تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

العناق

الأنثى من ولد المعز والجمع أعنق وعنوق. روي عن الأصمعي أنه قال: بينا أنا أسير في طريق اليمن، إذا أنا بغلام واقف في الطريق، في أذنيه قرطان، في كل قرط جوهرة، يضيء وجهه من ضوء الجوهرة، وهو يمجد ربه بأبيات من الشعر وهي هذه:

يا فاطر الخلق البديع وكافلارزق الجميع سحاب جودك هاطل
يا مسبغ البرّ الجزيل ومسبلالستر الجميل عميم طولك طائل
يا عالم السرّ الخفي ومنجزالوعد الوفي قضاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجلّ أنيحصي الثناء عليك فيها قائل
الذنب أنت له بمنّك غافرولتوبة العاصي بحلمك قابل
ربّ يربي العالمين ببرهونواله أبدا إليهم واصل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائماما لا تكون لبعضه تستاهل
متفضل أبدا وأنت لجودهبقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجا ليل الخطوب وأظلمتسبل الخلاص وخاب فيها الآمل
وأيست من وجه النجاة فما لهاسبب ولا يدنو لها متناول
يأتيك من ألطافه الفرج الذيلم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من ألقى إلىأبواب غيرك فهو غرّ جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أو رجاأحدا سواك فذاك ظلّ زائل
رأي يلم إذا عرته ملمةبسوى جنابك فهو رأي مائل
عمل أريد به سواك فإنهعمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هيّنوإذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوء آبق كلّ علىمولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسوّدتصحفي العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيت وحسن ظني شافعيووسائلي ندم ودمع سائل
فاغفر لعبدك ما مضى وارزقه توفيقا لما ترضى ففضلك كامل
وافعل به ما أنت أهل جميلهوالظنّ كلّ الظن أنك فاعل

قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب لي عليك! قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على مذهب ابراهيم الخليل ﵇، لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم، حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته إلى ذلك، فرحب بي، وسرت معه حتى قربنا من خيمته، فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة بالبكاء، فقال: قومي

إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى أبدأ بشكر الله الذي ساق لنا هذا الضيف، ثم قامت فصلت ركعتين شكرا لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة، وأجلسني ثم أخذ الغلام الشفرة وعمد إلى عناق فذبحها، قال: فلما جلست في الخيمة، نظرت إلى الجارية، فإذا هي أحسن الناس وجها، فكنت أسارقها النظر، ففطنت لبعض لحظاتي إليها، فقالت لي: مه أما علمت أنه نقل عن صاحب طيبة ﵇، أنه قال: إن زنا العينين النظر، أما إني ما أردت بهذا أن أوبخك، ولكني أردت أن أؤدبك لكي لا تعود إلى مثل هذا.

قال: فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة، وباتت الجارية من داخلها، فكنت أسمع دوي القرآن إلى السحر، بأحسن صوت يكون وأرقه، ثم سمعت أبياتا بهذا من الشعر بأعذب لفظ، وأشجى نغمة وهي هذه:

أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمتهفأصبح عندي قد أناح وطنبا
إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكرهوإن رمت قربا من حبيبي تقربا
للشاعر عبد الغني النابلسي، من قصيدة «بأوج الهوى كم منزل قد علمته»
ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكرهويسعدني حتى ألذّ وأطربا

قال: فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من كان ذلك؟ قال: تلك أختي، وهذا شأنها كل ليلة، فقلت: يا غلام كنت أنت أحق بهذا العمل من أختك، إذ أنت رجل وهي امرأة. قال: فتبسم وقال: ويحك أما علمت أنه موفق ومخذول ومقرب ومبعد! قال الأصمعي: فودعتهما وانصرفت.

وحكمها : الحل، وتفدى بها الأرنب إذا قتلها المحرم لقضاء الصحابة بذلك. ولا تجزىء في الأضحية لما روى الشيخان وغيرهما عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الأضحى، بعد الصلاة، فقال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له». فقال أبو بردة بن نيار، وهو خال البراء بن عازب: يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فأحببت أن تكون شاتي أول شاة تذبح في بيتي، فذبحتها وتغديت قبل أن أتي الصلاة. فقال ﷺ: «شاتك شاة لحم». قال: يا رسول الله فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزىء عني؟

فقال ﷺ: «نعم ولن تجزىء عن أحد بعدك».

ووقع في أصل الروضة، أن العناق الأنثى من المعز، من حين تولد إلى أن ترعى. والجفرة الأنثى من ولد المعز حين تفطم وتفصل عن أمها، فتأخذ في الرعي وذلك بعد أربعة أشهر.

والذكر جفر. وقال في لغات التنبيه ودقائق المنهاج: العناق الأنثى من ولد المعز ما لم تستكمل سنة. ونقل مثل هذا عن الأزهري، في تهذيب الأسماء واللغات، وكلام الأزهري لا يوافق ذلك.

وروى الحاكم بإسناد صحيح، وأبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب، عن قيس بن

النعمان رضي الله تعالى عنه، قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله تعالى عنه مستخفيين، مرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء وما بقي لها لبن. قال ﷺ: «ادع بها». فاعتقلها ﷺ ومسح ضرعها حتى أنزلت. وجاء أبو بكر بمجن فحلب رسول الله ﷺ فيه وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب ﷺ. فقال الراعي: بالله من أنت فو الله ما رأيت مثلك قط؟ قال: «أو تراك تكتم علي حتى أخبرك» قال: نعم. قال: «فإني محمد رسول الله». قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابىء؟

قال: «إنهم ليقولون ذلك». قال: أشهد أنك نبي، وأن ما جئت به حق، وأنا متبعك. قال ﷺ:

«إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا».

خاتمة : روى أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق كقطام، وكانت صديقة له، وإنه كان واعد رجلا من الأسارى بمكة، أن يأتيه فيحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة، في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلي، قالت:

مرثد؟ قلت: مرثد. قالت: مرحبا وأهلا وسهلا هلم فبت عندنا الليلة. فقلت: يا عناق قد حرم الله الزنا. قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراركم. قال: فتبعني ثمانية رجال، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى غار أو كهف، فجاؤوا حتى وقفوا على رأسي وبالوا، فظل بولهم ينزل على رأسي وأعماهم الله عني.

فرجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت به إلى الأذخر، ففككت عنه أكبله، وجعلت أحمله ويعييني، حتى قدمت به المدينة، فأتيت به النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟ فأمسك ولم يرد علي شيئا حتى نزلت: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ

فقال رسول الله ﷺ: «يا مرثد الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ

فلا تنكحها». قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة، إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها صحيح لا ينفسخ. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: قال عكرمة: معنى الآية أن الزاني لا يريد ولا يقصد إلا نكاح زانية.

قال: والأشبه ما قاله سعيد بن المسيب أن هذه الآية منسوخة، نسخها قوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ

وهي من أيامى المسلمين.

الأمثال : قالوا: «لا تنفط في هذا الأمر عناق». أي لا تعطس، والنفيط من العناق مثل العطاس من الإنسان. وهو كقولهم: «لا ينتطح فيها عنزان». وسيأتي إن شاء الله تعالى في محله.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.