تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الفراش

دواب مثل البعوض، واحدتها فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السراج لضعف أبصارها، فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار، فإذا رأت فتيلة السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم، وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فلا تزال تطلب الضوء وترمي بنفسها إلى النار، فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب الكوة، ولم تقصدها على السداد، فتعود إليها مرة بعد مرة، حتى تحترق.

قال الإمام حجة الإسلام الغزالي: ولعلك تظن أن هذا لنقصان فهمها وجهلها، ثم قال:

فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة الإنسان في الاكباب على الشهوات، والتهافت فيها، أعظم جهالة منها، لأنه لا يزال يرمي بنفسه فيها إلى أن ينغمس فيها ويهلك هلاكا

مؤبدا. فليت جهل الآدمي كان كجهل الفراش، فإنها باغترارها بظاهر الضوء، إن احترقت، تخلصت في الحال، والآدمي يبقى في النار أبد الآباد، أو مدة مديدة، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: «إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم». انتهى. ولقد أجاد مهلهل بن يموت في قوله:

جلّت محاسنه عن كلّ تشبيهوجلّ عن واصف في الحسن يحكيه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
انظر إلى حسنه واستغن عن صفتيسبحان خالقه سبحان باريه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
النرجس الغضّ والورد الجني لهوالأقحوان النضير الغض في فيه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
دعا بألحاظه قلبي إلي عطبيفجاءه مسرعا طوعا يلبيه
للشاعر مهلهل بن يموت بن المزرع، اقرأ القصيدة
مثل الفراشة تأتي إذا ترى لهباإلى السراج فتلقي نفسها فيه

وقال عون الدين العجمي:

لهيب الخدّ حين بدا لطرفيهوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالاوها أثر الدخان على الحواشي
للشاعر ناظر الجيوش ابن العجمي الحلبي ، اقرأ القصيدة

فائدة : قال الله تعالى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ

شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي، من كل جانب كما يتطاير الفراش.

روى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتفلتون من يدي» وروى مسلم أيضا عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به ومن فوقها، فيقبض منها، قال ﵎: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى

قال: فراش من ذهب. وروى البيهقي، في الشعب عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ما لي أراكم تتهافتون في الكذب، تهافت الفراش في النار، كل الكذب مكتوب إلا الكذب في الحرب، والكذب في إصلاح ذات البين، وكذب الرجل على امرأته ليرضيها».

الحكم : تحريم الأكل.

الأمثال : قالوا: «أطيش من فراشة وأضعف وأذل وأجهل وأخف وأخطأ من فراشة»، لأنها تلقي نفسها في النار، كما قالوا: «أخطأ وأجهل من ذباب»، لأنه يلقي نفسه في الطعام الحار وفيما يهلكه، قال الشاعر:

سفاهة سنور وحلم فراشةوأنك من كلب المهارش أجهل

التعبير : الفراش في المنام عدو ضعيف مهين عظيم الكلام، وقال ارطاميدروس: الفراش للفلاحين يدل على البطالة والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.