من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الغنم
الشاء لا واحد له من لفظه، والجمع أغنام وغنوم وأغانم وغنم مغنمة أي كثيرة، هذه عبارة المحكم. وقال الجوهري: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعا، وإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، يقال: له خمس من الغنم ذكور فتؤنث العدد، وإن عنيت الكباش إذا كان يليه من الغنم ذكور لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ، لا على المعنى. والإبل كالغنم في جميع ما ذكرناه، وقد أجاد الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه حيث يقول:
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتيولا أنثر الدرّ النفيس على الغنم
فإن يسّر الله الكريم بفضلهوصادفت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت ودادهموإلا فمخزون لدي ومكتتم
فمن منح الجهال علما أضاعهومن منع المستوجبين فقد ظلم
روى عبد بن حميد بسنده إلى عطية، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
افتخر أهل الإبل وأهل الغنم عند رسول الله ﷺ، فقال ﵊: «السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل». وهو في الصحيحين بألفاظ مختلفة منها «السكينة والوقار في أهل الغنم والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر». وفي لفظ «الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أصحاب الشاء». أراد بالسكينة السكون، وبالوقار التواضع، وأراد بالفخر التفاخر بكثرة المال والجاه، وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، وبالخيلاء التكبر والتعاظم. ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
ومراده بالوبر أهل الإبل لأنه لها كالصوف للضأن والشعر للمعز، ولذلك قال الله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ
وهذا منه ﷺ إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الإبل وأغلبه. وقيل: أراد به ﵊ أي بأهل الغنم أهل اليمن، لأن أكثرهم أهل غنم، بخلاف ربيعة ومضر، فإنهم أصحاب إبل.
وروى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن رجلا سأل النبي ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين، فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا فو الله إن محمدا ليعطي عطاء رجل لا يخاف الفقر.
وقد تقدم في باب الدال المهملة في الكلام على الدجاج، الحديث الذي رواه ابن ماجه أن النبي ﷺ «أمر الأغنياء باتخاذ الغنم، وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج»، وقال عند اتخاذ الأغنياء الدجاج: «يأذن الله بهلاك القرى». وقد بينا معناه، في شرح سنن ابن ماجه، وبينا أن في إسناده علي بن عروة الدمشقي، وأن ابن حبان قال: كان يضع الحديث.
والغنم على ضربين ضائنة وماعزة، قال الجاحظ: اتفقوا على أن الضأن أفضل من المعز.
قلت: وصرح الأصحاب بذلك في الأضحية وغيرها واستدلوا على أفضليته بأوجه منها: أن الله تعالى بدأ بذكر الضأن في القرآن، فقال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
، ومنها قوله تعالى، حكاية على الخصمين: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
ولم يقل تسع وتسعون غنزا، ولي عنز واحدة. ومنها قوله تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
وأجمعوا كما قال الحافظ أنه كبش. وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف.
ومنها أن الضأن تلد في السنة مرة وتفرد غالبا، والمعز تلد مرتين وقد تثنى وتثلث والبركة في الضأن أكثر. ومنها أن الضأن إذا رعت شيئا من الكلأ فإنه ينبت وإذا رعت المعز شيئا لا ينبت، وقد تقدم، لأن المعز تقلعه من أصوله والضأن ترعى ما على وجه الأرض. ومنها أن صوف الضأن أفضل من شعر المعز وأعز قيمة، وليس الصوف إلا للضأن. ومنها أنهم كانوا إذا مدحوا شخصا قالوا: إنما هو كبش، وإذا ذموه قالوا: إنما هو تيس، وإذا أرادوا المبالغة في الذم قالوا: إنما هو تيس في سفينة. ومما أهان الله به التيس، أن جعله مهتوك الستر مكشوف القبل والدبر، بخلاف الكبش. ولهذا شبه النبي ﷺ المحلل بالتيس المستعار. ومنها أن رؤوس الضأن أطيب وأفضل من رؤوس المعز، وكذلك لحمها فإن أكل لحم الماعز يحرك المرة السوداء، ويولد البلغم ويورث النسيان، ويفسد الدم، ولحم الضأن عكس ذلك انتهى.
فائدة : قال أبو زيد: يقال لما تضعه الغنم من الضأن والمعز حال وضعه سخلة، ذكرا كان أو أنثى. والجمع سخل بفتح السين، وسخال بكسرها، ثم لا يزال اسمه ذلك مادام يرضع اللبن، ثم يقال للذكر والأنثى، بهمة بفتح الباء والجمع بهم بضمها، ويقال لولد المعز حين يولد سليل وسليط، فإذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه وأكل من البقل، فإذا كان من أولاد المعز فهو جفر. والأنثى جفرة والجمع جفار.
وذكر في كفاية المتحفظ، أن الجفر والجفرة يقعان على الطفل والطفلة من بني آدم حين يأكلان الطعام انتهى. فإذا قوي وأتى عليه حول فهو عريض بفتح العين المهملة وكسر الراء والياء المثناة التحتية، وبالضاد المعجمة في آخره وجمعه عرضان بكسر العين والعتود نوع منه وجمعه أعتدة وعتدان. وقال يونس: جمعه أعتدة وعتدة، وهو في كل ذلك جدي والأنثى عناق إذا كان من أولاد المعز، ويقال له إذا اتبع أمه تلو لأنه يتلو أمه، ويقال للجدي أمر بضم الهمزة وتشديد الميم وبالراء المهملة في آخره، ويقال له هلع وهلعة بضم الهاء وتشديد اللام، والبكرة العناق أيضا، والعطعط الجدي، فإذا أتى عليه حول، فالذكر تيس والأنثى عنز، ثم يكون جذعا في السنة الثانية والأنثى جذعة، فإذا طعن في السنة الثالثة فهو ثني، والأنثى ثنية، فإذا طعن في السنة الرابعة كان رباعيا والأنثى رباعية، ثم يكون خماسيا والأنثى خماسية، ثم يكون سداسيا والأنثى سداسية، ثم يكون ضالعا والأنثى كذلك. ويقال ضلع يضلع ضلوعا والجمع الضلع بتشديد الضاد واللام.
قال الأصمعي: الحلان والحلام من أولاد المعز خاصة. وفي الحديث «في الأرنب يصيبها المحرم حلان». قال الجاحظ: وقد قالوا في أولاد الضأن، كما قالوا في أولاد المعز إلا في مواضع.
قال الكسائي: هو خروف في العريض من أولاد المعز، والأنثى خروفة. ويقال له حمل والأنثى رخل بفتح الراء المهملة وكسر الخاء المعجمة وجمعه رخال بضم الراء المهملة. وهو مما جمع على غير قياس كما قالوا في المرضع ظئر وظؤار، وفي ولد البقرة الوحشية فرير وفرار، وللشاة القريبة العهد بالنتاج ربى ورباب، وللعظم الذي عليه بقية من اللحم عرق وعراق، وللمولود مع قرينه توأم وتؤام، والبهمة للذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز جميعا، ولا يزال كذلك حتى يأكل ويجتر، ثم هو قرقر بقافين مكسورتين والجمع قرقار وقرقور. وهذا كله حين يأكل ويجتر. والجلام بكسر الجيم، الجدي أيضا والبذج بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة وبالجيم في آخره من أولاد الضأن خاصة، والجمع بذجان.
روى ابن ماجه وشيخه ابن أبي شيبة، باسناد صحيح عن أم هانىء رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ قال لها: «اتخذي غنما فإن فيها بركة» وشكت إليه امرأة أن غنمها لا تزكو، فقال لها ﷺ: «ما ألوانها». قالت: سود. فقال: «عفري»، أي استبدلي، «أغناما بيضا فإن البركة فيها». وفي الحديث: «صلوا في مرابض الغنم وامسحوا رغامها». والرغام ما يسيل من الأنف وقد تقدم، في البهيمة ما رواه أبو داود في أبواب الطهارة، عن لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ، كانت له مائة شاة لا يريد أن تزيد، وكانت كلما ولدت سخلة ذبح مكانها شاة.
وروى مالك والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن». شعف الجبال، بفتح الشين المعجمة والعين المهملة رؤوسها وشعف كل شيء أعلاه قال ابن بطال: قال أبو الزناد: خص النبي ﷺ الغنم من بين سائر الأشياء حضا على التواضع، وتنبيها على إيثار الخمول، وترك الاستعلاء والظهور، وقد رعى الأنبياء والصالحون الغنم. وقال ﷺ: «ما بعث الله نبيا إلا رعى غنما». وأخبر ﷺ «أن السكينة في أهل الغنم». وروى الطبراني والبيهقي في الشعب، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه خرج في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له، فوضعوا له السفرة فمر بهم راعي غنم، فسلم فقال له ابن عمر: هلم يا راعي فكل معنا، فقال: إني صائم. فقال له ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أتصوم في هذا اليوم الشديد الحر، وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟ فقال له: إني والله أبادر أيامي هذه الخالية. فقال له ابن عمر يريد أن يختبر ورعه: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها ونطعمك من لحمها فتفطر عليه؟ فقال: إنها ليست لي، إنها غنم سيدي. فقال له ابن عمر: وما عسى سيدك فاعلا إذا فقدها؟ وقلت: أكلها الذئب! فولى الراعي
عنه وهو يقول: فأين الله يرفع بها صوته ويشير بأصبعه إلى السماء! فجعل ابن عمر يردد قول الراعي ذلك. فلما قدم المدينة، اشترى العبد الراعي والغنم، وأعتق العبد ووهب منه الأغنام.
وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي اليسر عمرو بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: والله إني لمع رسول الله ﷺ بخيبر عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من اليهود تريد حصنهم، ونحن محاصروهم، إذ قال رسول الله ﷺ: «من يطعمنا من هذه الغنم» قلت: أنا يا رسول الله. قال:
«فافعل». قال: فخرجت أشتد مثل الظليم، فلما نظر إلي رسول الله ﷺ موليا قال: «اللهم أمتعنا به» فأدركت الغنم، وقد وصل أوائلها الحصن، فأخذت شاتين من آخرها، فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء، حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ، فذبحوهما وأكلوهما.
وكان أبو اليسر رضي الله تعالى عنه من آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتا، وكان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: امتعوني بعمري حتى صرت آخرهم موتا انتهى. وكان أبو اليسر آخر البدريين موتا رضي الله تعالى عنهم.
وفي الاستيعاب وغيره قصة إسلام الأسود الحبشي الذي كان يرعى غنما لعامر اليهودي، أنه أتى النبي ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه الغنم فقال: يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم. ثم قال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع فيها؟ فقال: «اضرب في وجوهها فسترجع إلى ربها». فقام الأسود، فأخذ حفنة من حصى، ورمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فو الله لا أصبحك بعدها أبدا، فرجعت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم يقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به إلى النبي ﷺ وقد سجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم أعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟
فقال ﷺ: «إن معه الآن زوجتيه من الحور العين، ينفضان التراب عن وجهه، ويقولان: ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك». قال أبو عمرو: إنما رد رسول الله ﷺ الغنم إلى الحصن، لأن ذلك كان مصالحا عليه، أو كان قبل حل الغنائم.
وفي الحديث أنه ﵊ قال: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم». قيل:
وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا». وثبت في صحيح البخاري، وسنن ابن ماجه، واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم». فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط». قال سويد:
يعني كل شاة بقيراط.
وفي غريب الحديث للقعنبي، «بعث موسى ﵊ وهو راعي غنم، وبعث داود ﵊ وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد». وفي الحديث
«آجر موسى ﵊ نفسه بعفة فرجه، وشبع بطنه. فقال له ختنه شعيب ﵇: إن لك في غنمي ما جاءت به قالب لون». جاء تفسيره في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها، كأن لونها قد انقلب.
والحكمة في أن الله تعالى جعل الرعي في الأنبياء تقدمة لهم، ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أممهم رعايا لهم. وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت غنما سودا دخلت فيها غنم كثير بيض». قالوا: فما أولته يا رسول الله؟
قال: «العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم». قالوا: العجم؟ يا رسول الله قال: «لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم». وفي رواية قال ﷺ: «رأيت في المنام غنما سودا، يتبعها غنم عفر. يا أبا بكر عبرها» قال: هي العرب تتبعك ثم يتبعها العجم. فقال ﷺ: «هكذا عبرها الملك سحرا».
وقد رأى النبي ﷺ أنه ينزع في قليب وحوله أغنام سود وغنم عفر، ثم جاء أبو بكر فنزع نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر فاستحالت غربا يعني الدلو، فلم أر عبقريا يفري فريه.
فأولها الناس بالخلافة لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عن معنى الخلافة والرعاية، إذ الغنم السود والعفر عبارة عن العرب والعجم. وأكثر المحدثين لم يذكروا الغنم في هذا الحديث. وذكره الإمام أحمد والبزار في مسنديهما وبه يصح المعنى.
ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية، فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل:
السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال لهم معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول.
فقال أبو مسلم: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وقاك سيدها. وإن أنت لم تهنأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها، عاقبك سيدها.
وفي رسالة القشيري، في باب الدعاء، أن موسى ﵊ مر برجل يدعو ويتضرع فقال موسى: إلهي لو كانت حاجته بيدي لقضيتها! فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني وله غنم، وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري. فذكر موسى للرجل ذلك، فانقطع إلى الله تعالى بقلبه فقضيت حاجته.
وفي المجالسة للدينوري، من حديث حماد بن زيد، عن موسى بن أعين الراعي، قال:
كانت الغنم والأسد والوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال: فحسبناه فوجدناه قد مات في تلك الساعة.
وعن عبد الواحد بن زيد، قال: سألت الله ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فقيل لي:
يا عبد الواحد رفيقك في الجنة ميمونة السوداء. فقلت: وأين هي؟ فقيل لي: هي في بني فلان في الكوفة. فذهبت إلى الكوفة أسأل عنها، فإذا هي ترعى غنما، فأتيت إليها، فطذا غنمها ترعى مع الذئاب، وهي قائمة تصلي، فلما فرغت من صلاتها قالت: يا ابن زيد ليس هذا الموعد، إنما الموعد الجنة. فقلت لها: وما أدراك أني ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. فقلت لها: عظيني. فقالت: واعجبا لواعظ يوعظ؟
فقلت لها: ما لي أرى أغنامك ترعى مع الذئاب؟ قالت: إني أصلحت ما بيني وبين الله، فأصلح ما بيني وبين غنمي والذئاب.
فائدة : في الموطأ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه، قالا: إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله تعالى، وقال الآخر: وكان أفقههما: أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم. فقال له: «تكلم» فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديته من غنمي بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته. فقال ﷺ: «أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، أما غنمك وجاريتك فرد عليك ويجلد ابنك مائة ويغرب عاما».
وأمر ﷺ أنيسا الأسلمي «أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت فليرجمها فاعترفت فرجمها». وهذا الحديث مذكور في الصحيحين.
وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه:
إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، وأخشى إن طال على الناس زمان، أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله.
والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف، والرجم نسخت تلاوته وبقي حكمه. وقال أبو حنيفة: التغريب منسوخ في حق البكر، وعامة أهل العلم على أنه ثابت لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب. والمحصن من اجتمعت فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرية والإصابة، فإن زنى فحده الرجم مسلما كان أو ذميا.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الإسلام من شرائط الإحصان، فلا رجم على الذمي عندهم.
ودليلنا أنه صح عن رسول الله ﷺ أنه رجم يهوديين كانا قد أحصنا. وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف الأربعة، نظر إن كان غير بالغ أو كان مجنونا، فلا حد عليه، وإن كان حرا بالغا عاقلا، غير أنه لم يصب بنكاح صحيح، فعليه جلد مائة وتغريب عام وإن كان عبدا، فعليه جلد خمسين. وفي تغريبه قولان: فإن قلنا يغرب فقولان: أصحهما نصف سنة، كما
يجلد خمسين. ولهذه المسألة تتمات مذكورة في كتب الفقه.
وذكر المفسرون في قوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
الآية. عن ابن عباس وقتادة والزهري أن رجلين دخلا على داود ﵇، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا تفلتت غنمه ليلا فوقعت في حرثي فأفسدته ولم تبق منه شيئا. فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث. فخرجا من عنده، فمرا على سليمان ﵇، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا. فدعاه داود فقال له: بحق النبوة والأبوة يا بني إلا ما حدثتني بالذي هو أرفق بالفريقين. فقال سليمان: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث، مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل، دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود: القضاء كما قضيت.
وكان عمر سليمان يوم حكم بهذا
الحكم إحدى عشرة سنة. والنفش الرعي بالليل، والهمل الرعي بالنهار. وهما الراعي بلا راع.
ونختم الكلام على الغنم بما في أول عجائب المخلوقات عن موسى بن عمران ﵊، أنه اجتاز بعين ماء، في سفح جبل، فتوضأ منها ثم ارتقى الجبل ليصلي، إذا أقبل فارس فشرب من ماء العين، وترك عندها كيسا فيه دراهم، وذهب مارا، فجاء بعده راعي غنم فرأى الكيس فأخذه ومضى. ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس، وعلى رأسه حزمة حطب، فوضعها هناك ثم استلقى ليستريح، فما كان إلا قليل حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلم يجده، فأقبل على الشيخ يطالبه به فأنكر، فلم يزالا كذلك حتى ضربه ولم يزل يضربه حتى قتله. فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الأمور؟ فأوحى الله تعالى إليه إن الشيخ كان قد قتل أبا الفارس، وكان على الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس، فجرى بينهما القصاص وقضى الدين وأنا حكم عدل.
قال في كتاب المحكم والغايات: قال أصحاب التجارب: ومما يورث الغم المشي بين الأغنام، والتعمم جالسا ولبس السراويل قائما، وقص اللحية بالأسنان، والقعود على أسكفة الباب، والأكل بالشمال، ومسح الوجه بالأذيال، والمشي على قشور البيض، والاستنجاء باليمين والضحك في المقابر.
الحكم
: يحل أكل الغنم وبيعها بالنص والاجماع. ويجب في سائمتها الزكاة، ففي كل أربعين شاة شاة جذعة ضأن أو ثنية معز. وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة والسنة أن تقلد إذا جعلت هديا إلى البيت العتيق، لما روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: كنت أفتل قلائد الهدى للنبي ﷺ، فقلد الغنم. وهذا الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور في
مشروعية ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، والظاهر أن الحديث لم يبلغهما.
فرع : فتح إنسان مراح غنم، فخرجت ليلا ورعت زرعا فإن كان الذي فتحه المالك، ضمن الزرع، وإن كان غير المالك لم يضمن. والفرق أن المالك يلزمه حفظها في الليل فإذا فتح عليها ضمن، وغير المالك لا يلزمه حفظها، فإذا فتح عليها لم يضمن. قاله في البحر وسيأتي في باب الميم، الإشارة إلى إتلاف الماشية.
وأما الأمثال : فقد تقدم بعضها في باب الجيم، وبعضها في باب الشين المعجمة، وكذلك الخواص وسيأتي طرف منها في المعز في باب الميم، إن شاء الله تعالى.
التعبير : الغنم في الرؤيا رعية صالحة طائعة، وتدل على الغنيمة والأزواج والأولاد والأملاك والزرع والأشجار الحافلة فالثمار، فذوات الصوف نساء كريمات جميلات ذوات مال وعرض مستور. والشعاري نساء صالحات فقيرات، ذوات عرض مبذول بكشف عوارتهن، خلافا لذوات الصوف فإن عوراتهن مستورة بالألية. قاله ابن المقري.
وقال المقدسي: من رأى أنه يسوق معزا وضأنا، فإنه يلي على عرب وعجم، فإن أخذ من ألبانها وأصوافها فإنه يجبي منهم أموالا، ومن رأى غنما واقفة في مكان، فإنهم رجال يجتمعون في ذلك الموضع، في أمر من الأمور. ومن رأى غنما استقبلته فإنهم أعداء يظفر بهم، ومن رأى شاة تمشي أمامه، وهو يمشي ولا يدركها، تعطلت عليه معيشته، وربما تبع امرأة ولا تحصل له. وألية الغنم مال المرأة، ومن رأى كأنه يجز شعر الغنم فليحذر من الخروج من داره ثلاثة أيام، وقال جاماسب: من رأى قطيع غنم سر دائما. ومن رأى شاة واحدة سر سنة. والنعجة امرأة، فمن ذبح نعجة افتض امرأة مباركة، لقوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
ومن رأى أن صورته تحولت على صورة غنمه نال غنيمة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع