تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الغول

بالضم، أحد الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين، وهم سحرتهم. قال الجوهري: هو من السعالي والجمع أغوال وغيلان، وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول، والتغول التلون. قال كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله تعالى عنه:

فما تدوم على حال تكون بهاكما تلوّن في أثوابها الغول
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول»

ويقال: تغوّلت المرأة إذا تلونت. ويقال: غالته غول، إذا وقع في مهلكة. والغضب غول الحلم.

فائدة : سأل رجل أبا عبيدة عن قوله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ

وإنما يقع الوعد والإيعاد، بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف فأجابه بأن الله تعالى كلم العرب على قدر كلامهم أما سمعت امرأ القيس كيف قال:

أتقتلني والمشرفيّ مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال

وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما كان يهولهم أوعدوا به، قال أبو عبيدة: ومن يومئذ عملت كتابي الذي سميته المجاز. وأبو عبيدة كنيته، واسمه معمر بن المثنى البصري النحوي العلامة، كان يعرف أنواعا من العلوم، وكانت العربية وأخبار العرب وأيامها أغلب عليه، وكان مع معرفته يكسر الشعر إذا أنشده، ويلحن إذا قرأ القرآن، وكان يرى رأي الخوارج، وكان لا يقبل شهادته أحد من الحكام، لأنه كان يتهم بالميل إلى الغلمان. قال الأصمعي: دخلت يوما أنا وأبو عبيدة إلى المسجد، فإذا على الأسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة مكتوب:

صلى الإله على لوط وشيعتهأبا عبيدة قل بالله آمينا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «صلى الإله على لوط وشيعته»

قال: فقال لي: يا أصمعي امح هذا. فركبت ظهره ومحوته. ثم قلت: بقيت الطاء فقال: هي شر

الحروف، الطامة في الطاء، امحها. وقيل: إنه وجدت ورقة في مجلس أبي عبيدة فيها هذا البيت وبعده:

فأنت عندي بلا شكّ بقيتهممنذ احتلمت وقد جاوزت تسعينا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «صلى الإله على لوط وشيعته»

وروي أن أبا عبيدة خرج إلى بلاد فارس قاصدا موسى بن عبد الرحمن الهلالي، فلما قدم عليه، قال لغلمانه: احترزوا من أبي عبيدة فإن كلامه كله دق، ثم حضر الطعام فصب بعض الغلمان على ذيله مرقا، فقال له موسى: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عوضه عشرة أثواب، فقال أبو عبيدة: لا عليك فإن مرقكم لا يؤذي، أي ما فيه دهن، ففطن لها موسى وسكت.

توفي أبو عبيدة في سنة تسع ومائتين، وهذا أبو عبيدة بالهاء والقاسم بن سلام أبو عبيد بغير هاء، وكلاهما من أهل اللغة. ومعمر بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة وآخره راء مهملة.

وكان والد أبي عبيدة من قرية من أعمال الرقة، يقال لها باجروان، وهي القرية التي استطعم أهلها موسى والخضر ﵉، كذا قاله ابن خلكان وغيره، وتقدم في باب الحاء المهملة، في الحوت عن السهيلي أن القرية المذكورة في القرآن برقة، والله تعالى أعلم.

وروى الطبراني، في الدعوات والبزار برجال ثقات، من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إذا تغولت لكم الغيلان، فنادوا بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع النداء، أدبر وله جصاص». أي ضراط. قال النووي، في الاذكار: إنه حديث صحيح، أرشد ﷺ إلى دفع ضررها بذكر الله تعالى. ورواه النسائي، في آخر سننه الكبرى، من حديث الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، بلفظ أن النبي ﷺ قال: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل فإذا تغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان».

قال النووي رحمه الله تعالى: ولذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة، إذا عرض للإنسان شيطان، لما روى مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، ومعي غلام لنا أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه، فأشرف الذي معي على الحائط، فلم ير شيئا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك ترى هذا ما أرسلتك، ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة أدبر».

وروى مسلم عن جابر بن عبد الله، أنه قال إن النبي ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا غول». قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين، تتراءى للناس وتتغول تغولا أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب، من تلون الغول بالصور المختلفة واغتيالها، قالوا: ومعنى لا غول، أي لا تستطيع

أن تضل أحدا. ويشهد له حديث آخر: «لا غول ولكن السعالي»، قال العلماء: السعالي بالسين المهملة المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن كما تقدم.

ومنه ما روى الترمذي والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أنه قال:

كانت لي سهوة فيها تمر، فكانت تجيء الغول كهيئة السنور، فتأخذ منه فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «اذهب فإذا رأيتها فقل بسم الله أجيبي رسول الله». قال: فأخذها فحلفت أن لا تعود فأرسلها، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: «ما فعل أسيرك» ؟ قال: حلفت أن لا تعود.

قال ﷺ: «كذبت وهي معاودة للكذب». قال: فأخذها مرة أخرى فحلفت أن لا تعود فأرسلها، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما فعل أسيرك» ؟ قال: حلفت أن لا تعود، قال ﷺ: «كذبت وهي معاودة للكذب» قال: فأخذها، وقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله ﷺ، فقالت: «إني ذاكرة لك شيئا آية الكرسي، اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره. فجاء إلى النبي ﷺ، فقال: «ما فعل أسيرك» ؟ فأخبره بما قالت، فقال ﷺ: «صدقت وهي كذوب». قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وهذا روى مثله البخاري، فقال: قال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، وذكر القصة، وفيها فقلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله.

فقال ﷺ: «ما هي» ؟ قلت: قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي كلها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال ﷺ: «وأما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة» ؟ قال: لا. قال ﷺ: «ذلك الشيطان». قال النووي ﵀: وهذا الحديث متصل، فإن عثمان بن الهيثم أحد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في صحيحه.

وأما قول أبي عبد الله الحميدي في الجمع بين الصحيحين إن البخاري أخرجه تعليقا، فغير مقبول، فإن المذهب الصحيح المختار عند العلماء، والذي عليه المحققون أن قول البخاري وغيره قال فلان، محمول على سماعه منه، واتصاله إذا لم يكن مدلسا. وكان قد لقيه، وهذا من ذلك، وإنما المعلق ما أسقط البخاري فيه شيخه أو أكثر، بأن يقول: في مثل هذا الحديث قال عوف أو قال محمد بن سيرين أو قال أبو هريرة.

وروى الحاكم في المستدرك وابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه كان له جرين تمر، وكان يجده ينقص فحرسه ليلة فإذا هو بمثل الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد علي السلام، فقلت: من أنت ناولني يدك؟ فناولني، فإذا يد كلب وشعر كلب! فقلت: أجني أم إنسي؟ فقال:

بل جني. فقلت: إني أراك ضئيل الخلقة أهكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم أشد مني! فقلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببت أن أصيب من طعامك، فقلت: فما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي، فإنك إن قرأتها غدوة، أجرت منا حتى تمسي، وإن قرأتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح. قال: فغدوت إلى

رسول الله ﷺ، فأخبرته فقال: «صدقك الخبيث». ثم قال: صحيح الإسناد.

وروى الحاكم أيضا عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قلت لمعاذ بن جبل: حدثني عن قصة الشيطان، حين أخذته. فقال: جعلني رسول الله ﷺ على صدقة المسلمين، فجعلت التمر في غرفة، فوجدت فيه نقصانا، فأخبرت النبي ﷺ فقال: هذا الشيطان يأخذ منه، قال: فدخلت الغرفة وأغلقت الباب علي، فجاءت ظلمة عظيمة، فغشيت الباب ثم تصور في صورة أخرى، ثم دخل لي من شق الباب، فشددت إزاري علي، فجعل يأكل من التمر فوثبت عليه فضبطته فالتفت يداي عليه، فقلت: يا عدو الله ما جاء بك ههنا؟ فقال: خل عني فإني شيخ كبير ذو عيال، وأنا فقير وأنا من جن نصيبين، وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم، فلما بعث أخرجنا منها فخل عني فلن أعود إليك، فخليت عنه. وجاء جبريل ﵇ فأخبر النبي ﷺ بما قال.

قال: فصلى رسول الله ﷺ الصبح، ثم نادى مناديه أين معاذ؟ فقمت إليه. فقال ﷺ: «ما فعل أسيرك يا معاذ» ؟ فأخبرته، فقال: «أما انه سيعود». قال: فعدت فدخلت الغرفة، وأغلقت علي الباب، فجاء الشيطان، فدخل من شق الباب فجعل يأكل من التمر، فصنعت به كما صنعت في المرة الأولى، فقال: خل عني فإني لن أعود إليك. فقلت: يا عدو الله ألم تقل في المرة الأولى لن أعود ثم عدت؟ قال: فإني لن أعود، وآية ذلك أن لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة، فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة. ثم قال: صحيح الإسناد.

وفي مسند الدارمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: خرج رجل من الإنس فلقيه رجل من الجن، فقال له: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية، إذا قرأتها، حين تدخل بيتك، لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه الإنسي. وقال: إني أراك ضئيلا شخيتا، كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال: إني منهم لضليع، ولكن عاودني الثانية، فإن صرعتني علمتك، فصرعه الإنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنها لا تقرأ في بيت إلا خرج منه الشيطان له حبج كحبج الحمار، ثم لا يدخله حتى يصبح. فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ قال: ومن عسى أن يكون إلا عمر! قوله: الضئيل، معناه الدقيق النحيف، والشخيت الهزيل الخسيس المجفر الجنبين، والضليع الوافر الأضلاع، والحبج الضراط. وقوله إلا عمر بالرفع بدل من محل من، ومحله الرفع بالابتداء. وقد تقدم في باب الجيم في الكلام على لفظ الجن حديث في مسند الدارمي بهذا المعنى.

والذي ذهب إليه المحققون أن الغول شيء يخوف به ولا وجود له كما قال الشاعر:

الغول والخل والعنقاء ثالثةأسماء أشياء لم توجد ولم تكن

ولذلك سموا الغول خيتعورا وهو كل شيء لا يدوم على حالة واحدة ويضمحل كالسراب وكالذي ينزل من الكوى في شدة الحر كنسج العنكبوت قال الشاعر:

كلّ أنثى وإن بدا لك منهاآية الحبّ حبّها خيتعور

وقال قوم: الغول ساحرة الجن، وهي تتصور في صور شتى. وأخذوا ذلك من قول كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله تعالى عنه:

فما تكون على حال تدوم بهاكما تلوّن في أثوابها الغول

وقد تقدم ذلك قريبا، وفي دلائل النبوة للبيهقي، في أواخره، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا تغولت لأحدكم الغيلان، فليؤذن، فإن ذلك لا يضره. وتزعم العرب، أنه إذا انفرد الرجل في الصحراء ظهرت له في خلقة الإنسان، فلا يزال يتبعها حتى يضل عن الطريق، فتدنو منه وتتمثل له في صور مختلفة، فتهلكه روعا.

وقالوا: إذا أرادت أن تضل إنسانا، أوقدت له نارا فيقصدها فتفعل به ذلك. قالوا:

وخلقتها خلقة إنسان، ورجلاها رجلا حمار. قال القزويني: ورأى الغول جماعة من الصحابة، منهم عمر رضي الله تعالى عنه، حين سافر إلى الشام، قبل الإسلام، فضربها بالسيف. وذكر عن ثابت بن جابر الفهري أنه لقي الغول وذكر أبياته النونية في ذلك.

الأمثال : قالت العرب: «فلان أقبح من الغول» ومن زوال النعمة، ومن قول بلا فعل، والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.