تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

العنز

الأنثى من المعز، والجمع أعنز وعنوز. روى البخاري وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، من عامل يعمل بخصلة منها، رجاء ثوابها، وتصديقا بموعودها، إلا أدخله الله الجنة»، قال حسان بن عطية الراوي، عن أبي كبشة: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام، وتشميت العاطس، واماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نصل إلى خمس عشرة خصلة. قال ابن بطال: لم يذكر النبي ﷺ الخصال في الحديث. ومعلوم أنه ﵊ كان عالما بها لا محالة، إلا أنه ﷺ لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك والله أعلم، خشية أن يكون التعيين لها، زهدا في غيرها، من أبواب المعروف وسبل الخير. وقد جاء عنه ﵊، من الحث والحض على أبواب من الخير والبر، ما لا يحصى كثرة. قال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا، أنه تتبعها في الأحاديث، فوجدها تزيد على أربعين خصلة ثم ذكرها إلى آخرها.

قلت: وتشميث العاطس بالشين المعجمة وبالسين المهملة، فالأول إشارة إلى جمع الشمل، لأن العرب تقول: أشمتت الإبل، إذا اجتمعت في المرعى، وقيل: معناه الدعاء لشوامته، وهو اسم للأطراف، والثاني إشارة إلى أن يرزق السمت الحسن. قلت: وقد روى صاحب الترغيب والترهيب، في باب قضاء حوائج المسلمين، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «للمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بالأداء أو

العفو يغفر زلته ويرحم عبرته ويستر عورته ويقيل عثرته ويقبل معذرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويعود مرضته ويشهد منيته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافىء صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويحفظ حليلته ويقضي حاجته ويشفع مسألته ويقبل شفاعته ولا يخيب مقصده ويشمت عطسته وينشد ضالته ويرد سلامه ويطيب كلامه ويزيد إنعامه ويصدق أقسامه وينصره ظالما أو مظلوما، أما نصره ظالما فيرده عن ظلمه، وأما نصره مظلوما فيعينه على أخذ حقه، ويواليه ولا يعاديه ويسلمه ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه»، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة». ثم قال علي رضي الله تعالى عنه: إن أحدكم ليدع تشميت أخيه إذا عطس، فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له عليه. فهذه مع ما عده حسان بن عطية يجتمع منها أكثر من أربعين خصلة.

فائدة : روى أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبري، في كتاب الدعوات، باسناده عن سويد بن غفلة، قال: أصابت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فاقة فقال لفاطمة رضي الله تعالى عنها: لو أتيت النبي ﷺ فاتته وكان عند أم أيمن فدقت الباب، فقال النبي ﷺ لأم أيمن: «إن هذا الدق لدق فاطمة، ولقد أتتنا في ساعة ما عودتنا أن تأتينا في مثلها فقومي فافتحي لها الباب».

قال: فقامت أم أيمن ففتحت لها الباب، فلما دخلت قال ﷺ: «يا فاطمة لقد أتيتنا في ساعة ما عودتنا أن تأتينا في مثلها». فقالت: يا رسول الله هذه الملائكة طعامها التسبيح والتحميد والتقديس، فما طعامنا؟ فقال ﷺ: «والذي بعثني بالحق ما اقتبس في آل محمد نار منذ ثلاثين يوما، وقد أتتنا أعنز فإن شئت أمرت لك بخمسة أعنز، وإن شئت علمتك خمس كلمات علمنيهن جبريل آنفا». قالت: بل علمني الخمس التي علمك جبريل. قال ﷺ: «قولي يا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين». قال: فانصرفت حتى دخلت على علي بن أبي طالب، فقالت: ذهبت من عندك إلى الدنيا فأتيتك بالآخرة، وذكرت له ذلك، فقال: خير أيامك خير أيامك.

وفي كتاب صفوة التصوف للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما دخل على رسول الله ﷺ فقال: «يا جابر هؤلاء الأعنز إحدى عشرة عنزا في الدار أحب إليك أم كلمات علمنيهن جبريل آنفا يجمعن لك خير الدنيا والآخرة» ؟ فقال:

يا رسول الله، والله إني لمحتاج، وهذه الكلمات أحب إلي فقال ﷺ: «قل اللهم إنك البر خلاق عليم، اللهم إنك عفور حليم، اللهم إنك تواب رحيم، اللهم إنك رب العرش العظيم، اللهم إنك الجواد الكريم، اغفر لي وارحمني واجبرني ووفقني وارزقني واهدني ونجني وعافني واسترني ولا تضلني وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين». قال: فطفق يرددهن حتى حفظتهن. ثم قال ﷺ: «تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك». ثم قال ﷺ: «يا جابر استبقهن معك». قال:

فاستبقتهن معي. وفي تفسير القشيري وغيره، أن ابراهيم ﵊ لما هاجر بولده اسماعيل وأمه هاجر إلى مكة، مر على قوم من العماليق، فوهبوا لإسماعيل ﵊ عشرة أعنز، فجميع أعنز مكة من نسلها. وهذا نظير ما تقدم في حمام الحرم، وأنه من نسل

الحمامتين اللتين عششتا على النبي ﷺ في الغار.

فائدة أخرى : قال النبي ﷺ: «لا ينتطح فيها عنزان». والسبب في ذلك أن امرأة من خطمة، كان يقال لها عصماء بنت مروان من بني أمية، كانت تحرض على المسلمين وتؤذيهم، وتقول الشعر، فجعل عمير بن عدي عليه نذرا لله ﷿ لئن رد الله رسوله سالما من بدر ليقتلنها. فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر، عدا عليها عمير في جوف الليل فقتلها، ثم لحق بالنبي ﷺ معه الصبح، فلما قام ﷺ ليدخل مجلسه، قال لعمير بن عدي: «أقتلت عصماء» ؟ قال:

نعم فهل علي في قتلها من شيء؟ فقال ﷺ: «لا ينتطح فيها عنزان». فأول ما سمعت هذه الكلمة منه ﷺ، وهي من الكلام الموجز البديع المفرد الذي لم يسبق إليه. وكذلك قوله ﷺ: «حمي الوطيس، ومات حتف أنفه، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ويا خيل الله اركبي، والولد للفراش وللعاهر الحجر، وكل الصيد في جوف الفرا، والحرب خدعة، وإياكم وخضراء الدمن، وان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم، والأنصار كرشي وعيبتي، ولا يجني على المرء إلا يده، والشديد من غلب على نفسه عند الغضب، وليس الخبر كالمعاينة، والمجالس بالأمانة، واليد العليا خير من اليد السفلى، والبلاء موكل بالمنطق، والناس كأسنان المشط، وترك الشر صدقة، وأي داء أدوأ من البخل، والأعمال بالنيات، والحياء خير كله، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع، وسيد القوم خادمهم، وفضل العلم

خير من فضل العبادة، والخيل معقود في نواصيها الخير، وأعجل الأشياء عقوبة البغي، وإن من الشعر لحكمة، والصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، ونية المؤمن خير من عمله، ونية المنافق شر من عمله، والولد للوطء، واستعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان. فإن كل ذي نعمة محسود، والمكر والخديعة في النار، ومن غشنا ليس منا، والمستشار مؤتمن، والندم توبة، والدال على الخير كفاعله، وحبك الشيء يعمي ويصم، والعارية مؤدّاة، والأيمان قيد الفتك ».

وأمثال ذلك من كلامه ﷺ، وإنما خص رسول الله ﷺ العنز دون سائر الغنم، لأن العنز إنما تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها.

وروى ابن دريد أن عدي بن حاتم، لما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، قال: لا ينتطح فيها عنزان. فلما كان يوم الجمل فقئت عينه فقيل له: لا ينتطح في قيل عثمان عنزان؟ قال: بلى وتفقأ عيون كثيرة، كذا ذكر هذا الخبر ابن اسحاق والدمياطي وغيرهما. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: حدثني الصادق المصدوق أبو القاسم ﷺ: «أن أول خصم يقضى عليه يوم القيامة عنزان ذات قرن وغير ذات قرن». رواه الطبراني في معجمه الأوسط، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.

وحكمها : الحل ويفدى بها الغزال إذا قتله المحرم وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة.

الأمثال : قد تقدم في الحديث قوله ﵊ «لا ينتطح فيها عنزان » أي لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز، وهو إشارة إلى قضية مخصوصة لا يجزي فيها خلف ولا نزاع وقالوا: «فلان أضرط من عنز ». وقالوا: «عنز بها كل داء» يضرب للكثير العيوب من الناس والدواب. قال الفزاري: للعنز تسعة وتسعون داء. والعنز العقاب الأنثى في قول الشاعر:

إذا ما العنز من ملق تدلتضحيا وهي طاوية تحوم

فمراده بالعنز هنا العقاب الأنثى.

الخواص : مرارة العنز، إذا خلطت بنوشادر، ونتف شعر من مكان في البدن، وطلي به الموضع، لم ينبت فيه شعر البتة. وقال ارسطو: مرارة العنز، إذا خلطت بكراث، وطلي بها مكان الشعر المنتوف، لم ينبت فيه شعر البتة. وإذا غسلت ساقها وسقي من به سلس البول أبرأه. وإن كتبت بلبنها على قرطاس، لم تبن كتابته فإن ذر عليه رماد ظهرت الكتابة.

وقال هرمس: إذا أخذ من دماغ العنز ومن دم الضبع، وزن دانق من كل واحد، وزن حبتين من كافور، وعجن باسم شخص، تولد فيه روحانية المحبة إذا طعم ذلك. ومن أخذ من مرارتها وزن دانق، ومثله من دمها، ومن دماغ سنور أسود نصف دانق، وأطعمه إنسانا قطع عنه شهوة الجماع ولا يصل إلى امرأة حتى يحل عنه. وحله أن يسقى أنفحة ظبية في لبن عنز، ويكون سخنا والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.