تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

العنبر

سمكة بحرية كبيرة يتخذ من جلودها الترس. ويقال للترس عنبر. وقد تقدم ذكرها في باب الباء الموحدة.

روى البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: بعثنا رسول الله ﷺ، وأمر علينا أبا عبيدة، نلتقي عيرا لقريش، وزودنا جرابا فيه تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يطعمنا تمرة تمرة، قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله.

فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا شيء كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر. قال: فقال أبو عبيدة: إنها ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرا، ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا، يعني تقوينا، وزال ضعفنا، وإلا فما كانوا سمانا قط، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيها بالقلال الدهن ونقتطع القطعة قدر التور. ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينها، وأخذ ضلعا من أضلاعها فأقامه، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمها.

فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﷺ، فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه فتطعمونا» ؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله.

وسرية أبي عبيدة هذه يقال لها سرية الخبط. وكانت في رجب سنة ثمان من الهجرة، وكان فيها عمر بن الخطاب وقيس بن سعد مع أبي عبيدة رضي الله تعالى عنهم. وحديثها رويناه في الغيلانيات وهو أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه، في سرية فيها المهاجرون والأنصار، ثلاثمائة رجل إلى ساحل البحر، إلى حي من جهينة، فأصابهم جوع شديد، فقال قيس بن سعد: من يشتري مني تمرا بجزور، يوفيني الجزور ههنا، وأوفيه التمر بالمدينة؟ فجعل عمر يقول: وا عجبا لهذا الغلام لا مال له يدين في مال غيره! فوجد رجلا من جهينة، فقال له قيس:

يعني جزورا أوفيكه وسقا من تمر المدينة. فقال الجهني: والله ما أعرفك، فمن أنت؟ فقال: أنا ابن سعد بن عبادة بن دليم. فقال الجهني: ما أعرفني بنسبك، وذكر كلاما، فابتاع منه خمس

جزائر، كل جزور بوسق من تمر، يشترط عليه البدوي تمر ذخيرة مصلبة من تمر آل دليم، فيقول قيس: نعم. قال: فاشهد لي قال: فأشهد له نفرا من الأنصار، ومعهم نفر من المهاجرين. قال قيس: إنما أشهد من تحب، وكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال عمر:

ما أشهد على هذا بدين، ولا مال له، إنما المال لأبيه، فقال الجهني: والله ما كان سعد ليبخس في وسقة من تمر، وإني أرى وجها حسنا وفعالا شريفة. فكان بين عمر وقيس كلام، حتى أغلظ عمر لقيس، ثم أخذ الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة، كل يوم جزورا، فلما كان اليوم الرابع، نهاه أميره وقال له: أتريد أن تحفر ذمتك ولا مال لك؟ قال: فأقبل أبو عبيدة ومعه عمر، فقال: عزمت عليك أن لا تنحر، فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، ولا يقضي عني وسقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله؟ فكاد أبو عبيدة أن يلين له، وجعل عمر يقول: اعزم عليه، فعزم عليه وبلغ سعدا ما أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن قيس كما أعرف، فسينحر للقوم، فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم؟

قال: نحرت. قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت. قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت.

قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نهيت. قال: ومن نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري. قال: ولم؟ قال:

زعم أنه لا مال لي، وإنما المال لأبيك! فقلت: إن أبي يقضي عن الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، ولا يصنع هذا بي؟ قال: تلك أربع حوائط أدناها حائطا نجذ منه خمسين وسقا.

قال: وقدم البدوي مع قيس فأوفاه وسقته، وحمله وكساه. فبلغ ذلك النبي ﷺ من فعل قيس فقال: «إنه من قلب جود».

والعنبر المشموم، قيل: إنه يخرج من قعر البحر، يأكله بعض دوابه لدسومته، فيقذفه رجيعا، فيوجد كالحجارة الكبار، فيطفو على الماء، فتلقيه الريح إلى الساحل، وهو يقوي القلب والدماغ، نافع من الفالج واللقوة والبلغم الغليظ. وقال ابن سيده: العنبر يخرج من البحر، وأجوده الأشهب ثم الأزرق ثم الأصفر ثم الأسود. قال: وكثيرا ما يوجد في أجواف السمك الذي يأكله ويموت. وزعم بعض التجار أن بحر الزنج يقذفه كجمجمة الإنسان، وأكبرها وزنه ألف مثقال. وكثيرا ما تأكله الحيتان فتموت، والدابة التي تأكله تدعى العنبر.

الحكم : قال الماوردي والروياني في كتاب الزكاة: لا زكاة في العنبر والمسك. وقال أبو يوسف: فيهما الخمس. وقال الحسن وعمر بن عبد العزيز وعبد الله العنبري واسحاق: يجب الخمس في العنبر. واحتج الشافعي عليهم بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في العنبر، إنما هو شيء دسره البحر، أي لفظه، وليس بمعدن حتى يجب فيه الخمس. وروي عنه صريحا أنه قال: لا زكاة فيه.

وروى جابر أن النبي ﷺ قال: «العنبر ليس بغنيمة»، وهذا ينفي وجوب الزكاة فيه. قالا، أي الماوردي والروياني: وأكثر الفقهاء على أن العنبر طاهر، وقال الشافعي: سمعت من قال:

رأيت العنبر نابتا في البحر، ملتويا مثل عنق الشاة. وقيل: إن أصله نبت في البحر وله رائحة ذكية. وفي البحر دويبة تقصده لذكاء رائحته، وهو سمها، فتأكله فيقتلها ويلفظها البحر، فيخرج العنبر من بطنها.

وقالا في كتاب السلم: يجوز السلم في العنبر، ولا بد من بيان أنواعه ووزنه، فالعنبر منه الأشهب والأبيض والأخضر والأسود ولا يجوز حتى يسمى ذلك. وقال الشافعي: يجوز بيع العنبر، وقال أهل العلم به: إنه نبات والنبات لا يحرم منه شيء. قال: وحدثني بعضهم، أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة فيه، فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة، فإذا ثمرها عنبر، قال: فتركناه حتى يكبر ثم نأخذه، فهبت الريح فألقته في البحر. قال الشافعي: والسمك ودواب البحر تبتلعه أول ما يقع منه، لأنه لين، فإذا ابتلعته قلما تسلم منه إلا قتلها لفرط الحرارة فيه، فإذا أخذ الصياد السمكة، وجده في بطنها فيقدر أنه منها، وإنما هو ثمر نبت.

وأما خواصه : فقال المختار بن عبدون: العنبر حار يابس، وهو دون المسك، وأجوده الأشهب الخفيف الدسم، وهو يقوي القلب والدماغ، ويزيد في الروح وينفع من الفالج واللقوة والبلغم الغليظ، ويولد شجاعة، لكنه يضر من اعتاده الباسور، وتدفع مضرته بالكافور وشم الخيار. ويوافق الأمزجة الباردة الرطبة والمشايخ، وأجوده ما استعمل في الشتاء. قالوا: والعنبر جماجم أكبرها ألف مثقال، تبرز من عيون في البحر وتطفو على الماء، فيسقط عليها الطير فتأكلها فتهلك. وقيل: إنه روث دابة، وقيل: إنه من غثاء البحر، وأجوده الأشهب وضده الخمري وله زهومة لابتلاع السمك، ويتصفى منه عند عمله رمل والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.