله ابن المقري.
وقال المقدسي: من رأى عقابا ضربه بمخالبه، ناله شدة في ماله. وأكل لحم العقاب يدل على الحرص، وربما دلت رؤيته، أعني العقاب، على رجل صاحب حرب، لا يأمنه قريب ولا بعيد. وإذا رؤي على سطح أو دار أو بيت فهو ملك الموت. ومن ركب عقابا في منامه، وكان فقيرا نال خيرا، وإن كان غنيا أو من أشراف الناس، فإنه يموت، لأن في الزمان المتقدم، كانوا يصورون صورة الميت من الأغنياء والأمراء، على صورة عقاب. ومن رأى من النساء، كأنها ولدت عقابا، اتصل ولدها بالملك في خدمة أو صراع، والله أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع